جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَىَ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَىَ الْمَسْجِدِ الأقْصَى الّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ إِنّهُ هُوَ السّمِيعُ البَصِيرُ﴾.
قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري : يعني تعالى ذكره بقوله تعالى : سُبْحانَ الّذِي أسْرَى بعَبْدِه لَيْلاً تنزيها للذي أسرى بعبده وتبرئة له مما يقول فيه المشركون من أنّ له من خلقه شريكا، وأن له صاحبة وولدا، وعلوا له وتعظيما عما أضافوه إليه، ونسبوه من جهالاتهم وخطأ أقوالهم.
وقد بيّنت فيما مضى قبل، أن قوله سبحان اسم وُضع موضع المصدر، فنصب لوقوعه موقعه بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وقد كان بعضهم يقول : نصب لأنه غير موصوف، وللعرب في التسبيح أماكن تستعمله فيها. فمنها الصلاة، كان كثير من أهل التأويل يتأوّلون قول الله : فَلَوْلا أنّهُ كانَ مِنَ المُسَبّحِينَ : فلولا أنه كان من المصلين. ومنها الاستثناء، كان بعضهم يتأول قول الله تعالى : ألَمْ أقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبّحُونَ : لولا تستثنون، وزعم أن ذلك لغة لبعض أهل اليمن، ويستشهد لصحة تأويله ذلك بقوله : إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنّها مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ قال : قَال أوْسَطُهمْ ألَم أقُلْ لَكُمْ لَوْلاَ تُسَبّحونَ فذكرهم تركهم الاستثناء. ومنها النور، وكان بعضهم يتأوّل في الخبر الذي رُوي عن النبيّ ﷺ :«لَوْلا ذلكَ لأحرقت سُبُحاتُ وَجْهِهِ ما أدْرَكَتْ مِنْ شَيْء » أنه عنى بقوله : سبحات وجهه : نور وجهه.
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله : سُبْحانَ الّذِي أسْرَى بِعَبْدِهِ، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوريّ، عن عثمان بن موهب، عن موسى بن طلحة، عن النبيّ ﷺ أنه سُئل عن التسبيح أن يقول الآنسان : سُبْحانَ الله، قال :«إنزاهه اللّهِ عَنِ السّوءِ ».
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا عبدة بن سليمان، عن الحسن بن صالح، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله : سبحان الله : قال : إنكاف لله. وقد ذكرنا من الآثار في ذلك ما فيه الكفاية فيما مضى من كتابنا هذا قبل. والإسراء والسّرى : سير الليل. فمن قال : أَسْرى، قال : يُسري إسراء ومن قال : سرى، قال : يَسري سُرَىً، كما قال الشاعر :
| ولَيْلَةٍ ذَاتِ دُجّى سَرَيْتُ | ولَمْ يَلِتْنِي عَنْ سُراها لَيْتُ |
ويعني بقوله : لَيْلاً من الليل. وكذلك كان حُذيفة بن اليمان يقرؤها.
حدثنا أبو كريب، قال : سمعت أبا بكر بن عياش ورجل يحدّث عنده بحديث حين أُسري بالنبيّ ﷺ فقال له : لا تجيء بمثل عاصم ولا زر، قال : قرأ حُذيفة :«سُبْحانَ الّذِي أسْرَى بِعَبْدِهِ مِنَ اللّيْلِ منَ المَسجِدِ الحَرَامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصَى » وكذا قرأ عبد الله.
وأما قوله : مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ فإنه اختُلف فيه وفي معناه، فقال بعضهم : يعني من الحرم، وقال : الحرم كله مسجد. وقد بيّنا ذلك في غير موضع من كتابنا هذا. وقال : وقد ذُكر لنا أن النبيّ ﷺ كان ليلة أُسري به إلى المسجد الأقصى كان نائما في بيت أمّ هانىء ابنة أبي طالب. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : حدثنا محمد بن إسحاق، قال : ثني محمد بن السائب، عن أبي صالح بن باذام عن أمّ هانىء بنت أبي طالب، في مسري النبيّ ﷺ، أنها كانت تقول : ما أُسري برسول الله ﷺ إلاّ وهو في بيتي نائم عندي تلك الليلة، فصلى العشاء الآخرة، ثم نام ونمنا، فلما كان قُبَيل الفجر، أهبّنا رسول الله ﷺ، فلما صلى الصبح وصلينا معه قال :«يا أُمّ هانِىءٍ لَقَدْ صَلّيْتُ مَعَكُمُ العِشاءَ الاَخِرَةِ كمَا رأيْتِ بهَذَا الوَادِي، ثُمّ جِئْتُ بَيْتَ المَقْدِسِ فَصَلّيْتُ فِيهِ، ثُمّ صَلّيْتُ صَلاةَ الغَدَاةِ مَعَكُمُ الاَنَ كمَا تَرَيْنَ ».
وقال آخرون : بل أُسرى به من المسجد، وفيه كان حين أسرى به. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر بن عدي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، وهو رجل من قومه قال : قال نبيّ الله ﷺ :«بَيْنا أنا عِنْدَ البَيْتِ بينَ النائمِ واليَقْظانِ، إذْ سَمِعْتُ قائلاً يَقُولُ، أحَدُ الثلاثَةِ، فأتِيتُ بطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيها مِنْ ماءِ زَمْزَمَ، فَشَرَحَ صَدْرِي إلى كَذَا وكَذَا » قال قتادة : قلت : ما يعني به ؟ قال : إلى أسفل بطنه قال :«فاسْتَخْرَجَ قَلْبِي فغُسلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمّ أُعِيدَ مَكانَهُ، ثُمّ حُشِيَ إيمَانا وَحِكْمَةً، ثُمّ أتِيتُ بِدَابّةٍ أبْيَض »، وفي رواية أخرى :«بِدَابّة بَيْضَاءَ يُقالُ لَهُ البُرَاقُ، فَوْقَ الحِمارِ وَدُونَ البَغْلِ، يَقَعُ خَطْوُهُ مُنْتَهَى طَرْفِهِ، فحُمِلْتُ عَلَيْهِ، ثُمّ انْطَلَقْنا حتى أتَيْنا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَصَلّيْتُ فِيِه بالنّبِيّينَ والمُرْسَلِينَ إماما، ثُمّ عُرِجَ بِي إلى السّماءِ الدّنْيا ». . . فذكر الحديث.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا خالد بن الحرث، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك، يعني ابن صعصعة رجل من قومه، عن النبيّ ﷺ، نحوه.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة رجل من قومه، قال : قال نبيّ الله ﷺ، ثم ذكر نحوه.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : قال محمد بن إسحاق : ثني عمرو بن عبد الرحمن، عن الحسن بن أبي الحسن، قال : قال رسول الله ﷺ :«بَيْنا أنا نائمٌ في الحِجْرِ جاءَنِي جبْرِيلُ فَهَمَزَني بِقَدمِهِ، فجَلَسْتُ فَلَمْ أرَ شَيْئا، فَعُدْتُ لِمَضْجَعي، فجاءَنِي الثّانِيَةَ فَهَمَزَنِي بقَدَمِهِ، فَجَلَسْتُ فَلَمْ أرَ شَيْئا، فَعُدْتُ لِمَضْجَعي، فجاءَني الثّالِثَةَ فَهَمَزَنِي بقَدَمِهِ، فَجَلَسْتُ، فَأخَذَ بعَضُدِي فَقُمْتُ مَعَهُ، فخَرَجَ بِي إلى بابِ المَسْجدِ، فإذَا دَابّةٌ بَيْضَاءُ بينَ الحِمارِ والبَغْلِ، لَهُ فِي فَخِذَيْهِ جَناحان يَحْفِزُ بِهما رِجْلَيْهِ، يَضَعُ يَدَهُ فِي مُنْتَهَى طَرْفهِ، فحَمَلَني عَلَيْهِ ثُمّ خَرَجَ مَعي، لا يَفُوتُني وَلا أفُوتُهُ ».
حدثنا الربيع بن سليمان، قال : أخبرنا ابن وهب، عن سليمان بن بلال، عن شريك بن أبي نمر، قال : سمعت أنسا يحدثنا عن ليلة المسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أوّلهم : أيهم هو ؟ قال أوسطهم : هو خيرهم، فقال أحدهم : خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة، فلم يرهم حتى جاءوا ليلة أخرى فيما يرى قلبه والنبيّ ﷺ تنام عيناه، ولا ينام قلبه. وكذلك الأنبياء تنام أعينهم، ولا تنام قلوبهم فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبرئيل عليه السلام، فشقّ ما بين نحره إلى لبّته، حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم حتى أنقى جوفه، ثم أُتي بطست من ذهب فيه تَوْرٌ محشوّ إيمانا وحكمة، فحشا به جوفه وصدره ولغاديده، ثم أطبقه ثم ركب البراق، فسار حتى أتى به إلى بيت المقدس فصلى فيه بالنّبيين والمرسلين إماما، ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب بابا من أبوابها، فناداه أهل السماء : من هذا ؟ قال : هذا جبرائيل، قيل : من معك ؟ قال : محمد، قيل : أَوَ قَد بُعث إليه ؟ قال : نعم، قالوا : فمرحبا به وأهلاً، فيستبشر به أهل السماء، لا يعلم أهل السماء بما يريد الله بأهل الأرض حتى يُعلمهم، فوجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبرائيل : هذا أبوك، فسلّم عليه، فردّ عليه، فقال : مرحبا بك وأهلاً يا بني، فنعم الابن أنت، ثم مضى به إلى السماء الثانية، فاستفتح جبرائيل بابا من أبوابها، فقيل : من هذا ؟ فقال : جبرئيل، قيل : ومن معك ؟ قال : محمد، قيل : أو قد أرسل إليه ؟ قال : نعم قد أُرسل إليه، فقيل : مرحبا به وأهلاً، ففُتح لهما فلما صعد فيها فإذا هو بنهرين يجريان، فقال : ما هذان النهران يا جبرائيل ؟ قال : هذا النيل والفرات عنصرهما ثم عرج به إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبرائيل بابا من أبوابها، فقيل : من هذا ؟ قال : جبرئيل، قيل : ومن معك ؟ قال : محمد، قيل : أَوَ قَد بُعث إليه ؟ قال : نعم قد بُعث إليه، قيل : مرحبا به وأهلاً، ففُتح له فإذا هو بنهر عليه قباب وقصور من لؤلؤ وزبرجد وياقوت، وغير ذلك مما لا يعلمه إلاّ الله، فذهب يشمّ ترابه، فإذا هو مسك أذفر، فقال : يا جبرائيل ما هذا النهر ؟ قال : هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك في الاَخرة ثم عرج به إلى الرابعة، فقالوا به مثل ذلك ثم عرج به إلى الخامسة، فقالوا له مثل ذلك ثم عرج به إلى السادسة، فقالوا له مثل ذلك ثم عرج به إلى السابعة، فقالوا له مثل ذلك، وكلّ سماه فيها أنبياء قد سماهم أنس، فوعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلامه الله، فقال موسى : رب لم أظنّ أن يرفع عليّ أحد ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلاّ الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا باب الجبّار ربّ العزّة، فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما شاء، وأوحى الله فيما أوحى خمسين صلاة على أمته كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى فاحتبسه، فقال : يا محمد ماذا عهد إليك ربك ؟ قال :«عهد إليّ خمسين صلاة على أمتي كل يوم وليلة » قال : إن أمتك لا تستطيع ذلك، فارجع فليخفف عنك وعنهم، فالتفتّ إلى جبرائيل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه أن نعم، فعاد به جبرائيل حتى أتى الجبّارَ عزّ وجلّ وهو مكانه، فقال :«ربّ خفف عنا، فإن أمتي لا تستطيع هذا »، فوضع عنه عشر صلوات ثم رجع إلى موسى عليه السلام فاحتبسه، فلم يزل يردّده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه عند الخمس، فقال : يا محمد قد والله راودتُ بني إسرائيل على أدنى من هذه الخمس، فضعفوا وتركوه، فأمتك أضعف أجسادا وقلوبا وأبصارا وأسماعا، فارجع فليخفف عنك ربك، كلّ ذلك يلتفت إلى جبرئيل ليشير عليه، ولا يكره ذلك جبرئيل، فرفعه عند الخمس، فقال :«يا ربّ إن أمتي ضعاف أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم، فخفف عنا »، قال الجبّار جلّ جلاله : يا محمد، قال :«لبّيك وسعديك »، فقال : إني لا يُبدّل القول لديّ كما كتبت عليك في أمّ الكتاب، ولك بكلّ حسنة عشر أمثالها، وهي خمسون في أمّ الكتاب، وه
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: يعني تعالى ذكره بقوله تعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا) تنزيها للذي أسرى بعبده وتبرئة له مما يقول فيه المشركون من أنَّ له من خلقه شريكا: وأن له صاحبة وولدا، وعلوّا له وتعظيما عما أضافوه إليه، ونسبوه من جهالاتهم وخطأ أقوالهم.
وقد بيَّنت فيما مضى قبل، أن قوله: سبحان: اسم وُضع موضع المصدر، فنصب لوقوعه موقعه بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وقد كان بعضهم يقول: نصب لأنه غير موصوف، وللعرب في التسبيح أماكن تستعمله فيها، فمنها الصلاة، كان كثير من أهل التأويل يتأوّلون قول الله (فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ) : فلولا أنه كان من المصلين. ومنها الاستثناء، كان بعضهم يتأول قول الله تعالى (ألَمْ أقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ) : لولا تستثنون، وزعم أن ذلك لغة لبعض أهل اليمن، ويستشهد لصحة تأويله ذلك بقوله (إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ) (قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ) فذكرهم تركهم الاستثناء. ومنها النور، وكان بعضهم يتأوّل في الخبر الذي رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "لَولا ذلكَ لأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وَجْهِهِ ما أدْرَكَتْ مِنْ شَيْء" أنه عنى بقوله سبحات وجهه: نور وجهه.
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ)، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق،
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عبدة بن سليمان، عن الحسن بن صالح، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: سبحان الله: قال: إنكاف لله. وقد ذكرنا من الآثار في ذلك ما فيه الكفاية فيما مضى من كتابنا هذا قبل. والإسراء والسُّرى: سير الليل. فمن قال: أسَرْى، قال: يُسري إسراء؛ ومن قال: سرى، قال: يَسري سرى، كما قاله الشاعر:
| ولَيْلَةٍ ذَاتِ دُجىً سَرَبْتُ | ولَمْ يَلِتْنِي عَنْ سُواها لَيْتُ (١) |
ويعني بقوله (لَيْلا) من الليل. وكذلك كان حُذيفة بن اليمان يقرؤها.
حدثنا أبو كريب، قال: سمعت أبا بكر بن عياش ورجل يحدّث عنده بحديث حين أسري بالنبيّ ﷺ فقال له: لا تجيء بمثل عاصم ولا زر، قال: قرأ حُذيفة: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ مِنَ اللَّيْلِ مِنَ الْمَسْجِدِ الحَرَام إلى المَسْجِدِ الأقْصَى) وكذا قرأ عبد الله.
