فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ﴾ المراد بالإنسان هنا : ابن آدم. قال القرطبي : من غير خلاف، والنطفة : الماء الذي يقطر، وهو المنيّ وكل ماء قليل في وعاء فهو نطفة، وجمعها نطف، و﴿أَمْشَاجٍ﴾ صفة لنطفة، وهي جمع مشج أو مشيج، وهي الأخلاط، والمراد : نطفة الرجل ونطفة المرأة واختلاطهما. يقال : مشج هذا بهذا فهو ممشوج : أي خلط هذا بهذا فهو مخلوط. قال المبرد : مشج يمشج إذا اختلط، وهو هنا اختلاط النطفة بالدم. قال رؤبة بن العجاج :
يطرحن كل معجل مشاجلم يكس جلداً من دم أمشاج
قال الفراء : أمشاج : اختلاط ماء الرجل وماء المرأة والدم والعلقة، ويقال مشج هذا : إذا خلط. وقيل الأمشاج : الحمرة في البياض والبياض في الحمرة. قال القرطبي : وهذا قول يختاره كثير من أهل اللغة. قال الهذلي :
كأن الريش والفوقين منهحلاف النصل نيط به مشيج
وذلك لأن ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فيخلق منهما الولد. قال ابن السكيت : الأمشاج : الأخلاط لأنها ممتزجة من أنواع يخلق الإنسان منها وطباع مختلفة. وقيل : الأمشاج لفظ مفرد كبرمة أعشار، ويؤيد هذا وقوعه نعتاً لنطفة، وجملة :﴿نَّبْتَلِيهِ﴾ في محل نصب على الحال من فاعل خلقنا : أي مريدين ابتلاءه، ويجوز أن يكون حالاً من الإنسان، والمعنى : نبتليه بالخير والشرّ وبالتكاليف. قال الفراء : معناه والله أعلم ﴿جعلناه سَمِيعاً بَصِيراً﴾ نبتليه، وهي مقدّمة معناها التأخير، لأن الابتلاء لا يقع إلاّ بعد تمام الخلقة، وعلى هذا تكون هذه الحال مقدّرة. وقيل : مقارنة. وقيل : معنى الابتلاء : نقله من حال إلى حال على طريقة الاستعارة، والأوّل أولى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله :﴿هَلْ أتى عَلَى الإنسان﴾ قال : كل إنسان. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله :﴿أَمْشَاجٍ﴾ قال : أمشاجها عروقها. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم ﴿أَمْشَاجٍ﴾ قال : العروق. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ قال : ماء الرجل وماء المرأة حين يختلطان. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال :﴿أَمْشَاجٍ﴾ ألوان : نطفة الرجل بيضاء وحمراء، ونطفة المرأة خضراء وحمراء. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال : الأمشاج الذي يخرج على أثر البول كقطع الأوتار ومنه يكون الولد. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً ﴿كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ قال : فاشياً. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عنه أيضاً في قوله :﴿وَأَسِيراً﴾ قال : هو المشرك. وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ في قوله :﴿مِسْكِيناً﴾ قال :«فقيراً ﴿وَيَتِيماً﴾ قال لا أب له ﴿وَأَسِيراً﴾ قال : المملوك والمسجون». وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله :﴿وَيُطْعِمُونَ الطعام﴾ الآية قال : نزلت هذه الآية في عليّ بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله ﷺ. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله :﴿يَوْماً عَبُوساً﴾ قال : ضيقاً ﴿قَمْطَرِيراً﴾ قال : طويلاً. وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك عن النبيّ ﷺ في قوله :﴿يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ قال :«يقبض ما بين الأبصار». وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طرق عن ابن عباس قال : القمطرير الرجل المنقبض ما بين عينيه ووجهه. وأخرج ابن المنذر عنه ﴿ولقاهم نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾ قال : نضرة في وجوههم وسروراً في صدورهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى