محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١ من سورة الإسراء في ١٢٠ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٤٢ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١ من سورة الإسراء

١٢٠ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
بِسمِ اللّهِ الرحمَن الرّحِيمِ.

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَىَ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَىَ الْمَسْجِدِ الأقْصَى الّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ إِنّهُ هُوَ السّمِيعُ البَصِيرُ﴾.
قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري : يعني تعالى ذكره بقوله تعالى : سُبْحانَ الّذِي أسْرَى بعَبْدِه لَيْلاً تنزيها للذي أسرى بعبده وتبرئة له مما يقول فيه المشركون من أنّ له من خلقه شريكا، وأن له صاحبة وولدا، وعلوا له وتعظيما عما أضافوه إليه، ونسبوه من جهالاتهم وخطأ أقوالهم.
وقد بيّنت فيما مضى قبل، أن قوله سبحان اسم وُضع موضع المصدر، فنصب لوقوعه موقعه بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وقد كان بعضهم يقول : نصب لأنه غير موصوف، وللعرب في التسبيح أماكن تستعمله فيها. فمنها الصلاة، كان كثير من أهل التأويل يتأوّلون قول الله : فَلَوْلا أنّهُ كانَ مِنَ المُسَبّحِينَ : فلولا أنه كان من المصلين. ومنها الاستثناء، كان بعضهم يتأول قول الله تعالى : ألَمْ أقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبّحُونَ : لولا تستثنون، وزعم أن ذلك لغة لبعض أهل اليمن، ويستشهد لصحة تأويله ذلك بقوله : إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنّها مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ قال : قَال أوْسَطُهمْ ألَم أقُلْ لَكُمْ لَوْلاَ تُسَبّحونَ فذكرهم تركهم الاستثناء. ومنها النور، وكان بعضهم يتأوّل في الخبر الذي رُوي عن النبيّ ﷺ :«لَوْلا ذلكَ لأحرقت سُبُحاتُ وَجْهِهِ ما أدْرَكَتْ مِنْ شَيْء » أنه عنى بقوله : سبحات وجهه : نور وجهه.
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله : سُبْحانَ الّذِي أسْرَى بِعَبْدِهِ، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوريّ، عن عثمان بن موهب، عن موسى بن طلحة، عن النبيّ ﷺ أنه سُئل عن التسبيح أن يقول الآنسان : سُبْحانَ الله، قال :«إنزاهه اللّهِ عَنِ السّوءِ ».
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا عبدة بن سليمان، عن الحسن بن صالح، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله : سبحان الله : قال : إنكاف لله. وقد ذكرنا من الآثار في ذلك ما فيه الكفاية فيما مضى من كتابنا هذا قبل. والإسراء والسّرى : سير الليل. فمن قال : أَسْرى، قال : يُسري إسراء ومن قال : سرى، قال : يَسري سُرَىً، كما قال الشاعر :
ولَيْلَةٍ ذَاتِ دُجّى سَرَيْتُولَمْ يَلِتْنِي عَنْ سُراها لَيْتُ
ويروى : ذات ندى سَريْت.
ويعني بقوله : لَيْلاً من الليل. وكذلك كان حُذيفة بن اليمان يقرؤها.
حدثنا أبو كريب، قال : سمعت أبا بكر بن عياش ورجل يحدّث عنده بحديث حين أُسري بالنبيّ ﷺ فقال له : لا تجيء بمثل عاصم ولا زر، قال : قرأ حُذيفة :«سُبْحانَ الّذِي أسْرَى بِعَبْدِهِ مِنَ اللّيْلِ منَ المَسجِدِ الحَرَامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصَى » وكذا قرأ عبد الله.
وأما قوله : مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ فإنه اختُلف فيه وفي معناه، فقال بعضهم : يعني من الحرم، وقال : الحرم كله مسجد. وقد بيّنا ذلك في غير موضع من كتابنا هذا. وقال : وقد ذُكر لنا أن النبيّ ﷺ كان ليلة أُسري به إلى المسجد الأقصى كان نائما في بيت أمّ هانىء ابنة أبي طالب. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : حدثنا محمد بن إسحاق، قال : ثني محمد بن السائب، عن أبي صالح بن باذام عن أمّ هانىء بنت أبي طالب، في مسري النبيّ ﷺ، أنها كانت تقول : ما أُسري برسول الله ﷺ إلاّ وهو في بيتي نائم عندي تلك الليلة، فصلى العشاء الآخرة، ثم نام ونمنا، فلما كان قُبَيل الفجر، أهبّنا رسول الله ﷺ، فلما صلى الصبح وصلينا معه قال :«يا أُمّ هانِىءٍ لَقَدْ صَلّيْتُ مَعَكُمُ العِشاءَ الاَخِرَةِ كمَا رأيْتِ بهَذَا الوَادِي، ثُمّ جِئْتُ بَيْتَ المَقْدِسِ فَصَلّيْتُ فِيهِ، ثُمّ صَلّيْتُ صَلاةَ الغَدَاةِ مَعَكُمُ الاَنَ كمَا تَرَيْنَ ».
وقال آخرون : بل أُسرى به من المسجد، وفيه كان حين أسرى به. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر بن عدي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، وهو رجل من قومه قال : قال نبيّ الله ﷺ :«بَيْنا أنا عِنْدَ البَيْتِ بينَ النائمِ واليَقْظانِ، إذْ سَمِعْتُ قائلاً يَقُولُ، أحَدُ الثلاثَةِ، فأتِيتُ بطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيها مِنْ ماءِ زَمْزَمَ، فَشَرَحَ صَدْرِي إلى كَذَا وكَذَا » قال قتادة : قلت : ما يعني به ؟ قال : إلى أسفل بطنه قال :«فاسْتَخْرَجَ قَلْبِي فغُسلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمّ أُعِيدَ مَكانَهُ، ثُمّ حُشِيَ إيمَانا وَحِكْمَةً، ثُمّ أتِيتُ بِدَابّةٍ أبْيَض »، وفي رواية أخرى :«بِدَابّة بَيْضَاءَ يُقالُ لَهُ البُرَاقُ، فَوْقَ الحِمارِ وَدُونَ البَغْلِ، يَقَعُ خَطْوُهُ مُنْتَهَى طَرْفِهِ، فحُمِلْتُ عَلَيْهِ، ثُمّ انْطَلَقْنا حتى أتَيْنا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَصَلّيْتُ فِيِه بالنّبِيّينَ والمُرْسَلِينَ إماما، ثُمّ عُرِجَ بِي إلى السّماءِ الدّنْيا ». . . فذكر الحديث.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا خالد بن الحرث، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك، يعني ابن صعصعة رجل من قومه، عن النبيّ ﷺ، نحوه.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة رجل من قومه، قال : قال نبيّ الله ﷺ، ثم ذكر نحوه.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : قال محمد بن إسحاق : ثني عمرو بن عبد الرحمن، عن الحسن بن أبي الحسن، قال : قال رسول الله ﷺ :«بَيْنا أنا نائمٌ في الحِجْرِ جاءَنِي جبْرِيلُ فَهَمَزَني بِقَدمِهِ، فجَلَسْتُ فَلَمْ أرَ شَيْئا، فَعُدْتُ لِمَضْجَعي، فجاءَنِي الثّانِيَةَ فَهَمَزَنِي بقَدَمِهِ، فَجَلَسْتُ فَلَمْ أرَ شَيْئا، فَعُدْتُ لِمَضْجَعي، فجاءَني الثّالِثَةَ فَهَمَزَنِي بقَدَمِهِ، فَجَلَسْتُ، فَأخَذَ بعَضُدِي فَقُمْتُ مَعَهُ، فخَرَجَ بِي إلى بابِ المَسْجدِ، فإذَا دَابّةٌ بَيْضَاءُ بينَ الحِمارِ والبَغْلِ، لَهُ فِي فَخِذَيْهِ جَناحان يَحْفِزُ بِهما رِجْلَيْهِ، يَضَعُ يَدَهُ فِي مُنْتَهَى طَرْفهِ، فحَمَلَني عَلَيْهِ ثُمّ خَرَجَ مَعي، لا يَفُوتُني وَلا أفُوتُهُ ».
حدثنا الربيع بن سليمان، قال : أخبرنا ابن وهب، عن سليمان بن بلال، عن شريك بن أبي نمر، قال : سمعت أنسا يحدثنا عن ليلة المسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أوّلهم : أيهم هو ؟ قال أوسطهم : هو خيرهم، فقال أحدهم : خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة، فلم يرهم حتى جاءوا ليلة أخرى فيما يرى قلبه والنبيّ ﷺ تنام عيناه، ولا ينام قلبه. وكذلك الأنبياء تنام أعينهم، ولا تنام قلوبهم فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبرئيل عليه السلام، فشقّ ما بين نحره إلى لبّته، حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم حتى أنقى جوفه، ثم أُتي بطست من ذهب فيه تَوْرٌ محشوّ إيمانا وحكمة، فحشا به جوفه وصدره ولغاديده، ثم أطبقه ثم ركب البراق، فسار حتى أتى به إلى بيت المقدس فصلى فيه بالنّبيين والمرسلين إماما، ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب بابا من أبوابها، فناداه أهل السماء : من هذا ؟ قال : هذا جبرائيل، قيل : من معك ؟ قال : محمد، قيل : أَوَ قَد بُعث إليه ؟ قال : نعم، قالوا : فمرحبا به وأهلاً، فيستبشر به أهل السماء، لا يعلم أهل السماء بما يريد الله بأهل الأرض حتى يُعلمهم، فوجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبرائيل : هذا أبوك، فسلّم عليه، فردّ عليه، فقال : مرحبا بك وأهلاً يا بني، فنعم الابن أنت، ثم مضى به إلى السماء الثانية، فاستفتح جبرائيل بابا من أبوابها، فقيل : من هذا ؟ فقال : جبرئيل، قيل : ومن معك ؟ قال : محمد، قيل : أو قد أرسل إليه ؟ قال : نعم قد أُرسل إليه، فقيل : مرحبا به وأهلاً، ففُتح لهما فلما صعد فيها فإذا هو بنهرين يجريان، فقال : ما هذان النهران يا جبرائيل ؟ قال : هذا النيل والفرات عنصرهما ثم عرج به إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبرائيل بابا من أبوابها، فقيل : من هذا ؟ قال : جبرئيل، قيل : ومن معك ؟ قال : محمد، قيل : أَوَ قَد بُعث إليه ؟ قال : نعم قد بُعث إليه، قيل : مرحبا به وأهلاً، ففُتح له فإذا هو بنهر عليه قباب وقصور من لؤلؤ وزبرجد وياقوت، وغير ذلك مما لا يعلمه إلاّ الله، فذهب يشمّ ترابه، فإذا هو مسك أذفر، فقال : يا جبرائيل ما هذا النهر ؟ قال : هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك في الاَخرة ثم عرج به إلى الرابعة، فقالوا به مثل ذلك ثم عرج به إلى الخامسة، فقالوا له مثل ذلك ثم عرج به إلى السادسة، فقالوا له مثل ذلك ثم عرج به إلى السابعة، فقالوا له مثل ذلك، وكلّ سماه فيها أنبياء قد سماهم أنس، فوعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلامه الله، فقال موسى : رب لم أظنّ أن يرفع عليّ أحد ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلاّ الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا باب الجبّار ربّ العزّة، فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما شاء، وأوحى الله فيما أوحى خمسين صلاة على أمته كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى فاحتبسه، فقال : يا محمد ماذا عهد إليك ربك ؟ قال :«عهد إليّ خمسين صلاة على أمتي كل يوم وليلة » قال : إن أمتك لا تستطيع ذلك، فارجع فليخفف عنك وعنهم، فالتفتّ إلى جبرائيل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه أن نعم، فعاد به جبرائيل حتى أتى الجبّارَ عزّ وجلّ وهو مكانه، فقال :«ربّ خفف عنا، فإن أمتي لا تستطيع هذا »، فوضع عنه عشر صلوات ثم رجع إلى موسى عليه السلام فاحتبسه، فلم يزل يردّده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه عند الخمس، فقال : يا محمد قد والله راودتُ بني إسرائيل على أدنى من هذه الخمس، فضعفوا وتركوه، فأمتك أضعف أجسادا وقلوبا وأبصارا وأسماعا، فارجع فليخفف عنك ربك، كلّ ذلك يلتفت إلى جبرئيل ليشير عليه، ولا يكره ذلك جبرئيل، فرفعه عند الخمس، فقال :«يا ربّ إن أمتي ضعاف أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم، فخفف عنا »، قال الجبّار جلّ جلاله : يا محمد، قال :«لبّيك وسعديك »، فقال : إني لا يُبدّل القول لديّ كما كتبت عليك في أمّ الكتاب، ولك بكلّ حسنة عشر أمثالها، وهي خمسون في أمّ الكتاب، وه
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾
قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: يعني تعالى ذكره بقوله تعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا) تنزيها للذي أسرى بعبده وتبرئة له مما يقول فيه المشركون من أنَّ له من خلقه شريكا: وأن له صاحبة وولدا، وعلوّا له وتعظيما عما أضافوه إليه، ونسبوه من جهالاتهم وخطأ أقوالهم.
وقد بيَّنت فيما مضى قبل، أن قوله: سبحان: اسم وُضع موضع المصدر، فنصب لوقوعه موقعه بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وقد كان بعضهم يقول: نصب لأنه غير موصوف، وللعرب في التسبيح أماكن تستعمله فيها، فمنها الصلاة، كان كثير من أهل التأويل يتأوّلون قول الله (فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ) : فلولا أنه كان من المصلين. ومنها الاستثناء، كان بعضهم يتأول قول الله تعالى (ألَمْ أقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ) : لولا تستثنون، وزعم أن ذلك لغة لبعض أهل اليمن، ويستشهد لصحة تأويله ذلك بقوله (إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ) (قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ) فذكرهم تركهم الاستثناء. ومنها النور، وكان بعضهم يتأوّل في الخبر الذي رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "لَولا ذلكَ لأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وَجْهِهِ ما أدْرَكَتْ مِنْ شَيْء" أنه عنى بقوله سبحات وجهه: نور وجهه.
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ)، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق،
قال: أخبرنا الثوريّ، عن عثمان بن موهب، عن موسى بن طلحة، عن النبيّ ﷺ "أنه سُئل عن التسبيح أن يقول الإنسان: سُبْحان الله، قال: "إنزاهُ الله عَنِ السُّوءِ".
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عبدة بن سليمان، عن الحسن بن صالح، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: سبحان الله: قال: إنكاف لله. وقد ذكرنا من الآثار في ذلك ما فيه الكفاية فيما مضى من كتابنا هذا قبل. والإسراء والسُّرى: سير الليل. فمن قال: أسَرْى، قال: يُسري إسراء؛ ومن قال: سرى، قال: يَسري سرى، كما قاله الشاعر:
ولَيْلَةٍ ذَاتِ دُجىً سَرَبْتُولَمْ يَلِتْنِي عَنْ سُواها لَيْتُ (١)
ويروى: ذات ندى سَريْت.
ويعني بقوله (لَيْلا) من الليل. وكذلك كان حُذيفة بن اليمان يقرؤها.
حدثنا أبو كريب، قال: سمعت أبا بكر بن عياش ورجل يحدّث عنده بحديث حين أسري بالنبيّ ﷺ فقال له: لا تجيء بمثل عاصم ولا زر، قال: قرأ حُذيفة: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ مِنَ اللَّيْلِ مِنَ الْمَسْجِدِ الحَرَام إلى المَسْجِدِ الأقْصَى) وكذا قرأ عبد الله.
وأما قوله (مِنَ المَسْجِدِ الحَرَام) فإنه اختُلف فيه وفي معناه، فقال بعضهم: يعني من الحرم، وقال: الحرم كله مسجد. وقد بيَّنا ذلك في غير
(١) البيتان في (اللسان: ليت) شاهدا على أنه لاته عن وجهه يليته ويلوته ليتا: حبسه عن وجهه وصرفه قال الراجز: "وليلة ذات سرى سريت".... إلخ. وقيل معنى هذا: لم يلتني عن سراها أن أتندم فأقول: ليتني ما سريتها. وقيل معناه: لم يصرفني عن سراها صارف، أي لم يلتني لائت، فوضع المصدر موضع الاسم. وفي التهذيب: أن لم يلتني عنها نقص ولا عجز. وكذلك ألاته عن وجهه: فعل وأفعل: بمعنى. أهـ. و (في اللسان: سرى) السرى: سير الليل: عامته، وقيل السرى: سير الليل كله، تذكره العرب وتؤنثه. وسريت سرى ومسرى، وأسريت: بمعنى: إذا سرت ليلا. بالألف: لغة أهل الحجاز. وجاء القرآن العزيز بهما جميعا. أهـ. وعلى هذا استشهد المؤلف بالبيت. وقال السهيلي في الروض الأنف (١: ٢٤٣) اتفقت الرواة على تسميته إسراء، ولم يسمه أحد منهم سرى، وإن كان أهل اللغة قد قالوا: سرى، وأسرى بمعنى واحد، فدل على أن أهل اللغة لم يحققوا في العبارة.. إلى أن قال: لا يجوز أن يقال: سرى بعبده، بوجه من الوجوه؛ فلذلك لم تأت التلاوة إلا بوجه واحد في هذه القصة. أهـ.
موضع من كتابنا هذا. وقال: وقد ذُكر لنا أن النبيّ ﷺ كان ليلة أُسري به إلى المسجد الأقصى كان نائما في بيت أمّ هانئ ابنة أبي طالب.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا محمد بن إسحاق، قال: ثني محمد بن السائب، عن أبي صالح بن باذام عن أمّ هانئ بنت أبي طالب، في مسرى النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنها كانت تقول: ما أُسري برسول الله ﷺ إلا وهو في بيتي نائم عندي تلك الليلة، فصلى العشاء الآخرة، ثم نام ونمنا، فلما كان قُبيل الفجر، أهبنا رسول الله ﷺ فلما صلى الصبح وصلينا معه قال: "يا أمّ هانِئٍ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَكُمْ العِشاءَ الآخِرَةَ كَمَا رأيْت بِهَذَا الوَادِي، ثُمَّ جِئْتُ بَيْتَ المَقْدِسِ فَصَلَّيْتُ فِيهِ، ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلاةَ الغدَاةِ مَعَكُمُ الآنَ كَمَا تَرينَ".
وقال آخرون: بل أُسري به من المسجد، وفيه كان حين أسري به.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر بن عدي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن
أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة، وهو رجل من قومه قال: قال نبيّ الله صلى الله عليه وسلم: "بَيْنا أَنا عِنْدَ البَيْتِ بينَ النَّائِم واليَقْظَانِ، إِذْ سَمعْتُ قائلا يَقُولُ أَحَدُ الثلاثَةِ، فأتيت بطسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا مِنْ ماءِ زَمْزَمَ، فَشَرَحَ صَدْرِي إلى كَذَا وكَذَا، قال قتادة: قلت: ما يعني به؟ قال: إلى أسفل بطنه؛ قال: فاسْتَخْرَجَ قَلْبِي فَغُسلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ أُعِيدَ مَكَانَهُ، ثُمَّ حُشِيَ إِيمَانا وَحِكْمَةً، ثُمَّ أتِيتُ بِدَابَّةٍ أبْيَض"، وفي رواية أخرى: "بِدَابَّة بَيْضَاءُ يُقال لَهُ البُرَاقُ، فَوْقَ الحِمارِ وَدُونَ البَغْلِ يَقَعُ خَطْوُهُ مُنْتَهَى طَرْفِهِ، فحُمِلْتُ عَلَيْه ثُمَّ انْطَلَقْنا حتى أتَيْنَا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَصَلَّيْتُ فِيهِ بالنَّبِيينَ والمُرْسَلِينَ إماما، ثُمَّ عُرِجَ بِي إلى السَّماءِ الدُّنْيا ".... فذكر الحديث.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا خالد بن الحرث، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك، يعني ابن صعصعة رجل من قومه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، نحوه.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة رجل من قومه، قال: قال نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر نحوه.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: ثني عمرو بن عبد الرحمن، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بَيْنا أنا نائمٌ في الحِجْر جاءَنِي جِبْرِيلُ فَهَمَزَنِي بِقَدَمِهِ، فَجَلَسْتُ فَلَمْ أرَ شَيْئا، فَعُدْتُ لمَضْجَعِي، فجاءَني الثَّانِيةَ فَهَمَزَنِي بقَدَمِهِ، فَجَلَسْتُ فَلَمْ أَرَ شَيْئا، فَعُدْتُ لمَضْجَعِي، فجاءَني الثَّالِثَةَ فَهَمَزَنِي بقَدَمِهِ، فَجَلَسْتُ، فَأخَذَ بعَضُدِي فَقُمْتُ مَعَهُ، فَخَرَجَ بِي إلى بابِ المَسْجِدِ، فإذَا دَابَّةٌ بَيْضَاءُ بينَ الحِمارِ والبَغْلِ، لَهُ فِي فَخِذَيْهِ جنَاحان يَحْفِزُ بِهما رِجْلَيْهِ، يَضَعُ يَدَهُ فِي مُنْتَهَى طَرْفِه، فحَمَلَني عَلَيْهِ ثُمَّ خَرَجَ مَعي، لا يَفُوتُني ولا أفُوتُهُ".
حدثنا الربيع بن سليمان، قال: أخبرنا ابن وهب، عن سليمان بن بلال، عن شريك بن أبي نمر (١) قال: سمعت أنسا يحدثنا عن ليلة المسرى برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أوّلهم: أيهم هو؟ قال: أوسطهم هو خيرهم، فقال أحدهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة، فلم يرهم حتى جاءوا ليلة أخرى فيما يرى قلبه، والنبيّ ﷺ تنام عيناه، ولا ينام قلبه. وكذلك الأنبياء تنام أعينهم، ولا تنام قلوبهم. فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبرائيل عليه السلام، فشقّ ما بين نحره إلى لبَّته، حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم حتى أنقى جوفه، ثم أُتِيَ بطست من ذهب فيه تور محشوّ إيمانا وحكمة، فحشا به جوفه وصدره
(١) قال النووي في شرحه لصحيح مسلم (المطبعة المصرية ٢: ٢١٠) ذكر البخاري رحمه الله رواية شريك هذه عن أنس في صحيحه وأتى بالحديث مطولا. قال الحافظ عبد الحق رحمه الله في كتابه (الجمع بين الصحيحين) بعد ذكر هذه الرواية: هذا الحديث بهذا اللفظ من رواية شريك بن أبي نمر عن أنس، وقد زاد فيه زيادة مجهولة، وأتى فيه بألفاظ غير معروفة. وقد روى حديث الإسراء جماعة من الحفاظ المتقنين، والأئمة المشهورين، كابن شهاب، وثابت البناني وقتادة (يعني عن أنس) فلم يأت أحد منهم بما أتى به شريك، وشريك ليس بالحافظ عند أهل الحديث. وانظر أيضا ما قاله الشهاب الخفاجي في (نسيم الرياض في شرح فاء القاضي عياض ٢: ٢٤٣ - ٢٤٤، في نقده لرواية شريك بن أبي نمر سندا ومتنا).
ولغاديده (١) ثم أطبقه ثم ركب البراق، فسار حتى أتى به إلى بيت المقدس فصلى فيه بالنَّبيين والمرسلين إماما، ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب بابا من أبوابها، فناداه أهل السماء: من هذا؟ قال: هذا جبرائيل، قيل: من معك؟ قال: محمد، قيل: أوقد بُعث إليه (٢) ؟ قال: نعم، قالوا: فمرحبا به وأهلا فيستبشر به أهل السماء، لا يعلم أهل السماء بما يريد الله بأهل الأرض حتى يُعلمهم، فوجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبرائيل: هذا أبوك، فسلَّم عليه، فردّ عليه، فقال: مرحبا بك وأهلا يا بني، فنعم الابن أنت، ثم مضى به إلى السماء الثانية، فاستفتح جبرائيل بابا من أبوابها، فقيل: من هذا؟ فقال: جبرائيل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم قد أُرسل إليه، فقيل: مرحبا به وأهلا ففُتح لهما؛ فلما صعد فيها فإذا هو بنهرين يجريان، فقال: ما هذان النهران يا جبرائيل؟ قال: هذا النيل والفرات عنصرهما (٣) ؛ ثم عرج به إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبرائيل بابا من أبوابها، فقيل: من هذا؟ قال: جبرائيل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أوقد بُعث إليه؟ قال: نعم قد بُعث إليه، قيل: مرحبا به وأهلا ففُتح له فإذا هو بنهر عليه قباب وقصور من لؤلؤ وزبرجد وياقوت، وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله، فذهب يشمّ ترابه، فإذا هو مسك أذفر، فقال: يا جبرائيل ما هذا النهر؟ قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك في الآخرة؛ ثم عرج به إلى الرابعة، فقالوا له مثل ذلك؛ ثم عرج به إلى الخامسة، فقالوا له مثل ذلك؛ ثم عرج به إلى السادسة، فقالوا له مثل ذلك؛ ثم عرج به إلى السابعة، فقالوا له مثل ذلك، وكلّ سماء فيها أنبياء قد سماهم أنس، فوعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلامه الله، فقال موسى: رب لم أظن أن يرفع عليّ أحد، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا باب الجبَّار ربّ العزّة، فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما شاء، وأوحى الله فيما أوحى خمسين صلاة على أمته كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى فاحتبسه، فقال: يا محمد ماذا عهد إليك ربك؟ قال: "عهد إليّ خمسين صلاة على أمتي كل يوم وليلة؛ قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك، فارجع فليخفف عنك وعنهم، فالتفتّ إلى جبرائيل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه أن نعم، فعاد به جبرائيل حتى أتى الجبَّار عزّ وجلّ وهو مكانه، فقال: "ربّ خفف عنا، فإن أمتي لا تستطيع هذا، فوضع عنه عشر صلوات؛ ثم رجع إلى موسى عليه السلام فاحتبسه، فلم يزل يردّده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه عند الخمس، فقال: يا محمد قد والله راودتُ بني إسرائيل على أدنى من هذه الخمس، فضعفوا وتركوه، فأمتك أضعف أجسادا وقلوبا وأبصارا وأسماعا، فارجع فليخفف عنك ربك، كلّ ذلك يلتفت إلى جبرائيل ليشير عليه، ولا يكره ذلك جبرائيل، فرفعه عند الخمس، فقال: يا ربّ إن أمتي ضعاف أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم، فخفف عنا، قال الجبَّار جلّ جلاله: يا محمد، قال: لبَيك وسعديك، فقال: إني لا يُبدّل القول لديّ كما كتبت عليك في أمّ الكتاب، ولك بكلّ حسنة عشر أمثالها، وهي خمسون في أمّ الكتاب، وهي خمس عليك؛ فرجع إلى موسى، فقال: كيف فعلت؟ فقال: خفَّف عني، أعطانا بكلّ حسنة عشر أمثالها، قال: قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من هذا فتركوه فارجع فليخفف عنك أيضا، قال: "يا موسى قد والله استحييت من ربي مما أختلف إليه، قال: فاهبط باسم الله، فاستيقظ وهو في المسجد الحرام.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يقال: إن الله عزّ وجلّ أخبر أنه أسرى بعبده من المسجد الحرام والمسجد الحرام هو الذي يتعارفه الناس بينهم إذا ذكروه، وقوله (إلى المَسْجِدِ الأقْصَى) يعني: مسجد بيت المقدس، وقيل له: الأقصى، لأنه أبعد المساجد التي تزار، ويُبتغَى في زيارته الفضل بعد المسجد الحرام. فتأويل الكلام تنزيها لله، وتبرئة له مما نحله المشركون من الإشراك والأنداد والصاحبة، وما يجلّ عنه جلّ جلاله، الذي سار بعبده ليلا من بيته الحرام إلى بيته الأقصى.
(١) في البخاري (باب التوحيد) : فحشا به صدوره ولغاديده، يعني عروق حلقه.
(٢) في البخاري (طبعة الحلبي ٩: ١٨٣) :"وقد بعث". وقد أبقينا رواية المؤلف كما هي، لاختلاف نسخ البخاري في رواية بعض الكلم.
(٣) كذا في البخاري أيضا.
ثم اختلف أهل العلم في صفة إسراء الله تبارك وتعالى بنبيه ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فقال بعضهم: أسرى الله بجسده، فسار به ليلا على البُراق من بيته الحرام إلى بيته الأقصى حتى أتاه، فأراه ما شاء أن يريه من عجائب أمره وعبره وعظيم سُلطانه، فجمعت له به الأنبياء، فصلى بهم هُنالك، وعَرج به إلى السماء حتى صعد به فوق السماوات السبع، وأوحى إليه هنالك ما شاء أن يوحي ثم رجع إلى المسجد الحرام من ليلته، فصلى به صلاة الصبح.
* ذكر من قال ذلك، وذكر بعض الروايات التي رُويت عن رسول الله ﷺ بتصحيحه.
حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: أخبرني ابن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن رسول الله ﷺ أُسري به على البُراق، وهي دابَّة إبراهيم التي كان يزور عليها البيت الحرام، يقع حافرها موضع طرفها، قال: فمرّت بعير من عيرات قريش بواد من تلك الأودية، فنفرت العير، وفيها بعير عليه غرارتان: سوداء، وزرقاء، حتى أتى رسول الله ﷺ إيلياء فأتى بقدحين: قدح خمر، وقدح لبن، فأخذ رسول الله ﷺ قدح اللبن، فقال له جبرائيل: هُديت إلى الفطرة، لو أخذت قدح الخمر غوت أمتك. قال ابن شهاب: فأخبرني ابن المسيب أن رسول الله ﷺ لقي هناك إبراهيم موسى وعيسى، فنعتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "فَأمَّا مُوسَى فَضَرْبٌ رَجْلُ الرأسِ كأنَّهُ مِنْ رِجالِ شَنُوءَةَ، وأمَّا عِيسَى فَرَجْلٌ أحْمَرُ كأنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ، فأشْبَهُ مَنْ رأيْتُ بِهِ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ؛ وأمَّا إبْرَاهِيمُ فأنا أشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ؛ فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حدث قريشا أنه أُسري به. قال عبد الله: فارتدّ ناس كثير بعد ما أسلموا، قال أبو سلمة: فأتى أبو بكر الصدّيق، فقيل له: هل لك في صاحبك، يزعم أنه أسري به إلى بيت المقدس ثم رجع في ليلة واحدة، قال أبو بكر: أوقال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: فأشهد إن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: أفتشهد أنه جاء الشام في ليلة واحدة؟ قال: إني أصدّقه بأبعد من ذلك، أصدّقه بخبر
السماء. قال أبو سلمة: سمعت جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لما كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ قُمْتُ فَمَثَّلَ الله لي بَيْتَ المَقْدِسِ، فَطَفِقتُ أُخْبرُهُم عَنْ آياتِهِ وأنا أنْظُرُ إلَيْهِ".
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني يعقوب بن عبد الرحمن الزهري، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، عن أنس بن مالك، قال: لما جاء جبرائيل عليه السلام بالبراق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكأنها ضربت بذنبها، فقال لها جبرائيل: مه يا براق، فوالله إن ركبك مثله، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو بعجوز ناء عن الطريق: أي على جنب الطريق.
قال أبو جعفر: ينبغي أن يقال: نائية، ولكن أسقط منها التأنيث.
فقال: "ما هذه يا جبرائيل؟ قال: سر يا محمد، فسار ما شاء الله أن يسير، فإذا شيء يدعوه متنحيا عن الطريق يقول: هلمّ يا محمد، قال جبرائيل: سر يا محمد، فسار ما شاء الله أن يسير؛ قال: ثم لقيه خلق من الخلائق، فقال أحدهم: السلام عليك يا أوّل، والسلام عليك يا آخر، والسلام عليك يا حاشر، فقال له جبرائيل: اردد السلام يا محمد، قال: فردّ السلام، ثم لقيه الثاني، فقال له مثل مقالة الأوّلين (١) حتى انتهى إلى بيت المقدس، فعرض عليه الماء واللبن والخمر، فتناول رسول الله ﷺ اللبن، فقال له جبرائيل: أصبت يا محمد الفطرة، ولو شربت الماء لغرقت وغرقت أمتك، ولو شربت الخمر لغويت وغوت أمتك، ثم بعث له آدم فمن دونه من الأنبياء، فأمَّهم رسول الله ﷺ تلك الليلة. ثم قال له جبرائيل: أما العجوز التي رأيت على جانب الطريق، فلم يبق من الدنيا إلا بقدر ما بقي من عمر تلك العجوز، وأما الذي أراد أن تميل إليه، فذاك عدوّ الله إبليس، أراد أن تميل إليه؛ وأما الذين سلَّموا عليك، فذاك إبراهيم وموسى وعيسى".
حدثني عليّ بن سهل، قال: ثنا حجاج، قال: أخبرنا أبو جعفر
(١) نص العبارة في الدر المنثور للسيوطي (٤: ١٣٩) ثم بقية الثانية، فقال له مثل ذلك، ثم الثالثة كذلك، ولعل في الكلام سقطا.
الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية الرياحي، عن أبي هريرة أو غيره "شكّ أبو جعفر" في قول الله عزّ وجلّ (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) قال: جاء جبرائيل إلى النبيّ ﷺ ومعه ميكائيل، فقال جبرائيل لميكائيل: ائتني بطست من ماء زمزم كيما أطهر قلبه، وأشرح له صدره، قال: فشقّ عن بطنه، فغسله ثلاث مرّات، واختلف إليه ميكائيل بثلاث طسات من ماء زمزم، فشرح صدره، ونزع ما كان فيه من غلّ، وملأه حلما وعلما وإيمانا ويقينا وإسلاما، وختم بين كتفيه بخاتم النبوّة، ثم أتاه بفرس فحمل عليه كلّ خطوة منه منتهى طرفه وأقصى بصره، قال: فسار وسار معه جبرائيل عليه السلام، فأتى على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم، كلما حصدوا عاد كما كان، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: يا جبْرَائيلُ ما هَذَا؟ قال: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله، تُضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف، وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين؛ ثم أتى على قوم تُرضخ رءوسهم بالصخر، كلما رضخت عادت كما كانت، لا يفتر عنهم من ذلك شيء، فقال: ما هؤلاء يا جبرائِيل؟ قال: هؤلاء الذين تتثاقل رءوسهم عن الصلاة المكتوبة؛ ثم أتى على قوم على أقبالهم رقاع، وعلى أدبارهم رقاع، يسرحون كما تسرح الإبل والغنم، ويأكلون الضريع والزقُّوم ورضف جهنم وحجارتها، قال: ما هَؤُلاء يا جَبْرائِيلُ؟ قال: هؤلاء الذين لا يؤدّون صدقات أموالهم، وما ظلمهم الله شيئا، وما الله بظلام للعبيد، ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدور، ولحم آخر نيء قذر خبيث، فجعلوا يأكلون من النيء، ويدَعون النضيج الطَّيب، فقال: ما هَؤُلاء يا جَبْرائِيلُ؟ قال: هذا الرجل من أمتك، تكون عنده المرأة الحلال الطَّيب، فيأتي امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى يصبح، والمرأة تقوم من عند زوجها حلالا طيبا، فتأتي رجلا خبيثا، فتبيت معه حتى تصبح؛ قال: ثم أتى على خشبة في الطريق لا يمرّ بها ثوب إلا شقَّته، ولا شيء إلا خرقته، قال: ما هَذَا يا جَبْرائِيلُ؟ قال: هذا مثَل أقوام من أمتك يقعدون على الطريق فيقطعونه. ثم قرأ (وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ... ) الآية. ثم أتى على رجل قد جمع حزمة حطب عظيمة لا يستطيع ح ملها، وهو يزيد عليها، فقال: ما هذا يا جَبْرائِيلُ؟ قال: هذا الرجل من أمتك تكون عنده أمانات الناس لا يقدر على أدائها، وهو يزيد عليها، ويريد أن يحملها، فلا يستطيع ذلك؛ ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد، كلما قرضت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء، قال: ما هؤلاء يا جَبْرائِيلُ؟ فقال: هؤلاء خطباء أمتك خطباء الفتنة يقولون ما لا يفعلون، ثم أتى على جحر صغير يخرج منه ثور عظيم، فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع، فقال: ما هَذَا يا جَبْرائِيلُ؟ قال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة، ثم يندم عليها، فلا يستطيع أن يردّها، ثم أتى على واد، فوجد ريحا طيبة باردة، وفيه ريح المسك، وسمع صوتا، فقال: يا جَبْرَائِيلُ ما هَذِهِ الرّيحُ الطَّيِّبَةُ البارِدَة وهَذِهِ الرَّائحَةُ الَّتي كَرِيحِ المسْكِ، ومَا هَذَا الصَّوْتُ؟ قال: هذا صوت الجنة تقول: يا ربّ آتني ما وعدتني، فقد كثرت غرفي وإستبرقي وحريري وسندسي وعبقري، ولؤلؤي ومرجاني، وفضتي وذهبي، وأكوابي وصحافي وأباريقي، وفواكهي ونخلي ورماني، ولبني وخمري، فآتني ما وعدتني، فقال: لك كلّ مسلم ومسلمة، ومؤمن ومؤمنة، ومن آمن بي وبرسلي، وعمل صالحا ولم يُشرك بي، ولم يتخذ من دوني أندادا، ومن خشيني فهو آمن، ومن سألني أعطيته، ومن أقرضني جزيته، ومن توكَّل عليّ كفيته، إني أنا الله لا إله إلا أنا لا أخلف الميعاد، وقد أفلح المؤمنون، وتبارك الله أحسن الخالقين، قالت: قد رضيت؛ ثم أتى على واد فسمع صوتا منكرا، ووجد ريحا منتنة، فقال: وما هَذِهِ الرّيحُ يا جَبْرَائِيلُ ومَا هَذَا الصَّوْتُ؟ قال: هذا صوت جهنم، تقول: يا ربّ آتني ما وعدتني، فقد كثرت سلاسلي وأغلالي، وسعيري وجحيمي، وضريعي وغسَّاقي، وعذابي وعقابي، وقد بعُد قعري واشتدّ حرّي، فآتني ما وعدتني، قال: لك كلّ مشرك ومشركة، وكافر وكافرة، وكلّ خبيث وخبيثة، وكلّ جبَّار لا يؤمن بيوم الحساب، قالت: قد رضيت؛ قال: ثم سار حتى أتى بيت المقدس، فنزل فربط فرسه إلى صخرة، ثم دخل فصلى مع الملائكة؛ فلما قُضيت الصلاة. قالوا: يا جبرائيل من هذا معك؟ قال: محمد، فقالوا: أوقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قالوا: حيَّاه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء؛ قال: ثم لقي أرواح الأنبياء فأثنوا على ربهم، فقال إبراهيم: الحمد لله الذي اتخذني خليلا وأعطاني ملكا عظيما، وجعلني أمَّة قانتا لله يؤتمّ بي، وأنقذني من النار، وجعلها عليّ بردا وسلاما؛ ثم إن موسى أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي كلَّمني تكليما، وجعل هلاك آل فرعون ونجاة بني إسرائيل على يدي، وجعل من أمتي قوما يهدون بالحقّ وبه يعدلون؛ ثم إن داود عليه السلام أثنى على ربه، فقال: الحمد لله الذي جعل لي ملكا عظيما وعلَّمني الزّبور، وألان لي الحديد، وسخَّر لي الجبال يسبحن والطير، وأعطاني الحكمة وفصل الخطاب؛ ثم إن سليمان أثنى على ربه، فقال: الحمد لله الذي سخَّر لي الرياح، وسخَّر لي الشياطين، يعملون لي ما شئت من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب، وقدور راسيات، وعلَّمني منطق الطير، وآتاني من كلّ شيء فضلا وسخَّر لي جنود الشياطين والإنس والطير، وفضَّلني على كثير من عباده المؤمنين، وآتاني ملكا عظيما لا ينبغي لأحد من بعدي، وجعل ملكي ملكا طيبا ليس عليّ فيه حساب؛ ثم إن عيسى عليه السلام أثنى على ربه، فقال: الحمد لله الذي جعلني كلمته وجعل مثلي مثل آدم خلقه من تراب، ثم قال له: كن فيكون، وعلمني الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، وجعلني أخلق من الطين هيئة الطير، فأنفخ فيه، فيكون طيرا بإذن الله، وجعلني أبرئ الأكمة والأبرص، وأحيي الموتى بإذن الله، ورفعني وطهرني، وأعاذني وأمي من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان علينا سبيل؛ قال: ثم إن محمدا ﷺ أثنى على ربه، فقال: كُلْكُمْ أَثْنَى عَلَى رَبِّه، وأنا مُثْنٍ عَلى رَبِّي، فقال: الحَمْدُ لله الذي أرْسَلَنِي رَحْمَةً للعالَمِينَ، وكافةً للناس بَشِيراً ونَذَيرًا، وأَنزلَ عَليَّ الفُرقَانَ فِيه تِبْيانُ كُلّ شَيْءٍ، وَجَعَلَ أُمَّتِي خَيْرَ أُمةٍ أُخْرِجَتْ للناسِ، وَجَعَلَ أُمَّتِي وَسَطا، وَجَعَلَ أُمَّتِي هُمُ الأوَّلوُنَ وَهُمُ الآخِرُونَ، وَشَرَحَ لي صَدْرِي، وَوَضَعَ عني وِزْرِي وَرَفَعَ لي ذِكْرِي، وَجَعَلَني فاتحا خاتِما، قال إبراهيم: بهذا فضلكم محمد. - قال أبو جعفر: وهو الرازي: خاتم النبوّة، وفاتح بالشفاعة يوم القيامة - ثم أتي إليه بآنية ثلاثة مغطاة أفواهها، فاتى بإناء منها فيه ماء، فقيل: اشرب، فشرب منه يسيرا، ثم دفع إليه إناء آخر فيه لبن، فقيل له: اشرب، فشرب منه حتى روي، ثم دفع إليه إناء آخر فيه خمر، فقيل له: اشرب، فقال: لا أريده قد رويت، فقال له جبرائيل صلى الله عليه وسلم: أما إنها سَتُحَرّم على أمتك، ولو شربت منها لم يتبعك من أمتك إلا القليل، ثم عَرَج به إلى سماء الدنيا، فاستفتح جبرائيل بابا من أبوابها، فقيل: من هذا؟ قال: جبرائيل، قيل: ومن معك؟ فقال: محمد، قالوا: أوقد أُرسل إليه، قال: نعم، قالوا: حيَّاه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء، فدخل فإذا هو برجل تامّ الخلق لم ينقص من خلقه شيء، كما ينقص من خلق الناس، على يمينه باب، يخرج منه ريح طيبة، وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة، إذا نظر إلى الباب الذي عن يمينه ضحك واستبشر، وإذا نظر إلى الباب الذي عن شماله بكى وحزن، فقلت: يا جَبْرَائيِلُ مَنْ هَذَا الشَّيْخُ التَّامُ الخَلْقِ الَّذِي لَمْ يَنْقُصْ مِنْ خَلْقِهِ شَيْءٌ، ومَا هَذَانِ البابان؟ قال: هذا أبوك آدم، وهذا الباب الذي عن يمينه باب الجنة، إذا نظر إلى من يدخله من ذرّيته ضحك واستبشر، والباب الذي عن شماله باب جهنم، إذا نظر إلى من يدخله من ذرّيته بكى وحزن؛ ثم صعد به جبرائيل ﷺ إلى السماء الثانية فاستفتح، فقيل من هذا؟ قال: جبرائيل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد رسول الله، فقالوا: أوقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قالوا: حيَّاه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء، قال: فإذا هو بشابين، فقال: يا جَبْرَائِيلُ مَنْ هَذَانِ الشابَّانِ؟ قال: هذا عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكريا ابنا الخالة؛ قال: فصعد به إلى السماء الثالثة، فاستفتح، فقالوا: من هذا؟ قال: جبرائيل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: أوقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قالوا: حيَّاه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء، قال: فدخل فإذا هو برجل قد فَضَل على الناس كلهم في الحُسن، كما فُضّل القمرُ ليلة البدر على سائر الكواكب، قال: مَنْ هَذَا يا جِبْرَئِيلُ الَّذِي فَضَلَ على النَّاسِ في الحُسْنِ؟ قال: هذا أخوك يوسف؛ ثم صعد به إلى السماء الرابعة، فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال جبرائيل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: أوقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قالوا: حيَّاه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء؛ قال: فدخل، فإذا هو برجل، قال: مَنْ هَذَا يا جَبْرَائِيلُ؟ قال: هذا إدريس رفعه الله مكانا عليًّا؛ ثم صعد به إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبرائيل، فقالوا: من هذا؟ فقال: جبرائيل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: أوقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قالوا: حيَّاه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء؛ ثم دخل فإذا هو برجل جالس وحوله قوم يقصّ عليهم، قال: مَنْ هَذَا يا جَبْرَائِيلُ وَمَنْ هَؤُلاء الَّذِينَ حَوْلَهُ؟ قال: هذا هارون المحبب في قومه، وهؤلاء بنو إسرائيل؛ ثم صعد به إلى السماء السادسة، فاستفتح جبرئيل، فقيل له: من هذا؟ قال: جبرئيل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: أوقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قالوا: حيَّاه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء، فإذا هو برجل جالس، فجاوزه، فبكى الرجل، فقال: يا جَبْرَائِيلُ مَنْ هَذَا؟ قال: موسى، قال: فَمَا بالُهُ يَبْكي؟ قال: تزعم بنو إسرائيل أني أكرم بنى آدم على الله، وهذا رجل من بني آدم قد خلفني في دنيا، وأنا في أخرى، فلو أنه بنفسه لم أبال، ولكن مع كل نبيّ أمته؛ ثم صَعَد به إلى السماء السابعة، فاستفتح جبرائيل، فقيل: من هذا؟ قال: جبرائيل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: أوقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قالوا: حيَّاه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء، قال: فدخل فإذا هو برجل أشمط جالس عند باب الجنة على كرسي، وعنده قوم جلوس بيض الوجوه، أمثال القراطيس، وقوم في ألوانهم شيء، فقام هؤلاء الذين في ألوانهم شيء، فدخلوا نهرا فاغتسلوا فيه، فخرجوا وقد خلص من ألوانهم شيء، ثم دخلوا نه
هذه السدرة المنتهى، إليها ينتهي كلّ أحد خلا على سبيلك من أمتك؛ وقال أيضا في الورقة منها تظلّ الخلق كلهم، تغشاها الملائكة مثل الغربان حين يقعن على الشجرة، من حُبّ الله عزّ وجلّ وسائر الحديث مثل حديث عليّ.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري؛ وحدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: ثنا معمر، قال: أخبرنا أبو هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، واللفظ لحديث الحسن بن يحيى، في قوله (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى) قال: ثنا النبيّ ﷺ عن ليلة أُسري به فقال نبيّ الله: "أُتِيتُ بِدَابَّة هي أَشْبَهُ الدَّوَاب بالبَغْلِ، لَهُ أذُنانِ مُضّطَرِبَتان وَهُوَ البُرَاقُ، وَهُوَ الَّذِي كانَ تَرْكَبُهُ الأنَبْيِاءُ قَبْلِي، فَرَكِبْتُهُ، فانْطَلَقَ بِي يَضَعُ يَدَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى بَصَرِه، فَسَمِعْتُ نِدَاءً عَنْ يَمِينِي: يا مُحَمَّد عَلى رِسْلِك أسألْكَ، فَمَضَيْتُ ولَمْ أُعَرِّجْ عَلَيْهِ؛ ثُمَّ سَمِعْتُ نِدَاءً عَنْ شمِالي: يا مُحَمَّد عَلى رِسْلِك أسألْكَ، فَمَضَيْتُ ولَمْ أُعَرِّجْ عَلَيْهِ؛ ثُمَّ اسْتَقْبَلْتُ امْرَأةً فِي الطَّرِيقِ، فَرأيْتُ عَلَيْها مِنْ كُلّ زِينَةٍ مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا رَافعَةً يَدَها، تَقُولُ: يا مُحَمَّدُ على رِسْلِكَ أسألْكَ، فَمَضَيْتُ ولَمْ أُعَرِّجْ عَلَيْهَا، ثُمَّ أتَيْتُ بَيْتَ المَقْدِسِ، أوْ قالَ المَسْجِدَ الأقْصَى، فَنزلْتُ عَنِ الدَّابَّةِ فَأوْثقْتُها بالحَلْقَة التي كانَت الأنْبِياءُ تُوثِقُ بِها، ثُمَّ دَخَلْتُ المَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ، فقالَ لي جَبْرَئِيل: ماذَا رأيْتَ فِي وَجْهِكَ، فَقُلْتُ: سَمِعْتُ نِدَاءً عَنْ يَمِينِي أنْ يا مُحَمَّدُ عَلى رِسْلِكَ أسألْكَ، فَمَضَيْتُ ولَمْ أُعَرِّجْ عَلَيْهِ، قالَ: ذاكَ دَاعِيَ اليَهُود، أما لَو أنَّك وَقَفْتَ عليه لتهودت أُمَّتُكَ، قال: ثُمَّ سَمِعْتُ ندَاءً عَنْ يَسارِي أنْ يا مُحَمَّدُ عَلى رِسْلِكَ أسألْكَ، فَمَضَيْتُ وَلَمْ أُعَرِّجْ عَلَيْهِ، قالَ: ذَاكَ داعي النَّصَارَى، أمَا إِنَّكَ لَوْ وَقَفْتَ عَلَيْهِ لَتَنَصَّرَتْ أُمَّتُكَ، قُلْتُ: ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْنِي امْرأةٌ عَلَيْها مِنْ كُلّ زِينَةٍ مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا رَافِعَةً يَدَها تَقُولُ عَلى رِسْلِكَ، أسألْكَ، فَمَضَيْتُ ولَمْ أُعَرِّجْ عَلَيْهَا، قال: تِلْكَ الدُّنْيا تَزَيَّنَتْ لَكَ، أمَا إنَّكَ لَوْ وَقَفْتَ عَلَيْها لاخْتارَتْ أُمَّتُكَ الدُّنْيا على الآخِرَةِ، ثُمَّ أُتِيتُ بإناءَيْنِ أحَدُهُما فِيهِ لبَنٌ، والآخرُ فيه خَمْرٌ، فَقِيلَ لي: اشْرَبْ أيَّهُما شِئْتَ، فَأخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ، قال: أصَبْتَ الفِطْرَةَ أوْ قالَ: أخَذْتَ الفِطْرَةَ".
قال معمر: وأخبرني الزهري، عن ابن المسيب أنه قيل له: أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك.
قال أبو هارون في حديث أبي سعيد: "ثُمَّ جِيءَ بالمِعْرَاجِ الَّذِي تَعْرُجُ فِيهِ أرْوَاحُ بَنِي آدَمَ فإِذَا هُوَ أحْسَنُ ما رأيْتُ ألَمْ تَرَ إلى المَيّتِ كَيْفَ يُحِدُّ بَصَرَهُ إلَيْهِ فَعُرِجَ بنا فِيهِ حتى انْتَهَيْنا إلى بابِ السَّماءِ الدُّنْيا، فاسْتَفْتَحَ جَبْرَائِيلُ، فَقِيلَ مَنْ هَذَا؟ قالَ جَبْرَائِيلُ؟ قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قال: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: أوَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قال: نَعَمْ، فَفَتَحُوا وَسَلَّمُوا عَليَّ، وَإِذَا مَلَكٌ مُوَكَّلٌ يَحْرُسُ السَّماءَ يُقَال لَهُ إسْماعِيلُ، مَعَهُ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ مَعَ كُلّ مَلَكٍ مِنْهُمْ مِئَةُ ألْفٍ، ثم قرأ (ومَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ) وَإِذَا أنا بِرَجُلٍ كَهَيْئَتِهِ يَوْم خَلَقَهُ الله لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ شَيءٌ، فإِذَا هُوَ تُعْرَض عَلَيْهِ أرْوَاحُ ذُرّيَّتِهِ، فإذَا كانَتْ رُوح مُؤْمِنٍ، قالَ: رُوحٌ طَيِّبَةٌ، وَرِيحٌ طَيِّبَةٌ، اجْعَلُوا كِتابَهُ فِي عِلِّيِينَ؛ وَإِذَا كانَ رُوحُ كافِرٍ قالَ: رُوحٌ خَبِيثَةٌ وَرِيحٌ خَبِيثَةٌ، اجْعَلُوا كِتابَهُ فِي سِجِّيلٍ، فَقُلْتُ: يا جَبْرَئِيلُ مَنْ هَذَا؟ قال: أبُوك آدَمُ، فَسَلَّمَ عَليَّ وَرَحَّبَ بِي وَدَعا لي بِخَيْرٍ وقَال: مَرْحَبا بالنَّبيّ الصَّالِحِ والوَلَدِ الصَّالِحِ، ثُمَّ نَظَرْتُ فإِذَا أنا بقَوْمٍ لَهُمْ مشَافِرُ كمشَافِرِ الإبِلِ، وَقَدْ وُكِّلَ بِهِمْ مَنْ يَأْخُذُ بِمَشافِرِهِمْ، ثُمَّ يُجْعَلُ في أفْوَاهِهِمْ صَخْرًا مِنْ نارٍ يَخْرُجُ مِنْ أسافِلِهِمْ، قُلْتُ: يَا جَبْرَئِيلُ مَنْ هَؤُلاءِ؟ قال: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتامَى ظُلْما، ثُمَّ نَظَرْتُ فإِذَا أنا بِقَوْمٍ يُحْذَى مِنْ جُلُودِهِمْ ويُرَدُّ فِي أفْوَاهِهِمْ، ثُمَّ يُقال: كُلُوا كمَا أكَلْتُمْ، فإِذَا أكْرَه ما خَلَقَ الله لَهُمْ ذلكَ، قُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ يا جَبْرَئِيلُ؟ قال: هَؤُلاءِ الهَمَّازُونَ اللَّمازُون الذِينَ يأكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، ويَقَعُونَ فِي أعْرَاضِهِمْ، بالسَّبّ، ثُمَّ نَظَرْتُ فإذَا أنا بِقَوْمٍ عَلى مائِدَة عَلَيْها لَحْمٌ مَشْويّ كأَحْسَنِ ما رأيْتُ مِنَ اللحْمِ، وَإذَا حَوْلَهُمْ جِيَفٌ، فَجَعَلُوا يَمِيلُونَ عَلى الجِيَفِ يَأكُلُونَ مِنْها وَيَدَعُونَ ذلكَ اللحْمَ، قُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ يا جَبْرَئِيلُ؟ قالَ: هَؤُلاء الزُّناةُ عَمَدُوا إلى مَا حَرَّمَ الله عَلَيْهِمْ، وَتَرَكُوا ما أحَلَّ الله لَهُمْ، ثُمَّ نَظَرْتُ فإِذَا أنا بقَوْمٍ لَهُمْ بُطُونٌ كأَنَّها الُبُيوتُ وَهيَ على سابِلَة آل فِرْعَوْنَ، فإذَا مَرَّ بِهِمْ آلُ فِرْعَوْنَ ثارُوا، فَيمِيلُ بأحَدِهِمْ بَطْنُهُ فَيَقَعُ، فَيَتَوَطئُوهُمْ آلُ فِرْعَوْنَ بأرْجُلِهِمْ، وَهُمْ يُعْرَضُونَ عَلى النارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا؛ قُلْتُ: مَنْ هَؤُلاء يا جَبْرَئِيلُ؟ قال: هَؤُلاء أكَلَةُ الرّبا، رَبا فِي بُطُونِهِم، فَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ
من المَسّ؛ ثُمَّ نَظَرْتُ، فإِذَا أنا بنِساءٍ مُعَلَّقاتٍ بِثُدُيِّهِنَّ، وَنِساءٌ مُنَكَّساتٌ بأرْجُلِهِنَّ، قُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ يا جَبْرَئِيلُ؟ قال: هنّ اللاتي يَزْنِينَ وَيَقْتُلْنَ أولادَهُنَّ قالَ: ثُمَّ صَعَدْنا إلى السَّماء الثَّانِيَةِ، فإذَا أنا بِيُوسُف وحَوْلهُ تَبَعٌ مِنْ أُمَّتِهِ، وَوَجْهُهُ كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ وَرَحَّبَ بِي، ثُمَّ مَضَيْنَا إلى السَّماءِ الثَّالِثَةِ، فإذا أنا بابْنَيِ الخَالَةِ يَحيَى وَعِيسَى، يُشْبِهُ أحَدُهُما صَاحِبَهُ، ثِيابُهما وَشَعْرُهُما، فَسَلَّما عَليَّ، وَرَحَّبا بِي، ثُمَّ مَضَيْنَا إلى السَّماء الرّابِعَةِ، فإذا أنا بإدْرِيسَ، فَسَلَّمَ عَليَّ وَرَحَّب وَقَدْ قالَ الله (وَرَفَعْناه مَكانا عَلِيًّا) ؛ ثُمَّ مَضَيْنا إلى السَّماءِ الخَامِسَةِ، فإذا أنا بِهارُون المُحَبَّبِ فِي قَوْمِهِ، حَوْلَهُ تَبَعٌ كَثِيرٌ مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَصَفَهُ النَّبِيُّ صَلى الله عليه وسَلَّمَ: طَوِيلُ اللِّحْيَة تَكادُ لِحْيَتُهُ تَمَسُّ سُرَّتَهُ، فَسلَّمَ عَليَّ وَرَحَّبَ؛ ثُمَّ مَضَيْنا إلى السَّماء السَّادسَة فإذَا أنا بِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ فَوَصَفَهُ النَّبِيُّ صَلى الله عليه وسلَّمَ فقال: كَثِيرُ الشَّعْرِ لَوْ كانَ عَلَيْهِ قَمِيصَانِ خَرَجَ شَعْرُهُ مِنْهُما؛ قالَ مُوسَى: تَزْعَمُ النَّاسُ أنّي أكْرَمُ الخَلْقِ عَلى الله، فَهَذَا أكْرَمُ على الله مِنِّي، وَلَوْ كانَ وَحْدَهُ لَمْ أكُنْ أُبالي، وَلكِنْ كُلُّ نَبِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أُمَّتِهِ؛ ثُمَّ مَضَيْنَا إلى السَّماءِ السَّابِعَةِ، فإِذَا أنا بإبْرَاهِيمَ وَهُوَ جالِس مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إلى البَيْتِ المَعْمُورِ فَسَلَّمَ عَليَّ وقَال: مَرْحَبا بالنَّبِيّ الصَّالِحِ وَالوَلَدِ الصَّالِحِ، فَقِيلَ: هَذَا مَكانُكَ وَمَكانُ أُمَّتِك، ثُمَّ تَلا (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) ثُمَّ دَخَلْتُ البَيْتَ المَعْمُورَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ، وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إلَى يَوْمِ القِيامَة؛ ثُمَّ نَظَرْتُ فإِذَا أنا بِشَجَرَةٍ إِنْ كانَتْ الوَرَقَةُ مِنْها لمُغطِّيَةٌ هذهِ الأمَّةَ، فإذَا فِي أصْلِها عَيْنٌ تَجْرِي قَدْ تَشَعَّبَتْ شُعْبَتَيْنِ، فَقُلْتُ: ما هَذا يا جَبْرَئِيلُ؟ قال: أمَّا هذَا: فَهُوَ نَهْرُ الرَّحمَةِ، وأمَّا هذَا: فَهُوَ الكَوْثَرُ الذِي أعْطاكَهُ الله، فاغْتَسَلْتُ فِي نَهْرِ الرَّحمَةِ فَغُفِرَ لي ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي ومَا تَأخَّرَ، ثُمَّ أخذتُ عَلى الكَوْثَرِ حتى دَخَلْتُ الجَنَّة، فإذَا فِيها، ما لا عَيْنٌ رأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، وَإِذَا فِيها رُمَّانٌ كأنَّهُ جُلُودُ الإبِلِ المُقَتَّبَةُ، وإِذَا فِيها طَيْرٌ كأنَّها البُخْتُ، فقالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّ تِلكَ الطَّيْرَ لنَاعِمَةٌ، قالَ: أكَلَتُها أنْعَمُ مِنْها يا أبا بَكْرٍ، وإنّي لأرْجو أنْ تَأكُلَ مِنْها، ورأيْتُ فِيها جارِيَةً، فَسألْتُها: لِمَنْ أنْتِ؟ فَقالَتْ: لِزَيْد بْنِ حارِثَة فَبَشَّرَ بها رَسُولُ الله صَلى الله عليه وسلَّمَ زَيْدًا؛ قالَ: ثُمَّ إِنَّ الله أمَرَنِي بأمْرِهِ، وفَرَضَ عَليَّ خَمْسِينَ صَلاةً، فَمَرَرْتُ عَلى مُوسَى، فقالَ: بِمَ أمَرَكَ رَبُّكَ؟ قُلْتُ: فَرضَ عَليَّ خَمْسِينَ صَلاةً، قالَ: ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فأسأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فإنَّ أُمَّتَكَ لَنْ يَقُومُوا بِهذَا، فَرَجَعْتُ إلى رَبّي فَسألْتُهُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، ثُمَّ رَجَعْتُ إلى مُوسَى، فَلَمْ أزَلْ أرْجِعُ إلى رَبّي إذَا مَرَرْتُ بِمُوسَى حتى فَرَضَ عَليَّ خَمْسَ صَلَوَاتٍ، فَقالَ مُوسَى: ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسألْهُ التَّخْفِيفَ، فَقُلْتُ: قَدْ رَجَعْتُ إلى رَبّي حتى اسْتَحْيَيْتُ؛ أو قالَ: قُلْتُ: ما أنا بِرَاجِعٍ، فَقِيلَ لي: إِنَّ لَكَ بِهذِه الخَمْسِ صَلَوَاتِ خَمْسِينَ صَلاةً، الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِهَا، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ، وَمَنْ عَمِلَها كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئةٍ فَلَم يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ شَيْئا، فإنْ عَمِلَها كُتِبَتْ وَاحدَةً".
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني روح بن القاسم، عن أبي هارون عمارة بن جوين العبدي، عن أبي سعيد الخدري؛ وحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: وثني أبو جعفر، عن أبي هارون، عن أبي سعيد، قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "لَمَّا فَرَغْتُ مِمَّا كانَ فِي بَيْتِ المَقْدِسِ، أُتِيَ بالمِعْرَاجِ، ولَمْ أرَ شَيْئا قَطُّ أحْسَنَ مِنْهُ، وَهُوَ الَّذِي يَمُدُّ إلَيْهِ مَيِّتُكُمْ عَيْنَيْهِ إذا حَضَرَ، فَأصْعَدَنِي صَاحِبي فِيهِ حتى انْتَهَى إلى بابٍ مِنَ الأبْوَابِ يُقالُ لَهُ بَابُ الحَفَظَةِ، عَلَيْهِ مَلَكٌ يُقالُ لَهُ إسْماعِيلُ، تَحْتَ يَدَيْهِ اثْنا عَشَرَ ألْفَ مَلَكٍ، تَحْتَ يَدَيْ كُلِّ مَلَكٍ مِنْهُمْ اثْنا عَشَرَ ألْفَ مَلَكٍ، فقال رسول الله ﷺ حين حدّث هذا الحديث: (ما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ) ثم ذكر نحو حديث معمر، عن أبي هارون إلا أنه قال في حديثه: قال: ثُمَّ دَخَلَ بِيَ الجَنَّةَ فَرأيْتُ فيها جارِيَةً، فَسألتُها لِمَنْ أنْتِ؟ وَقَدْ أعْجَبَتْنِي حين رأيْتُها، فَقالَتْ: لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، فبشَّر بها رسول الله ﷺ زيد بن حارثة، ثم انتهى حديث ابن حميد عن سلمة إلى ههنا.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ وصف لأصحابه ليلة أُسري به إبراهيمَ وموسى وعيسى فقال: أمَّا إبْرَاهِيمُ فَلَمْ أرَ رَجُلا أشْبَهُ بِصَاحِبِكُمْ مِنْهُ. وأمَّا مُوسَى فَرَجُلٌ آدَمٌ طِوَالٌ جَعْدٌ أقْنَى، كأنَّه مِنْ رِجالِ شُنُوءَةَ. وأمَّا عِيسَى فَرجُلٌ أحْمَرُ بينَ القَصِير والطَّوِيلِ سَبِطُ الشَّعْرِ
كَثِيرُ خِيلانِ الوَجْهِ، كأنَّه خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ كأنَّ رأسَهُ يَقْطُرُ ماءً، ومَا بِهِ ماءٌ، أشْبَهُ مَنْ رأيْتُ بِهِ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ ".
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن رسول الله ﷺ بنحوه، ولم يقل عن أبي هريرة.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أنس، أن النبي ﷺ أُتِي بالبراق ليلة أُسري به مسرجا ملجما ليركبه، فاستصعب عليه، فقال له جبرائيل: ما يحملك على هذا، فوالله ما ركبك أحد قطّ أكرم علي الله منه، قال: فارفض عرقا.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) أسري بِنَبِيِّ الله عشاء من مكة إلى بيت المقدس، فصلى نبيّ الله ﷺ فيه، فأراه الله من آياته وأمره بما شاء ليلة أسري به، ثم أصبح بمكة. ذُكر لنا أن نبيّ الله ﷺ قال: حُمِلْتُ عَلى دابَّة يُقَالُ لَهَا البُرَاقُ، فَوْقَ الحِمارِ وَدُونَ البَغْلِ يَضَعُ حافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ، فحدث نبيّ الله بذلك أهل مكة، فكذب به المشركون وأنكروه وقالوا: يا محمد تخبرنا أنك أتيت بيت المقدس، وأقبلت من ليلتك، ثم أصبحت عندنا بمكة، فما كنت تجيئنا به، وتأتي به قبل هذا اليوم مع هذا، فصدقه أبو بكر، فسمِّي أبو بكر الصدّيق من أجل ذلك.
حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا سليمان الشيباني، عن عبد الله بن شدّاد، قال: لما كان ليلة أُسري برسول الله ﷺ أتي بدابة يقال لها البراق، دون البغل وفوق الحمار، تضع حافرها عند منتهى ظفرها؛ فلما أتى بيت المقدس أُتي بإناءين: إناء من لبن، وإناء من خمر، فشرب اللبن. قال: فقال له جبرائيل: هديت وهديت أمتك.
وقال آخرون من قال: أسري بالنبيّ ﷺ إلى المسجد الأقصى بنفسه وجسمه أسرى به عليه السلام، غير أنه لم يدخل بيت المقدس، ولم يصلّ فيه، ولم ينزل عن البراق حتى رجع إلى مكة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: ثنا سفيان، قال: ثني عاصم بن بهدلة عن زرّ بن حبيش، عن حُذيفة بن اليمان، أنه قال في هذه الآية (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى) قال: لم يصلّ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو صلى فيه لكتب عليكم الصلاة فيه، كما كتب عليكم الصلاة عند الكعبة.
حدثنا أبو كريب، قال: سمعت أبا بكر بن عياش، ورجل يحدّث عنده بحديث حين أسري بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال له: لا تجِيء بمثل عاصم ولا زر؛ قال: قال حُذيفة لزرّ بن حبيش؛ قال: وكان زرّ رجلا شريفا من أشراف العرب، قال: قرأ حُذيفة (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) وكذا قرأ عبد الله، قال: وهذا كما يقولون: إنه دخل المسجد فصلى فيه، ثم دخل فربط دابته، قال: قلت: والله قد دخله، قال: من أنت فإني أعرف وجهك ولا أدري ما اسمك، قال: قلت: زرّ بن حبيش، قال: ما عملك هذا؟ قال: قلت: من قبَل القرآن، قال: من أخذ بالقرآن أفلح، قال: فقلت (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) قال: فنظر إليّ فقال: يا أصلع، هل ترى دخله؟ قال: قلت: لا والله، قال حُذيفة: أجل والله الذي لا إله إلا هو ما دخله، ولو دخله لوجبت عليكم صلاة فيه، لا والله ما نزل عن البراق حتى رأى الجنة والنار، وما أعدّ الله في الآخرة أجمع؛ وقال: تدري ما البراق؟ قال: دابة دون البغل وفوق الحمار، خطوه مدّ البصر.
وقال آخرون: بل أسرى بروحه، ولم يسر بجسده.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أن معاوية بن أبي سفيان، كان إذا سئل عن مسرى رسول الله ﷺ قال: كانت رؤيا من الله صادقة.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد، قال: ثني بعض آل أبي بكر، أن عائشة كانت تقول: ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الله أسرى بروحه.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال ابن إسحاق: فلم ينكر ذلك من قولها الحسن أن هذه الآية نزلت (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) ولقول الله في الخبر عن إبراهيم، إذ قال لابنه (يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى) ثم مضى على ذلك، فعرفت أن الوحي يأتي بالأنبياء من الله أيقاظا ونياما، وكان رسول ﷺ يقول: "تَنَامُ عَيْني وَقَلْبي يَقْظانُ" فالله أعلم أيّ ذلك كان قد جاءه وعاين فيه من أمر الله ما عاين على أيّ حالاته كان نائما أو يقظانا كلّ ذلك حقّ وصدق.
والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله أسرى بعبده محمد ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، كما أخبر الله عباده، وكما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الله حمله على البراق حين أتاه به، وصلى هنالك بمن صلى من الأنبياء والرسل، فأراه ما أراه من الآيات؛ ولا معنى لقول من قال: أسرى بروحه دون جسده، لأن ذلك لو كان كذلك لم يكن في ذلك ما يوجب أن يكون ذلك دليلا على نبوّته، ولا حجة له على رسالته، ولا كان الذين أنكروا حقيقة ذلك من أهل الشرك، وكانوا يدفعون به عن صدقه فيه، إذ لم يكن منكرا عندهم، ولا عند أحد من ذوي الفطرة الصحيحة من بني آدم أن يرى الرائي منهم في المنام ما على مسيرة سنة، فكيف ما هو على مسيرة شهر أو أقل؟ وبعد، فإن الله إنما أخبر في كتابه أنه أسرى بعبده، ولم يخبرنا أنه أسرى بروح عبده، وليس جائزا لأحد أن يتعدّى ما قال الله إلى غيره. فإن ظنّ ظانّ أن ذلك جائز، إذ كانت العرب تفعل ذلك في كلامها، كما قال قائلهم:
حَسِبْتُ بُغامَ رَاحِلَتِي عنَاقاومَا هِيَ وَيْبَ غيرِكِ بالعْنَاقِ (١)
يعني: حسبت بغام راحلتي صوت عناق، فحذف الصوت واكتفى منه بالعناق، فإن العرب تفعل ذلك فيما كان مفهوما مراد المتكلم منهم به من الكلام. فأما فيما لا دلالة عليه إلا بظهوره، ولا يوصل إلى معرفة مراد المتكلِّم إلا ببيانه، فإنها لا تحذف ذلك؛ ولا دلالة تدلّ على أن مراد الله من قوله (أسْرَى بِعَبْدِهِ) أسرى بروح عبده، بل الأدلة الواضحة، والأخبار المتتابعة عن رسول الله ﷺ أن الله أسرى به على دابة يُقال لها البراق؛ ولو كان الإسراء بروحه لم تكن الروح محمولة على البراق، إذ كانت الدوابّ لا تحمل إلا الأجسام. إلا أن يقول قائل: إن معنى قولنا: أسرى روحه: رأى في المنام أنه أسرى بجسده على البراق، فيكذب حينئذ بمعنى الأخبار التي رُويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن جبرائيل حمله على البراق، لأن ذلك إذا كان مناما على قول قائل هذا القول، ولم تكن الروح عنده مما تركب الدوابّ، ولم يحمل على البراق جسم النبيّ صلى الله عليه وسلم، لم يكن النبيّ ﷺ على قوله حُمل على البراق لا جسمه، ولا شيء منه، وصار الأمر عنده كبعض أحلام النائمين، وذلك دفع لظاهر التنزيل، وما تتابعت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاءت به الآثار عن الأئمة من الصحابة والتابعين.
وقوله (الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ) يقول تعالى ذكره: الذي جعلنا حوله البركة لسكانه في معايشهم وأقواتهم وحروثهم وغروسهم. وقوله (لِنُرَيَهُ مِنْ آياتِنا) يقول تعالى ذكره: كي نري عبدنا محمدا من آياتنا، يقول: من عبرنا وأدلتنا وحججنا، وذلك هو ما قد ذكرت في الأخبار التي رويتها آنفا، أن رسول الله ﷺ أريه في طريقه إلى بيت المقدس، وبعد مصيره إليه من عجائب العبر والمواعظ.
(١) البيت تقدم الاستشهاد به في (٤: ٩٢) من هذا التفسير، واستشهد به الفراء (في معاني القرآن ١٧٩) ولكنه لم يبين موضع الشاهد فيه كما بينه المؤلف هنا، وهو أن العرب قد تحذف المضاف وتقيم المضاف إليه مقامه، كما في البيت، إذ إنه يريد: حسبت بغام راحلتي صوت عناق.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

يمجد تعالى نفسه، ويعظم شأنه، لقدرته على ما لا يقدر عليه أحد سواه، فلا إله غيره ﴿الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ يعني محمدًا، صلوات الله وسلامه عليه(١) ﴿لَيْلا﴾ أي في جنح الليل ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وهو مسجد مكة ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى﴾ وهو بيت المقدس الذي هو إيلياء(٢)، معدن الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل ؛ ولهذا جمعوا له هنالك كلهم، فَأمّهم في مَحِلّتهم(٣)، ودارهم، فدل على أنه هو الإمام الأعظم، والرئيس المقدم، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
وقوله :﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ أي : في الزروع والثمار ﴿لِنُرِيَهُ﴾ أي : محمدًا ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾ أي : العظام كما قال تعالى :﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨].
وسنذكر من ذلك ما وردت به السنة من الأحاديث عنه، صلوات الله عليه وسلامه.
وقوله :﴿إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أي : السميع لأقوال عباده، مؤمنهم وكافرهم، مصدقهم ومكذبهم، البصير بهم فيعطي كلا ما يستحقه في الدنيا والآخرة.
ذكر الأحاديث الواردة في الإسراء
رواية أنس بن مالك :
قال الإمام أبو عبد الله البخاري : حدثني عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا سليمان - هو ابن بلال - عن شريك بن عبد الله(٤) قال : سمعت أنس بن مالك يقول ليلة أسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة : إنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام فقال أولهم : أيهم هو ؟ فقال أوسطهم : هو خيرهم، فقال آخرهم : خذوا خيرهم. فكانت تلك الليلة فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه، وتنام عيناه ولا ينام قلبه - وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم - فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل، فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم، بيده حتى أنقي جوفه، ثم أتى بطست من ذهب فيه تور من ذهب محشوًا إيمانًا وحكمة، فحشا به صدره ولغاديده - يعني عروق حلقه - ثم أطبقه. ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب بابًا من أبوابها، فناداه أهل السماء : من هذا ؟ فقال : جبريل. قالوا : ومن معك ؟ قال : معي محمد. قالوا : وقد بعث إليه ؟ قال : نعم. قالوا : مرحبًا به وأهلا به، يستبشر به أهل السماء لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يُعْلِمهم.
ووجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل : هذا أبوك آدم فسلِّم عليه، فسلَّم عليه، وردّ عليه آدم فقال : مرحبًا وأهلا بابني، نعم(٥) الابن أنت، فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان فقال :" ما هذان النهران يا جبريل ؟ " قال : هذا النيل والفرات عنصرهما، ثم مضى به في(٦) السماء، فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب يده فإذا هو مسك أذْفر فقال :" ما هذا يا جبريل ؟ " قال : هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك.
ثم عرج إلى السماء الثانية، فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى : مَنْ هذا ؟ قال : جبريل. قالوا : ومن معك ؟ قال : محمد. قالوا : وقد بعث إليه ؟ قال : نعم. قالوا : مرحبًا(٧) وأهلا وسهلا.
ثم عرج به إلى السماء الثالثة، فقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية. ثم عرج به إلى السماء الرابعة، فقالوا له مثل ذلك. ثم عرج به إلى السماء الخامسة، فقالوا له مثل ذلك. ثم عرج به إلى السماء السادسة، فقالوا له مثل ذلك. ثم عرج به إلى السماء السابعة، فقالوا له مثل ذلك. كل سماء فيها أنبياء قد سماهم، قد وعيت(٨) منهم إدريس في الثانية وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله. فقال موسى :" رب لم أظن أن يرفع عليّ أحد " (٩) ثم علا به فوق ذلك، بما لا يعلمه إلا الله، عز وجل، حتى جاء سِدْرَة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله إليه فيما يوحى : خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة. ثم هبط به حتى بلغ موسى فاحتبسه موسى فقال :" يا محمد، ماذا عهد إليك ربك ؟ " قال :" عهد إليّ خمسين صلاة كل يوم وليلة " قال :" إن أمتك لا تستطيع ذلك فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم ". فالتفت النبي ﷺ إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه جبريل : أن نعم، إن شئت. فعلا(١٠) به إلى الجبار تعالى، فقال وهو في مكانه :" يا رب، خفف عنا، فإن أمتي لا تستطيع هذا " فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجع إلى موسى فاحتبسه، فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات. ثم احتبسه موسى عند الخمس فقال :" يا محمد، والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا، فضعفوا فتركوه، فأمتك أضعف أجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأبصارًا وأسماعًا، فارجع فليخفف عنك ربك " كل ذلك يلتفت النبي ﷺ إلى جبريل ليشير عليه، ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة فقال :" يا رب، إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم(١١) وأبدانهم فخفف عنا " فقال : الجبار :" يا محمد، قال :" لبيك وسعديك " قال : إنه لا يبدل القول لديّ، كما فرضت عليك في أم الكتاب :" كل حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك "، فرجع إلى موسى فقال :" كيف فعلت ؟ " فقال :" خفف عنا، أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها " قال : موسى :" قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه، فارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضًا ". قال رسول الله ﷺ :" يا موسى قد - والله - استحييت من ربي مما أختلف إليه " (١٢) قال :" فاهبط باسم الله "، فاستيقظ وهو في المسجد الحرام.
هكذا ساقه البخاري في " كتاب التوحيد " (١٣)، ورواه في " صفة النبي ﷺ "، عن إسماعيل بن أبي أُوَيْس عن أخيه أبي بكر عبد الحميد، عن سليمان بن بلال(١٤).
ورواه مسلم، عن هارون بن سعيد، عن ابن وَهْب، عن سليمان(١٥) قال :" فزاد ونقص، وقدم وأخر " (١٦).
وهو كما قاله(١٧) مسلم، رحمه الله، فإن شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر اضطرب في هذا الحديث، وساء حفظه ولم يضبطه، كما سيأتي بيانه في الأحاديث الأخر.
ومنهم من يجعل هذا منامًا توطئة لما وقع بعد ذلك، والله أعلم.
[ وقال ](١٨) البيهقي : في(١٩) حديث " شريك " زيادة تفرد بها، على مذهب من زعم أنه ﷺ رأى ربه، يعني قوله :" ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى " قال : وقول عائشة وابن مسعود وأبي هريرة في حملهم هذه الآيات على رؤيته جبريل - أصح(٢٠).
وهذا الذي قاله البيهقي هو الحق في هذه المسألة، فإن أبا ذر قال : يا رسول الله، هل رأيت ربك ؟ قال :" نور أنى أراه ". وفي رواية " رأيت نورا ". أخرجه مسلم، رحمه الله(٢١).
وقوله :﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم: ٨]، إنما هو جبريل، عليه السلام، كما ثبت ذلك في الصحيحين، عن عائشة أمّ المؤمنين، وعن ابن مسعود، وكذلك هو في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، رضي الله عنهم، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة في تفسير هذه الآية بهذا(٢٢).
وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا ثابت البُناني، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال :" أتيت بالبراق وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، فركبته فسار بي حتى أتيت بيت المقدس، فربطت الدابة بالحلقة التي يربط(٢٣) فيها الأنبياء، ثم دخلت فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت. فأتاني(٢٤) جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن. قال جبريل : أصبت الفطرة " قال :" ثم عرج بي إلى السماء الدنيا، فاستفتح جبريل، فقيل : من أنت ؟ قال : جبريل. فقيل :(٢٥) ومن معك ؟ قال : محمد. قيل : وقد أرسل إليه ؟ [ قال : قد أرسل إليه ](٢٦). ففتح لنا، فإذا أنا بآدم، فرحب ودعا لي بخير.
ثم عَرَج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل، فقيل : من أنت ؟ قال : جبريل. فقيل : ومن معك ؟ قال : محمد. فقيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : قد أرسل إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى، فرحبا بي ودعوا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل : من أنت ؟ فقال : جبريل. فقيل : ومن معك ؟ فقال : محمد. فقيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : قد أرسل إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحب ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل، فقيل : من أنت ؟ فقال : جبريل. فقيل : ومن معك ؟ قال : محمد. فقيل : قد أرسل إليه ؟ قال : قد بعث إليه. ففتح الباب، فإذا أنا بإدريس، فرحب ودعا لي بخير. ثم قال : يقول الله :﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧].
ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، فقيل : من أنت ؟ فقال : جبريل. فقيل :[ و ](٢٧) من معك ؟ فقال : محمد. فقيل : قد أرسل إليه ؟ قال : قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بهارون، فرحب ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل، فقيل : من أنت ؟ فقال : جبريل. قيل(٢٨) ومن معك ؟ قال : محمد. فقيل : وقد بعث إليه ؟ قال : قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بموسى فرحب ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل : من أنت ؟ قال : جبريل. قيل :(٢٩) ومن معك ؟ قال : محمد. فقيل : وقد بعث إليه ؟ قال : قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بإبراهيم(٣٠)، وإذا هو مستند إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه.
ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، فإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال. فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت، فما أحد من خلق الله تعالى يستطيع أن يصفها من حسنها. قال :" فأوحى الله إليّ ما أوحى، وفرض عليّ في كل يوم وليلة خمسين صلاة، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى ". قال :" ما فرض ربك على أمّتك ؟(٣١) قال :" قلت : خمسين صلاة في كل يوم وليلة ". قال : ارجع(٣٢) إلى ربك فاسأله التخفيف ؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك، وإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم ". قال(٣٣) :" فرجعت إلى ربي، فقلت : أي رب، خفف عن أمّتي، فحطّ عني خمسًا. فرجعت إلى موسى فقال : ما فعلت ؟ قلت :(٣٤) قد حطّ عني خمسًا ". قال :" إن أمّتك لا تطيق ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمّتك " قال :" فلم(٣٥) أزل أرجع بين ربي وبين موسى، ويحط عني خمسًا خمسًا حتى قال : يا محمد، هي خمس صلوات في كل يوم وليلة، بكل صلاة عشر، فتلك خمسون صلاة، ومن همّ بحسنة فلم يعملها كتبت [ له ](٣٦) حسنة، فإن عملها كتبت عشرًا. ومن همّ بسيئة ولم يعملها لم تكتب، فإن عملها كتبت سيئة واحدة. فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته، فقال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمّتك، فإنّ أمّتك لا تطيق ذلك ". فقال رسول الله ﷺ :" لقد رجعت إلى ربي حتى استحييت ".
ورواه مسلم عن شَيْبَان بن فَرُّوخ، عن حماد بن سلمة بهذا السياق(٣٧)، وهو أصح
١ في ف: "صلى الله عليه وسلم"..
٢ في ت، ف، أ: "بإيلياء".
٣ في ت: "محلهم".
.

٤ في ف: "عبد الله يعني ابن أبي نمر أنه"..
٥ في ف: "فنعم"..
٦ في ت، ف: "إلى"..
٧ في ف: "مرحبا به"..
٨ في أ: "عينهم"..
٩ في ت: "أنه عليَّ أحد"..
١٠ في ف: "ثم علا"..
١١ في ف، أ: "وأسماعهم وأبصارهم وأبدانهم"..
١٢ في ف: "عليه"..
١٣ صحيح البخاري برقم (٧٥١٧)..
١٤ صحيح البخاري برقم (٣٥٧٠)..
١٥ في ف، أ: "سليمان به"..
١٦ صحيح مسلم برقم (١٦٢)..
١٧ في أ: "قال"..
١٨ زيادة من ت..
١٩ في ف، أ: "وفي"..
٢٠ دلائل النبوة للبيهقي (٢/٣٨٥)..
٢١ صحيح مسلم برقم (١٧٨)..
٢٢ حديث عائشة: رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٢٣٥) ومسلم في صحيحه برقم (١٧٧) وحديث ابن مسعود: رواه البخاري في صحيحه برقم (٤٨٥٦) ومسلم في صحيحه برقم (١٧٤) وحديث أبي هريرة: رواه مسلم في صحيحه برقم (١٧٥)..
٢٣ في ت، ف، أ: "تربط"..
٢٤ في ف، أ: "فجاءني"..
٢٥ في ت، ف، أ: "قيل"..
٢٦ زيادة من ت، ف، أ، هـ المسند..
٢٧ زيادة من ت، ف، أ..
٢٨ في ف، أ: "فقيل"..
٢٩ في ف: "فقيل"..
٣٠ في ت: "بإبراهيم عليه وسلم" وفي ف: "بإبراهيم عليه السلام"..
٣١ في ت: "ما فرض عليك على أمتك"..
٣٢ في ت: "فارجع"..
٣٣ في أ: "ثم قال"..
٣٤ في ف، أ: "فقلت"..
٣٥ في ف: "فقال: لم"..
٣٦ في ف، أ: "كتبت له"..
٣٧ المسند (٣/١٤٨)، وصحيح مسلم برقم (١٦٢)..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
[بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحِبِهِ وَسَلَّمَ] (١)
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْإِسْرَاءِ (٢)
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ
قَالَ الْإِمَامُ [الْحَافِظُ الْمُتْقِنُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ] (٣) الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ، سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْكَهْفِ وَمَرْيَمَ: إِنَّهُنَّ مِنَ الْعِتَاقِ الْأُوَلِ وَهُنَّ مِنْ تِلَادِي (٤).
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مَرْوَانَ، عَنْ أَبِي لُبَابَةَ، سَمِعَتْ عَائِشَةَ تَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: مَا يُرِيدُ أَنْ يُفْطِرَ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: مَا يُرِيدُ أَنْ يَصُومَ، وَكَانَ يَقْرَأُ كل ليلة " بني إسرائيل "، و " الزمر " (٥).

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾
يُمَجِّدُ تَعَالَى نَفْسَهُ، وَيُعَظِّمُ شَأْنَهُ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ سِوَاهُ، فَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ ﴿الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ (٦) ﴿لَيْلا﴾ أَيْ فِي جُنْحِ اللَّيْلِ ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وَهُوَ مَسْجِدُ مَكَّةَ ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى﴾ وَهُوَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ الَّذِي هُوَ إِيلِيَاءُ (٧)، مَعْدِنُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ لَدُنْ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ؛ وَلِهَذَا جُمِعُوا لَهُ هُنَالِكَ كُلُّهُمْ، فَأمّهم فِي مَحِلّتهم (٨)، وَدَارِهِمْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ، وَالرَّئِيسُ الْمُقَدَّمُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ أَيْ: فِي الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ ﴿لِنُرِيَهُ﴾ أَيْ: مُحَمَّدًا ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾ أَيْ: الْعِظَامُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النَّجْمِ: ١٨].
وَسَنَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِنَ الْأَحَادِيثِ عَنْهُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أَيْ: السميع لأقوال عباده، مؤمنهم وكافرهم، مصدقهم
(١) زيادة من ت.
(٢) في ت، ف، أ: "سورة سبحان".
(٣) زيادة من ت، ف، أ.
(٤) صحيح البخاري برقم (٤٧٠٨).
(٥) المسند (٦/١٨٩) ورواه ابن خزيمة في صحيحه برقم (١١٦٣) وقال: "إن كان أبو لبابة هذا يجوز الاحتجاج بخبره وفإني لا أعرفه بعدالة ولا حرج". وقد وثقه ابن معين.
(٦) في ف: "صلى الله عليه وسلم".
(٧) في ت، ف، أ: "بإيلياء"
(٨) في ت: "محلهم".
وَمُكَذِّبِهِمْ، الْبَصِيرُ بِهِمْ فَيُعْطِي كُلًّا مَا يَسْتَحِقُّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْإِسْرَاءِ
رِوَايَةُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ:
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ -هُوَ ابْنُ بِلَالٍ-عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللِّهِ (١) قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ: إِنَّهُ جَاءَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ وَهُوَ نَائِمٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَالَ أَوَّلُهُمْ: أَيَهُمُّ هُوَ؟ فَقَالَ أَوْسَطُهُمْ: هُوَ خَيْرُهُمْ، فَقَالَ آخِرُهُمْ: خُذُوا خَيْرَهُمْ. فَكَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَلَمْ يَرَهُمْ حَتَّى أَتَوْهُ لَيْلَةً أُخْرَى فِيمَا يَرَى قَلْبُهُ، وَتَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ -وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ-فَلَمْ يُكَلِّمُوهُ حَتَّى احْتَمَلُوهُ فَوَضَعُوهُ عِنْدَ بِئْرِ زَمْزَمَ، فَتَوَلَّاهُ مِنْهُمْ جِبْرِيلُ، فَشَقَّ جِبْرِيلُ مَا بَيْنَ نَحْرِهِ إِلَى لَبَّتِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَدْرِهِ وَجَوْفِهِ، فَغَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، بِيَدِهِ حَتَّى أَنْقَى جَوْفَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ تَوْرٌ مَنْ ذَهَبٍ مَحْشُوًّا إِيمَانًا وَحِكْمَةً، فَحَشَا بِهِ صَدْرَهُ وَلَغَادِيدَهُ -يَعْنِي عُرُوقَ حَلْقِهِ-ثُمَّ أَطْبَقَهُ. ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَضَرَبَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِهَا، فَنَادَاهُ أَهْلُ السَّمَاءِ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: جِبْرِيلُ. قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مَعِي مُحَمَّدٌ. قَالُوا: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالُوا: مَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلًا بِهِ، يَسْتَبْشِرُ بِهِ أَهْلُ السَّمَاءِ لَا يَعْلَمُ أَهْلُ السَّمَاءِ بِمَا يُرِيدُ اللَّهُ بِهِ فِي الْأَرْضِ حَتَّى يُعْلِمهم.
وَوَجَدَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا آدَمَ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: هَذَا أَبُوكَ آدَمُ فسلِّم عَلَيْهِ، فسلَّم عَلَيْهِ، وَرَدَّ عَلَيْهِ آدَمُ فَقَالَ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا بِابْنِي، نِعْمَ (٢) الِابْنُ أَنْتَ، فَإِذَا هُوَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا بِنَهْرَيْنِ يَطَّرِدَانِ فَقَالَ: "مَا هَذَانِ النَّهْرَانِ يَا جِبْرِيلُ؟ " قَالَ: هَذَا النِّيلُ وَالْفُرَاتُ عُنْصُرُهُمَا، ثُمَّ مَضَى بِهِ فِي (٣) السَّمَاءِ، فَإِذَا هُوَ بِنَهْرٍ آخَرَ عَلَيْهِ قَصْرٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ، فَضَرَبَ يَدَهُ فَإِذَا هُوَ مِسْكٌ أذْفر فَقَالَ: "مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ " قَالَ: هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي خَبَّأَ لَكَ رَبُّكَ.
ثُمَّ عُرِجَ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَتْ لَهُ الْأُولَى: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قَالُوا: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالُوا: مَرْحَبًا (٤) وَأَهْلًا وَسَهْلًا.
ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ مَا قَالَتِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ. ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. كُلُّ سَمَاءٍ فِيهَا أَنْبِيَاءُ قَدْ سَمَّاهُمْ، قَدْ وَعَيْتُ (٥) مِنْهُمْ إِدْرِيسَ فِي الثَّانِيَةِ وَهَارُونَ فِي الرَّابِعَةِ، وَآخَرَ فِي الْخَامِسَةِ لَمْ أَحْفَظِ اسْمَهُ، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّادِسَةِ، وَمُوسَى فِي السَّابِعَةِ بِتَفْضِيلِ كَلَامِ اللَّهِ. فَقَالَ مُوسَى: "رَبِّ لَمْ أَظُنَّ أَنْ يُرْفَعَ عَلَيَّ أَحَدٌ" (٦) ثُمَّ عَلَا بِهِ فَوْقَ ذَلِكَ، بِمَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، حَتَّى جَاءَ سِدْرَة الْمُنْتَهَى، وَدَنَا الْجَبَّارُ رَبُّ الْعِزَّةِ فَتَدَلَّى، حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنِ أو أدنى، فأوحى الله إليه فيما
(١) في ف: "عبد الله يعني ابن أبي نمر أنه".
(٢) في ف: "فنعم".
(٣) في ت، ف: "إلى".
(٤) في ف: "مرحبا به".
(٥) في أ: "عينهم".
(٦) في ت: "أنه عليَّ أحد".
يُوحِي: خَمْسِينَ صَلَاةً عَلَى أُمَّتِكَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. ثُمَّ هُبِطَ بِهِ حَتَّى بَلَغَ مُوسَى فَاحْتَبَسَهُ مُوسَى فَقَالَ: "يَا مُحَمَّدُ، مَاذَا عَهِدَ إِلَيْكَ رَبُّكَ؟ " قَالَ: "عَهِدَ إِلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ" قَالَ:" إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ فَارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ وَعَنْهُمْ". فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى جِبْرِيلَ كَأَنَّهُ يَسْتَشِيرُهُ فِي ذَلِكَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ: أَنْ نَعَمْ، إِنْ شِئْتَ. فَعَلَا (١) بِهِ إِلَى الْجَبَّارِ تَعَالَى، فَقَالَ وَهُوَ فِي مَكَانِهِ: "يَا رَبِّ، خَفِّفْ عَنَّا، فَإِنَّ أُمَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ هَذَا" فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُوسَى فَاحْتَبَسَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهُ مُوسَى إِلَى رَبِّهِ حَتَّى صَارَتْ إِلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ. ثُمَّ احْتَبَسَهُ مُوسَى عِنْدَ الْخَمْسِ فَقَالَ: "يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ لَقَدْ رَاوَدْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَوْمِي عَلَى أَدْنَى مِنْ هَذَا، فَضَعُفُوا فَتَرَكُوهُ، فَأُمَّتُكَ أَضْعَفُ أَجْسَادًا وَقُلُوبًا وَأَبْدَانًا وَأَبْصَارًا وَأَسْمَاعًا، فَارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ" كُلَّ ذَلِكَ يَلْتَفِتُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى جِبْرِيلَ لِيُشِيرَ عَلَيْهِ، وَلَا يَكْرَهُ ذَلِكَ جِبْرِيلُ، فَرَفَعَهُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ فَقَالَ: "يَا رَبِّ، إِنَّ أُمَّتِي ضُعَفَاءُ أَجْسَادُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ وَأَسْمَاعُهُمْ (٢) وَأَبْدَانُهُمْ فَخَفِّفْ عَنَّا" فَقَالَ: الْجَبَّارُ: "يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: "لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ" قَالَ: إِنَّهُ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، كَمَا فَرَضْتُ عَلَيْكَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ: "كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، فَهِيَ خَمْسُونَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ وَهِيَ خُمْسٌ عَلَيْكَ"، فَرَجَعَ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: "كَيْفَ فَعَلْتَ؟ " فَقَالَ: "خَفَّفَ عَنَّا، أَعْطَانَا بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا" قَالَ: مُوسَى: "قَدْ وَاللَّهِ رَاوَدْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ فَتَرَكُوهُ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ أَيْضًا". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا مُوسَى قَدْ -وَاللَّهِ-اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي مِمَّا أَخْتَلِفُ إِلَيْهِ" (٣) قَالَ: "فَاهْبِطْ بِاسْمِ اللَّهِ"، فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
هَكَذَا سَاقَهُ الْبُخَارِيُّ فِي "كِتَابِ التَّوْحِيدِ" (٤)، وَرَوَاهُ فِي "صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْس عَنْ أَخِيهِ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ (٥).
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ هَارُونَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ وَهْب، عَنْ سُلَيْمَانَ (٦) قَالَ: "فَزَادَ وَنَقَصَ، وَقَدَّمَ وَأَخَّرَ" (٧).
وَهُوَ كَمَا قَالَهُ (٨) مُسْلِمٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فَإِنَّ شَرِيكَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِر اضْطَرَبَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَسَاءَ حِفْظُهُ وَلَمْ يَضْبُطْهُ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْأَحَادِيثِ الْأُخَرِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ هَذَا مَنَامًا تَوْطِئَةً لِمَا وَقَعَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[وَقَالَ] (٩) الْبَيْهَقِيُّ: فِي (١٠) حَدِيثِ "شَرِيكٍ" زِيَادَةٌ تَفَرَّدَ بِهَا، عَلَى مَذْهَبِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَبَّهُ، يَعْنِي قَوْلَهُ: "ثُمَّ دَنَا الْجَبَّارُ رَبُّ الْعِزَّةِ فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى" قَالَ: وَقَوْلُ عَائِشَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي حَمْلِهِمْ هَذِهِ الْآيَاتِ على رؤيته جبريل -أصح (١١).
(١) في ف: "ثم علا".
(٢) في ف، أ: "وأسماعهم وأبصارهم وأبدانهم".
(٣) في ف: "عليه".
(٤) صحيح البخاري برقم (٧٥١٧).
(٥) صحيح البخاري برقم (٣٥٧٠).
(٦) في ف، أ: "سليمان به".
(٧) صحيح مسلم برقم (١٦٢).
(٨) في أ: "قال".
(٩) زيادة من ت.
(١٠) في ف، أ: "وفي".
(١١) دلائل النبوة للبيهقي (٢/٣٨٥).
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ هُوَ الْحَقُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَإِنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: "نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ". وَفِي رِوَايَةٍ "رَأَيْتُ نُورًا". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ (١).
وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النَّجْمِ: ٨]، إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ بِهَذَا (٢).
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ البُناني، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ، فَرَكِبْتُهُ فَسَارَ بِي حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَرَبَطْتُ الدَّابَّةَ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ (٣) فِيهَا الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ دَخَلْتُ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجْتُ. فَأَتَانِي (٤) جِبْرِيلُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ. قَالَ جِبْرِيلُ: أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ" قَالَ: "ثُمَّ عُرِجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. فَقِيلَ: (٥) وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ [قَالَ: قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ] (٦). فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ.
ثُمَّ عَرَج بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. فَقِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. فَقِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِابْنَيِ الْخَالَةِ يَحْيَى وَعِيسَى، فَرَحَّبَا بِي وَدَعَوَا لِي بِخَيْرٍ.
ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: جِبْرِيلُ. فَقِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ فَقَالَ: مُحَمَّدٌ. فَقِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ أرسل إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف، وَإِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ.
ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: جِبْرِيلُ. فَقِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. فَقِيلَ: قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إليه. ففتح الباب، فإذا أنا بإدريس، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ. ثُمَّ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٥٧].
ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: جِبْرِيلُ. فَقِيلَ: [وَ] (٧) مَنْ مَعَكَ؟ فَقَالَ: مُحَمَّدٌ. فَقِيلَ: قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أنا بهارون، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ.
ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ (٨) وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. فَقِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بموسى فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ.
ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ أنت؟ قال: جبريل. قيل: (٩) ومن
(١) صحيح مسلم برقم (١٧٨).
(٢) حديث عائشة: رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٢٣٥) ومسلم في صحيحه برقم (١٧٧) وحديث ابن مسعود: رواه البخاري في صحيحه برقم (٤٨٥٦) ومسلم في صحيحه برقم (١٧٤) وحديث أبي هريرة: رواه مسلم في صحيحه برقم (١٧٥).
(٣) في ت، ف، أ: "تربط".
(٤) في ف، أ: "فجاءني".
(٥) في ت، ف، أ: "قيل".
(٦) زيادة من ت، ف، أ، هـ المسند.
(٧) زيادة من ت، ف، أ.
(٨) في ف، أ: "فقيل".
(٩) في ف: "فقيل".
مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. فَقِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أنا بإبراهيم (١)، وَإِذَا هُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ.
ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، فَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ، وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلَالِ. فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا غَشِيَهَا تَغَيَّرَتْ، فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى يَسْتَطِيعُ أَنْ يَصِفَهَا مِنْ حُسْنِهَا. قَالَ: "فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى، وَفَرَضَ عَلَيَّ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَمْسِينَ صَلَاةً، فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى". قَالَ: "مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ (٢) قَالَ: "قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ". قَالَ: ارْجِعْ (٣) إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ؛ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، وَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ". قَالَ (٤) :" فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي، فَقُلْتُ: أَيْ رَبِّ، خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي، فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا. فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: مَا فَعَلْتَ؟ قُلْتُ: (٥) قَدْ حَطَّ عَنِّي خَمْسًا". قَالَ: "إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ" قَالَ: "فَلَمْ (٦) أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي وَبَيْنَ مُوسَى، وَيَحُطُّ عَنِّي خَمْسًا خَمْسًا حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هِيَ خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، بِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ، فَتِلْكَ خَمْسُونَ صَلَاةً، وَمَنْ هُمْ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ [لَهُ] (٧) حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ عَشْرًا. وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ، فَإِنَّ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً. فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ". فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَقَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ".
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ شَيْبَان بْنِ فَرُّوخ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِهَذَا السِّيَاقِ (٨)، وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ سِيَاقِ شَريك.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَفِي هَذَا السِّيَاقِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمِعْرَاجَ كَانَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ (٩). وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا مِرْيَةَ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِالْبُرَاقِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مُسْرَجًا مُلْجَمًا لِيَرْكَبَهُ، فَاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: مَا يَحْمِلُكَ عَلَى هَذَا؟ فَوَاللَّهِ مَا رَكِبَكَ قَطُّ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ. قَالَ: فارفضَّ عَرَقًا.
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَقَالَ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ (١٠).
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ، حَدَّثَنِي رَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَمَّا عَرَجَ بِي رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ، مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ، يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الذين يأكلون
(١) في ت: "بإبراهيم عليه وسلم" وفي ف: "بإبراهيم عليه السلام".
(٢) في ت: "ما فرض عليك على أمتك".
(٣) في ت: "فارجع".
(٤) في أ: "ثم قال".
(٥) في ف، أ: "فقلت".
(٦) في ف: "فقال: لم".
(٧) في ف، أ: "كتبت له".
(٨) المسند (٣/١٤٨)، وصحيح مسلم برقم (١٦٢).
(٩) دلائل النبوة للبيهقي (٢/٣٨٥).
(١٠) المسند (٣/١٦٤) وسنن الترمذي برقم (٣١٣١).
لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ".
وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، بِهِ (١). وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ لَيْسَ فِيهِ أَنَسٌ (٢)، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُلَيْمَانَ التّيْمِي، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَائِمًا يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ" (٣).
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ طَرْخَانَ التَّيْمِيِّ وَثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ أَنَسٍ (٤).
قَالَ النَّسَائِيُّ: وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ قَالَ: سُلَيْمَانَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ.
وَقَالَ [الْحَافِظُ] (٥) أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بقيَّة، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مَرَّ عَلَى مُوسَى وَهُوَ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ (٦).
وَقَالَ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرة، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا: أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مَرَّ بِمُوسَى (٧) وَهُوَ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ -قَالَ أَنَسٌ: ذُكِرَ أَنَّهُ حُمِلَ عَلَى الْبُرَاقِ-فَأَوْثَقَ الدَّابَّةَ -أَوْ قَالَ: الْفَرَسَ-قَالَ أَبُو بَكْرٍ: صِفْهَا لِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَكَرَ كَلِمَةً (٨) فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَدْ رَآهَا (٩).
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنَيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "بَيْنَا أَنَا قَاعِدٌ (١٠) إِذْ جَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَوَكَزَ بَيْنَ كَتِفِي، فَقُمْتُ إِلَى شَجَرَةٍ فِيهَا كَوَكْرَيِ الطَّيْرِ، فَقَعَدَ فِي أَحَدِهِمَا وَقَعَدْتُ فِي الْآخَرِ فَسَمَتْ (١١) وَارْتَفَعَتْ حَتَّى سَدَّتِ الْخَافِقَيْنِ وَأَنَا أُقَلِّبُ طَرْفِي، وَلَوْ شِئْتُ أَنَّ أَمَسَّ السَّمَاءَ لَمَسِسْتُ، فَالْتَفَتُّ إِلَى جِبْرِيلَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَأَنَّهُ حِلْس (١٢) لَاطَ فَعَرَفْتُ فَضْلَ عِلْمِهِ بِاللَّهِ عَلَيَّ، وَفُتِحَ لِي بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ فَرَأَيْتُ النُّورَ الأعظمَ، وَإِذَا دُونَ الْحِجَابِ رَفْرَفُ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ، وَأُوحِيَ إليَّ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُوحِي" ثُمَّ قَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ إِلَّا أَنَسٌ، وَلَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ إِلَّا الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَكَانَ رَجُلًا مَشْهُورًا من أهل البصرة (١٣).
(١) المسند (٣/٢٢٤) وسنن أبي داود برقم (٤٨٧٨).
(٢) سنن أبي داود برقم (٤٨٧٨).
(٣) المسند (٣/١٢٠).
(٤) صحيح مسلم برقم (٢٣٧٥).
(٥) زيادة من أ.
(٦) مسند أبي يعلى (٧/١١٧).
(٧) في ف: "مر على موسى".
(٨) في هـ: "هي كذه وذه" والتصويب من مسند البزار و "ت".
(٩) مسند أبي يعلى (٧/١٢٦).
(١٠) في هـ: "نائم" والتصويب من مسند البزار.
(١١) في أ: "فسميت".
(١٢) في ت، أ: "جلس".
(١٣) مسند البزار برقم (٥٨) ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٥٩) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الصَّائِغِ عَنْ سَعِيدِ بن منصور به. وقال الهيثمي في المجمع (١/٧٥) :"رجاله رجال الصحيح". وقال الحافظ ابن حجر في زوائد البزار (١/٩٥) :"الحارث أخرج له الشيخان، وهو مع ذاك له مناكير هذا منها".
وَرَوَاهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "الدَّلَائِلِ"، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْقَاضِي، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْم، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الحُنَيْن، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، فَذَكَرَ بِسَنَدِهِ مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ غَيْرُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي آخِرِهِ: "ولُطّ دُونِي -أَوْ قَالَ: دُونَ الْحِجَابِ-رَفْرَفُ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ". ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا (١) رَوَاهُ الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ. وَرَوَاهُ حَمَّادُ (٢) بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الجَوْني، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ عُطَارِدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي مَلَإٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَجَاءَهُ (٣) جِبْرِيلُ، فَنَكَتَ فِي ظَهْرِهِ فَذَهَبَ بِهِ إِلَى الشَّجَرَةِ وَفِيهَا مِثْلُ وَكْري الطَّيْرِ، فَقَعَدَ فِي أَحَدِهِمَا وَقَعَدَ جِبْرِيلُ فِي الْآخَرِ، فَنَشَأَتْ بِنَا حَتَّى بَلَغَتِ (٤) الْأُفُقَ، فَلَوْ بَسَطْتُ يَدِي إِلَى السَّمَاءِ لَنِلْتُهَا، فَدُلِّيَ بِسَبَبٍ وَهَبَطَ النُّورُ، فَوَقَعَ جِبْرِيلُ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ كَأَنَّهُ حِلْس، فَعَرَفْتُ فَضْلَ خَشْيَتِهِ عَلَى خَشْيَتِي. فَأَوْحَى إِلَيَّ: نَبِيًّا مَلِكًا أَوْ نَبِيًّا عَبْدًا؟ وَإِلَى الْجَنَّةِ مَا أَنْتَ؟ فأومَأ (٥) إِلَيَّ جِبْرِيلُ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ: أَنْ تَوَاضَعْ. قَالَ: قُلْتُ: لَا. بَلْ نَبِيًّا عَبْدًا (٦).
قُلْتُ: وَهَذَا إِنْ صَحَّ يَقْتَضِي أَنَّهَا وَاقِعَةٌ غَيْرُ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَلَا الصُّعُودَ إِلَى السَّمَاءِ، فَهِيَ كَائِنَةٌ غَيْرَ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْبَزَّارُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَبُو بَحْرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَبَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، هَذَا غَرِيبٌ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَاصٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبُرَاقِ فَكَأَنَّهَا أَمَرَّت ذَنَبَهَا، فَقَالَ لَهَا جِبْرِيلُ: مَهْ يَا بُرَاقُ، فَوَاللَّهِ إِنْ رَكِبَكَ (٧) مِثْلُهُ. وَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا هُوَ بِعَجُوزٍ عَلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، فَقَالَ: "مَا هَذِهِ يَا جِبْرِيلُ؟ " قَالَ: سِرْ يَا مُحَمَّدُ. قَالَ: فَسَارَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسِيرَ، فَإِذَا شَيْءٌ يَدْعُوهُ مُتَنَحِّيًا عَنِ الطَّرِيقِ يَقُولُ: هَلُمَّ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: سِرْ يَا مُحَمَّدُ فَسَارَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسِيرَ، قَالَ: فَلَقِيَهُ خَلْقٌ مِنَ الْخَلْقِ فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَوَّلُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا آخِرُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا حَاشِرُ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: ارْدُدِ السَّلَامَ يَا مُحَمَّدُ. فَرَدَّ السَّلَامَ، ثُمَّ لَقِيَهُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَقَالَتِهِ الْأُولَى، ثُمَّ الثَّالِثَةَ كَذَلِكَ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ وَالْخَمْرَ وَاللَّبَنَ، فَتَنَاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّبَنَ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ، وَلَوْ شَرِبْتَ الْمَاءَ لَغَرِقْتَ وَغَرِقَتْ أُمَّتُكَ، وَلَوْ شَرِبْتَ الْخَمْرَ لَغَوَيْتَ وَلَغَوَتْ (٨) أُمَّتُكَ. ثُمَّ بُعِثَ لَهُ آدَمُ فَمَنْ دُونَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، فأمَّهم رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. ثُمَّ قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أَمَّا الْعَجُوزُ الَّتِي (٩) رَأَيْتَ عَلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، فَلَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِ تِلْكَ الْعَجُوزِ، وَأَمَّا الَّذِي أَرَادَ أَنْ تَمِيلَ إِلَيْهِ، فَذَاكَ عَدُوُّ اللَّهِ إِبْلِيسُ أَرَادَ أَنْ تَمِيلَ إِلَيْهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ سَلَّمُوا عَلَيْكَ فَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى، عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ" مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ (١٠)، وفي بعض ألفاظه نكارة
(١) في ت: "هذا".
(٢) في ت: "ابن حماد" وهو خطأ.
(٣) في ف، أ: "فجاء".
(٤) في ت: "بلغنا".
(٥) في أ: "فأوحى".
(٦) دلائل النبوة للبيهقي (٢/٣٦٩).
(٧) في ت، أ: "فواللله ما ركبك".
(٨) في ف: "وغويت".
(٩) في ت، أ: "الذي".
(١٠) تفسير الطبري (١٥/٥)، ودلائل النبوة للبيهقي (٢/٣٦٢).
وَغَرَابَةٌ.
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ:
وَفِيهَا غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ جَدًّا، وَهِيَ فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ الْمُجْتَبَى، وَلَمْ أَرَهَا فِي الْكَبِيرِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو (١) بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا مَخْلَد -هُوَ ابْنُ الْحُسَيْنِ-عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ، حَدَّثَنَا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أُتِيتُ بِدَابَّةٍ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، خَطْوُهَا عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهَا، فَرَكِبْتُ وَمَعِيَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَسِرْتُ فَقَالَ: انْزِلْ فَصَلِّ. فَصَلَّيْتُ، فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ [صَلَّيْتَ بِطَيْبَةَ وَإِلَيْهَا الْمُهَاجَرُ، ثُمَّ قَالَ: انْزِلْ فَصَلِّ. فَصَلَّيْتُ، فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟] (٢) صَلَّيْتَ بِطُورِ سَيْنَاءَ، حَيْثُ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى، ثُمَّ قَالَ: انْزِلْ فَصَلِّ. فَصَلَّيْتُ، فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ. صَلَّيْتَ بِبَيْتِ لَحْمٍ، حَيْثُ وُلِدَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ دَخَلْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَجُمِعَ لِيَ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، فَقَدَّمَنِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَمَمْتُهُمْ [ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَإِذَا فِيهَا آدَمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ] (٣) ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَإِذَا فِيهَا ابْنَا الْخَالَةِ: عِيسَى وَيَحْيَى، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَإِذَا فِيهَا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، فَإِذَا فِيهَا هَارُونُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ، فَإِذَا فِيهَا إِدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَإِذَا فِيهَا مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ. ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَإِذَا فِيهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ صَعِدَ بِي فَوْقَ سَبْعِ سَمَوَاتٍ وَأَتَيْتُ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى، فَغَشِيَتْنِي ضَبَابَةٌ فَخَرَرْتُ (٤) سَاجِدًا فَقِيلَ لِي: إِنِّي يَوْمَ خَلَقْتُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَرَضْتُ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ خَمْسِينَ صَلَاةً، فَقُمْ بِهَا أَنْتَ وَأُمَّتُكَ [فَرَجَعْتُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَلَمْ يَسْأَلْنِي، عَنْ شَيْءٍ. ثُمَّ أَتَيْتُ مُوسَى فَقَالَ: كَمْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ؟] (٥) قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلَاةً. قَالَ: فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُومَ بِهَا، لَا أَنْتَ وَلَا أُمَّتُكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ (٦) فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَخَفَّفَ عَنِّي عَشْرًا. ثُمَّ أَتَيْتُ مُوسَى فَأَمَرَنِي بِالرُّجُوعِ، فَرَجَعْتُ فَخَفَّفَ عَنِّي عَشْرًا، ثُمَّ رُدَّتْ إِلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ، قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَإِنَّهُ فَرَضَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ صَلَاتَيْنِ، فَمَا قَامُوا بِهِمَا. فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ، فَسَأَلْتُهُ التَّخْفِيفَ، فَقَالَ: إِنِّي يَوْمَ خَلَقْتُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَرَضْتُ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ خَمْسِينَ صَلَاةً، فَخَمْسٌ بِخَمْسِينَ، فَقُمْ بِهَا أَنْتَ وَأُمَّتُكَ. فَعَرَفْتُ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (٧) صِرَّى فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ (٨) فَقَالَ: ارْجِعْ، فَعَرَفْتُ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ صِرَّى -يَقُولُ: أَيْ حَتْمٌ-فَلَمْ أَرْجِعْ" (٩).
طَرِيقٌ أُخْرَى:
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا كَانَ لَيْلَةُ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، أَتَاهُ جِبْرِيلُ بِدَابَّةٍ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، حَمَلَهُ جبريل عليها، ينتهي خفها حيث ينتهي
(١) في ت: "عمر".
(٢) زيادة من ت، ف، أوالنسائي.
(٣) زيادة من ت، ف، أوالنسائي.
(٤) في ت: "خررت".
(٥) زيادة من ت، ف، أ، والنسائي.
(٦) في ف: "تخفيفها".
(٧) في ف، أ: "من الله تعالى".
(٨) في ت: "فرجعت إليه عليه السلام".
(٩) سنن النسائي (١/٢٢١).
طَرْفُهَا. فَلَمَّا بَلَغَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَبَلَغَ (١) الْمَكَانَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: "بَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" أَتَى إِلَى الْحَجَرِ الَّذِي ثَمَّةَ، فَغَمَزَهُ جِبْرِيلُ بِأُصْبُعِهِ فَثَقَبَهُ، ثُمَّ رَبَطَهَا. ثُمَّ صَعِدَ فَلَمَّا اسْتَوَيَا فِي صَرْحَة الْمَسْجِدِ، قَالَ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ، هَلْ سَأَلْتَ رَبَّكَ أَنْ يُرِيَكَ الْحُورَ الْعِينَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: فَانْطَلِقْ إِلَى أُولَئِكَ النِّسْوَةِ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِنَّ وَهُنَّ جُلُوسٌ عَنْ يَسَارِ الصَّخْرَةِ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُنَّ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِنَّ، فَرَدَدْنَ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَنَّ؟ فَقُلْنَ: نَحْنُ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ، نِسَاءُ قَوْمٍ أَبْرَارٍ، نُقُّوا فَلَمْ يَدْرَنُوا، وَأَقَامُوا فَلَمْ يَظْعَنُوا، وَخُلِّدُوا فَلَمْ يَمُوتُوا". قَالَ: "ثُمَّ انْصَرَفْتُ (٢)، فَلَمْ أَلْبَثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى اجْتَمَعَ نَاسٌ كَثِيرٌ، ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ". قَالَ: "فَقُمْنَا صُفُوفًا نَنْتَظِرُ مَنْ يَؤُمُّنَا، فَأَخَذَ بِيَدِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَدَّمَنِي فَصَلَّيْتُ بِهِمْ. فَلَمَّا انْصَرَفْتُ قَالَ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ، أَتَدْرِي مَنْ صَلَّى خَلْفَكَ؟ " قَالَ: "قُلْتُ: لَا. قَالَ: صَلَّى خَلْفَكَ كُلُّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ".
قَالَ: "ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي جِبْرِيلُ فَصَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى الْبَابِ اسْتَفْتَحَ فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا جِبْرِيلُ، قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قَالُوا: وَقَدْ بُعِثَ؟ قَالَ: نَعَمْ". قَالَ: "فَفَتَحُوا لَهُ وَقَالُوا: مَرْحَبًا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ". قَالَ: "فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا إِذَا فِيهَا آدَمُ، فَقَالَ لِي جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ، أَلَا تُسَلِّمُ عَلَى أَبِيكَ آدَمَ؟ " قَالَ: "قُلْتُ: بَلَى. فَأَتَيْتُهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيَّ وَقَالَ: مَرْحَبًا بِابْنِي وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ". قَالَ: "ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَاسْتَفْتَحَ، قَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قَالُوا: وَقَدْ بُعِثَ؟ قَالَ: نَعَمْ": "فَفَتَحُوا (٣) لَهُ وَقَالُوا: مَرْحَبًا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ، فَإِذَا فِيهَا عِيسَى وَابْنُ خَالَتِهِ يَحْيَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ (٤). قَالَ: "ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَاسْتَفْتَحَ، قَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قَالُوا: وَقَدْ بُعِثَ؟ قَالَ: نَعَمْ" (٥). فَفَتَحُوا (٦) وَقَالُوا: مَرْحَبًا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ، فَإِذَا فِيهَا يُوسُفُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ فَاسْتَفْتَحَ، قَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ؟ قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قَالُوا: وَقَدْ بُعِثَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَفَتَحُوا وَقَالُوا: مَرْحَبًا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ. فَإِذَا فِيهَا إِدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ". قَالَ: "فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ، فَاسْتَفْتَحَ، قَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قَالُوا: وَقَدْ بُعِثَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَفَتَحُوا وَقَالُوا: مَرْحَبًا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ فَإِذَا فِيهَا هَارُونُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ". قَالَ: "ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ فَاسْتَفْتَحَ، قَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قَالُوا: وَقَدْ بُعِثَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَفَتَحُوا وَقَالُوا: مَرْحَبًا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ، فَإِذَا فِيهَا مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ. ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقَالُوا (٧) مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قَالُوا: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَفَتَحُوا لَهُ وَقَالُوا: مَرْحَبًا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ، فَإِذَا فِيهَا إِبْرَاهِيمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَقَالَ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ، أَلَا تُسَلِّمُ عَلَى أَبِيكَ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى. فَأَتَيْتُهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ وَقَالَ: مرحبًا بك يا بني (٨) وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ.
ثُمَّ انْطَلَقَ بِي عَلَى ظَهْرِ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى نَهْرٍ عَلَيْهِ خِيَامُ الْيَاقُوتِ وَاللُّؤْلُؤِ وَالزَّبَرْجَدِ وَعَلَيْهِ طَيْرٌ خُضْرٌ أَنْعَمُ طَيْرٍ رَأَيْتُ. فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، إِنَّ هَذَا الطَّيْرَ لَنَاعِمٌ قَالَ (٩) : يَا مُحَمَّدُ، آكِلُهُ أَنْعَمُ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَتَدْرِي أَيُّ نَهْرٍ هَذَا؟ قَالَ: "قُلْتُ: لَا. قال: هذا الكوثر الذي أعطاك
(١) في ت: "فبلغ".
(٢) في ف: "قال: وانصرفت".
(٣) في ف: "قال: ففتحوا".
(٤) في ت: "عليهما الصلاة والسلام".
(٥) في ف، أ: "قال: ففتحوا".
(٦) في ت، ف، أ: "ففتحوا له".
(٧) في ف: "قالوا".
(٨) في ف: "مرحبا بابني".
(٩) في ف: "فقال".
اللَّهُ إِيَّاهُ. فَإِذَا فِيهِ آنِيَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، يَجْرِي (١) عَلَى رَصْرَاض مِنَ الْيَاقُوتِ وَالزُّمُرُّدِ، مَاؤُهُ، (٢) أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ" قَالَ: "فَأَخَذْتُ مِنْهُ آنِيَةً (٣) مِنَ الذَّهَبِ، فَاغْتَرَفْتُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ فَشَرِبْتُ، فَإِذَا هُوَ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَأَشَدُّ (٤) رَائِحَةً مِنَ الْمِسْكِ. ثُمَّ انْطُلِقَ بِي حَتَّى انْتَهَيْتُ (٥) إِلَى الشَّجَرَةِ، فَغَشِيَتْنِي سَحَابَةٌ فِيهَا مِنْ كُلِّ لَوْنٍ، فَرَفَضَنِي جِبْرِيلُ، وَخَرَرْتُ سَاجِدًا لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ اللَّهُ لِي: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي يَوْمَ خَلَقْتُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَرَضْتُ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ خَمْسِينَ صَلَاةً، فَقُمْ بِهَا أَنْتَ وَأُمَّتُكَ". قَالَ: "ثُمَّ انْجَلَتْ عَنِّي السَّحَابَةُ وَأَخَذَ بِيَدِي جِبْرِيلُ، فَانْصَرَفْتُ سَرِيعًا فَأَتَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَلَمْ يَقُلْ لِي شَيْئًا، ثُمَّ أَتَيْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ يَا مُحَمَّدُ؟ فَقُلْتُ: فَرَضَ رَبِّي عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً. قَالَ: فَلَنْ تَسْتَطِيعَهَا أَنْتَ وَلَا أُمَّتُكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكَ. فَرَجَعْتُ سَرِيعًا حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الشَّجَرَةِ، فَغَشِيَتْنِي السَّحَابَةُ، وَرَفَضَنِي جِبْرِيلُ وَخَرَرْتُ سَاجِدًا وَقُلْتُ: رَبِّ، إِنَّكَ فَرَضْتَ عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً، وَلَنْ أَسْتَطِيعَهَا أَنَا وَلَا أُمَّتِي، فَخَفِّفْ عَنَّا. قَالَ: قَدْ وَضَعْتُ عَنْكُمْ عَشْرًا. قَالَ: ثُمَّ انْجَلَتْ عَنِّي السَّحَابَةُ، وَأَخَذَ (٦) بِيَدِي جِبْرِيلُ وَانْصَرَفْتُ (٧) سَرِيعًا حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَلَمْ يَقُلْ لِي شَيْئًا، ثُمَّ أَتَيْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ لِي: مَا صَنَعْتَ يَا مُحَمَّدُ؟ فَقُلْتُ: وَضَعَ رَبِّي عَنِّي عَشْرًا فَقَالَ: أَرْبَعُونَ صَلَاةً! لَنْ تَسْتَطِيعَهَا أَنْتَ وَلَا أُمَّتُكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ -فَذَكَرَ الْحَدِيثَ كَذَلِكَ إِلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ، وَخَمْسٍ بِخَمْسِينَ ثُمَّ أَمَرَهُ (٨) مُوسَى أَنْ يَرْجِعَ فَيَسْأَلَ التَّخْفِيفَ، فَقُلْتُ: "إِنِّي قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ تَعَالَى".
قَالَ: ثُمَّ انْحَدَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجِبْرِيلَ: "مَا لِي لَمْ آتِ عَلَى (٩) سَمَاءٍ إِلَّا رَحَّبُوا بِي وَضَحِكُوا إِلَيَّ، غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ فَرَحَّبَ بِي وَلَمْ يَضْحَكْ إِلَيَّ. قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، ذَاكَ مَالِكٌ خَازِنُ جَهَنَّمَ لَمْ يَضْحَكْ مُنْذُ خُلِقَ (١٠) وَلَوْ ضَحِكَ إِلَى أَحَدٍ لَضَحِكِ إِلَيْكَ".
قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ مُنْصَرِفًا، فَبَيْنَا هُوَ فِي بَعْضِ طَرِيقِهِ مَرَّ بِعِيرٍ لِقُرَيْشٍ تَحْمِلُ طَعَامًا، مِنْهَا جَمَلٌ عَلَيْهِ غِرَارَتَانِ: غِرَارَةٌ سَوْدَاءُ، وَغِرَارَةٌ بَيْضَاءُ، فَلَمَّا حَاذَى بِالْعِيرِ نَفَرَتْ مِنْهُ وَاسْتَدَارَتْ، وَصُرِعَ ذَلِكَ الْبَعِيرُ وَانْكَسَرَ.
