جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتاب
بِسمِ اللّهِ الرحمَن الرّحِيمِ.
﴿سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَىَ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَىَ الْمَسْجِدِ الأقْصَى الّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ إِنّهُ هُوَ السّمِيعُ البَصِيرُ﴾.
قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري : يعني تعالى ذكره بقوله تعالى : سُبْحانَ الّذِي أسْرَى بعَبْدِه لَيْلاً تنزيها للذي أسرى بعبده وتبرئة له مما يقول فيه المشركون من أنّ له من خلقه شريكا، وأن له صاحبة وولدا، وعلوا له وتعظيما عما أضافوه إليه، ونسبوه من جهالاتهم وخطأ أقوالهم.
وقد بيّنت فيما مضى قبل، أن قوله سبحان اسم وُضع موضع المصدر، فنصب لوقوعه موقعه بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وقد كان بعضهم يقول : نصب لأنه غير موصوف، وللعرب في التسبيح أماكن تستعمله فيها. فمنها الصلاة، كان كثير من أهل التأويل يتأوّلون قول الله : فَلَوْلا أنّهُ كانَ مِنَ المُسَبّحِينَ : فلولا أنه كان من المصلين. ومنها الاستثناء، كان بعضهم يتأول قول الله تعالى : ألَمْ أقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبّحُونَ : لولا تستثنون، وزعم أن ذلك لغة لبعض أهل اليمن، ويستشهد لصحة تأويله ذلك بقوله : إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنّها مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ قال : قَال أوْسَطُهمْ ألَم أقُلْ لَكُمْ لَوْلاَ تُسَبّحونَ فذكرهم تركهم الاستثناء. ومنها النور، وكان بعضهم يتأوّل في الخبر الذي رُوي عن النبيّ ﷺ :«لَوْلا ذلكَ لأحرقت سُبُحاتُ وَجْهِهِ ما أدْرَكَتْ مِنْ شَيْء » أنه عنى بقوله : سبحات وجهه : نور وجهه.
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله : سُبْحانَ الّذِي أسْرَى بِعَبْدِهِ، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوريّ، عن عثمان بن موهب، عن موسى بن طلحة، عن النبيّ ﷺ أنه سُئل عن التسبيح أن يقول الآنسان : سُبْحانَ الله، قال :«إنزاهه اللّهِ عَنِ السّوءِ ».
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا عبدة بن سليمان، عن الحسن بن صالح، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله : سبحان الله : قال : إنكاف لله. وقد ذكرنا من الآثار في ذلك ما فيه الكفاية فيما مضى من كتابنا هذا قبل. والإسراء والسّرى : سير الليل. فمن قال : أَسْرى، قال : يُسري إسراء ومن قال : سرى، قال : يَسري سُرَىً، كما قال الشاعر :
ويروى : ذات ندى سَريْت.
ويعني بقوله : لَيْلاً من الليل. وكذلك كان حُذيفة بن اليمان يقرؤها.
حدثنا أبو كريب، قال : سمعت أبا بكر بن عياش ورجل يحدّث عنده بحديث حين أُسري بالنبيّ ﷺ فقال له : لا تجيء بمثل عاصم ولا زر، قال : قرأ حُذيفة :«سُبْحانَ الّذِي أسْرَى بِعَبْدِهِ مِنَ اللّيْلِ منَ المَسجِدِ الحَرَامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصَى » وكذا قرأ عبد الله.
وأما قوله : مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ فإنه اختُلف فيه وفي معناه، فقال بعضهم : يعني من الحرم، وقال : الحرم كله مسجد. وقد بيّنا ذلك في غير موضع من كتابنا هذا. وقال : وقد ذُكر لنا أن النبيّ ﷺ كان ليلة أُسري به إلى المسجد الأقصى كان نائما في بيت أمّ هانىء ابنة أبي طالب. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : حدثنا محمد بن إسحاق، قال : ثني محمد بن السائب، عن أبي صالح بن باذام عن أمّ هانىء بنت أبي طالب، في مسري النبيّ ﷺ، أنها كانت تقول : ما أُسري برسول الله ﷺ إلاّ وهو في بيتي نائم عندي تلك الليلة، فصلى العشاء الآخرة، ثم نام ونمنا، فلما كان قُبَيل الفجر، أهبّنا رسول الله ﷺ، فلما صلى الصبح وصلينا معه قال :«يا أُمّ هانِىءٍ لَقَدْ صَلّيْتُ مَعَكُمُ العِشاءَ الاَخِرَةِ كمَا رأيْتِ بهَذَا الوَادِي، ثُمّ جِئْتُ بَيْتَ المَقْدِسِ فَصَلّيْتُ فِيهِ، ثُمّ صَلّيْتُ صَلاةَ الغَدَاةِ مَعَكُمُ الاَنَ كمَا تَرَيْنَ ».