وأما قوله (مِنَ المَسْجِدِ الحَرَام) فإنه اختُلف فيه وفي معناه، فقال بعضهم: يعني من الحرم، وقال: الحرم كله مسجد. وقد بيَّنا ذلك في غير
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا محمد بن إسحاق، قال: ثني محمد بن السائب، عن أبي صالح بن باذام عن أمّ هانئ بنت أبي طالب، في مسرى النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنها كانت تقول: ما أُسري برسول الله ﷺ إلا وهو في بيتي نائم عندي تلك الليلة، فصلى العشاء الآخرة، ثم نام ونمنا، فلما كان قُبيل الفجر، أهبنا رسول الله ﷺ فلما صلى الصبح وصلينا معه قال: "يا أمّ هانِئٍ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَكُمْ العِشاءَ الآخِرَةَ كَمَا رأيْت بِهَذَا الوَادِي، ثُمَّ جِئْتُ بَيْتَ المَقْدِسِ فَصَلَّيْتُ فِيهِ، ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلاةَ الغدَاةِ مَعَكُمُ الآنَ كَمَا تَرينَ".
وقال آخرون: بل أُسري به من المسجد، وفيه كان حين أسري به.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر بن عدي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا خالد بن الحرث، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك، يعني ابن صعصعة رجل من قومه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، نحوه.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة رجل من قومه، قال: قال نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر نحوه.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: ثني عمرو بن عبد الرحمن، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بَيْنا أنا نائمٌ في الحِجْر جاءَنِي جِبْرِيلُ فَهَمَزَنِي بِقَدَمِهِ، فَجَلَسْتُ فَلَمْ أرَ شَيْئا، فَعُدْتُ لمَضْجَعِي، فجاءَني الثَّانِيةَ فَهَمَزَنِي بقَدَمِهِ، فَجَلَسْتُ فَلَمْ أَرَ شَيْئا، فَعُدْتُ لمَضْجَعِي، فجاءَني الثَّالِثَةَ فَهَمَزَنِي بقَدَمِهِ، فَجَلَسْتُ، فَأخَذَ بعَضُدِي فَقُمْتُ مَعَهُ، فَخَرَجَ بِي إلى بابِ المَسْجِدِ، فإذَا دَابَّةٌ بَيْضَاءُ بينَ الحِمارِ والبَغْلِ، لَهُ فِي فَخِذَيْهِ جنَاحان يَحْفِزُ بِهما رِجْلَيْهِ، يَضَعُ يَدَهُ فِي مُنْتَهَى طَرْفِه، فحَمَلَني عَلَيْهِ ثُمَّ خَرَجَ مَعي، لا يَفُوتُني ولا أفُوتُهُ".
حدثنا الربيع بن سليمان، قال: أخبرنا ابن وهب، عن سليمان بن بلال، عن شريك بن أبي نمر (١) قال: سمعت أنسا يحدثنا عن ليلة المسرى برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أوّلهم: أيهم هو؟ قال: أوسطهم هو خيرهم، فقال أحدهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة، فلم يرهم حتى جاءوا ليلة أخرى فيما يرى قلبه، والنبيّ ﷺ تنام عيناه، ولا ينام قلبه. وكذلك الأنبياء تنام أعينهم، ولا تنام قلوبهم. فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبرائيل عليه السلام، فشقّ ما بين نحره إلى لبَّته، حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم حتى أنقى جوفه، ثم أُتِيَ بطست من ذهب فيه تور محشوّ إيمانا وحكمة، فحشا به جوفه وصدره
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يقال: إن الله عزّ وجلّ أخبر أنه أسرى بعبده من المسجد الحرام والمسجد الحرام هو الذي يتعارفه الناس بينهم إذا ذكروه، وقوله (إلى المَسْجِدِ الأقْصَى) يعني: مسجد بيت المقدس، وقيل له: الأقصى، لأنه أبعد المساجد التي تزار، ويُبتغَى في زيارته الفضل بعد المسجد الحرام. فتأويل الكلام تنزيها لله، وتبرئة له مما نحله المشركون من الإشراك والأنداد والصاحبة، وما يجلّ عنه جلّ جلاله، الذي سار بعبده ليلا من بيته الحرام إلى بيته الأقصى.
(٢) في البخاري (طبعة الحلبي ٩: ١٨٣) :"وقد بعث". وقد أبقينا رواية المؤلف كما هي، لاختلاف نسخ البخاري في رواية بعض الكلم.
(٣) كذا في البخاري أيضا.
* ذكر من قال ذلك، وذكر بعض الروايات التي رُويت عن رسول الله ﷺ بتصحيحه.
حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: أخبرني ابن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن رسول الله ﷺ أُسري به على البُراق، وهي دابَّة إبراهيم التي كان يزور عليها البيت الحرام، يقع حافرها موضع طرفها، قال: فمرّت بعير من عيرات قريش بواد من تلك الأودية، فنفرت العير، وفيها بعير عليه غرارتان: سوداء، وزرقاء، حتى أتى رسول الله ﷺ إيلياء فأتى بقدحين: قدح خمر، وقدح لبن، فأخذ رسول الله ﷺ قدح اللبن، فقال له جبرائيل: هُديت إلى الفطرة، لو أخذت قدح الخمر غوت أمتك. قال ابن شهاب: فأخبرني ابن المسيب أن رسول الله ﷺ لقي هناك إبراهيم موسى وعيسى، فنعتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "فَأمَّا مُوسَى فَضَرْبٌ رَجْلُ الرأسِ كأنَّهُ مِنْ رِجالِ شَنُوءَةَ، وأمَّا عِيسَى فَرَجْلٌ أحْمَرُ كأنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ، فأشْبَهُ مَنْ رأيْتُ بِهِ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ؛ وأمَّا إبْرَاهِيمُ فأنا أشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ؛ فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حدث قريشا أنه أُسري به. قال عبد الله: فارتدّ ناس كثير بعد ما أسلموا، قال أبو سلمة: فأتى أبو بكر الصدّيق، فقيل له: هل لك في صاحبك، يزعم أنه أسري به إلى بيت المقدس ثم رجع في ليلة واحدة، قال أبو بكر: أوقال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: فأشهد إن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: أفتشهد أنه جاء الشام في ليلة واحدة؟ قال: إني أصدّقه بأبعد من ذلك، أصدّقه بخبر
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني يعقوب بن عبد الرحمن الزهري، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، عن أنس بن مالك، قال: لما جاء جبرائيل عليه السلام بالبراق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكأنها ضربت بذنبها، فقال لها جبرائيل: مه يا براق، فوالله إن ركبك مثله، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو بعجوز ناء عن الطريق: أي على جنب الطريق.
قال أبو جعفر: ينبغي أن يقال: نائية، ولكن أسقط منها التأنيث.
فقال: "ما هذه يا جبرائيل؟ قال: سر يا محمد، فسار ما شاء الله أن يسير، فإذا شيء يدعوه متنحيا عن الطريق يقول: هلمّ يا محمد، قال جبرائيل: سر يا محمد، فسار ما شاء الله أن يسير؛ قال: ثم لقيه خلق من الخلائق، فقال أحدهم: السلام عليك يا أوّل، والسلام عليك يا آخر، والسلام عليك يا حاشر، فقال له جبرائيل: اردد السلام يا محمد، قال: فردّ السلام، ثم لقيه الثاني، فقال له مثل مقالة الأوّلين (١) حتى انتهى إلى بيت المقدس، فعرض عليه الماء واللبن والخمر، فتناول رسول الله ﷺ اللبن، فقال له جبرائيل: أصبت يا محمد الفطرة، ولو شربت الماء لغرقت وغرقت أمتك، ولو شربت الخمر لغويت وغوت أمتك، ثم بعث له آدم فمن دونه من الأنبياء، فأمَّهم رسول الله ﷺ تلك الليلة. ثم قال له جبرائيل: أما العجوز التي رأيت على جانب الطريق، فلم يبق من الدنيا إلا بقدر ما بقي من عمر تلك العجوز، وأما الذي أراد أن تميل إليه، فذاك عدوّ الله إبليس، أراد أن تميل إليه؛ وأما الذين سلَّموا عليك، فذاك إبراهيم وموسى وعيسى".
حدثني عليّ بن سهل، قال: ثنا حجاج، قال: أخبرنا أبو جعفر
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري؛ وحدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: ثنا معمر، قال: أخبرنا أبو هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، واللفظ لحديث الحسن بن يحيى، في قوله (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى) قال: ثنا النبيّ ﷺ عن ليلة أُسري به فقال نبيّ الله: "أُتِيتُ بِدَابَّة هي أَشْبَهُ الدَّوَاب بالبَغْلِ، لَهُ أذُنانِ مُضّطَرِبَتان وَهُوَ البُرَاقُ، وَهُوَ الَّذِي كانَ تَرْكَبُهُ الأنَبْيِاءُ قَبْلِي، فَرَكِبْتُهُ، فانْطَلَقَ بِي يَضَعُ يَدَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى بَصَرِه، فَسَمِعْتُ نِدَاءً عَنْ يَمِينِي: يا مُحَمَّد عَلى رِسْلِك أسألْكَ، فَمَضَيْتُ ولَمْ أُعَرِّجْ عَلَيْهِ؛ ثُمَّ سَمِعْتُ نِدَاءً عَنْ شمِالي: يا مُحَمَّد عَلى رِسْلِك أسألْكَ، فَمَضَيْتُ ولَمْ أُعَرِّجْ عَلَيْهِ؛ ثُمَّ اسْتَقْبَلْتُ امْرَأةً فِي الطَّرِيقِ، فَرأيْتُ عَلَيْها مِنْ كُلّ زِينَةٍ مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا رَافعَةً يَدَها، تَقُولُ: يا مُحَمَّدُ على رِسْلِكَ أسألْكَ، فَمَضَيْتُ ولَمْ أُعَرِّجْ عَلَيْهَا، ثُمَّ أتَيْتُ بَيْتَ المَقْدِسِ، أوْ قالَ المَسْجِدَ الأقْصَى، فَنزلْتُ عَنِ الدَّابَّةِ فَأوْثقْتُها بالحَلْقَة التي كانَت الأنْبِياءُ تُوثِقُ بِها، ثُمَّ دَخَلْتُ المَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ، فقالَ لي جَبْرَئِيل: ماذَا رأيْتَ فِي وَجْهِكَ، فَقُلْتُ: سَمِعْتُ نِدَاءً عَنْ يَمِينِي أنْ يا مُحَمَّدُ عَلى رِسْلِكَ أسألْكَ، فَمَضَيْتُ ولَمْ أُعَرِّجْ عَلَيْهِ، قالَ: ذاكَ دَاعِيَ اليَهُود، أما لَو أنَّك وَقَفْتَ عليه لتهودت أُمَّتُكَ، قال: ثُمَّ سَمِعْتُ ندَاءً عَنْ يَسارِي أنْ يا مُحَمَّدُ عَلى رِسْلِكَ أسألْكَ، فَمَضَيْتُ وَلَمْ أُعَرِّجْ عَلَيْهِ، قالَ: ذَاكَ داعي النَّصَارَى، أمَا إِنَّكَ لَوْ وَقَفْتَ عَلَيْهِ لَتَنَصَّرَتْ أُمَّتُكَ، قُلْتُ: ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْنِي امْرأةٌ عَلَيْها مِنْ كُلّ زِينَةٍ مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا رَافِعَةً يَدَها تَقُولُ عَلى رِسْلِكَ، أسألْكَ، فَمَضَيْتُ ولَمْ أُعَرِّجْ عَلَيْهَا، قال: تِلْكَ الدُّنْيا تَزَيَّنَتْ لَكَ، أمَا إنَّكَ لَوْ وَقَفْتَ عَلَيْها لاخْتارَتْ أُمَّتُكَ الدُّنْيا على الآخِرَةِ، ثُمَّ أُتِيتُ بإناءَيْنِ أحَدُهُما فِيهِ لبَنٌ، والآخرُ فيه خَمْرٌ، فَقِيلَ لي: اشْرَبْ أيَّهُما شِئْتَ، فَأخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ، قال: أصَبْتَ الفِطْرَةَ أوْ قالَ: أخَذْتَ الفِطْرَةَ".