ثُمَّ إِنَّهُ مَضَى فَأَصْبَحَ، فَأَخْبَرَ عَمَّا كَانَ، فَلَمَّا سَمِعَ الْمُشْرِكُونَ قَوْلَهُ أَتَوْا أَبَا بَكْرٍ فَقَالُوا: يَا أَبَا بَكْرٍ، هَلْ لَكَ فِي صَاحِبِكَ؟ يُخْبِرُ (١١) أَنَّهُ أَتَى فِي لَيْلَتِهِ هَذِهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، ثُمَّ رَجَعَ فِي لَيْلَتِهِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنْ كَانَ قَالَهُ فَقَدْ صَدَقَ، وَإِنَّا لِنُصَدِّقُهُ فِيمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ هَذَا، نُصَدِّقُهُ عَلَى خَبَرِ السَّمَاءِ.
فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا عَلَامَةُ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: "مَرَرْتُ بِعِيرٍ لِقُرَيْشٍ، وَهِيَ فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَنَفَرَتِ الْعِيرُ (١٢) مِنَّا وَاسْتَدَارَتْ، [وَفِيهَا بَعِيرٌ عَلَيْهِ] (١٣) غِرَارَتَانِ: غِرَارَةٌ سَوْدَاءُ، وَغِرَارَةٌ بَيْضَاءُ، فَصُرِعَ فَانْكَسَرَ".
فَلَمَّا قَدِمَتِ الْعِيرُ سَأَلُوهُمْ، فَأَخْبَرُوهُمُ الْخَبَرَ عَلَى مِثْلِ مَا حَدَّثَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (١٤) وَمِنْ (١٥) ذَلِكَ سُمِّيَ أبو (١٦) بكر الصديق.
(١) في ف، أ: "تجري".
(٢) قي ف، أ: "وماؤه".
(٣) في ف، أ: "من آنيته".
(٤) في ت: "وألد".
(٥) في ت، ف، أ: "انتهى".
(٦) في ت: "فأخذ".
(٧) في ت، ف، أ: "فانصرفت".
(٨) في ت: "أمر".
(٩) في أ: "أهل".
(١٠) في ت: "خلقت".
(١١) في ت: "يزعم".
(١٢) في ف: "الإبل".
(١٣) زيادة من ف، أ، وفي ت: "جمل عليه".
(١٤) في ف: "رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(١٥) في ف، أ: "وفي".
(١٦) في ف: "أبا".
وَسَأَلُوهُ وَقَالُوا (١) : هَلْ كَانَ مَعَكَ فِيمَنْ حَضَرَ مُوسَى وَعِيسَى؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالُوا: فَصِفْهُمْ. قَالَ: "نَعَمْ"، أَمَّا مُوسَى فَرَجُلٌ آدَمُ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ أزْدِ عَمَّانَ، وَأَمَّا عِيسَى فَرَجَلٌ رَبْعَةٌ، سَبْط، تَعْلُوهُ (٢) حُمْرَةٌ كَأَنَّمَا يَتَحَادَرُ مِنْ شَعْرِهِ الجُمَان" (٣).
هَذَا سِيَاقٌ فِيهِ غَرَائِبُ عَجِيبَةٌ.
رِوَايَةُ أَنَسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَة:
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّام، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ مَالِكَ بْنَ صَعْصَعَةَ حَدَّثَهُ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ، قَالَ: "بَيْنَمَا أَنَا فِي الْحَطِيمِ (٤) -وَرُبَّمَا قَالَ قَتَادَةُ: فِي الْحِجْرِ-مُضْطَجِعًا إِذْ أَتَانِي آتٍ" فَجَعَلَ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ الْأَوْسَطِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ، قَالَ: "فَأَتَانِي فَقَدَّ -وَسَمِعْتُ قَتَادَةَ يَقُولُ: فَشَقَّ-مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ". وَقَالَ قَتَادَةُ: فَقُلْتُ لِلْجَارُودِ وَهُوَ إِلَى جَنْبِي: مَا يَعْنِي؟ قَالَ: مِنْ ثُغْرَةِ نَحْرِهِ إِلَى شِعْرته، وَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مِنْ قَصَّته إِلَى شِعْرَته قَالَ: "فَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي" قَالَ: "فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءٍ إِيمَانًا وَحِكْمَةٍ فَغُسِلَ قَلْبِي ثُمَّ حُشِيَ، ثُمَّ أُعِيدَ. ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ أَبْيَضَ" قَالَ: فَقَالَ الْجَارُودُ: وَهُوَ الْبُرَاقُ يَا أَبَا حَمْزَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَقَعُ خَطْوُهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ. قَالَ: "فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ، فَانْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حَتَّى أَتَى بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَاسْتَفْتَحَ فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوقد أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ" قَالَ: "فَفُتِحَ (٥) فَلَمَّا خَلَصْتُ، فَإِذَا فِيهَا آدَمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ: هَذَا أَبُوكَ آدَمُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ السَّلَامَ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ.
ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ، فَاسْتَفْتَحَ فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ (٦) : جِبْرِيلُ. قِيلَ: ومن معك؟ قال: محمد قيل (٧) : أوقد (٨) أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ"، قَالَ: "فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ، فَإِذَا يَحْيَى (٩) وَعِيسَى وَهُمَا ابْنَا الْخَالَةِ. قَالَ: هَذَا (١٠) يَحْيَى وَعِيسَى، فَسَلِّمْ عَلَيْهِمَا. قَالَ: فَسَلَّمْتُ فَرَدَّا السَّلَامَ ثُمَّ قَالَا (١١) مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ.
ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّالِثَةَ فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوقد أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ". قَالَ: فَفُتِحَ (١٢) فَلَمَّا خَلَصْتُ، فَإِذَا يُوسُفُ (١٣)، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: هَذَا يُوسُفُ (١٤) قَالَ: "فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ السَّلَامَ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ.
ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ، فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَنْ هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟
(١) في ت، ف: "فقالوا".
(٢) في ت: "يعلوه".
(٣) وفي إسناده خالد بن يزيد بن أبي مالك ضعفه أحمد وابن معين والنسائي والدارقطني ولم يوثقه إلا أبو زرعة الدمشقي.
(٤) في ف: "بالحطيم".
(٥) في ت، أ: "ففتح لنا".
(٦) في ت، ف: "فقال".
(٧) في ت: "قال".
(٨) في ت: "وقد".
(٩) في ف، أ: "بيحيى".
(١٠) في ف، أ: "وهذان".
(١١) في ف، أ: "وقالا".
(١٢) في ف، أ: "ففتح الباب".
(١٣) في ت: "فإدريس"، وفي ف، أ: "إذا بيوسف".
(١٤) في ت: "إدريس".
قال: محمد. قيل: أوقد أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ" قَالَ: "فَفُتِحَ فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا إِدْرِيسُ، قَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ". قَالَ: "فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ. فَرَدَّ السَّلَامَ (١)، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ".
قَالَ: "ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قال: محمد. قيل: أوقد أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ". قَالَ: "فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ، فَإِذَا هَارُونُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: هَذَا هَارُونُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلَامَ (٢)، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ".
قَالَ: "ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ السَّادِسَةَ فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ معك؟ قال: محمد. قيل: أوقد أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى، قَالَ: هَذَا مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ السَّلَامَ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ". قَالَ: "فَلَمَّا تَجَاوَزْتُهُ بَكَى. قِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: أَبْكِي لِأَنَّ غُلَامًا بُعِثَ بَعْدِي، يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يَدْخُلُهَا مِنْ أُمَّتِي".
قَالَ: "ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ السَّابِعَةَ فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوقد أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ". قَالَ: "فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ، فَإِذَا إِبْرَاهِيمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَقَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ". قَالَ: "فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ السَّلَامَ (٣)، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ".
قَالَ: ثُمَّ رُفِعْتُ إِلَيَّ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى فَإِذَا نَبْقُهَا مِثْلُ قِلال هَجر، وَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ، فَقَالَ: هَذِهِ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى". قَالَ: "وَإِذَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ: نَهْرَانِ بَاطِنَانِ وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَنَهْرَانِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ".
قَالَ: ثُمَّ رُفِعَ إِلَيَّ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ.
قَالَ قَتَادَةُ: وَحَدَّثَنِي الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ رَأَى الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ.
ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ [قَالَ: "ثُمَّ] (٤) أُتِيتُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ وَإِنَاءٍ مِنْ عَسَلٍ". قَالَ: "فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ، قَالَ: هَذِهِ الْفِطْرَةُ وَأَنْتَ (٥) عَلَيْهَا وَأُمَّتُكَ".
قَالَ: "ثُمَّ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ". قَالَ: "فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى (٦) مُوسَى، قَالَ (٧) مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ " قَالَ: "قُلْتُ (٨) خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلَاةً، وَإِنِّي قَدْ خَبَرْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى
(١) في ف، أ: "فرد علي السلام".
(٢) في ف، أ: "فرد علي السلام".
(٣) في ف، أ: "فرد علي السلام".
(٤) زيادة من ت، ف، أ، والمسند.
(٥) في ت، ف، أ: "أنت".
(٦) في أ: "أتيت".
(٧) في أ: "فقال".
(٨) في ف، أ: "فقلت".
رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، عَنْ أُمَّتِكَ (١) ". قَالَ: "فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَ أُمِرْتَ؟ قُلْتُ: بِأَرْبَعِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَرْبَعِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِّي قَدْ خَبَرْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ. قَالَ: فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا أُخَرَ. فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: بِمَ أُمِرْتَ؟ فَقُلْتُ: أُمِرْتُ بِثَلَاثِينَ صَلَاةً. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ ثَلَاثِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِّي قَدْ خَبَرْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ". قَالَ: "فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا أُخَرَ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: بِمَ أُمِرْتَ؟ قُلْتُ: بِعِشْرِينَ (٢) صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ. فَقَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ لِعِشْرِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِّي قَدْ خَبَرْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ". قَالَ: "فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا أُخَرَ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: بِمَ أُمِرْتَ؟ فَقُلْتُ: أُمِرْتُ بِعَشْرِ صَلَوَاتٍ فِي كل يوم. فقال: إن أمتك (٣) لا تستطيع لِعَشْرِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِّي قَدْ خَبَرْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ". قَالَ: "فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: بِمَ أُمِرْتَ؟ فَقُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ. فَقَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ (٤) لَا تَسْتَطِيعُ لِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَإِنِّي قَدْ خَبَرْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ". قَالَ: "قُلْتُ: لَقَدْ (٥) سَأَلْتُ رَبِّي [عَزَّ وَجَلَّ] (٦) حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ، وَلَكِنْ أَرْضَى وَأُسَلِّمُ. فَنَفَذْتُ، فَنَادَانِي مُنَادٍ: قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي".
وَأَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ، بِنَحْوِهِ (٧).
"رِوَايَةُ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ:
قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْر، حَدَّثَنَا اللَّيْثِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج [صدري ثم غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهُ] (٨) فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ. ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ، فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى السَّمَاءِ [الدُّنْيَا] (٩) قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: افْتَحْ. قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَعِي مُحَمَّدٌ. قَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا وَإِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَة وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى. فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ. قُلْتُ: لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ. وَهَذِهِ الْأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَم (١٠) بَنِيهِ فَأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَالْأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ. فَإِذَا نَظَرَ، عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ، عَنْ شِمَالِهِ بَكَى.
"ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ. فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ لَهُ الأول،
(١) في ف، أ: "لأمتك".
(٢) في ف: "فقلت أمرت بعشرين".
(٣) في ف: "قال: أمتك".
(٤) في ف: "قال: أمتك".
(٥) في ف، أ: "قد".
(٦) زيادة من "أ".
(٧) المسند (٤/٢٠٨) وصحيح البخاري برقم (٣٣٩٣) ومعلقا برقم (٣٢٠٧) وصحيح مسلم برقم (١٦٤).
(٨) زيادة من ت، ف، أ، والبخاري.
(٩) زيادة من ت، ف، أ، والبخاري.
(١٠) في ت: "نطف".
فَفَتَحَ". قَالَ أَنَسٌ: فَذُكِرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَوَاتِ آدَمَ، وَإِدْرِيسَ، وَمُوسَى، وَعِيسَى، وَإِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ. قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِدْرِيسَ قَالَ: "مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ. ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ. قُلْتُ: (١) مَنْ هَذَا؟ قَالَ: مُوسَى (٢) ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: عِيسَى (٣) ابْنُ مَرْيَمَ. ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ". قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّة (٤) الْأَنْصَارِيَّ كَانَا يَقُولَانِ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوًى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ". قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً. قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَجَعْتُ [فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، قُلْتُ: وَضَعَ شَطْرَهَا. فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ. فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا. فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ. فَرَاجَعْتُهُ] (٥) فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ. فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ. قُلْتُ: قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي. ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ (٦) لَا أَدْرِي مَا هِيَ، ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا جَنَابذ (٧) اللُّؤْلُؤِ وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ".
هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ فِي "كِتَابِ الصَّلَاةِ" (٨) وَرَوَاهُ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَفِي الْحَجِّ وَفِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ طُرُقٍ أُخَرَ، عَنْ يُونُسَ، بِهِ (٩) وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ فِي "كِتَابِ الْإِيمَانِ" مِنْهُ، عَنْ حَرْملة، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ بِهِ نَحْوَهُ. (١٠).
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هُمَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيق قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي ذَرٍّ: لَوْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَسَأَلْتُهُ. قَالَ: وَمَا كُنْتَ تَسْأَلُهُ؟ قَالَ: كُنْتُ أَسْأَلُهُ: هَلْ رَأَى رَبَّهُ؟ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ سَأَلْتُهُ فَقَالَ: "إِنِّي قَدْ رَأَيْتُهُ (١١) نُورًا أَنَّى أَرَاهُ" (١٢).
هَكَذَا قَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، [عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَأَلَتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ رأيت ربك؟ قال: "إني نُورٌ أَنِّي أَرَاهُ".
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّار، عَنْ مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ] (١٣) قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي ذَرٍّ: لَوْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَسَأَلْتُهُ. فَقَالَ (١٤) عَنْ أَيِّ شيء كنت تسأله؟ قال:
(١) في ف: "فقلت".
(٢) في ف، أ: "هذا موسى".
(٣) في ف، أ: "هذا عيسى".
(٤) في ت: "حية".
(٥) زيادة من ت، ف، أ، والبخاري.
(٦) في ف: "الألوان".
(٧) في ف: "جبال"، وفي أ: "حبائل".
(٨) صحيح البخاري برقم (٣٤٩).
(٩) صحيح البخاري برقم (١٦٣٦، ٣٣٤٢).
(١٠) صحيح مسلم برقم (١٦٣).
(١١) في ت، ف، أ: "رأيت".
(١٢) المسند (٥/١٤٧).
(١٣) زيادة من ت، ف، أ، ومسلم.
(١٤) في ف: "قال".
كُنْتُ أَسْأَلُهُ: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ أَبُو ذَرٍّ: قَدْ سَأَلْتُ فَقَالَ: "رَأَيْتُ نُورًا" (١).
رِوَايَةُ أَنَسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسَيَّبِيِّ (٢) حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري، ثم غسله مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مَنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهَا (٣) فِي صَدْرِي ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ. فَلَمَّا جَاءَ السَّمَاءَ [فَافْتَتَحَ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَعِي مُحَمَّدٌ. قَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَافْتَحْ. فَلَمَّا عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا] (٤) إِذَا رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَنْ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى قَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ". قَالَ: "قُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ وَهَذِهِ الْأَسْوِدَةُ (٥) عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ الْيَمِينِ هُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَالْأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ هُمْ أَهْلُ النَّارِ. فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى" قَالَ: "ثُمَّ عَرَجَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى السماء الثانية، فقال لخازنها: افتح. فقال له خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ خَازِنُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَفُتِحَ لَهُ". قَالَ أَنَسٌ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَوَاتِ: آدَمَ، وَإِدْرِيسَ، وَمُوسَى، وَعِيسَى، وَإِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ يَثْبُتْ لِي كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ؟ غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ. قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِدْرِيسَ قَالَ: "مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ". قَالَ: "قُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ"، قال: "ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا مُوسَى، ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا. قَالَ: هَذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ" قَالَ: "ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ". قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَا يَقُولَانِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ثم عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوًى أَسْمَعُ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ" قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً" قَالَ: "فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى أَمُرَّ (٦) عَلَى مُوسَى، فَقَالَ مُوسَى: مَاذَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلَاةً. فَقَالَ لِي مُوسَى: رَاجِعْ رَبَّكَ؛ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ" قَالَ: "فَرَاجَعْتُ رَبِّي فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ (٧) فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَجَعْتُ (٨) فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ". قَالَ: "فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ. فَقُلْتُ (٩) قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي" قَالَ: "ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى أَتَى سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى. قَالَ: "فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ مَا أَدْرِي (١٠) مَا هِيَ؟ " قَالَ: "ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ".
هَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ [الْإِمَامِ] (١١) أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِ أَبِيهِ (١٢). وَلَيْسَ هو في شيء من الكتب
(١) صحيح مسلم برقم (١٧٨).
(٢) في ف، أ: "بن محمد بن المثنى".
(٣) في ت: "ففرغهما".
(٤) زيادة من ف، أ، والمسند.
(٥) في ت، ف: "الأسودة التي".
(٦) في ت، ف، أ: "حتى أتى".
(٧) في ف: "راجع ربك".
(٨) في ف، أ: "فرجعت ربي".
(٩) في ت: "قلت".
(١٠) في ف: "لا أدري".
(١١) زيادة من: ف، أ.
(١٢) زوائد المسند (٥/١٤٣) وقال الهيثمي في المجمع (١/٦٦) :"رجاله رجال الصحيح".
السِّتَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ (١)، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، مِثْلَ هَذَا السِّيَاقِ سَوَاءٌ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ (٢).
رِوَايَةُ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيِّ:
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ -وَاللَّفْظُ لَهُ-قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو نُميلَة، أَخْبَرَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ جُنَادَةَ، عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدة، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لما كَانَ لَيْلَةُ أُسْرِيَ بِهِ (٣) قَالَ: فَأَتَى جِبْرِيلُ الصخرة التي ببيت الْمَقْدِسِ، فَوَضَعَ إِصْبَعَهُ فِيهَا فَخَرَقَهَا فَشَدَّ بِهَا الْبُرَاقَ".
ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ جُنَادَةَ إِلَّا أَبُو نُميلَة، وَلَا نَعْلَمُ (٤) هَذَا الْحَدِيثَ [يُرْوَى] (٥) إِلَّا عَنْ بُرَيْدَةَ. وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ جَامِعِهِ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِي بِهِ (٦) وَقَالَ: غَرِيبٌ.
رِوَايَةُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (٧) :
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ (٨) :" لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ حِينَ أُسْرِيَ بِي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قُمْتُ فِي الْحِجْرِ فَجَلَّى اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ".
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طُرُقٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ، (٩).
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ (١٠) الْقَاضِي، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَان، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ انْتَهَى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، لَقِيَ فِيهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى، وَإِنَّهُ أُتِيَ بِقَدَحَيْنِ: قَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ وَقَدَحِ خَمْرٍ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا، ثُمَّ أَخَذَ قَدَحَ اللَّبَنِ. فَقَالَ جِبْرِيلُ (١١) : أَصَبْتَ، هُدِيتَ لِلْفِطْرَةِ (١٢)، لَوِ اخْتَرْتَ الْخَمْرَ لَغَوَتْ أُمَّتُكَ. ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَكَّةَ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ، فَافْتُتِنَ نَاسٌ كَثِيرٌ كَانُوا قَدْ صَلَّوْا مَعَهُ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: فَتَجَهَّزَ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا-نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالُوا: هَلْ لَكَ فِي صَاحِبِكَ؟ يَزْعُمُ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ! فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أوقال ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَأَشْهَدُ لَئِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ لَقَدْ صَدَقَ. قَالُوا: فَتُصَدِّقُهُ بِأَنْ يَأْتِيَ الشَّامَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنِّي أُصَدِّقُهُ بِأَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ (١٣) أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ. قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَبِهَا سُمِّيَ أَبُو بكر: الصديق.
(١) في ت، ف، أ: "عن الزهري، عن أنس".
(٢) في ت: "والله أعلم".
(٣) في ف: "أسري بي".
(٤) في ت: "يعلم".
(٥) زيادة من أ.
(٦) سنن الترمذي برقم (٣١٣٢).
(٧) في ف، أ: "عنهما".
(٨) في ت، ف، أ: "قال".
(٩) المسند (٣/٣٧٧)، وصحيح البخاري برقم (٤٧١٠) وصحيح مسلم برقم (١٧٠).
(١٠) في ت، ف: "الحسين".
(١١) في ف، أ: "فقال له جبريل عليه السلام".
(١٢) في ف: "الفطرة".
(١٣) في ت: "من هذا".
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَسَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ حِينَ أُسْرِيَ بِي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قُمْتُ فِي الْحِجْرِ، فَجَلَّى اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ" (١).
رِوَايَةُ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا أَبُو النَّضْرِ، ثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرَّ بْنِ حُبَيْش، قَالَ: أَتَيْتُ عَلَى حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَهُوَ يحدث، عن لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ يَقُولُ: "فَانْطَلَقْنَا (٢) حَتَّى أَتَيْنَا (٣) بَيْتَ الْمَقْدِسِ". فَلَمْ يَدْخُلَاهُ. قَالَ: قُلْتُ: بَلْ دَخَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَتَئِذٍ وَصَلَّى فِيهِ. قَالَ: مَا اسْمُكَ يَا أَصْلَعُ؟ فَإِنِّي أَعْرِفُ وَجْهَكَ وَلَا أَدْرِي مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَنَا زِرُّ بْنُ حُبَيْش. قَالَ: فَمَا عِلْمُكَ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِيهِ لَيْلَتَئِذٍ؟ قَالَ: قُلْتُ: الْقُرْآنُ يُخْبِرُنِي بِذَلِكَ. قَالَ: مَنْ تَكَلَّمَ بِالْقُرْآنِ فَلَجَ (٤)، اقْرَأْ. قَالَ: فَقُلْتُ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى﴾ قَالَ: يَا أَصْلَعُ، هَلْ تَجِدُ "صَلَّى فِيهِ"؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: وَاللَّهِ مَا صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَتَئِذٍ، وَلَوْ صَلَّى فِيهِ لَكُتِبَ عَلَيْكُمْ صَلَاةٌ فِيهِ، كَمَا كُتِبَ عَلَيْكُمْ صَلَاةٌ فِي الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، وَاللَّهِ مَا زَايَلَا الْبُرَاقَ حَتَّى فُتِحَتْ لَهُمَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، فَرَأَيَا الْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَوَعْدَ الْآخِرَةِ أَجْمَعَ، ثُمَّ عَادَا عَوْدَهُمَا عَلَى بَدْئِهِمَا. قَالَ: ثُمَّ ضَحِكَ حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ. قَالَ: وَتَحَدَّثُوا (٥) أَنَّهُ رَبَطَهُ لَا يَفِرُّ مِنْهُ، وَإِنَّمَا سَخَّرَهُ لَهُ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ. قُلْتُ: أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (٦) أَيُّ دَابَّةٍ الْبُرَاقُ؟ قَالَ: دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ هَكَذَا، خَطْوُهُ مَدَّ الْبَصَرِ.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ حَدِيثِ عَاصِمٍ -وَهُوَ ابْنُ أَبِي النَّجُودِ-بِهِ (٧)، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ حُذَيْفَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، نَفْيٌ، وَمَا أَثْبَتَهُ غَيْرُهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رَبْطِ الدَّابَّةِ بِالْحَلْقَةِ وَمِنَ الصلاة بالبيت الْمَقْدِسِ، مِمَّا سَبَقَ وَمَا سَيَأْتِي مُقَدَّمٌ عَلَى قَوْلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
رِوَايَةُ أَبِي سَعِيدٍ -سَعْدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ الْخُدْرِيُّ:
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ":
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ رَاشِدٌ الْحِمَّانِيُّ، عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنَا عَنْ لَيْلَةٍ أُسْرِيَ بِكَ فِيهَا، قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
(١) دلائل النبوة (٢/٣٥٩).
(٢) في ف: "فانطلقا".
(٣) في ف: "أتيا".
(٤) في ت، ف، أ: "فلح".
(٥) في ت: "ويحدثون" وفي ف، أ: "وتحدثون".
(٦) في ت: "يا عبد الله".
(٧) المسند (٥/٣٨٧) ومسند الطيالسي برقم (٤١١)، وسنن الترمذي برقم (٣١٤٧) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٢٨٠).
قَالَ: فَأَخْبَرَهُمْ فَقَالَ: "فَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ عِشَاءً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، إِذْ أَتَانِي آتٍ فَأَيْقَظَنِي، فَاسْتَيْقَظْتُ فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَإِذَا أَنَا بِكَهَيْئَةِ خَيَالٍ، فَأَتْبَعْتُهُ بَصَرِي حَتَّى خَرَجْتُ مِنَ الْمَسْجِدِ (١) فَإِذَا أَنَا بِدَابَّةٍ أَدْنَى فِي شَبَهِهِ بِدَوَابِّكُمْ هَذِهِ، بِغَالِكُمْ هَذِهِ، مُضْطَرِبِ (٢) الْأُذُنَيْنِ يُقَالُ لَهُ: الْبُرَاقُ. وَكَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ تَرْكَبُهُ قَبْلِي، يَقَعُ حَافِرُهُ عِنْدَ مَدِّ بَصَرِهِ، فَرَكِبْتُهُ، فَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ عَلَيْهِ، إِذْ دَعَانِي دَاعٍ، عَنْ يَمِينِي: يَا مُحَمَّدُ، انْظُرْنِي أَسْأَلْكَ، يَا مُحَمَّدُ، انْظُرْنِي أَسْأَلْكَ، فَلَمْ أُجِبْهُ وَلَمْ أَقُمْ عَلَيْهِ، [فَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ عَلَيْهِ، إِذْ دَعَانِي دَاعٍ، عَنْ يَسَارِي: يَا مُحَمَّدُ، انْظُرْنِي أَسْأَلْكَ، فَلَمْ أُجِبْهُ وَلَمْ أَقُمْ عَلَيْهِ] (٣)، فَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ، إِذْ أَنَا بِامْرَأَةٍ حَاسِرَةٍ عَنْ ذِرَاعَيْهَا، وَعَلَيْهَا مِنْ كُلِّ زِينَةٍ خَلَقَهَا اللَّهُ، فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، انْظُرْنِي أَسْأَلْكَ. فَلَمْ أَلْتَفِتْ إِلَيْهَا وَلَمْ أَقُمْ عَلَيْهَا. حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَأَوْثَقْتُ دَابَّتِي بِالْحَلْقَةِ الَّتِي كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ تُوثِقُهَا بِهَا. فَأَتَانِي (٤) جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ بِإِنَاءَيْنِ: أَحَدُهُمَا خَمْرٌ، وَالْآخَرُ لَبَنٌ، فَشَرِبْتُ اللَّبَنَ، وَتَرَكْتُ الْخَمْرَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ (٥) فَقُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ. فَقَالَ: جِبْرِيلُ: مَا رَأَيْتَ فِي وَجْهِكَ هَذَا؟ " قَالَ: "فَقُلْتُ: بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ، إِذْ دَعَانِي دَاعٍ، عَنْ يَمِينِي: يَا مُحَمَّدُ، انْظُرْنِي أَسْأَلْكَ. فَلَمْ أُجِبْهُ وَلَمْ أَقُمْ عَلَيْهِ. قَالَ: ذَاكَ دَاعِي الْيَهُودِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَجَبْتَهُ -أَوْ: وَقَفْتَ عَلَيْهِ-لَتَهَوَّدَتْ أُمَّتُكَ". قَالَ: (٦) : فَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ، إِذْ دَعَانِي دَاعٍ عَنْ يَسَارِي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، انْظُرْنِي أَسْأَلْكَ. فَلَمْ أَلْتَفِتْ إِلَيْهِ وَلَمْ أَقُمْ عَلَيْهِ. قَالَ: ذَاكَ دَاعِي النَّصَارَى، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَجَبْتَهُ لَتَنَصَّرَتْ أُمَّتُكَ". قَالَ: "فَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ إِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ حَاسِرَةٍ عَنْ ذِرَاعَيْهَا عَلَيْهَا مِنْ كُلِّ زِينَةٍ خَلَقَهَا اللَّهُ تَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، انْظُرْنِي أَسْأَلْكَ. فَلَمْ أُجِبْهَا وَلَمْ أَقُمْ عَلَيْهَا". قَالَ: تِلْكَ الدُّنْيَا، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَجَبْتَهَا أَوْ أَقَمْتَ عَلَيْهَا، لَاخْتَارَتْ أُمَّتُكَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ".
قَالَ: "ثُمَّ دَخَلْتُ أَنَا وَجِبْرِيلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَصَلَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا رَكْعَتَيْنِ.
ثُمَّ أُتِيتُ بِالْمِعْرَاجِ الَّذِي تَعْرُجُ (٧) عَلَيْهِ أَرْوَاحُ بَنِي آدَمَ (٨)، فَلَمْ يَرَ الْخَلَائِقُ أَحْسَنَ مِنَ الْمِعْرَاجِ، أَمَا رَأَيْتَ الْمَيِّتَ حِينَ يَشُقُّ بَصَرَهُ طَامِحًا إِلَى السَّمَاءِ، فَإِنَّمَا يَشُقُّ بَصَرَهُ طَامِحًا إِلَى السَّمَاءِ عَجَبُهُ بِالْمِعْرَاجِ". قَالَ: "فَصَعِدْتُ أَنَا وَجِبْرِيلُ، فَإِذَا أَنَا بِمَلَكٍ يُقَالُ: لَهُ: إِسْمَاعِيلُ. وَهُوَ صَاحِبُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَبَيْنَ يَدَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، مَعَ كُلِّ مَلَكٍ جُنْده مِائَةُ أَلْفِ مَلَكٍ". قَالَ: "وَقَالَ: اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] (٩) ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ [الْمُدَّثِّرِ: ٣١] فَاسْتَفْتَحَ (١٠) جِبْرِيلُ بَابَ السَّمَاءِ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قال: محمد. قيل: أوقد بعث إليه؟ قال: نعم. فإذا أنا بآدم كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَهُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ عَلَى صُورَتِهِ (١١)، هُوَ تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَرْوَاحُ ذُرِّيَّتِهِ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَقُولُ: رُوحٌ طَيِّبَةٌ، وَنَفْسٌ طَيِّبَةٌ، اجْعَلُوهَا فِي عِلِّيِّينَ ثُمَّ تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَرْوَاحُ ذُرِّيَّتِهِ الْفُجَّارِ فَيَقُولُ: رُوحٌ خَبِيثَةٌ، وَنَفْسٌ خَبِيثَةٌ، اجْعَلُوهَا فِي سجين.
(١) في ت، ف، أ: "المسجد الحرام".
(٢) في ف، أ: "غير أنه مضطرب".
(٣) زيادة من ف، أوالدلائل.
(٤) في ت: "أتاني" وفي ف: "ثم أتاني"
(٥) في ف، أ: "أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غوت أمتك".
(٦) في ف: "قلت".
(٧) في ت: "يعرج".