وقال آخرون : بل أُسرى به من المسجد، وفيه كان حين أسرى به. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر بن عدي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، وهو رجل من قومه قال : قال نبيّ الله ﷺ :«بَيْنا أنا عِنْدَ البَيْتِ بينَ النائمِ واليَقْظانِ، إذْ سَمِعْتُ قائلاً يَقُولُ، أحَدُ الثلاثَةِ، فأتِيتُ بطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيها مِنْ ماءِ زَمْزَمَ، فَشَرَحَ صَدْرِي إلى كَذَا وكَذَا » قال قتادة : قلت : ما يعني به ؟ قال : إلى أسفل بطنه قال :«فاسْتَخْرَجَ قَلْبِي فغُسلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمّ أُعِيدَ مَكانَهُ، ثُمّ حُشِيَ إيمَانا وَحِكْمَةً، ثُمّ أتِيتُ بِدَابّةٍ أبْيَض »، وفي رواية أخرى :«بِدَابّة بَيْضَاءَ يُقالُ لَهُ البُرَاقُ، فَوْقَ الحِمارِ وَدُونَ البَغْلِ، يَقَعُ خَطْوُهُ مُنْتَهَى طَرْفِهِ، فحُمِلْتُ عَلَيْهِ، ثُمّ انْطَلَقْنا حتى أتَيْنا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَصَلّيْتُ فِيِه بالنّبِيّينَ والمُرْسَلِينَ إماما، ثُمّ عُرِجَ بِي إلى السّماءِ الدّنْيا ». . . فذكر الحديث.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا خالد بن الحرث، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك، يعني ابن صعصعة رجل من قومه، عن النبيّ ﷺ، نحوه.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة رجل من قومه، قال : قال نبيّ الله ﷺ، ثم ذكر نحوه.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : قال محمد بن إسحاق : ثني عمرو بن عبد الرحمن، عن الحسن بن أبي الحسن، قال : قال رسول الله ﷺ :«بَيْنا أنا نائمٌ في الحِجْرِ جاءَنِي جبْرِيلُ فَهَمَزَني بِقَدمِهِ، فجَلَسْتُ فَلَمْ أرَ شَيْئا، فَعُدْتُ لِمَضْجَعي، فجاءَنِي الثّانِيَةَ فَهَمَزَنِي بقَدَمِهِ، فَجَلَسْتُ فَلَمْ أرَ شَيْئا، فَعُدْتُ لِمَضْجَعي، فجاءَني الثّالِثَةَ فَهَمَزَنِي بقَدَمِهِ، فَجَلَسْتُ، فَأخَذَ بعَضُدِي فَقُمْتُ مَعَهُ، فخَرَجَ بِي إلى بابِ المَسْجدِ، فإذَا دَابّةٌ بَيْضَاءُ بينَ الحِمارِ والبَغْلِ، لَهُ فِي فَخِذَيْهِ جَناحان يَحْفِزُ بِهما رِجْلَيْهِ، يَضَعُ يَدَهُ فِي مُنْتَهَى طَرْفهِ، فحَمَلَني عَلَيْهِ ثُمّ خَرَجَ مَعي، لا يَفُوتُني وَلا أفُوتُهُ ».