قال أبو هارون في حديث أبي سعيد: "ثُمَّ جِيءَ بالمِعْرَاجِ الَّذِي تَعْرُجُ فِيهِ أرْوَاحُ بَنِي آدَمَ فإِذَا هُوَ أحْسَنُ ما رأيْتُ ألَمْ تَرَ إلى المَيّتِ كَيْفَ يُحِدُّ بَصَرَهُ إلَيْهِ فَعُرِجَ بنا فِيهِ حتى انْتَهَيْنا إلى بابِ السَّماءِ الدُّنْيا، فاسْتَفْتَحَ جَبْرَائِيلُ، فَقِيلَ مَنْ هَذَا؟ قالَ جَبْرَائِيلُ؟ قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قال: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: أوَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قال: نَعَمْ، فَفَتَحُوا وَسَلَّمُوا عَليَّ، وَإِذَا مَلَكٌ مُوَكَّلٌ يَحْرُسُ السَّماءَ يُقَال لَهُ إسْماعِيلُ، مَعَهُ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ مَعَ كُلّ مَلَكٍ مِنْهُمْ مِئَةُ ألْفٍ، ثم قرأ (ومَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ) وَإِذَا أنا بِرَجُلٍ كَهَيْئَتِهِ يَوْم خَلَقَهُ الله لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ شَيءٌ، فإِذَا هُوَ تُعْرَض عَلَيْهِ أرْوَاحُ ذُرّيَّتِهِ، فإذَا كانَتْ رُوح مُؤْمِنٍ، قالَ: رُوحٌ طَيِّبَةٌ، وَرِيحٌ طَيِّبَةٌ، اجْعَلُوا كِتابَهُ فِي عِلِّيِينَ؛ وَإِذَا كانَ رُوحُ كافِرٍ قالَ: رُوحٌ خَبِيثَةٌ وَرِيحٌ خَبِيثَةٌ، اجْعَلُوا كِتابَهُ فِي سِجِّيلٍ، فَقُلْتُ: يا جَبْرَئِيلُ مَنْ هَذَا؟ قال: أبُوك آدَمُ، فَسَلَّمَ عَليَّ وَرَحَّبَ بِي وَدَعا لي بِخَيْرٍ وقَال: مَرْحَبا بالنَّبيّ الصَّالِحِ والوَلَدِ الصَّالِحِ، ثُمَّ نَظَرْتُ فإِذَا أنا بقَوْمٍ لَهُمْ مشَافِرُ كمشَافِرِ الإبِلِ، وَقَدْ وُكِّلَ بِهِمْ مَنْ يَأْخُذُ بِمَشافِرِهِمْ، ثُمَّ يُجْعَلُ في أفْوَاهِهِمْ صَخْرًا مِنْ نارٍ يَخْرُجُ مِنْ أسافِلِهِمْ، قُلْتُ: يَا جَبْرَئِيلُ مَنْ هَؤُلاءِ؟ قال: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتامَى ظُلْما، ثُمَّ نَظَرْتُ فإِذَا أنا بِقَوْمٍ يُحْذَى مِنْ جُلُودِهِمْ ويُرَدُّ فِي أفْوَاهِهِمْ، ثُمَّ يُقال: كُلُوا كمَا أكَلْتُمْ، فإِذَا أكْرَه ما خَلَقَ الله لَهُمْ ذلكَ، قُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ يا جَبْرَئِيلُ؟ قال: هَؤُلاءِ الهَمَّازُونَ اللَّمازُون الذِينَ يأكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، ويَقَعُونَ فِي أعْرَاضِهِمْ، بالسَّبّ، ثُمَّ نَظَرْتُ فإذَا أنا بِقَوْمٍ عَلى مائِدَة عَلَيْها لَحْمٌ مَشْويّ كأَحْسَنِ ما رأيْتُ مِنَ اللحْمِ، وَإذَا حَوْلَهُمْ جِيَفٌ، فَجَعَلُوا يَمِيلُونَ عَلى الجِيَفِ يَأكُلُونَ مِنْها وَيَدَعُونَ ذلكَ اللحْمَ، قُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ يا جَبْرَئِيلُ؟ قالَ: هَؤُلاء الزُّناةُ عَمَدُوا إلى مَا حَرَّمَ الله عَلَيْهِمْ، وَتَرَكُوا ما أحَلَّ الله لَهُمْ، ثُمَّ نَظَرْتُ فإِذَا أنا بقَوْمٍ لَهُمْ بُطُونٌ كأَنَّها الُبُيوتُ وَهيَ على سابِلَة آل فِرْعَوْنَ، فإذَا مَرَّ بِهِمْ آلُ فِرْعَوْنَ ثارُوا، فَيمِيلُ بأحَدِهِمْ بَطْنُهُ فَيَقَعُ، فَيَتَوَطئُوهُمْ آلُ فِرْعَوْنَ بأرْجُلِهِمْ، وَهُمْ يُعْرَضُونَ عَلى النارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا؛ قُلْتُ: مَنْ هَؤُلاء يا جَبْرَئِيلُ؟ قال: هَؤُلاء أكَلَةُ الرّبا، رَبا فِي بُطُونِهِم، فَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني روح بن القاسم، عن أبي هارون عمارة بن جوين العبدي، عن أبي سعيد الخدري؛ وحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: وثني أبو جعفر، عن أبي هارون، عن أبي سعيد، قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "لَمَّا فَرَغْتُ مِمَّا كانَ فِي بَيْتِ المَقْدِسِ، أُتِيَ بالمِعْرَاجِ، ولَمْ أرَ شَيْئا قَطُّ أحْسَنَ مِنْهُ، وَهُوَ الَّذِي يَمُدُّ إلَيْهِ مَيِّتُكُمْ عَيْنَيْهِ إذا حَضَرَ، فَأصْعَدَنِي صَاحِبي فِيهِ حتى انْتَهَى إلى بابٍ مِنَ الأبْوَابِ يُقالُ لَهُ بَابُ الحَفَظَةِ، عَلَيْهِ مَلَكٌ يُقالُ لَهُ إسْماعِيلُ، تَحْتَ يَدَيْهِ اثْنا عَشَرَ ألْفَ مَلَكٍ، تَحْتَ يَدَيْ كُلِّ مَلَكٍ مِنْهُمْ اثْنا عَشَرَ ألْفَ مَلَكٍ، فقال رسول الله ﷺ حين حدّث هذا الحديث: (ما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ) ثم ذكر نحو حديث معمر، عن أبي هارون إلا أنه قال في حديثه: قال: ثُمَّ دَخَلَ بِيَ الجَنَّةَ فَرأيْتُ فيها جارِيَةً، فَسألتُها لِمَنْ أنْتِ؟ وَقَدْ أعْجَبَتْنِي حين رأيْتُها، فَقالَتْ: لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، فبشَّر بها رسول الله ﷺ زيد بن حارثة، ثم انتهى حديث ابن حميد عن سلمة إلى ههنا.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ وصف لأصحابه ليلة أُسري به إبراهيمَ وموسى وعيسى فقال: أمَّا إبْرَاهِيمُ فَلَمْ أرَ رَجُلا أشْبَهُ بِصَاحِبِكُمْ مِنْهُ. وأمَّا مُوسَى فَرَجُلٌ آدَمٌ طِوَالٌ جَعْدٌ أقْنَى، كأنَّه مِنْ رِجالِ شُنُوءَةَ. وأمَّا عِيسَى فَرجُلٌ أحْمَرُ بينَ القَصِير والطَّوِيلِ سَبِطُ الشَّعْرِ
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن رسول الله ﷺ بنحوه، ولم يقل عن أبي هريرة.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أنس، أن النبي ﷺ أُتِي بالبراق ليلة أُسري به مسرجا ملجما ليركبه، فاستصعب عليه، فقال له جبرائيل: ما يحملك على هذا، فوالله ما ركبك أحد قطّ أكرم علي الله منه، قال: فارفض عرقا.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) أسري بِنَبِيِّ الله عشاء من مكة إلى بيت المقدس، فصلى نبيّ الله ﷺ فيه، فأراه الله من آياته وأمره بما شاء ليلة أسري به، ثم أصبح بمكة. ذُكر لنا أن نبيّ الله ﷺ قال: حُمِلْتُ عَلى دابَّة يُقَالُ لَهَا البُرَاقُ، فَوْقَ الحِمارِ وَدُونَ البَغْلِ يَضَعُ حافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ، فحدث نبيّ الله بذلك أهل مكة، فكذب به المشركون وأنكروه وقالوا: يا محمد تخبرنا أنك أتيت بيت المقدس، وأقبلت من ليلتك، ثم أصبحت عندنا بمكة، فما كنت تجيئنا به، وتأتي به قبل هذا اليوم مع هذا، فصدقه أبو بكر، فسمِّي أبو بكر الصدّيق من أجل ذلك.
حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا سليمان الشيباني، عن عبد الله بن شدّاد، قال: لما كان ليلة أُسري برسول الله ﷺ أتي بدابة يقال لها البراق، دون البغل وفوق الحمار، تضع حافرها عند منتهى ظفرها؛ فلما أتى بيت المقدس أُتي بإناءين: إناء من لبن، وإناء من خمر، فشرب اللبن. قال: فقال له جبرائيل: هديت وهديت أمتك.
وقال آخرون من قال: أسري بالنبيّ ﷺ إلى المسجد الأقصى بنفسه وجسمه أسرى به عليه السلام، غير أنه لم يدخل بيت المقدس، ولم يصلّ فيه، ولم ينزل عن البراق حتى رجع إلى مكة.
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: ثنا سفيان، قال: ثني عاصم بن بهدلة عن زرّ بن حبيش، عن حُذيفة بن اليمان، أنه قال في هذه الآية (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى) قال: لم يصلّ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو صلى فيه لكتب عليكم الصلاة فيه، كما كتب عليكم الصلاة عند الكعبة.
حدثنا أبو كريب، قال: سمعت أبا بكر بن عياش، ورجل يحدّث عنده بحديث حين أسري بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال له: لا تجِيء بمثل عاصم ولا زر؛ قال: قال حُذيفة لزرّ بن حبيش؛ قال: وكان زرّ رجلا شريفا من أشراف العرب، قال: قرأ حُذيفة (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) وكذا قرأ عبد الله، قال: وهذا كما يقولون: إنه دخل المسجد فصلى فيه، ثم دخل فربط دابته، قال: قلت: والله قد دخله، قال: من أنت فإني أعرف وجهك ولا أدري ما اسمك، قال: قلت: زرّ بن حبيش، قال: ما عملك هذا؟ قال: قلت: من قبَل القرآن، قال: من أخذ بالقرآن أفلح، قال: فقلت (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) قال: فنظر إليّ فقال: يا أصلع، هل ترى دخله؟ قال: قلت: لا والله، قال حُذيفة: أجل والله الذي لا إله إلا هو ما دخله، ولو دخله لوجبت عليكم صلاة فيه، لا والله ما نزل عن البراق حتى رأى الجنة والنار، وما أعدّ الله في الآخرة أجمع؛ وقال: تدري ما البراق؟ قال: دابة دون البغل وفوق الحمار، خطوه مدّ البصر.
وقال آخرون: بل أسرى بروحه، ولم يسر بجسده.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أن معاوية بن أبي سفيان، كان إذا سئل عن مسرى رسول الله ﷺ قال: كانت رؤيا من الله صادقة.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال ابن إسحاق: فلم ينكر ذلك من قولها الحسن أن هذه الآية نزلت (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) ولقول الله في الخبر عن إبراهيم، إذ قال لابنه (يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى) ثم مضى على ذلك، فعرفت أن الوحي يأتي بالأنبياء من الله أيقاظا ونياما، وكان رسول ﷺ يقول: "تَنَامُ عَيْني وَقَلْبي يَقْظانُ" فالله أعلم أيّ ذلك كان قد جاءه وعاين فيه من أمر الله ما عاين على أيّ حالاته كان نائما أو يقظانا كلّ ذلك حقّ وصدق.
والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله أسرى بعبده محمد ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، كما أخبر الله عباده، وكما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الله حمله على البراق حين أتاه به، وصلى هنالك بمن صلى من الأنبياء والرسل، فأراه ما أراه من الآيات؛ ولا معنى لقول من قال: أسرى بروحه دون جسده، لأن ذلك لو كان كذلك لم يكن في ذلك ما يوجب أن يكون ذلك دليلا على نبوّته، ولا حجة له على رسالته، ولا كان الذين أنكروا حقيقة ذلك من أهل الشرك، وكانوا يدفعون به عن صدقه فيه، إذ لم يكن منكرا عندهم، ولا عند أحد من ذوي الفطرة الصحيحة من بني آدم أن يرى الرائي منهم في المنام ما على مسيرة سنة، فكيف ما هو على مسيرة شهر أو أقل؟ وبعد، فإن الله إنما أخبر في كتابه أنه أسرى بعبده، ولم يخبرنا أنه أسرى بروح عبده، وليس جائزا لأحد أن يتعدّى ما قال الله إلى غيره. فإن ظنّ ظانّ أن ذلك جائز، إذ كانت العرب تفعل ذلك في كلامها، كما قال قائلهم:
| حَسِبْتُ بُغامَ رَاحِلَتِي عنَاقا | ومَا هِيَ وَيْبَ غيرِكِ بالعْنَاقِ (١) |
وقوله (الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ) يقول تعالى ذكره: الذي جعلنا حوله البركة لسكانه في معايشهم وأقواتهم وحروثهم وغروسهم. وقوله (لِنُرَيَهُ مِنْ آياتِنا) يقول تعالى ذكره: كي نري عبدنا محمدا من آياتنا، يقول: من عبرنا وأدلتنا وحججنا، وذلك هو ما قد ذكرت في الأخبار التي رويتها آنفا، أن رسول الله ﷺ أريه في طريقه إلى بيت المقدس، وبعد مصيره إليه من عجائب العبر والمواعظ.