(٨) في أ: "الأنبياء".
(٩) زيادة من: ف، أ.
(١٠) في ف، أ: "قال: فاستفتح".
(١١) في أ: "على صورته لم يتغير منه شيء".
ثُمَّ مَضَيْتُ هُنَيَّةً (١)، فَإِذَا أَنَا بِأَخْوِنَةٍ عَلَيْهَا لَحْمٌ مُشَرَّحٌ لَيْسَ يَقْرَبُهَا أَحَدٌ، وَإِذَا أَنَا بأخْوِنَة أُخْرَى عَلَيْهَا لَحْمٌ قَدْ أَرْوَحَ وَأَنْتَنَ، عِنْدَهَا أُنَاسٌ يَأْكُلُونَ مِنْهَا، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ مِنْ أَمَّتِكَ يَتْرُكُونَ الْحَلَالَ وَيَأْتُونَ (٢) الْحَرَامَ."
قَالَ: "ثُمَّ مَضَيْتُ هُنَيَّةً (٣)، فَإِذَا أَنَا بِأَقْوَامٍ بُطُونُهُمْ أَمْثَالُ الْبُيُوتِ، كُلَّمَا نَهَضَ أَحَدُهُمْ خَرَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ، لَا تُقِمِ السَّاعَةَ"، قَالَ: "وَهُمْ عَلَى سَابِلَةِ آلِ فِرْعَوْنَ". قَالَ: "فَتَجِيءُ السَّابِلَةُ فَتَطَؤُهُمْ". قَالَ: "فَسَمِعْتُهُمْ يَضِجُّونَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". قَالَ: "قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ من أمتك ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٧٥].
قَالَ: "ثُمَّ مَضَيْتُ هُنَيَّةً (٤)، فَإِذَا أَنَا بِأَقْوَامٍ مَشَافِرُهُمْ كَمَشَافِرَ الْإِبِلِ". قَالَ: "فَتُفْتَحُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَيُلْقَمُونَ مِنْ ذَلِكَ الْجَمْرِ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ أَسَافِلِهِمْ. فَسَمِعْتُهُمْ يَضِجُّونَ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَقُلْتُ (٥) : مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ مِنْ أُمَّتِكَ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٠].
قَالَ: "ثُمَّ مَضَيْتُ هُنَيَّةً، فَإِذَا أَنَا بِنِسَاءٍ يُعَلَّقْنَ بِثَدْيِهِنَّ (٦) فَسَمِعَتْهُنَّ يَضْجِجْنَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلَاءِ النِّسَاءُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الزُّنَاةُ مِنْ أُمَّتِكَ".
قَالَ: "ثُمَّ مَضَيْتُ هُنَيَّةً (٧) فَإِذَا أَنَا بِأَقْوَامٍ يُقْطَعُ مِنْ جُنُوبِهِمُ اللَّحْمُ، فَيُلْقِمُونَهُ، فَيُقَالُ لَهُ: كُلْ كَمَا كُنْتَ تَأْكُلُ مِنْ لَحْمِ أَخِيكَ. قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الْهَمَّازُونَ مِنْ أُمَّتِكَ اللَّمَّازُونَ".
قَالَ: "ثُمَّ صَعِدْنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَإِذَا أَنَا بَرَجُلٍ أَحْسَنِ مَا خَلَقَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، قَدْ فَضَلَ النَّاسَ فِي الْحُسْنِ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ يُوسُفُ وَمَعَهُ نَفَرٌ مَنْ قَوْمِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ.
ثُمَّ صَعِدْتُ (٨) إِلَى السماء الثالثة، فإذا أنا بيحيى وَعِيسَى، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَمَعَهُمَا نَفَرٌ مِنْ قَوْمِهِمَا، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَا عَلَيَّ.
ثُمَّ صَعِدْتُ (٩) إِلَى السماء الرابعة، فإذا أنا بإدريس قَدْ رَفَعَهُ اللَّهُ مَكَانًا عَلِيًّا، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ".
قَالَ: "ثُمَّ صَعِدْتُ (١٠) إِلَى السَّمَاءِ الخامسة، فإذا [أنا] (١١) بهارون وَنِصْفُ لِحْيَتِهِ بَيْضَاءُ وَنِصْفُهَا سَوْدَاءُ، تَكَادُ لِحْيَتُهُ تُصِيبُ سُرَّتَهُ مِنْ طُولِهَا، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا الْمُحَبَّبُ فِي قَوْمِهِ، هَذَا هَارُونُ بْنُ عِمْرَانَ، وَمَعَهُ نَفَرٌ مَنْ قَوْمِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ.
ثُمَّ صَعِدْتُ (١٢) إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، رَجُلٌ آدَمُ كَثِيرُ الشَّعْرِ، لَوْ كَانَ
(١) في ف، أ: "هنيهة".
(٢) في أ: "ويأكلون".
(٣) في ف، أ: "هنيهة".
(٤) في ف، أ: "هنيهة".
(٥) في ف: "قلت".
(٦) في ت، أ: "بأيديهن".
(٧) في ف، أ: "هنيهة".
(٨) في ف، أ: "صعدنا".
(٩) في ف، أ: "صعدنا".
(١٠) في ف، أ: "صعدنا".
(١١) زيادة من ت، ف، أ.
(١٢) في ت: "صعد بي".
عَلَيْهِ قَمِيصَانِ لَنَفَذَ شَعْرُهُ دُونَ الْقَمِيصِ، فَإِذَا (١) هُوَ يَقُولُ: يَزْعُمُ النَّاسُ أَنِّي أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا، بَلْ هَذَا أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنِّي". قَالَ: "قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ.
ثُمَّ صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَإِذَا أَنَا بِأَبِينَا إِبْرَاهِيمَ (٢) خَلِيلِ الرَّحْمَنِ سَانِدٍ ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ كَأَحْسَنِ الرِّجَالِ، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا أَبُوكَ (٣) خَلِيلُ الرَّحْمَنِ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، وَإِذَا [أَنَا] (٤) بِأُمَّتِي شَطْرَيْنِ: شَطْرٌ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ بِيضٌ كَأَنَّهَا الْقَرَاطِيسُ. وَشَطْرٌ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ رُمْد". قَالَ: "فَدَخَلْتُ الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ وَدَخَلَ مَعِي الَّذِينَ عَلَيْهِمُ الثِّيَابُ الْبِيضُ، وَحُجِبَ الْآخَرُونَ الَّذِينَ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ رُمْدٌ، وَهُمْ عَلَى خَيْرٍ. فَصَلَّيْتُ أَنَا وَمَنْ مَعِي فِي الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، ثُمَّ خَرَجْتُ أَنَا وَمَنْ معي". قال: "والبيت الْمَعْمُورُ يُصَلَّى فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، لَا (٥) يَعُودُونَ فِيهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ".
قَالَ: "ثُمَّ دُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، فَإِذَا كَلُّ وَرَقَةٍ مِنْهَا تَكَادُ أَنْ تُغَطِّيَ هَذِهِ الْأُمَّةَ، وَإِذَا فِيهَا عَيْنٌ تَجْرِي يُقَالُ لَهَا: سَلْسَبِيلٌ، فَيَنْشَقُّ مِنْهَا نَهْرَانِ، أَحَدُهُمَا: الْكَوْثَرُ، وَالْآخَرُ: يُقَالُ لَهُ: نَهْرُ الرَّحْمَةِ. فَاغْتَسَلْتُ فِيهِ، فَغُفِرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي وَمَا تَأَخَّرَ.
ثُمَّ إِنِّي دُفِعْتُ إِلَيَّ الْجَنَّةِ، فَاسْتَقْبَلَتْنِي جَارِيَةٌ، فَقُلْتُ: لِمَنْ أَنْتِ يَا جَارِيَةُ؟ فَقَالَتْ (٦) لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَإِذَا [أَنَا] (٧) بِأَنْهَارٍ مِنْ [مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ، وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ للشاربين وأنهار مِنْ] (٨) عَسَلٍ مُصَفًّى، وَإِذَا رُمَّانُهَا كَأَنَّهُ الدِّلَاءُ عِظَمًا، وَإِذَا أَنَا بِطَيْرِهَا كَأَنَّهَا بُخْتِيُّكُمْ هَذِهِ". فَقَالَ عِنْدَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَعَدَّ لِعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ".
قَالَ: "ثُمَّ عُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ، فَإِذَا فِيهَا غَضَبُ اللَّهِ وَزَجْرُهُ وَنِقْمَتُهُ، لَوْ طُرِحَ فِيهَا الْحِجَارَةُ وَالْحَدِيدُ لَأَكَلَتْهَا، ثُمَّ أُغْلِقَتْ (٩) دُونِي.
ثُمَّ إِنِّي دُفِعْتُ (١٠) إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، فَتَغَشَّانِي فَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ قَابُ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى". قَالَ: "وَنَزَلَ عَلَى كُلِّ وَرَقَةٍ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ". قَالَ: "وَفُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ (١١) وَقَالَ: لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرٌ، إِذَا هَمَمْتَ بِالْحَسَنَةِ فَلَمْ تَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَكَ حَسَنَةً، فَإِذَا عَمِلَتْهَا كُتِبَتْ لَكَ عَشْرًا، وَإِذَا هَمَمْتَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَمْ تَعْمَلْهَا لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكَ شَيْءٌ، فَإِنْ (١٢) عَمِلْتَهَا كُتِبَتْ عَلَيْكَ سَيِّئَةً وَاحِدَةً.
ثُمَّ دُفِعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: بِمَا أَمَرَكَ رَبُّكَ؟ قُلْتُ: بِخَمْسِينَ صَلَاةً. قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، وَمَتَى لَا [تُطِيقُهُ] (١٣) تَكْفُرُ (١٤) فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي [عَزَّ. وَجَلَّ] (١٥) فَقُلْتُ: يَا رَبِّ، خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي، فَإِنَّهَا أَضْعَفُ الْأُمَمِ. فَوَضَعَ عَنِّي عشرًا، وجعلها
(١) في ت، ف: "وإذا".
(٢) في ت: "فإذا أنا بإبراهيم".
(٣) في ف، أ: "أبوك إبراهيم".
(٤) زيادة من ف، أ، والدلائل.
(٥) في ت، ف، أ: "ثم لا".
(٦) في ف: "قالت".
(٧) زيادة من ف، أ، والدلائل.
(٨) زيادة من ف، أ، والدلائل.
(٩) في ف: "غلقت".
(١٠) في ف: "رفعت".
(١١) في أ: "خمسون صلاة".
(١٢) في ف: "فإذا".
(١٣) زيادة من ف، أ، والدلائل.
(١٤) في ت: "يكفر".
(١٥) زيادة من ف، أ.
أَرْبَعِينَ. فَمَا زِلْتُ أَخْتَلِفُ بَيْنَ مُوسَى وَرَبِّي (١) كُلَّمَا أَتَيْتُ عَلَيْهِ قَالَ لِي مِثْلَ مَقَالَتِهِ، حَتَّى رَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ لِي: بِمَ أُمِرْتَ؟ فَقُلْتُ: أُمِرْتُ بِعَشْرِ صَلَوَاتٍ. قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ [عَزَّ وَجَلَّ] (٢) فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ. فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي [سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى] (٣) فَقُلْتُ: أَيْ رَبِّ، خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي، فَإِنَّهَا أَضْعَفُ الْأُمَمِ. فَوَضَعَ عَنِّي خَمْسًا، وَجَعَلَهَا خَمْسًا. فَنَادَانِي مَلَكٌ عِنْدَهَا: تَمَّمْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي، وَأَعْطَيْتُهُمْ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا.
ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: بِمَ أُمِرْتَ؟ فَقُلْتُ: بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ. قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَإِنَّهُ لَا يؤوده شَيْءٌ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ". "فَقُلْتُ (٤) : رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُهُ" ثُمَّ أَصْبَحَ بِمَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِالْأَعَاجِيبِ: "إِنِّي أَتَيْتُ الْبَارِحَةَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَعُرِجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ، وَرَأَيْتُ كَذَا وَكَذَا (٥) ". فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ -يَعْنِي ابْنَ هِشَامٍ-: أَلَا تَعْجَبُونَ مِمَّا يَقُولُ مُحَمَّدٌ؟ يَزْعُمُ أَنَّهُ أَتَى الْبَارِحَةَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ أَصْبَحَ فِينَا. وَأَحَدُنَا يَضْرِبُ مَطِيَّتَهُ مُصْعَدَةً شَهْرًا، وَمُقْفَلَةً شَهْرًا، فَهَذَا مَسِيرَةُ شَهْرَيْنِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ! قَالَ: فَأَخْبَرَهُمْ بِعِيرٍ لِقُرَيْشٍ: "لَمَّا كُنْتُ (٦) فِي مَصْعَدِي رَأَيْتُهَا فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا، وَأَنَّهَا نَفَرَتْ، فَلَمَّا رَجَعْتُ رَأَيْتُهَا عِنْدَ الْعَقَبَةِ". وَأَخْبَرَهُمْ بِكُلِّ رَجُلٍ وَبَعِيرِهِ كَذَا وَكَذَا، وَمَتَاعِهِ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يُخْبِرُنَا (٧) بِأَشْيَاءَ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَيْفَ بِنَاؤُهُ؟ وَكَيْفَ هَيْئَتُهُ؟ وَكَيْفَ قُرْبُهُ مِنَ الْجَبَلِ؟ [فَإِنْ يَكُ مُحَمَّدٌ صَادِقًا فَسَأُخْبِرُكُمْ، وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَسَأُخْبِرُكُمْ. فَجَاءَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أنا أعلم الناس ببيت الْمَقْدِسِ، فَأَخْبِرْنِي كَيْفَ بِنَاؤُهُ؟ وَكَيْفَ هَيْئَتُهُ؟ وَكَيْفَ قُرْبُهُ مِنَ الْجَبَلِ] (٨). قَالَ: فَرُفِعَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ مِنْ مَقْعَدِهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ كَنَظَرِ أَحَدِنَا إِلَى بَيْتِهِ: بِنَاؤُهُ كَذَا وَكَذَا، وَهَيْئَتُهُ كَذَا وَكَذَا، وَقُرْبُهُ مِنَ الْجَبَلِ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ الْآخَرُ: صَدَقْتَ. فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: صَدَقَ مُحَمَّدٌ فِيمَا قَالَ أَوْ نَحْوَ هَذَا (٩) الْكَلَامِ (١٠).
وَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ بِطُولِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ، وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ، بِهِ. وَرَوَاهُ، أَيْضًا، مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي هَارُونَ، بِهِ نَحْوَ سِيَاقِهِ الْمُتَقَدِّمِ (١١).
وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الصَّمَدِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فَذَكَرَهُ (١٢) بِسِيَاقٍ طَوِيلٍ حَسَنٍ أَنِيقٍ، أَجْوَدَ مِمَّا سَاقَهُ غَيْرُهُ، عَلَى غَرَابَتِهِ وما فيه من النكارة.
(١) في ف، أ: "بين موسى وبين ربي عز وجل".
(٢) زيادة من ف، أ.
(٣) زيادة من: ت.
(٤) في ف، أ: "قال: فقلت".
(٥) في ف، أ: "ورأيت كذا ورأيت كذا".
(٦) في ت، ف، أ: "كانت".
(٧) من ف، أ: "تخبرنا".
(٨) زيادة من ف، أ، والدلائل.
(٩) في ت: "أو نحوه من هذا".
(١٠) دلائل النبوة (٢/٣٩٠).
(١١) تفسير الطبري (١٥/١٠).
(١٢) في ف، أ: "فذكر".
ثُمَّ ذَكَرَهُ (١) الْبَيْهَقِيُّ، أَيْضًا، مِنْ رِوَايَةِ نُوحِ بْنِ قَيْسٍ الحُدَّاني وهُشَيم وَمَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ -وَاسْمُهُ عُمَارَةُ بْنُ جُوَيْنٍ (٢) وَهُوَ مُضَعَّفٌ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ (٣).
وَإِنَّمَا سُقْنَا حَدِيثَهُ هَاهُنَا لِمَا فِي حَدِيثِهِ (٤) مِنَ الشَّوَاهِدِ لِغَيْرِهِ، وَلِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ:
أَخْبَرَنَا [الْإِمَامُ] (٥) أَبُو عُثْمَانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (٦)، أَنْبَأَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَزَّازُ، حَدَّثَنَا أَبُو حَامِدِ (٧) بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَزْهَرِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ قَالَ: رَأَيْتُ فِي النَّوْمِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِكَ يُقَالُ لَهُ: "سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ" لَا بَأْسَ بِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا بَأْسَ بِهِ"، حَدَّثَنَا عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْكَ (٨) لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِكَ، قُلْتَ (٩) "رَأَيْتَ فِي السَّمَاءِ" فَحَدَّثَهُ بِالْحَدِيثِ؟ فَقَالَ لِي: "نَعَمْ". فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ نَاسًا مَنْ أُمَّتِكَ يُحَدِّثُونَ عَنْكَ فِي السُّرَى بِعَجَائِبَ؟ فَقَالَ لِي: "ذَلِكَ (١٠) حَدِيثُ الْقُصَّاصِ" (١١).
رِوَايَةُ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ:
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو إِسْمَاعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْعَلَاءِ بْنِ الضَّحَّاكِ الزَّبيدي، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ (١٢) الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَامِرٍ الزُّبَيْدِيِّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ (١٣) بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جُبَيْرِ (١٤) بْنِ نُفَيْرٍ: حَدَّثَنَا (١٥) شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أُسْرِيَ بِكَ؟ قَالَ: "صَلَّيْتُ لِأَصْحَابِي صَلَاةَ الْعَتَمَةِ بِمَكَّةَ مُعْتِمًا". قَالَ: "فَأَتَانِي جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ -أَوْ قَالَ: بَيْضَاءَ-فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، فَقَالَ: ارْكَبْ. فَاسْتُصْعِبَتْ عَلَيَّ، فَرَازَهَا (١٦) بِأُذُنِهَا، ثُمَّ حَمَلَنِي عَلَيْهَا. فَانْطَلَقَتْ تَهْوِي بِنَا يَقَعُ حَافِرُهَا حَيْثُ أَدْرَكَ طَرْفُهَا، حَتَّى بَلَغْنَا أَرْضًا ذَاتَ نَخْلٍ (١٧) فَأَنْزَلَنِي فَقَالَ: صَلِّ. فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ رَكِبْنَا (١٨) فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ قُلْتُ: اللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ: صَلَّيْتَ بِيَثْرِبَ صَلَّيْتَ بِطِيبَةَ. فَانْطَلَقَتْ تَهْوِي بِنَا يَقَعُ حَافِرُهَا حَيْثُ أَدْرَكَ طَرْفُهَا. ثُمَّ بَلَغْنَا أَرْضًا فَقَالَ: انْزِلْ. [فَنَزَلْتُ] (١٩) ثُمَّ قَالَ: صَلِّ. فَصَلَّيْتُ ثُمَّ رَكِبْنَا، فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ قُلْتُ: اللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ: صَلَّيْتَ بِمَدْيَنَ، صَلَّيْتَ عِنْدَ شَجَرَةِ مُوسَى. ثُمَّ انْطَلَقَتْ تَهْوِي بِنَا يَقَعُ حَافِرُهَا حَيْثُ أَدْرَكَ طَرْفُهَا، ثُمَّ بَلَغْنَا أَرْضًا، بَدَتْ لَنَا قُصُورٌ، فَقَالَ: انْزِلْ. فَنَزَلْتُ، فَقَالَ (٢٠) صَلِّ فَصَلَّيْتُ ثُمَّ رَكِبْنَا فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ قُلْتُ: اللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ: صَلَّيْتَ بِبَيْتِ لَحْمٍ حَيْثُ وُلِدَ عِيسَى الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ. ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ مِنْ بَابِهَا الْيَمَانِي، فَأَتَى قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ، فَرَبَطَ فِيهِ دَابَّتَهُ وَدَخْلَنَا الْمَسْجِدَ مِنْ بَابٍ فِيهِ تَمِيلُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، فَصَلَّيْتُ مِنَ الْمَسْجِدِ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ، وَأَخَذَنِي مِنَ الْعَطَشِ أَشَدُّ مَا أَخَذَنِي، فَأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ (٢١)، فِي أَحَدِهِمَا لَبَنٌ وَفِي الْآخَرِ
(١) في ت، ف، أ: "ذكر".
(٢) في ت، أ: "جرين"، وفي ف: "جرير".
(٣) دلائل النبوة (٢/٣٩٦).
(٤) في أ: "سياقه".
(٥) زيادة من ت، ف، أ.
(٦) في ف، أ: "أبو عثمان علي بن عبد الرحمن".
(٧) في ف: "حدثنا أحمد".
(٨) في ف، أ: "عنك يا رسول الله".
(٩) في أ: "أنك قلت".
(١٠) في ت، ف، أ: "ذاك".
(١١) دلائل النبوة (٢/٤٠٥).
(١٢) في ت: "سلام".
(١٣) في ت، ف: "أبو الوليد".
(١٤) في ت، ف: "أن جبير".
(١٥) في ت، ف، أ: "قال: حدثنا".
(١٦) في أ: "مزارها".
(١٧) في ت: "نخيل".
(١٨) في ف، أ: "ركبت".
(١٩) زيادة من الدلائل.
(٢٠) في ت: "قال".
(٢١) في ت: "بإناءات".
عَسَلٌ، أُرْسِلَ إِلَيَّ بِهِمَا جَمِيعًا، فَعَدَلْتُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ هَدَانِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (١)، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُ (٢) حَتَّى قَرَعت بِهِ جَبِينِي، وَبَيْنَ يَدَيَّ شَيْخٌ مُتَّكِئٌ عَلَى مَثْوَاةٍ لَهُ، فَقَالَ: أَخَذَ صَاحِبُكَ الْفِطْرَةَ، إِنَّهُ لَيُهْدَى. ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى أَتَيْنَا الْوَادِيَ الَّذِي فِيهِ الْمَدِينَةُ، فَإِذَا جَهَنَّمُ [تَنْكَشِفُ] (٣) عَنْ مِثْلِ الزَّرَابِيِّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ وَجَدْتَهَا؟ قَالَ: مِثْلَ الْحُمَةِ السُّخْنَةِ. ثُمَّ انْصَرَفَ بِي (٤) فَمَرَرْنَا بِعِيرٍ لِقُرَيْشٍ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، قَدْ أَضَلُّوا بَعِيرًا لَهُمْ، قَدْ جَمَعَهُ فُلَانٌ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا صَوْتُ مُحَمَّدٍ. ثُمَّ أَتَيْتُ أَصْحَابِي قَبْلَ الصُّبْحِ بِمَكَّةَ"، فَأَتَانِي أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ كُنْتَ اللَّيْلَةَ؟ فَقَدِ الْتَمَسْتُكَ فِي مَظَانِّكَ (٥). فَقَالَ: "عَلِمْتُ أَنِّي أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ اللَّيْلَةَ؟ ". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ مَسِيرَةُ شَهْرٍ، فَصِفْهُ لِي. قَالَ: "فَفُتِحَ لِي صِرَاطٌ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُهُ عَنْهُ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: انْظُرُوا إِلَى ابْنِ أَبِي كَبْشَة يَزْعُمُ أَنَّهُ أَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ اللَّيْلَةَ!. قَالَ: فَقَالَ: "إِنَّ مِنْ آيَةِ مَا أَقُولُ لَكُمْ أَنِّي مَرَرْتُ بِعِيرٍ لَكُمْ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، قَدْ أَضَلُّوا بَعِيرًا لَهُمْ، فَجَمَعَهُ فُلَانٌ، وَإِنَّ مَسِيرَهُمْ يَنْزِلُونَ بِكَذَا ثُمَّ بِكَذَا، وَيَأْتُونَكُمْ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، يَقْدُمُهُمْ جَمَلٌ آدَمُ، عَلَيْهِ مَسْحٌ أَسْوَدُ وَغِرَارَتَانِ سَوْدَاوَانِ". فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ أَشْرَفَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ (٦) حَتَّى كَانَ قَرِيبَ مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ حَتَّى أَقْبَلَتِ الْعِيرُ يَقْدُمُهُمْ ذَلِكَ الْجَمَلُ الَّذِي وَصَفَهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
هَكَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيِّ، بِهِ (٧). ثُمَّ قَالَ بَعْدَ تَمَامِهِ: "هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَرَوَى ذَلِكَ مُفَرَّقًا فِي أَحَادِيثَ غَيْرِهِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَا حَضَرَنَا". ثُمَّ سَاقَ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً فِي الْإِسْرَاءِ كَالشَّاهِدِ لِهَذَا الْحَدِيثِ. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ بِطُولِهِ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْعَلَاءِ الزُّبَيْدِيِّ، بِهِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ -أَعْنِي الْحَدِيثَ الْمَرْوِيَّ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ-مُشْتَمِلٌ (٨) عَلَى أَشْيَاءَ مِنْهَا مَا هُوَ صَحِيحٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُنْكَرٌ، كَالصَّلَاةِ فِي بَيْتِ لَحْمٍ، وَسُؤَالِ الصِّدِّيقِ عَنْ نَعْتِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ قَابُوسَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِنَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْجَنَّةَ، فَسَمِعَ فِي جَانِبِهَا وَجْسًا (٩) فَقَالَ: "يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذَا؟ " قَالَ: "هَذَا بِلَالٌ الْمُؤَذِّنُ". فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ جَاءَ إِلَى النَّاسِ: "قَدْ أَفْلَحَ بِلَالٌ، قَدْ رَأَيْتُ لَهُ كَذَا وَكَذَا". قَالَ: فَلَقِيَهُ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَرَحَّبَ بِهِ، وَقَالَ: "مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الْأُمِّيِّ"، قَالَ: "وَهُوَ رَجُلٌ آدَمُ طَوِيلٌ، سَبْطٌ شَعْرُهُ مَعَ أُذُنَيْهِ أَوْ فَوْقَهُمَا"، فَقَالَ: "مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ " قَالَ: "هَذَا مُوسَى. [قَالَ: فَمَضَى، فَلَقِيَهُ عِيسَى فَرَحَّبَ بِهِ، وَقَالَ: "مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ " قَالَ: "هَذَا عِيسَى". قَالَ] (١٠) فَمَضَى فَلَقِيَهُ شَيْخٌ جَلِيلٌ مُتَهَيِّبٌ فَرَحَّبَ بِهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَكُلُّهُمْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، قَالَ: "مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ " قَالَ: "هَذَا أَبُوكَ إِبْرَاهِيمُ"، قَالَ: وَنَظَرَ فِي النَّارِ، فَإِذَا قَوْمٌ يَأْكُلُونَ الْجِيَفَ، قَالَ: "مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ " قَالَ: "هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لَحْمَ (١١) النَّاسِ"، وَرَأَى رَجُلًا أَحْمَرَ أَزْرَقَ جِدًّا، قَالَ: "مَنْ هَذَا يا جبريل؟ "
(١) في أ: "تعالى".
(٢) في ت: "فشربت اللبن".
(٣) زيادة من ف، أ، والدلائل.
(٤) في أ: "بنا".
(٥) في ف، أ: "منامك".
(٦) في ت: "ينتظرون".
(٧) دلائل النبوة (٢/٣٥٥).
(٨) في ف، أ: "يشتمل".
(٩) في ت، ف، أ: "وخشا".
(١٠) زيادة من ت، ف، أ، والمسند.
(١١) في أ: "لحوم".
قَالَ: "هَذَا عَاقِرُ النَّاقَةِ"، قَالَ: فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى قَامَ يُصَلِّي، [فَالْتَفَتَ ثُمَّ الْتَفَتَ] (١) فَإِذَا النَّبِيُّونَ أَجْمَعُونَ يُصَلُّونَ مَعَهُ. فَلَمَّا انْصَرَفَ جِيءَ بِقَدَحَيْنِ، أَحَدِهِمَا عَنِ الْيَمِينِ وَالْآخَرِ عَنِ الشِّمَالِ، فِي أَحَدِهِمَا لَبَنٌ وَفِي الْآخَرِ عَسَلٌ، فَأَخَذَ اللَّبَنَ فَشَرِبَ مِنْهُ، فَقَالَ الَّذِي كَانَ مَعَهُ الْقَدَحُ: أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ. إِسْنَادٌ صَحِيحٌ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ (٢).
طَرِيقٌ أُخْرَى:
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ أَبُو زَيْدٍ، حَدَّثَنَا هِلَالٌ، حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ جَاءَ مِنْ لَيْلَتِهِ فَحَدَّثَهُمْ بِمَسِيرِهِ وَبِعَلَامَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَبَعِيرِهِمْ، فَقَالَ نَاسٌ: نَحْنُ لَا نُصَدِّقُ مُحَمَّدًا بِمَا يَقُولُ! فَارْتَدُّوا كُفَّارًا، فَضَرَبَ اللَّهُ رِقَابَهُمْ مَعَ أَبِي جَهْلٍ (٣) وَقَالَ أَبُو جَهْلٍ (٤) يُخَوِّفُنَا مُحَمَّدٌ بِشَجَرَةِ الزَّقُّومِ، هَاتُوا تَمْرًا وَزُبْدًا فَتَزَقَّمُوا، وَرَأَى الدَّجَّالَ فِي صُورَتِهِ رُؤْيَا عَيْنٍ لَيْسَ بِرُؤْيَا مَنَامٍ، وَعِيسَى وَمُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ. فَسُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الدَّجَّالِ فَقَالَ: "رَأَيْتُهُ فَيْلَمَانِيًّا أَقْمَرَ هِجَانًا، إِحْدَى عَيْنَيْهِ قَائِمَةٌ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ، كَأَنَّ شَعْرَ رَأْسِهِ أَغْصَانُ شَجَرَةٍ. وَرَأَيْتُ عِيسَى أَبْيَضَ، جَعْدَ الرَّأْسِ، حَدِيدَ الْبَصَرِ، مُبَطَّنَ الْخَلْقِ. وَرَأَيْتُ مُوسَى أَسْحَمَ آدَمَ، كَثِيرَ الشَّعْرِ، شَدِيدَ الْخَلْقِ. وَنَظَرْتُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَلَمْ أَنْظُرْ إِلَى إِرْبٍ مِنْهُ إِلَّا نَظَرْتُ إِلَيْهِ مِنِّي، حَتَّى كَأَنَّهُ صَاحِبُكُمْ. قَالَ جِبْرِيلُ: سَلِّمْ عَلَى مَالِكٍ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ".
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي زَيْدٍ ثَابِتِ بْنِ يَزِيدَ (٥) عَنْ هِلَالٍ -وَهُوَ ابْنُ خَبَّابٍ-بِهِ، وَهُوَ (٦) إِسْنَادٌ صَحِيحٌ.
طَرِيقٌ أُخْرَى:
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ، أَنْبَأَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "رَأَيْتُ لَيْلَةَ أَسْرِيَ بِي مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ، رَجُلًا طُوَالًا جَعْدًا، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ مَرْبُوعَ الْخَلْقِ، إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ، سَبْطَ الرَّأْسِ". وَأَرَى مَالِكًا خَازِنَ جَهَنَّمَ وَالدَّجَّالَ، فِي آيَاتٍ أَرَاهُنَّ اللَّهُ إِيَّاهُ، قَالَ: ﴿فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ [السَّجْدَةِ: ٢٣] فَكَانَ قَتَادَةُ يُفَسِّرُهَا: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] (٧) قَدْ لَقِيَ مُوسَى [عَلَيْهِ السَّلَامُ] (٨) ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قَالَ: جَعَلَ اللَّهُ مُوسَى هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٩).