حدثنا الربيع بن سليمان، قال : أخبرنا ابن وهب، عن سليمان بن بلال، عن شريك بن أبي نمر، قال : سمعت أنسا يحدثنا عن ليلة المسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أوّلهم : أيهم هو ؟ قال أوسطهم : هو خيرهم، فقال أحدهم : خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة، فلم يرهم حتى جاءوا ليلة أخرى فيما يرى قلبه والنبيّ ﷺ تنام عيناه، ولا ينام قلبه. وكذلك الأنبياء تنام أعينهم، ولا تنام قلوبهم فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبرئيل عليه السلام، فشقّ ما بين نحره إلى لبّته، حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم حتى أنقى جوفه، ثم أُتي بطست من ذهب فيه تَوْرٌ محشوّ إيمانا وحكمة، فحشا به جوفه وصدره ولغاديده، ثم أطبقه ثم ركب البراق، فسار حتى أتى به إلى بيت المقدس فصلى فيه بالنّبيين والمرسلين إماما، ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب بابا من أبوابها، فناداه أهل السماء : من هذا ؟ قال : هذا جبرائيل، قيل : من معك ؟ قال : محمد، قيل : أَوَ قَد بُعث إليه ؟ قال : نعم، قالوا : فمرحبا به وأهلاً، فيستبشر به أهل السماء، لا يعلم أهل السماء بما يريد الله بأهل الأرض حتى يُعلمهم، فوجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبرائيل : هذا أبوك، فسلّم عليه، فردّ عليه، فقال : مرحبا بك وأهلاً يا بني، فنعم الابن أنت، ثم مضى به إلى السماء الثانية، فاستفتح جبرائيل بابا من أبوابها، فقيل : من هذا ؟ فقال : جبرئيل، قيل : ومن معك ؟ قال : محمد، قيل : أو قد أرسل إليه ؟ قال : نعم قد أُرسل إليه، فقيل : مرحبا به وأهلاً، ففُتح لهما فلما صعد فيها فإذا هو بنهرين يجريان، فقال : ما هذان النهران يا جبرائيل ؟ قال : هذا النيل والفرات عنصرهما ثم عرج به إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبرائيل بابا من أبوابها، فقيل : من هذا ؟ قال : جبرئيل، قيل : ومن معك ؟ قال : محمد، قيل : أَوَ قَد بُعث إليه ؟ قال : نعم قد بُعث إليه، قيل : مرحبا به وأهلاً، ففُتح له فإذا هو بنهر عليه قباب وقصور من لؤلؤ وزبرجد وياقوت، وغير ذلك مما لا يعلمه إلاّ الله، فذهب يشمّ ترابه، فإذا هو مسك أذفر، فقال : يا جبرائيل ما هذا النهر ؟ قال : هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك في الاَخرة ثم عرج به إلى الرابعة، فقالوا به مثل ذلك ثم عرج به إلى الخامسة، فقالوا له مثل ذلك ثم عرج به إلى السادسة، فقالوا له مثل ذلك ثم عرج به إلى السابعة، فقالوا له مثل ذلك، وكلّ سماه فيها أنبياء قد سماهم أنس، فوعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلامه الله، فقال موسى : رب لم أظنّ أن يرفع عليّ أحد ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلاّ الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا باب الجبّار ربّ العزّة، فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما شاء، وأوحى الله فيما أوحى خمسين صلاة على أمته كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى فاحتبسه، فقال : يا محمد ماذا عهد إليك ربك ؟ قال :«عهد إليّ خمسين صلاة على أمتي كل يوم وليلة » قال : إن أمتك لا تستطيع ذلك، فارجع فليخفف عنك وعنهم، فالتفتّ إلى جبرائيل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه أن نعم، فعاد به جبرائيل حتى أتى الجبّارَ عزّ وجلّ وهو مكانه، فقال :«ربّ خفف عنا، فإن أمتي لا تستطيع هذا »، فوضع عنه عشر صلوات ثم رجع إلى موسى عليه السلام فاحتبسه، فلم يزل يردّده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه عند الخمس، فقال : يا محمد قد والله راودتُ بني إسرائيل على أدنى من هذه الخمس، فضعفوا وتركوه، فأمتك أضعف أجسادا وقلوبا وأبصارا وأسماعا، فارجع فليخفف عنك ربك، كلّ ذلك يلتفت إلى جبرئيل ليشير عليه، ولا يكره ذلك جبرئيل، فرفعه عند الخمس، فقال :«يا ربّ إن أمتي ضعاف أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم، فخفف عنا »، قال الجبّار جلّ جلاله : يا محمد، قال :«لبّيك وسعديك »، فقال : إني لا يُبدّل القول لديّ كما كتبت عليك في أمّ الكتاب، ولك بكلّ حسنة عشر أمثالها، وهي خمسون في أمّ الكتاب، وه
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَىَ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَىَ الْمَسْجِدِ الأقْصَى الّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ إِنّهُ هُوَ السّمِيعُ البَصِيرُ﴾.
قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري : يعني تعالى ذكره بقوله تعالى : سُبْحانَ الّذِي أسْرَى بعَبْدِه لَيْلاً تنزيها للذي أسرى بعبده وتبرئة له مما يقول فيه المشركون من أنّ له من خلقه شريكا، وأن له صاحبة وولدا، وعلوا له وتعظيما عما أضافوه إليه، ونسبوه من جهالاتهم وخطأ أقوالهم.
وقد بيّنت فيما مضى قبل، أن قوله سبحان اسم وُضع موضع المصدر، فنصب لوقوعه موقعه بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وقد كان بعضهم يقول : نصب لأنه غير موصوف، وللعرب في التسبيح أماكن تستعمله فيها. فمنها الصلاة، كان كثير من أهل التأويل يتأوّلون قول الله : فَلَوْلا أنّهُ كانَ مِنَ المُسَبّحِينَ : فلولا أنه كان من المصلين. ومنها الاستثناء، كان بعضهم يتأول قول الله تعالى : ألَمْ أقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبّحُونَ : لولا تستثنون، وزعم أن ذلك لغة لبعض أهل اليمن، ويستشهد لصحة تأويله ذلك بقوله : إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنّها مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ قال : قَال أوْسَطُهمْ ألَم أقُلْ لَكُمْ لَوْلاَ تُسَبّحونَ فذكرهم تركهم الاستثناء. ومنها النور، وكان بعضهم يتأوّل في الخبر الذي رُوي عن النبيّ ﷺ :«لَوْلا ذلكَ لأحرقت سُبُحاتُ وَجْهِهِ ما أدْرَكَتْ مِنْ شَيْء » أنه عنى بقوله : سبحات وجهه : نور وجهه.
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله : سُبْحانَ الّذِي أسْرَى بِعَبْدِهِ، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوريّ، عن عثمان بن موهب، عن موسى بن طلحة، عن النبيّ ﷺ أنه سُئل عن التسبيح أن يقول الآنسان : سُبْحانَ الله، قال :«إنزاهه اللّهِ عَنِ السّوءِ ».
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا عبدة بن سليمان، عن الحسن بن صالح، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله : سبحان الله : قال : إنكاف لله. وقد ذكرنا من الآثار في ذلك ما فيه الكفاية فيما مضى من كتابنا هذا قبل. والإسراء والسّرى : سير الليل. فمن قال : أَسْرى، قال : يُسري إسراء ومن قال : سرى، قال : يَسري سُرَىً، كما قال الشاعر :
| ولَيْلَةٍ ذَاتِ دُجّى سَرَيْتُ | ولَمْ يَلِتْنِي عَنْ سُراها لَيْتُ |
ويعني بقوله : لَيْلاً من الليل. وكذلك كان حُذيفة بن اليمان يقرؤها.
حدثنا أبو كريب، قال : سمعت أبا بكر بن عياش ورجل يحدّث عنده بحديث حين أُسري بالنبيّ ﷺ فقال له : لا تجيء بمثل عاصم ولا زر، قال : قرأ حُذيفة :«سُبْحانَ الّذِي أسْرَى بِعَبْدِهِ مِنَ اللّيْلِ منَ المَسجِدِ الحَرَامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصَى » وكذا قرأ عبد الله.
وأما قوله : مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ فإنه اختُلف فيه وفي معناه، فقال بعضهم : يعني من الحرم، وقال : الحرم كله مسجد. وقد بيّنا ذلك في غير موضع من كتابنا هذا. وقال : وقد ذُكر لنا أن النبيّ ﷺ كان ليلة أُسري به إلى المسجد الأقصى كان نائما في بيت أمّ هانىء ابنة أبي طالب. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : حدثنا محمد بن إسحاق، قال : ثني محمد بن السائب، عن أبي صالح بن باذام عن أمّ هانىء بنت أبي طالب، في مسري النبيّ ﷺ، أنها كانت تقول : ما أُسري برسول الله ﷺ إلاّ وهو في بيتي نائم عندي تلك الليلة، فصلى العشاء الآخرة، ثم نام ونمنا، فلما كان قُبَيل الفجر، أهبّنا رسول الله ﷺ، فلما صلى الصبح وصلينا معه قال :«يا أُمّ هانِىءٍ لَقَدْ صَلّيْتُ مَعَكُمُ العِشاءَ الاَخِرَةِ كمَا رأيْتِ بهَذَا الوَادِي، ثُمّ جِئْتُ بَيْتَ المَقْدِسِ فَصَلّيْتُ فِيهِ، ثُمّ صَلّيْتُ صَلاةَ الغَدَاةِ مَعَكُمُ الاَنَ كمَا تَرَيْنَ ».