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ شَيْبَانَ (١٠). وَأَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ مختصرًا (١١).
(١) زيادة من المسند مستفاد من هامش ط. الشعب.
(٢) المسند (١/٢٥٧) وفيه قابوس بن أبي ظبيان وقد تكلم فيه خاصة روايته عن أبيه، وقال ابن عدي: "أحاديثه متقاربة، وأرجو أنه لا بأس" فمثل حديثه أقرب درجاته التحسين.
(٣) في ف، أ: "أبي جهل قبحهم الله".
(٤) في ف، أ: "أبو جهل قبحه الله".
(٥) في ت، ف: "أبي يزيد ثابت بن زيد".
(٦) المسند (١/٣٧٤) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٤٨٤).
(٧) زيادة من ت، أ.
(٨) زيادة من أ.
(٩) دلائل النبوة (٢/٣٨٦).
(١٠) صحيح مسلم برقم (١٦٥).
(١١) صحيح البخاري برقم (٣٢٣٩) وصحيح مسلم برقم (١٦٥).
طَرِيقٌ أُخْرَى:
قَالَ [الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصفَّار، حَدَّثَنَا دُبَيْس المُعدَّل، حَدَّثَنَا عَفَّانُ قَالَ: حَدَّثَنَا] (١) حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَمَّا أُسْرِيَ بِي، مَرَّتْ بِي رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ؟ قَالُوا: مَاشِطَةُ بِنْتُ فِرْعَوْنَ وَأَوْلَادُهَا، سَقَطَ مُشْطُهَا مِنْ يَدِهَا فَقَالَتْ: بِاسْمِ اللَّهِ: فَقَالَتِ ابْنَةُ فِرْعَوْنَ: أَبِي؟ قَالَتْ: رَبِّي وَرَبُّكِ وَرَبُّ أَبِيكِ. قَالَتْ: أَوَلَكِ رَبٌّ غَيْرُ أَبِي؟ قَالَتْ: نَعَمْ، رَبِّي وَرَبُّكِ وَرَبُّ أَبِيكِ اللَّهُ". قَالَ: "فَدَعَاهَا فَقَالَ: أَلَكِ رَبٌّ غَيْرِي؟ قَالَتْ: نَعَمْ، رَبِّي وَرَبُّكِ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ". قَالَ: "فَأَمَرَ بِنَقْرَةٍ (٢) مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَتْ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا لِتُلْقَى فِيهَا، قَالَتْ: إِنَّ لِي [إِلَيْكَ] (٣) حَاجَةً. قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَتْ: تَجْمَعُ عِظَامِي وَعِظَامَ وَلَدِي فِي مَوْضِعٍ، قَالَ (٤) ذَاكَ لَكِ، لِمَا لَكِ عَلَيْنَا مِنَ الْحَقِّ"، قَالَ: "فَأَمَرَ بِهِمْ فَأُلْقُوا وَاحِدًا وَاحِدًا، حَتَّى بَلَغَ رَضِيعًا فِيهِمْ، فَقَالَ: يَا أُمَّهْ، قِعِي وَلَا تَقَاعَسِي، فَإِنَّكِ (٥) عَلَى الْحَقِّ". قَالَ: "وَتَكَلَّمَ أَرْبَعَةٌ وَهُمْ صِغَارٌ: هَذَا، وَشَاهِدُ يُوسُفَ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ، وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ" (٦).
إِسْنَادٌ لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ.
طَرِيقٌ أُخْرَى:
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ [أَيْضًا] (٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَرَوْحٌ الْمَعْنِيُّ (٨) قَالَا حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ زُرَارة بْنِ أَوْفَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَمَّا كَانَ لَيْلَةُ أُسْرِيَ بِي وَأَصْبَحْتُ بِمَكَّةَ، فَظِعْتُ [بِأَمْرِي] (٩) وَعَرَفْتُ أَنَّ النَّاسَ مُكَذِّبِي" فَقَعَدَ (١٠) مُعْتَزِلًا حَزِينًا، فَمَرَّ بِهِ عَدُوُّ اللَّهِ أَبُو جَهْلٍ (١١) فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ كَالْمُسْتَهْزِئِ: هَلْ كَانَ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "نَعَمْ" قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ "إِنِّي أُسْرِيَ بِيَ اللَّيْلَةَ": قَالَ إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: "إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ" قَالَ: ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا؟! قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَلَمْ يُرِهِ أَنَّهُ يُكَذِّبُهُ مَخَافَةَ أَنْ يَجْحَدَهُ الْحَدِيثَ إِنْ دَعَا قَوْمَهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ دَعَوْتُ قَوْمَكَ أَتُحَدِّثُهُمْ بِمَا حَدَّثْتَنِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "نَعَمْ". قَالَ: هَيَّا (١٢) مَعْشَرَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، قَالَ: فَانْتَفَضَتْ (١٣) إِلَيْهِ الْمَجَالِسُ وَجَاءُوا حَتَّى جَلَسُوا إِلَيْهِمَا. قَالَ: حَدِّثْ قَوْمَكَ بِمَا حَدَّثْتَنِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنِّي أُسْرِيَ بِيَ اللَّيْلَةَ". فَقَالُوا: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: "إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ" قَالُوا: ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَمِنْ بَيْنِ مُصَفِّقٍ، وَمِنْ بَيْنِ وَاضِعٍ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مُتَعَجِّبًا لِلْكَذِبِ -زَعَمَ-قَالُوا: وَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْعَتَ [لَنَا] (١٤) الْمَسْجِدَ -وَفِي الْقَوْمِ مَنْ قَدْ سَافَرَ إِلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ وَرَأَى الْمَسْجِدَ-قَالَ (١٥) رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فَذَهَبْتُ أَنْعَتُ، فَمَا زِلْتُ أَنْعَتُ حَتَّى الْتَبَسَ عَلَيَّ بَعْضُ النَّعْتِ" قَالَ: "فَجِيءَ بِالْمَسْجِدِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ، حَتَّى وُضِعَ دُونَ دَارِ عقيل -أو عقال-فَنَعتُّه
(١) زيادة من ف، أ، والدلائل.
(٢) في ت، ف، أ: "ببقرة".
(٣) زيادة من أ، والدلائل.
(٤) في ف: "فقال".
(٥) في ف: "فأنا".
(٦) دلائل النبوة (٢/٣٨٩) ورواه البزار في مسنده برقم (٥٤) "كشف الأستار" من طريق عفان به وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط.
(٧) زيادة من ف، أ.
(٨) في ف، أ: "وروح بن المعين".
(٩) زيادة من ت، ف، أ، والمسند.
(١٠) في ت، ف: "فقعدت"، وفي أ: "فعدت".
(١١) في ف، أ: "أبو جهل قبحه الله".
(١٢) في ف، أ: "فيا".
(١٣) في ت، ف: "فانقضت".
(١٤) زيادة من ت، ف، أ، والمسند.
(١٥) في ف: "فقال".
وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ". قَالَ: وَكَانَ مَعَ هَذَا نَعْتٌ لَمْ أَحْفَظْهُ -يَقُولُ عَوْفٌ-: قَالَ: فَقَالَ الْقَوْمُ: أَمَّا النَّعْتُ فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَصَابَ.
وَأَخْرَجَهُ (١) النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيْلَةَ -وَهُوَ الْأَعْرَابِيُّ، بِهِ. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ وَهَوْذَةَ، عَنْ عَوْفٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي جَمِيلَةَ الْأَعْرَابِيُّ، أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الثِّقَاتِ، بِهِ (٢).
رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا السُّرِّيُّ بْنُ خُزَيْمَةَ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ بُهلول، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ مَالِكُ بْنُ مِغْوَل، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّف، عَنْ مُرَّةَ الهَمْدَاني، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَانْتَهَى إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُصْعَدُ بِهِ حَتَّى يُقْبَضَ مِنْهَا، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُهْبَطُ [بِهِ] (٣) مِنْ فَوْقِهَا حَتَّى يُقْبَضَ [مِنْهَا] (٤) ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النَّجْمِ: ١٦] قَالَ: غَشِيَهَا فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَأُعْطِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (٥) الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَخَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَغُفِرَ لِمَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ (٦) الْمُقْحِمَاتُ، يَعْنِي الْكَبَائِرَ.
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَزُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، بِهِ (٧). ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: "وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ، وَقَدْ رَوَاهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَة، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ رَوَاهُ مُرَّةُ مُرْسَلًا دُونَ ذِكْرِهِمَا" (٨) ثُمَّ إِنَّ الْبَيْهَقِيَّ سَاقَ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ كَمَا تَقَدَّمَ.
قُلْتُ: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا، وَفِيهِ غَرَابَةٌ، وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ "الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ" فِي جُزْئِهِ الْمَشْهُورِ. حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ قَنَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّهْمِيِّ (٩)، حَدَّثَنَا أَبُو ظَبْيَانَ الْجَنْبِيُّ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ-ومحمد بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَهُمَا جَالِسَانِ، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ لِأَبِي عُبَيْدَةَ: حَدِّثْنَا عَنْ أَبِيكَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: لَا بَلْ حَدِّثْنَا أَنْتَ عَنْ أَبِيكَ. فَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَوْ سَأَلْتَنِي قَبْلَ أَنْ أَسْأَلَكَ لَفَعَلْتُ! قَالَ: فَأَنْشَأَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُحَدِّثُ يَعْنِي عَنْ أَبِيهِ كَمَا سُئِلَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ بِدَابَّةٍ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، فَحَمَلَنِي عَلَيْهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ يَهْوِي بِنَا كُلَّمَا صَعِدَ عَقَبَةً اسْتَوَتْ رِجْلَاهُ كَذَلِكَ مَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا هَبَطَ اسْتَوَتْ يَدَاهُ مَعَ رِجْلَيْهِ، حَتَّى مَرَرْنَا بِرَجُلٍ طُوَالٍ سَبْطٍ آدَمَ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ أَزِدْ شَنُوءَةَ، وَهُوَ يَقُولُ -فَيَرْفَعُ (١٠) صَوْتَهُ يَقُولُ-أَكْرَمْتَهُ وَفَضَّلْتَهُ". قَالَ: "فَدُفِعْنَا إِلَيْهِ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلَامَ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا مَعَكَ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا أَحْمَدُ (١١)، قَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الْعَرَبِيِّ، الَّذِي بَلَّغَ رِسَالَةَ رَبِّهِ، وَنَصَحَ لِأُمَّتِهِ". قَالَ: "ثُمَّ انْدَفَعْنَا فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا موسى بن عمران". قال:
(١) في ت: "أخرجه".
(٢) المسند (١/٣٠٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٢٨٥) ودلائل النبوة للبيهقي (٢/٣٦٣).
(٣) زيادة من ف، أ، والدلائل.
(٤) زيادة من ف، أ، والدلائل.
(٥) في ت: "صلى الله عليه وسلم تسليما".
(٦) في ت: "بالله من أمتي"، وفي ف: "بالله شيئا".
(٧) دلائل النبوة (٢/٣٧٢) وصحيح مسلم برقم (١٧٣).
(٨) دلائل النبوة (٢/٣٧٣).
(٩) في ت، ف، أ: "التيمي".
(١٠) في ف: "فرفع".
(١١) في ت: "محمد".
قُلْتُ: وَمَنْ يُعَاتِبُ؟ قَالَ: يُعَاتِبُ رَبَّهُ فِيكَ! قُلْتُ: فَيَرْفَعُ صَوْتَهُ عَلَى رَبِّهِ؟! قَالَ: إِنَّ اللَّهَ [عَزَّ وَجَلَّ] (١) قَدْ عَرَفَ لَهُ حِدَّتَهُ". قَالَ: "ثُمَّ انْدَفَعْنَا حَتَّى مَرَرْنَا بِشَجَرَةٍ كَأَنَّ ثَمَرَهَا السُّرُج تَحْتَهَا شَيْخٌ وَعِيَالُهُ". قَالَ: "فَقَالَ لِي جِبْرِيلُ: اعْمَدْ إِلَى أَبِيكَ إِبْرَاهِيمَ. فَدُفِعْنَا إِلَيْهِ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلَامَ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: مَنْ هَذَا مَعَكَ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا ابْنُكَ أَحْمَدُ". قَالَ: "فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي بَلَّغَ رِسَالَةَ رَبِّهِ وَنَصَحَ لِأُمَّتِهِ، يَا بُنَيَّ، إِنَّكَ لَاقٍ رَبَّكَ اللَّيْلَةَ، وَإِنَّ أُمَّتَكَ آخِرُ الْأُمَمِ وَأَضْعَفُهَا، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ حَاجَتُكَ أَوْ جُلُّهَا فِي أُمَّتِكَ فَافْعَلْ". قَالَ: "ثُمَّ انْدَفَعْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، فَنَزَلْتُ فَرَبَطْتُ الدَّابَّةَ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي فِي بَابِ الْمَسْجِدِ الَّتِي كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ تَرْبِطُ بِهَا. ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَعَرَفْتُ النَّبِيِّينَ مِنْ بَيْنِ رَاكِعٍ وَقَائِمٍ وَسَاجِدٍ". قَالَ: "ثُمَّ أُتِيتُ بِكَأْسَيْنِ مِنْ عَسَلٍ وَلَبَنٍ فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُ فَضَرَبَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَنْكَبِي وَقَالَ: أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ وَرَبِّ مُحَمَّدٍ". قَالَ: "ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ، ثُمَّ انْصَرَفْنَا فَأَقْبَلْنَا" (٢).
إِسْنَادٌ غَرِيبٌ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ، فِيهِ مِنَ الْغَرَائِبِ (٣) سُؤَالُ الْأَنْبِيَاءِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ابْتِدَاءً، ثُمَّ سُؤَالُهُ عَنْهُمْ (٤) بَعْدَ انْصِرَافِهِ. وَالْمَشْهُورُ فِي الصِّحَاحِ كَمَا تَقَدَّمَ: أَنَّ جِبْرِيلَ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] (٥) كَانَ يُعْلِمُهُ بِهِمْ أَوَّلًا لِيُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ سَلَامَ مَعْرِفَةٍ. وَفِيهِ (٦) أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِالْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ (٧) السَّلَامُ قَبْلَ دُخُولِهِ الْمَسْجِدَ (٨)، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إِنَّمَا اجْتَمَعَ بِهِمْ فِي السَّمَوَاتِ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثَانِيًا وَهُمْ مَعَهُ، وَصَلَّى بِهِمْ فِيهِ، ثُمَّ إِنَّهُ رَكِبَ الْبُرَاقَ وَكَرَّ رَاجِعًا إِلَى مَكَّةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
طَرِيقٌ أُخْرَى:
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيم، أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْم، عَنْ مُوثَر (٩) بْنِ عفارة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَقِيتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى، فَتَذَاكَرُوا أَمْرَ السَّاعَةِ" قَالَ: "فَرَدُّوا أَمْرَهُمْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ (١٠) فَقَالَ: لَا عِلْمَ لِي بِهَا. فَرَدُّوا أَمْرَهُمْ إِلَى مُوسَى. فَقَالَ: لَا عِلْمَ لِي بِهَا فَرَدُّوا أَمْرَهُمْ إِلَى عِيسَى فَقَالَ: أَمَّا وَجْبَتُهَا فَلَا يَعْلَمُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، وَفِيمَا عَهِدَ إِلَيَّ رَبِّي أَنَّ الدَّجَّالَ خَارِجٌ". قَالَ: "وَمَعِي قَضِيبَانِ، فَإِذَا رَآنِي ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الرَّصَاصُ". قَالَ: "فَيُهْلِكُهُ اللَّهُ إِذَا رَآنِي، حَتَّى إِنَّ الْحَجَرَ وَالشَّجَرَ يَقُولُ: يَا مُسْلِمُ إِنَّ تَحْتِي كَافِرًا، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ". قَالَ: "فَيُهْلِكُهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ النَّاسُ إِلَى بِلَادِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ (١١) ". قَالَ: "فَعِنْدَ (١٢) ذَلِكَ يَخْرُجُ يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فَيَطَؤُونَ بِلَادَهُمْ، فَلَا يَأْتُونَ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا أَهْلَكُوهُ، وَلَا يَمُرُّونَ عَلَى مَاءٍ إِلَّا شَرِبُوهُ" قَالَ: "ثُمَّ يَرْجِعُ النَّاسُ إِلَيَّ فَيَشْكُونَهُمْ. فَأَدْعُو اللَّهَ عَلَيْهِمْ، فَيُهْلِكُهُمْ وَيُمِيتُهُمْ حَتَّى تَجْوَى الْأَرْضُ مِنْ نَتَنِ رِيحِهِمْ -أَيْ: تُنْتِنُ" قَالَ: "فَيُنْزِلُ اللَّهُ الْمَطَرَ فَيَجْتَرِفُ أَجْسَادَهُمْ حَتَّى يَقْذِفَهُمْ فِي الْبَحْرِ. فَفِيمَا عَهِدَ إِلَيَّ رَبِّي: أَنَّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَنَّ السَّاعَةَ كَالْحَامِلِ الْمُتِمِّ، لَا يَدْرِي أَهْلُهَا مَتَى تَفْجَؤُهُمْ بِوِلَادِهَا، لَيْلًا أَوْ نَهَارًا".
وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ بُنْدار، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ (١٣).
(١) زيادة من ف، أ.
(٢) جزء الحسن بن عرفة برقم (٦٩).
(٣) في ت، ف: "من الغرابة".
(٤) في ت: "ثم سؤالهم له".
(٥) زيادة من ف، أ.
(٦) في ف: "وقيل".
(٧) في ت: "عليه".
(٨) في ف، أ: "المسجد الأقصى".
(٩) في ت، ف: "مرثد".
(١٠) في ت: "عليه الصلاة والسلام".
(١١) في ت: "وأقطانهم".
(١٢) في ت: "فبعد".
(١٣) المسند (١/٣٧٥)، وسنن ابن ماجه برقم (٤٠٨١) وقال البوصري في الزوائد (٣/٢٦١) :"هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، مؤثر ابن عفارة ذكره ابن حبان في الثقات، وباقي رجال الإسناد ثقات".
رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قُرْطٍ، أَخِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ الثُّمَالِيِّ:
قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا مِسْكِينُ بْنُ مَيْمُونٍ -مُؤَذِّنُ (١) مَسْجِدِ الرَّمْلَةِ-حَدَّثَنِي عُروة بْنُ رُوَيْم، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قُرط، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى كَانَ بَيْنَ زمزم (٢) والمقام، جِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِهِ وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَسَارِهِ، فَطَارَا بِهِ حَتَّى بَلَغَ السَّمَوَاتِ الْعُلَى، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: "سَمِعْتُ تَسْبِيحًا فِي السَّمَوَاتِ الْعُلَى مَعَ تَسْبِيحٍ كَثِيرٍ (٣)، سَبَّحَتِ السَّمَوَاتُ الْعُلَى مِنْ ذِي الْمَهَابَةِ مُشْفِقَاتٍ مِنْ ذِي الْعُلُوِّ بِمَا عَلَا سُبْحَانَ الْعَلِيِّ الْأَعْلَى، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" (٤).
وَيُذْكَرُ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ﴾ الْآيَةَ [الْإِسْرَاءِ: ٤٤].
رِوَايَةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ آدَمَ وَأَبِي مَرْيَمَ وَأَبِي شُعَيْبٍ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ بِالْجَابِيَةِ، فَذَكَرَ فَتْحَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَحَدَّثَنِي أَبُو سِنَانٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ آدَمَ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ لِكَعْبٍ: أَيْنَ تَرَى أَنْ أُصَلِّيَ؟ قَالَ (٥) إِنْ أَخَذْتَ عَنِّي صَلَّيْتَ خَلْفَ الصَّخْرَةِ، فَكَانَتِ الْقُدْسُ كُلُّهَا بَيْنَ يَدَيْكَ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ضَاهَيْتَ الْيَهُودِيَّةَ، [لَا] (٦) وَلَكِنْ أُصْلِي حَيْثُ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَقَدَّمَ إِلَى الْقِبْلَةِ، فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَبَسَطَ رِدَاءَهُ وَكَنَسَ الْكُنَاسَةَ فِي رِدَائِهِ، وَكَنَسَ النَّاسُ (٧).
فَلَمْ يُعَظِّمِ الصَّخْرَةَ تَعْظِيمًا يُصَلِّي وَرَاءَهَا وَهِيَ بَيْنَ يَدَيْهِ، كَمَا أَشَارَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ وَهُوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَهَا حَتَّى جَعَلُوهَا قِبْلَتَهُمْ. وَلَكِنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ، فهُدي إِلَى الْحَقِّ؛ وَلِهَذَا لَمَّا أَشَارَ بِذَلِكَ قَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: ضَاهَيْتَ الْيَهُودِيَّةَ، وَلَا أَهَانَهَا إِهَانَةَ النَّصَارَى الَّذِينَ كَانُوا قَدْ جَعَلُوهَا مَزْبَلَةً مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا قِبْلَةُ الْيَهُودِ، وَلَكِنْ أَمَاطَ الْأَذَى، وَكَنَسَ عَنْهَا الْكُنَاسَ بِرِدَائِهِ. وَهَذَا شَبِيهٌ بِمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الغَنَوِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا" (٨).
رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
وَهِيَ مُطَوَّلَةٌ جِدًّا وَفِيهَا غَرَابَةٌ. قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِ "سُورَةِ سُبْحَانَ": حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ غَيْرِهِ -شَكَّ أَبُو جَعْفَرٍ-فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ [إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ مِيكَائِيلُ، فَقَالَ جِبْرِيلُ] (٩) لِمِيَكَائِيلَ: ائْتِنِي بطَسْت مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، كَيْمَا أُطَهِّرَ قَلْبَهُ وَأَشْرَحَ لَهُ صَدْرَهُ. قَالَ: فَشَقَّ عَنْهُ بَطْنَهُ، فغسله ثلاث مرات. واختلف إليه
(١) في ت، أ: "مؤدب".
(٢) في ت، ف: "من بين زمزم".
(٣) في ت: "كبير".
(٤) سيأتي من رواية الطبراني من طريق سعيد بن منصور، وانظر تخريجه هناك عند الآية: ٤٤ من هذه السورة.
(٥) في ف: "فقال".
(٦) زيادة من ت، ف، والمسند.
(٧) المسند (١/٣٨).
(٨) صحيح مسلم برقم (٩٧٢).
(٩) زيادة من ت، ف، أ، والطبري.
مِيكَائِيلُ بِثَلَاثِ طِسَاسٍ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، فَشَرَحَ صَدْرَهُ وَنَزَعَ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ غِلٍّ، وَمَلَأَهُ حِلْمًا وَعِلْمًا، وَإِيمَانًا وَيَقِينًا وَإِسْلَامًا، وَخَتَمَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ.
ثُمَّ أَتَاهُ بِفَرَسٍ فَحُمِلَ (١) عَلَيْهِ، كُلُّ خُطْوَةٍ مِنْهُ مُنْتَهَى بَصَرِهِ -أَوْ: أَقْصَى بَصَرِهِ-قَالَ: فَسَارَ وَسَارَ مَعَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِمَا (٢) السَّلَامُ قَالَ: فَأَتَى عَلَى قَوْمٍ يَزْرَعُونَ فِي يَوْمٍ وَيَحْصُدُونَ فِي يَوْمٍ، كُلَّمَا حَصَدُوا عَادَ كَمَا كَانَ، فَقَالَ النَّبِيُّ (٣) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذَا؟ " قَالَ: هَؤُلَاءِ الْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، تُضَاعَفُ لَهُمُ الْحَسَنَةُ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَمَا أَنْفَقُوا مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ، وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ.
ثُمَّ أَتَى عَلَى قَوْمٍ تُرضَخ رُءُوسُهُمْ بِالصَّخْرِ، كُلَّمَا رُضخت عَادَتْ كَمَا كَانَتْ، وَلَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَقَالَ: "مَا هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ " قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَتَثَاقَلُ رُءُوسُهُمْ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ. ثُمَّ أَتَى عَلَى قَوْمٍ عَلَى أَقْبَالِهِمْ رِقَاعٌ، وَعَلَى أَدْبَارِهِمْ رِقَاعٌ يَسْرَحُونَ كَمَا تَسْرَحُ الْإِبِلُ وَالنَّعَمُ، وَيَأْكُلُونَ الضَّرِيعَ وَالزَّقُّومَ وَرَضْفَ جَهَنَّمَ وَحِجَارَتَهَا، قَالَ (٤) :" مَا هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ " قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يُؤَدُّونَ صَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمْ، وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ شَيْئًا وَمَا اللَّهُ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ.
ثُمَّ أَتَى عَلَى قَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ لحم نضيج في قدر (٥) ولحم نيئ في قدر خبيث، فجعلوا يأكلون من النيئ الْخَبِيثِ وَيَدَعُونَ النَّضِيجَ الطَّيِّبَ، فَقَالَ: "مَا هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ " فَقَالَ: هَذَا الرَّجُلُ مِنْ أُمَّتِكَ، تَكُونُ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ الْحَلَالُ الطَّيِّبَةُ، فَيَأْتِي امْرَأَةً خَبِيثَةً فَيَبِيتُ عِنْدَهَا حَتَّى يُصْبِحَ، [وَالْمَرْأَةُ تَقُومُ مِنْ عِنْدِ زَوْجِهَا حَلَالًا طَيِّبًا، فَتَأْتِي رَجُلًا خَبِيثًا فَتَبِيتُ مَعَهُ حَتَّى تُصْبِحَ] (٦).
قَالَ: ثُمَّ أَتَى عَلَى خَشَبَةٍ عَلَى الطَّرِيقِ، لَا يَمُرُّ بِهَا ثَوْبٌ إِلَّا شَقَّتْهُ، وَلَا شَيْءٌ إِلَّا خَرَقَتْهُ، قَالَ: "مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ " قَالَ: هَذَا مَثَلُ أَقْوَامٍ مِنْ أُمَّتِكَ، يَقْعُدُونَ عَلَى الطَّرِيقِ يَقْطَعُونَهُ (٧) ثُمَّ تَلَا ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ [وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ] (٨)﴾ [الْأَعْرَافِ: ٨٦].
قَالَ: ثُمَّ أَتَى عَلَى رَجُلٍ قَدْ جَمَعَ (٩) حُزْمَةَ [حَطَبٍ] (١٠) عَظِيمَةً لَا يَسْتَطِيعُ حَمْلَهَا، وَهُوَ يَزِيدُ عَلَيْهَا، فَقَالَ: "مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ " فَقَالَ (١١) هَذَا الرَّجُلُ مِنْ أُمَّتِكَ يَكُونُ عَلَيْهِ أَمَانَاتُ النَّاسِ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهَا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا.
ثُمَّ أَتَى عَلَى قَوْمٍ تُقْرَضُ أَلْسِنَتُهُمْ وَشِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَا قُرِضَتْ عَادَتْ كَمَا كَانَتْ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، قَالَ: "مَا هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ " قَالَ: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ الْفِتْنَةِ.
ثُمَّ أَتَى عَلَى جُحْرٍ صَغِيرٍ يَخْرُجُ مِنْهُ ثَوْرٌ عَظِيمٌ، فَجَعَلَ الثَّوْرُ يُرِيدُ أَنْ يَرْجِعَ مِنْ [حَيْثُ] (١٢) خَرَجَ، فَلَا يَسْتَطِيعُ، فَقَالَ: "مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ " فَقَالَ: هَذَا الرَّجُلُ يَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ الْعَظِيمَةِ ثُمَّ يَنْدَمُ عَلَيْهَا فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرُدَّهَا.
ثُمَّ أَتَى عَلَى وَادٍ فَوَجَدَ رِيحًا طَيِّبَةً بَارِدَةً، وَرِيحَ مِسْكٍ، وَسَمِعَ صَوْتًا، فَقَالَ: "يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذِهِ (١٣) الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ الْبَارِدَةُ؟ وَمَا هَذَا الْمِسْكُ؟ وَمَا هَذَا الصَّوْتُ؟ " قَالَ: هَذَا صَوْتُ الْجَنَّةِ تَقُولُ: يَا رَبِّ آتِنِي مَا وَعَدْتَنِي، فَقَدْ كَثُرَتْ غُرَفِي، وَإِسْتَبْرَقِي وَحَرِيرِي وسندسي، وعبقريي ولؤلؤي ومرجاني، وفضتي
(١) في ف، أ: "فحمله".
(٢) في ت، ف، أ: "عليه".
(٣) في ف: "فقال رسول الله".
(٤) في ف: "فقال".
(٥) في ت، ف: "قدور".
(٦) زيادة من ت، ف، أ، والطبري.
(٧) في ت، ف: "فيقطعونه".
(٨) زيادة من ف، أ.
(٩) في ت: "حمل".
(١٠) زيادة من ت، ف، أ، والطبري.
(١١) في ف: "قال".
(١٢) في ت، هـ: "موضع" والمثبت من الطبري.
(١٣) في ت، ف، أ: "ما هذا".
وَذَهَبِي وَأَكْوَابِي وَصِحَافِي، وَأَبَارِيقِي وَمَرَاكِبِي، وَعَسَلِي وَمَائِي، وَخَمْرِي وَلَبَنِي فَآتِنِي مَا (١) وَعَدْتَنِي. فَقَالَ: لَكِ كُلُّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ، وَمُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ، وَمَنْ آمَنَ بِي وَبِرُسُلِي وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَمْ يُشْرِكْ بِي، وَلَمْ يَتَّخِذْ مِنْ دُونِي أَنْدَادًا، وَمَنْ خَشِيَنِي فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ، وَمَنْ أَقْرَضَنِي جِزْيَتُهُ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيَّ كَفَيْتُهُ، إِنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، لَا أُخْلِفُ الْمِيعَادَ، وَقَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، وَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، قَالَتْ: قَدْ رَضِيتُ.
قَالَ: "ثُمَّ أَتَى عَلَى وَادٍ فَسَمِعَ صَوْتًا مُنْكَرًا، وَوَجَدَ رِيحًا مُنْتِنَةً، فَقَالَ: مَا هَذِهِ (٢) الرِّيحُ يَا جِبْرِيلُ؟ وَمَا هَذَا الصَّوْتُ؟ " فَقَالَ: هَذَا صَوْتُ جَهَنَّمَ تَقُولُ: يَا رَبِّ آتِنِي مَا وَعَدْتَنِي، فَقَدْ كَثُرَتْ سَلَاسِلِي وَأَغْلَالِي، وَسَعِيرِي وَحَمِيمِي، وَضَرِيعِي، وَغَسَّاقِي وَعَذَابِي، وَقَدْ بَعُدَ قَعْرِي، وَاشْتَدَّ حَرِّي، فَآتِنِي كُلَّ مَا وَعَدْتَنِي، فَقَالَ: لَكِ كُلُّ مُشْرِكٍ وَمُشْرِكَةٍ، وَكَافِرٍ وَكَافِرَةٍ، وَكُلُّ خَبِيثٍ وَخَبِيثَةٍ، وَكُلُّ جَبَّارٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ. قَالَتْ: قَدْ رَضِيتُ.