وقال آخرون : بل أُسرى به من المسجد، وفيه كان حين أسرى به. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر بن عدي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، وهو رجل من قومه قال : قال نبيّ الله ﷺ :«بَيْنا أنا عِنْدَ البَيْتِ بينَ النائمِ واليَقْظانِ، إذْ سَمِعْتُ قائلاً يَقُولُ، أحَدُ الثلاثَةِ، فأتِيتُ بطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيها مِنْ ماءِ زَمْزَمَ، فَشَرَحَ صَدْرِي إلى كَذَا وكَذَا » قال قتادة : قلت : ما يعني به ؟ قال : إلى أسفل بطنه قال :«فاسْتَخْرَجَ قَلْبِي فغُسلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمّ أُعِيدَ مَكانَهُ، ثُمّ حُشِيَ إيمَانا وَحِكْمَةً، ثُمّ أتِيتُ بِدَابّةٍ أبْيَض »، وفي رواية أخرى :«بِدَابّة بَيْضَاءَ يُقالُ لَهُ البُرَاقُ، فَوْقَ الحِمارِ وَدُونَ البَغْلِ، يَقَعُ خَطْوُهُ مُنْتَهَى طَرْفِهِ، فحُمِلْتُ عَلَيْهِ، ثُمّ انْطَلَقْنا حتى أتَيْنا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَصَلّيْتُ فِيِه بالنّبِيّينَ والمُرْسَلِينَ إماما، ثُمّ عُرِجَ بِي إلى السّماءِ الدّنْيا ». . . فذكر الحديث.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا خالد بن الحرث، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك، يعني ابن صعصعة رجل من قومه، عن النبيّ ﷺ، نحوه.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة رجل من قومه، قال : قال نبيّ الله ﷺ، ثم ذكر نحوه.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : قال محمد بن إسحاق : ثني عمرو بن عبد الرحمن، عن الحسن بن أبي الحسن، قال : قال رسول الله ﷺ :«بَيْنا أنا نائمٌ في الحِجْرِ جاءَنِي جبْرِيلُ فَهَمَزَني بِقَدمِهِ، فجَلَسْتُ فَلَمْ أرَ شَيْئا، فَعُدْتُ لِمَضْجَعي، فجاءَنِي الثّانِيَةَ فَهَمَزَنِي بقَدَمِهِ، فَجَلَسْتُ فَلَمْ أرَ شَيْئا، فَعُدْتُ لِمَضْجَعي، فجاءَني الثّالِثَةَ فَهَمَزَنِي بقَدَمِهِ، فَجَلَسْتُ، فَأخَذَ بعَضُدِي فَقُمْتُ مَعَهُ، فخَرَجَ بِي إلى بابِ المَسْجدِ، فإذَا دَابّةٌ بَيْضَاءُ بينَ الحِمارِ والبَغْلِ، لَهُ فِي فَخِذَيْهِ جَناحان يَحْفِزُ بِهما رِجْلَيْهِ، يَضَعُ يَدَهُ فِي مُنْتَهَى طَرْفهِ، فحَمَلَني عَلَيْهِ ثُمّ خَرَجَ مَعي، لا يَفُوتُني وَلا أفُوتُهُ ».
حدثنا الربيع بن سليمان، قال : أخبرنا ابن وهب، عن سليمان بن بلال، عن شريك بن أبي نمر، قال : سمعت أنسا يحدثنا عن ليلة المسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أوّلهم : أيهم هو ؟ قال أوسطهم : هو خيرهم، فقال أحدهم : خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة، فلم يرهم حتى جاءوا ليلة أخرى فيما يرى قلبه والنبيّ ﷺ تنام عيناه، ولا ينام قلبه. وكذلك الأنبياء تنام أعينهم، ولا تنام قلوبهم فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبرئيل عليه السلام، فشقّ ما بين نحره إلى لبّته، حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم حتى أنقى جوفه، ثم أُتي بطست من ذهب فيه تَوْرٌ محشوّ إيمانا وحكمة، فحشا به جوفه وصدره ولغاديده، ثم أطبقه ثم ركب البراق، فسار حتى أتى به إلى بيت المقدس فصلى فيه بالنّبيين والمرسلين إماما، ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب بابا من أبوابها، فناداه أهل السماء : من هذا ؟ قال : هذا جبرائيل، قيل : من معك ؟ قال : محمد، قيل : أَوَ قَد بُعث إليه ؟ قال : نعم، قالوا : فمرحبا به وأهلاً، فيستبشر به أهل السماء، لا يعلم أهل السماء بما يريد الله بأهل الأرض حتى يُعلمهم، فوجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبرائيل : هذا أبوك، فسلّم عليه، فردّ عليه، فقال : مرحبا بك وأهلاً يا بني، فنعم الابن أنت، ثم مضى به إلى السماء الثانية، فاستفتح جبرائيل بابا من أبوابها، فقيل : من هذا ؟ فقال : جبرئيل، قيل : ومن معك ؟ قال : محمد، قيل : أو قد أرسل إليه ؟ قال : نعم قد أُرسل إليه، فقيل : مرحبا به وأهلاً، ففُتح لهما فلما صعد فيها فإذا هو بنهرين يجريان، فقال : ما هذان النهران يا جبرائيل ؟ قال : هذا النيل والفرات عنصرهما ثم عرج به إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبرائيل بابا من أبوابها، فقيل : من هذا ؟ قال : جبرئيل، قيل : ومن معك ؟ قال : محمد، قيل : أَوَ قَد بُعث إليه ؟ قال : نعم قد بُعث إليه، قيل : مرحبا به وأهلاً، ففُتح له فإذا هو بنهر عليه قباب وقصور من لؤلؤ وزبرجد وياقوت، وغير ذلك مما لا يعلمه إلاّ الله، فذهب يشمّ ترابه، فإذا هو مسك أذفر، فقال : يا جبرائيل ما هذا النهر ؟ قال : هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك في الاَخرة ثم عرج به إلى الرابعة، فقالوا به مثل ذلك ثم عرج به إلى الخامسة، فقالوا له مثل ذلك ثم عرج به إلى السادسة، فقالوا له مثل ذلك ثم عرج به إلى السابعة، فقالوا له مثل ذلك، وكلّ سماه فيها أنبياء قد سماهم أنس، فوعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلامه الله، فقال موسى : رب لم أظنّ أن يرفع عليّ أحد ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلاّ الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا باب الجبّار ربّ العزّة، فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما شاء، وأوحى الله فيما أوحى خمسين صلاة على أمته كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى فاحتبسه، فقال : يا محمد ماذا عهد إليك ربك ؟ قال :«عهد إليّ خمسين صلاة على أمتي كل يوم وليلة » قال : إن أمتك لا تستطيع ذلك، فارجع فليخفف عنك وعنهم، فالتفتّ إلى جبرائيل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه أن نعم، فعاد به جبرائيل حتى أتى الجبّارَ عزّ وجلّ وهو مكانه، فقال :«ربّ خفف عنا، فإن أمتي لا تستطيع هذا »، فوضع عنه عشر صلوات ثم رجع إلى موسى عليه السلام فاحتبسه، فلم يزل يردّده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه عند الخمس، فقال : يا محمد قد والله راودتُ بني إسرائيل على أدنى من هذه الخمس، فضعفوا وتركوه، فأمتك أضعف أجسادا وقلوبا وأبصارا وأسماعا، فارجع فليخفف عنك ربك، كلّ ذلك يلتفت إلى جبرئيل ليشير عليه، ولا يكره ذلك جبرئيل، فرفعه عند الخمس، فقال :«يا ربّ إن أمتي ضعاف أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم، فخفف عنا »، قال الجبّار جلّ جلاله : يا محمد، قال :«لبّيك وسعديك »، فقال : إني لا يُبدّل القول لديّ كما كتبت عليك في أمّ الكتاب، ولك بكلّ حسنة عشر أمثالها، وهي خمسون في أمّ الكتاب، وه