قَالَ: ثُمَّ سَارَ حَتَّى أَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَنَزَلَ فَرَبَطَ فَرَسَهُ إِلَى صَخْرَةٍ، ثُمَّ دَخَلَ فَصَلَّى مَعَ الْمَلَائِكَةِ، فَلَمَّا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ قَالُوا: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَذَا مَعَكَ؟ قَالَ: محمد صلى الله عليه وسلم. قالوا: أوقد أُرْسِلَ مُحَمَّدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالُوا: حَيَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَخٍ وَمِنْ خَلِيفَةٍ، فَنِعْمَ الْأَخُ وَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ.
قَالَ: ثُمَّ لَقِيَ أَرْوَاحَ الْأَنْبِيَاءِ، فَأَثْنَوْا عَلَى رَبِّهِمْ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي اتَّخَذَنِي خَلِيلًا وَأَعْطَانِي مُلْكًا عَظِيمًا، وَجَعَلَنِي أُمَّةً قَانِتًا يُؤْتَمُّ بِي، وَأَنْقَذَنِي مِنَ النَّارِ، وَجَعَلَهَا عَلَيَّ بَرْدًا وَسَلَامًا. ثُمَّ (٣) إِنَّ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ (٤)، أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَلَّمَنِي تَكْلِيمًا، وَجَعْلَ هَلَاكَ آلِ فِرْعَوْنَ وَنَجَاةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى يَدَيَّ، وَجَعَلَ مِنْ أُمَّتِي قَوْمًا يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ. ثُمَّ إِنَّ دَاوُدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ (٥) أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ [عَزَّ وَجَلَّ] (٦)، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لِي مُلْكًا عَظِيمًا، وَعَلَّمَنِي الزَّبُورَ، وَأَلَانَ لِيَ الْحَدِيدَ، وَسَخَّرَ لِيَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ، وَأَعْطَانِي الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ. ثُمَّ إِنَّ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ [عَزَّ وَجَلَّ] (٧) فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَخَّرَ لِيَ الرِّيَاحَ، وَسَخَّرَ لِيَ الشَّيَاطِينَ يَعْمَلُونَ لِي مَا شِئْتُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ، وَجَفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ، وَعَلَّمَنِي مَنْطِقَ الطَّيْرِ، وَآتَانِي مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فَضْلًا وَسَخَّرَ لِيَ جُنُودَ الشَّيَاطِينِ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَآتَانِي مُلْكًا عَظِيمًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي، وَجَعَلَ مُلْكِي مُلْكًا طَيِّبًا لَيْسَ فِيهِ حِسَابٌ. ثُمَّ إِنَّ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنِي كَلِمَتَهُ وَجَعَلَ مَثَلِي مَثَلَ آدَمَ، خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ: "كُنْ" فَيَكُونَ، وَعَلَّمَنِي الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، وَجَعَلَنِي أَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَجَعَلَنِي أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِهِ (٨)، وَرَفَعَنِي وَطَهَّرَنِي، وَأَعَاذَنِي وَأُمِّيَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْنَا سَبِيلٌ. قَالَ: ثُمَّ إِنَّ مُحَمَّدًا (٩) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ: "فَكُلُّكُمْ أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ، وَإِنِّي مُثْنٍ عَلَى رَبِّي [عَزَّ وَجَلَّ] (١٠) فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرْسَلَنِي رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَكَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَأَنْزَلَ عَلَيَّ الفرقان (١١) فيه بيان لكل شيء، وجعل
(١) في ت: "بما".
(٢) في أ: "ما هذا".
(٣) في ف، أ: "قال: ثم".
(٤) في ت: "عليه الصلاة والسلام".
(٥) في ت: "عليه الصلاة والسلام".
(٦) زيادة من أ.
(٧) زيادة من أ.
(٨) في ف، أ: "بإذن الله".
(٩) في أ: "محمدا رسول الله".
(١٠) زيادة من ف، أ.
(١١) في ت، ف: "القرآن".
أُمَّتِي خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، وَجَعَلَ أُمَّتِي أُمَّةً وَسَطًا، وَجَعَلَ أُمَّتِي هُمُ الْأَوَّلِينَ وَهُمُ الْآخَرِينَ، وَشَرَحَ لِي صَدْرِي، وَوَضَعَ عَنِّي وِزْرِي، وَرَفَعَ لِي ذِكْرِي، وَجَعَلَنِي فَاتِحًا وَخَاتَمًا" فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] (١) : بِهَذَا فَضَلَكُمْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ: خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، فَاتِحٌ بِالشَّفَاعَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
ثُمَّ أُتِيَ بِآنِيَةٍ ثَلَاثَةٍ مُغَطَّاةٍ أَفْوَاهُهَا، فَأُتِي بِإِنَاءٍ مِنْهَا فِيهِ مَاءٌ فَقِيلَ: اشْرَبْ. فَشَرِبَ مِنْهُ يَسِيرًا، ثُمَّ دُفِعَ إِلَيْهِ إِنَاءٌ آخَرُ فِيهِ لَبَنٌ، فَقِيلَ لَهُ: اشْرِبْ، فَشَرِبَ مِنْهُ حَتَّى رَوِيَ. ثُمَّ دُفِعَ إِلَيْهِ إِنَاءٌ آخَرُ فِيهِ خَمْرٌ فَقِيلَ لَهُ: اشْرِبْ فَقَالَ: "لَا أُرِيدُهُ قَدْ رَوِيتُ". فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] (٢) : أَمَا إِنَّهَا سَتُحَرَّمُ عَلَى أُمَّتِكَ، وَلَوْ شَرِبْتَ مِنْهَا لَمْ يَتْبَعْكَ مِنْ أُمَّتِكَ إِلَّا قَلِيلٌ.
قَالَ: ثُمَّ صَعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ فَقَالَ: مُحَمَّدٌ، فقالوا: أوقد أُرْسِلَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالُوا: حَيَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَخٍ وَمِنْ خَلِيفَةٍ فَنِعْمَ الْأَخُ وَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. فَدَخَلَ فَإِذَا هُوَ بَرَجُلٍ تَامِّ الْخَلْقِ (٣) لَمْ يَنْقُصْ مَنْ خَلْقِهِ شَيْءٌ كَمَا يَنْقُصُ مَنْ خَلْقِ النَّاسِ، عَنْ (٤) يَمِينِهِ بَابٌ يَخْرُجُ مِنْهُ رِيحٌ طَيِّبَةٌ، وَعَنْ شِمَالِهِ بَابٌ يَخْرُجُ مِنْهُ رِيحٌ خَبِيثَةٌ، إِذَا نَظَرَ إِلَى الْبَابِ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ وَاسْتَبْشَرَ، وَإِذَا نَظَرَ إِلَى الْبَابِ الَّذِي عَنْ يَسَارِهِ بَكَى وَحَزِنَ، فَقُلْتُ: "يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَذَا الشَّيْخُ التَّامُّ الْخَلْقِ الَّذِي لَمْ يُنْقَصْ مِنْ خَلْقِهِ شَيْءٌ؟ وَمَا هَذَانِ الْبَابَانِ؟ " فَقَالَ: هَذَا أَبُوكَ آدَمُ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] (٥)، وَهَذَا الْبَابُ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ بَابُ الْجَنَّةِ، إِذَا نَظَرَ إِلَى مَنْ يَدْخُلُ (٦) مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ضَحِكَ وَاسْتَبْشَرَ، وَالْبَابُ الَّذِي عَنْ شِمَالِهِ بَابُ جَهَنَّمَ، إِذَا نَظَرَ إِلَى مَنْ يَدْخُلُهُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ بَكَى وَحَزِنَ.
ثُمَّ صَعِدَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا مَعَكَ؟ فَقَالَ: مُحَمَّدٌ رسول الله. قالوا: أوقد أُرْسِلَ مُحَمَّدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالُوا: حَيَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَخٍ وَمِنْ خَلِيفَةٍ، فَلَنِعْمَ الْأَخُ وَلَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. قَالَ: فَدَخَلَ فَإِذَا هُوَ بِشَابَّيْنِ فَقَالَ: "يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَذَانِ الشَّابَّانِ؟ " قَالَ: هَذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَيَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا، ابْنَا الْخَالَةِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ.
قَالَ: فَصَعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَاسْتَفْتَحَ، فَقَالُوا: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قال: محمد. قالوا: أوقد أُرْسِلَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالُوا: حَيَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَخٍ وَمِنْ خَلِيفَةٍ، فَنِعْمَ الْأَخُ وَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. قَالَ: فَدَخَلَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدْ فُضِّلَ عَلَى النَّاسِ فِي الْحُسْنِ كَمَا فُضِّلَ الْقَمَرُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، قَالَ: "مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ الَّذِي قَدْ فُضِّلَ عَلَى النَّاسِ فِي الْحُسْنِ؟ " قَالَ: هَذَا أَخُوكَ يُوسُفُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ (٧).
قَالَ: ثُمَّ صَعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ (٨) الرَّابِعَةِ فَاسْتَفْتَحَ، فَقَالُوا (٩) مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قال: محمد. قالوا: أوقد أُرْسِلَ؟ (١٠) قَالَ: نَعَمْ. قَالُوا: حَيَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَخٍ وَمِنْ خَلِيفَةٍ، فَنِعْمَ الْأَخُ وَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. قَالَ: فَدَخَلَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ، قَالَ: "مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ " قَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ رَفَعَهُ اللَّهُ [تَعَالَى] (١١) مَكَانًا عَلِيًّا.
(١) زيادة من ف، أ.
(٢) زيادة من ف، أ.
(٣) في ف: "تام الخلقة".
(٤) في ف: "على".
(٥) زيادة من أ
(٦) في ت، ف: "يدخله".
(٧) في ت: "عليه الصلاة والسلام".
(٨) في ف: "ثم صعدت إلى السماء".
(٩) في ف: "فقيل".
(١٠) في ف، أ: "أرسل إليه".
(١١) زيادة من ت.
ثُمَّ صَعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ فَاسْتَفْتَحَ، فَقَالُوا: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قَالُوا: وَمَنْ معك؟ قال: محمد. قالوا: أوقد أُرْسِلَ (١) إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالُوا: حَيَّاهُ (٢) اللَّهُ مِنْ أَخٍ وَمِنْ خَلِيفَةٍ، فَنِعْمَ الْأَخُ وَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. ثُمَّ دَخَلَ فَإِذَا هُوَ بَرَجُلٍ جَالِسٍ وَحَوْلَهُ قَوْمٌ يَقُصُّ عَلَيْهِمْ، قَالَ: "مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ وَمَنْ هَؤُلَاءِ حَوْلَهُ؟ " قَالَ: هَذَا هَارُونُ الْمُحَبَّبُ [فِي قَوْمِهِ] (٣) وَهَؤُلَاءِ بَنُو إِسْرَائِيلَ.
ثُمَّ صَعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: (٤) مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قَالُوا: أوقد أُرْسِلَ؟ (٥) قَالَ: نَعَمْ. قَالُوا: حَيَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَخٍ وَمِنْ خَلِيفَةٍ، فَنِعْمَ الْأَخُ وَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ (٦). فَإِذَا هُوَ بَرَجُلٍ جَالِسٍ فَجَاوَزَهُ فَبَكَى الرَّجُلُ، فَقَالَ: "يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَذَا؟ " قَالَ: مُوسَى، قَالَ: "فَمَا بَالُهُ (٧) يَبْكِي؟ " قَالَ: زَعَمَ (٨) بَنُو إِسْرَائِيلَ أَنِّي أَكْرَمُ بَنِي آدَمَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهَذَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ قَدْ خَلَفَنِي فِي دُنْيَا، وَأَنَا فِي أُخْرَى، فَلَوْ أَنَّهُ بِنَفْسِهِ لَمْ أُبَالِ، وَلَكِنْ مَعَ كُلِّ نَبِيٍّ أُمَّتُهُ.
قَالَ: ثُمَّ صَعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ لَهُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ معك؟ قال: محمد. قالوا: أوقد أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالُوا: حَيَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَخٍ وَمِنْ خَلِيفَةٍ، فَنِعْمَ الْأَخُ وَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. قَالَ: فَدَخَلَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ أَشْمَطَ جَالِسٍ عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ عَلَى كُرْسِيٍّ، وَعِنْدَهُ قَوْمٌ جُلُوسٌ بِيضُ الْوُجُوهِ أَمْثَالُ الْقَرَاطِيسِ، وَقَوْمٌ فِي أَلْوَانِهِمْ شَيْءٌ، فَقَامَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فِي أَلْوَانِهِمْ شَيْءٌ فَدَخَلُوا نَهْرًا فَاغْتَسَلُوا فِيهِ، فَخَرَجُوا وَقَدْ (٩) خَلَصَ مِنْ أَلْوَانِهِمْ شَيْءٌ ثُمَّ دَخَلُوا نَهْرًا آخَرَ فَاغْتَسَلُوا فِيهِ، فَخَرَجُوا وَقَدْ خَلَصَ [مِنْ] (١٠) أَلْوَانِهِمْ [شَيْءٌ ثُمَّ دَخَلُوا نَهْرًا آخَرَ فَاغْتَسَلُوا فِيهِ، فَخَرَجُوا وَقَدْ خَلَصَتْ أَلْوَانُهُمْ] (١١) فَصَارَتْ مِثْلَ أَلْوَانِ أَصْحَابِهِمْ، فَجَاءُوا فَجَلَسُوا إِلَى أَصْحَابِهِمْ، فَقَالَ: "يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَذَا الْأَشْمَطُ؟ ثُمَّ مَنْ هَؤُلَاءِ الْبِيضُ الْوُجُوهِ؟ وَمَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فِي أَلْوَانِهِمْ شَيْءٌ؟ وَمَا هَذِهِ الْأَنْهَارُ الَّتِي دَخَلُوا فِيهَا فَجَاءُوا وَقَدْ صَفَت أَلْوَانُهُمْ؟ " قَالَ: هَذَا أَبُوكَ إِبْرَاهِيمُ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] (١٢) أَوَّلُ مَنْ شَمِطَ عَلَى الْأَرْضِ. وَأَمَّا هَؤُلَاءِ الْبِيضُ الْوُجُوهِ فَقَوْمٌ لَمْ يَلْبَسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ. وَأَمَّا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فِي أَلْوَانِهِمْ شَيْءٌ، فَقَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، فَتَابُوا فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. وَأَمَّا الْأَنْهَارُ فَأَوَّلُهَا رَحْمَةُ اللَّهِ، وَالثَّانِي نِعْمَةُ اللَّهِ، وَالثَّالِثُ سَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا.
قَالَ: ثُمَّ انْتَهَى إِلَى السِّدْرَةِ فَقِيلَ لَهُ: هَذِهِ السِّدْرَةُ يَنْتَهِي إِلَيْهَا كُلُّ أَحَدٍ خَلَا مِنْ أُمَّتِكَ عَلَى سُنَّتِكَ. فَإِذَا هِيَ شَجَرَةٌ يَخْرُجُ مَنْ أَصْلِهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ، وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لذة للشاربين، وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى، وَهِيَ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا سَبْعِينَ عَامًا لَا يَقْطَعُهَا. وَالْوَرَقَةُ مِنْهَا مُغَطِّيَةٌ لِلْأُمَّةِ كُلِّهَا. قَالَ: فَغَشِيَهَا نُورُ الْخَلَّاقِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَغَشِيَتْهَا (١٣) الْمَلَائِكَةُ أَمْثَالَ الْغِرْبَانِ حِينَ يَقَعْنَ (١٤) عَلَى الشَّجَرَةِ قَالَ: فَكَلَّمَهُ الله عند ذلك (١٥)
(١) في ف، أ: "أرسل إليه".
(٢) في ف، أ: "قالوا: مرحبا به حياه".
(٣) زيادة من ف، ت، أ، والطبري.
(٤) في ف: "فقيل".
(٥) في ف، أ: "أرسل إليه".
(٦) في ت، ف، أ: "المجيء جاء".
(٧) في ت: "فما له".
(٨) في ت، أ: "يزعم".
(٩) في ت: "قد".
(١٠) زيادة من ف، أ، والطبري.
(١١) زيادة من ت، ف، أ، والطبري.
(١٢) زيادة من ف، أ.
(١٣) في ت: "وغشيها".
(١٤) في ت، ف، أ: "حتى تقع".
(١٥) في ت: "فكلمه يعني عند ذلك".
قَالَ لَهُ: سَلْ (١)، قَالَ: "إِنَّكَ اتَّخَذْتَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَأَعْطَيْتَهُ مُلْكًا عَظِيمًا، وَكَلَّمْتَ مُوسَى تَكْلِيمًا، وَأَعْطَيْتَ دَاوُدَ مُلْكًا عَظِيمًا، وَأَلَنْتَ لَهُ الْحَدِيدَ، وَسَخَّرْتَ لَهُ [الْجِبَالَ، وَأَعْطَيْتَ سُلَيْمَانَ مُلْكًا عَظِيمًا، وَسَخَّرْتَ لَهُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ وَالشَّيَاطِينَ، وَسَخَّرْتَ لَهُ] (٢) الرِّيَاحَ، وَأَعْطَيْتَ لَهُ مُلْكًا عَظِيمًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَعَلَّمْتَ عِيسَى التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، وَجَعَلْتَهُ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِكَ، وَأَعَذْتَهُ وَأُمَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِمَا سَبِيلٌ". فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَقَدِ اتَّخَذْتُكَ خَلِيلًا -وَهُوَ مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ: حَبِيبُ الرَّحْمَنِ (٣) -وَأَرْسَلْتُكَ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَشَرَحْتُ لَكَ صَدْرَكَ، وَوَضَعْتُ عَنْكَ وِزْرَكَ، وَرَفَعْتُ لَكَ ذِكْرَكَ، فَلَا أُذْكَرُ إِلَّا ذُكِرْتَ مَعِي، وَجَعَلْتُ أُمَّتَكَ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، وَجَعَلْتُ أَمَّتَكَ أُمَّةً وَسَطًا، وَجَعَلْتُ أَمَّتَكَ هُمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ، وَجَعَلْتُ أُمَّتَكَ لَا تَجُوزُ لَهُمْ خُطْبَةٌ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّكَ عَبْدِي وَرَسُولِي، وَجَعَلْتُ مِنْ أَمَّتِكَ أَقْوَامًا قُلُوبُهُمْ أَنَاجِيلُهُمْ، وَجَعَلْتُكَ أَوَّلَ النَّبِيِّينَ خَلْقًا، وَآخِرَهُمْ بَعْثًا، وَأَوَّلَهُمْ يُقْضَى لَهُ، وَأَعْطَيْتُكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي لَمْ يُعْطَهَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ، وَأَعْطَيْتُكَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ لَمْ أُعْطِهَا نَبِيًّا قَبْلَكَ، وَأَعْطَيْتُكَ الْكَوْثَرَ، وَأَعْطَيْتُكَ ثَمَانِيَةَ أَسْهُمٍ: الْإِسْلَامَ، وَالْهِجْرَةَ، وَالْجِهَادَ، وَالصَّدَقَةَ، وَالصَّلَاةَ، وَصَوْمَ رَمَضَانَ، وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَجَعَلْتُكَ فَاتِحًا وَخَاتَمًا. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فَضَّلَنِي رَبِّي بِسِتٍّ: أَعْطَانِي فَوَاتِحَ الْكَلَامِ (٤) وَخَوَاتِيمَهُ وَجَوَامِعَ الْحَدِيثِ، وَأَرْسَلَنِي إِلَى النَّاسِ كَافَّةً بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِ عَدُوِّي الرُّعْبَ مِنْ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ كُلُّهَا طَهُورًا وَمَسْجِدًا".
قَالَ: وَفَرَضَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ صَلَاةً. فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مُوسَى قَالَ: بِمَ أُمِرْتَ يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: "بِخَمْسِينَ صَلَاةً" قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ أَضْعَفُ الْأُمَمِ، فَقَدْ لَقِيتُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ شِدَّةً، قَالَ: فَرَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رَبِّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَسَأَلَهُ التَّخْفِيفَ، فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرًا. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: بِكَمْ أُمِرْتَ؟ قَالَ: "بِأَرْبَعِينَ" قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ أَضْعَفُ الْأُمَمِ، وَقَدْ لَقِيتُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ شِدَّةً، قَالَ: فَرَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رَبِّهِ [عَزَّ وَجَلَّ] (٥) فَسَأَلَهُ التَّخْفِيفَ، فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرًا، فَرَجَعَ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: بِكَمْ أُمِرْتَ؟ قَالَ: "أُمِرْتُ بِثَلَاثِينَ"، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ أَضْعَفُ الْأُمَمِ، وَقَدْ لَقِيتُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ شِدَّةً، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ [عَزَّ وَجَلَّ] (٦) فَسَأَلَهُ التَّخْفِيفَ، فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرًا، فَرَجَعَ إِلَى مُوسَى فَقَالَ (٧) بِكَمْ أُمِرْتَ؟ قَالَ: "أُمِرْتُ بِعِشْرِينَ". قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ [عَزَّ وَجَلَّ] (٨) فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ أَضْعَفُ الْأُمَمِ، وَقَدْ لَقِيتُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ شِدَّةً، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ [عَزَّ وَجَلَّ] (٩) فَسَأَلَهُ التَّخْفِيفَ، فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرًا. فَرَجَعَ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: بِكَمْ أُمِرْتَ؟ قَالَ: "أُمِرْتُ بِعَشْرٍ"، قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ [عَزَّ وَجَلَّ] (١٠) فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ أَضْعَفُ الْأُمَمِ وَقَدْ لَقِيتُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ شِدَّةً، قَالَ: فَرَجَعَ عَلَى حَيَاءٍ إِلَى رَبِّهِ [عَزَّ وَجَلَّ] (١١) فَسَأَلَهُ التَّخْفِيفَ فَوَضَعَ عَنْهُ خَمْسًا. فَرَجَعَ إِلَى مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ (١٢) بِكَمْ أُمِرْتَ؟ قَالَ: "بِخَمْسٍ" فَقَالَ: ارْجِعْ إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن
(١) في ف: "فقال".
(٢) زيادة من ف، أ، والطبري.
(٣) في ت: "محمد حبيب الرحمن".
(٤) في ف: "الكلم".
(٥) زيادة من ف.
(٦) زيادة من ف، أ.
(٧) في ت: "قال".
(٨) زيادة من ف، أ.
(٩) زيادة من ف، أ.
(١٠) زيادة من ف، أ.
(١١) زيادة من ف، أ.
(١٢) في ف: "قال".
أُمَّتَكَ أَضْعَفُ الْأُمَمِ وَقَدْ لَقِيتُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ شِدَّةً، قَالَ: "قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ، فَمَا أَنَا بِرَاجِعٍ إِلَيْهِ"، قِيلَ: أَمَا إِنَّكَ كَمَا صَبَّرْتَ نَفْسَكَ عَلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ، فَإِنَّهُنَّ يَجْزِينَ عَنْكَ خَمْسِينَ صَلَاةً، فَإِنَّ كُلَّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا. قَالَ: فَرَضِيَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ الرِّضَا، قَالَ: وَكَانَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِنْ أَشَدِّهِمْ عَلَيْهِ حِينَ مَرَّ بِهِ وَخَيْرِهِمْ لَهُ حِينَ رَجَعَ إِلَيْهِ (١).
ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَوْ غَيْرِهِ -شَكَّ أَبُو جَعْفَرٍ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ (٢).
وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمَالِينِيِّ، عَنِ ابْنِ عَدِيٍّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ السَّكُوني الْبَالِسِيِّ بِالرَّمْلَةِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، فَذَكَرَ مِثْلَ مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ (٣)، وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ الْحَاكِمَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ رَوَاهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّعَرَانِيِّ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَمْزَةَ الزُّبَيْرِيِّ، عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ مَاهَانَ -يَعْنِي أَبَا جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ-عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أبي العالية، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَهُ (٤).
وَقَالَ: ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذَكَرَ أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ (٥) -يَعْنِي: أَبَا جَعْفَرٍ الرَّازِيَّ-عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ الْبَكْرِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَوْ غَيْرِهِ -شَكَّ عِيسَى-، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "قَالَ اللَّهُ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى] (٦)﴾ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ كَنَحْوٍ مِمَّا سُقْنَاهُ.
قُلْتُ: "أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ" قَالَ فِيهِ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ: "الرَّازِيُّ يَهِمُ فِي الْحَدِيثِ كَثِيرًا" وَقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُهُ أَيْضًا، وَوَثَّقَهُ بَعْضُهُمْ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ سَيِّئُ الْحِفْظِ فَفِيمَا تَفَرَّدَ بِهِ نَظَرٌ. وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ شَدِيدَةٌ، وَفِيهِ (٧) شَيْءٌ مِنْ حَدِيثِ الْمَنَامِ مِنْ رِوَايَةِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ فِي الْمَنَامِ الطَّوِيلِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعًا مِنْ أَحَادِيثَ شَتَّى، أَوْ مَنَامٍ أَوْ قِصَّةٍ أُخْرَى غَيْرِ الْإِسْرَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أُسْرِيَ بِهِ: "لَقِيتُ مُوسَى" قَالَ: فَنَعَتَهُ فَإِذَا رَجُلٌ -حَسِبْتُهُ قَالَ:-مُضْطَرِبٌ، رَجْل الرَّأْسِ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ. قَالَ: "وَلَقِيتُ عِيسَى" -فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-رَبْعَةٌ (٨) أَحْمَرُ كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ -يَعْنِي حَمَّامٍ. قَالَ: "وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ". قَالَ: "وَأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا لَبَنٌ وَفِي الْآخَرِ خَمْرٌ، قِيلَ لِي: خُذْ أَيَّهُمَا شِئْتَ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ، فَشَرِبْتُ، فَقِيلَ لِي: هُدِيتَ الْفِطْرَةَ -أَوْ: أَصَبْتَ الفطرة-أما إنك لو
(١) تفسير الطبري (١٥/٦).
(٢) تفسير الطبري (١٥/١٠).
(٣) دلائل النبوة (٢/٢٩٦، ٢٩٧).
(٤) دلائل النبوة (٢/٣٩٧).
(٥) في ت: "اليمني".
(٦) زيادة من ت.
(٧) في ت: "فيه".
(٨) في ت، أ: "قال: ربعة".
أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ" وَأَخْرَجَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. عَنِ الزُّهْرِيِّ -بِهِ نَحْوَهُ (١).
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ حُجَيْن بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ الْهَاشِمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَايَ (٢) فَسَأَلُونِي عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ أُثْبِتْهَا، فَكُرِبْتُ كَرْبًا مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ، فَرَفَعَهُ اللَّهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ مَا سَأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُهُمْ بِهِ، وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي، وَإِذَا هُوَ رَجُلٌ ضربٌ جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَائِمٌ يُصَلِّي أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ قَائِمٌ يُصَلِّي أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ -يَعْنِي نَفْسَهُ-فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ، فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ قَائِلٌ: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النَّارِ، [فَسَلِّمْ عَلَيْهِ] (٣) فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَبَدَأَنِي بِالسَّلَامِ " (٤).
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الصَّلْتِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "رَأَيْتُ لَيْلَةَ أَسْرِيَ بِي لَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَنَظَرْتُ فَوْقُ (٥) فَإِذَا رَعْدٌ وَبَرْقٍ وَصَوَاعِقَ". قَالَ: "وَأَتَيْتُ عَلَى قَوْمٍ بُطُونُهُمْ كَالْبُيُوتِ فِيهَا الْحَيَّاتُ تُرَى مِنْ خَارِجِ بُطُونِهِمْ فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ أَكْلَةُ الرِّبَا، فَلَمَّا نَزَلْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا نَظَرْتُ أَسْفَلَ مِنِّي فَإِذَا أَنَا بِرَهَج وَدُخَانٍ وَأَصْوَاتٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذِهِ الشَّيَاطِينُ يُحَرِّفُونَ عَلَى أَعْيُنِ بَنِي آدَمَ أَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَرَأَوُا الْعَجَائِبَ".
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ حَسَنٍ وَعَفَّانَ، كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، بِهِ. وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادٍ، بِهِ (٦).
رِوَايَةُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ] (٧) مِمَّنْ تَقَدَّمَ وَغَيْرِهِمْ:
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ -يَعْنِي الْحَاكِمَ-أَخْبَرَنَا عَبْدَانُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ يَعْقُوبَ الدَّقَّاقُ بِهَمَذَانَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ هُوَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى الْفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ النَّصْرِيُّ (٨) مِنْ بَنِي نَصْرِ (٩) بْنِ قُعَين، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَلَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ (١٠) وَسُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ، وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ -بَعْضُهُمْ يَزِيدُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى بَعْضٍ-عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ (١١) بْنِ عباس -ومحمد بن إسحاق بن يسار، عمن حدثه عن ابن عباس-
(١) صحيح البخاري برقم (٣٣٩٤) وصحيح مسلم برقم (١٦٨).
(٢) في ت: "عن أمري".
(٣) زيادة من ف، أ، ومسلم.
(٤) صحيح مسلم برقم (١٧٢).
(٥) في ف، أ: "فوق رأسي".
(٦) المسند (٢/٣٥٣- ٣٦٣) وسنن ابن ماجة برقم (٢٢٧٣). وسبق الحديث من رواية أحمد عند تفسير الآية: ١٨٥ من سورة الأعراف، وعقب عليه الحافظ ابن كثير بقوله: "عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنُ جُدْعَانَ لَهُ مُنْكَرَاتٌ".
(٧) زيادة من أ.
(٨) في ف: "النضري".
(٩) في ف: "من بني نضرة".
(١٠) في أ: "سلمة".
(١١) في ت، ف: "وعن عبد الله".
وَعَنْ سُلَيْمِ بْنِ مُسْلِمٍ الْعُقَيْلِيِّ، عَنْ عَامِرٍ الشعبي، عن عبد الله بن مسعود -وجويبر، عن الضحاك، ابن مُزَاحِمٍ قَالُوا: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ أُمِّ هَانِئٍ رَاقِدًا، وَقَدْ صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ: قَالَ لَنَا هَذَا الشَّيْخُ... وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، فَكَتَبَ (١) الْمَتْنَ مِنْ نُسْخَةٍ مَسْمُوعَةٍ مِنْهُ، فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا يَذْكُرُ فِيهِ عَدَدَ الدَّرَجِ وَالْمَلَائِكَةِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُنْكَرُ شَيْءٌ مِنْهَا فِي قُدْرَةِ اللَّهِ إِنْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فِيمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ فِي حَدِيثِ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ فِي إِثْبَاتِ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ كِفَايَةٌ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ (٢).
قُلْتُ: وَقَدْ أَرْسَلَ هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعَيْنِ وَأَئِمَّةِ الْمُفَسِّرِينَ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
رِوَايَةُ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:
قَالَ [الْإِمَامُ] (٣) الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنِي مُكْرَمُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْبَلَدِيُّ (٤)، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الصَّنْعاني، حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، أَصْبَحَ يُحَدِّثُ النَّاسُ بِذَلِكَ، فَارْتَدَّ نَاسٌ مِمَّنْ كَانُوا آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ، وَسَعَوْا بِذَلِكَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالُوا: هَلْ لَكَ فِي صَاحِبِكَ؟ يَزْعُمُ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ اللَّيْلَةَ إلى بيت المقدس! فقال: أوقال ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: لَئِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ لَقَدْ صَدَقَ. قَالُوا: تُصَدِّقُهُ أَنَّهُ ذَهَبَ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَجَاءَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنِّي لَأُصَدِّقُهُ بِمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ، أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ فِي غَدْوة أَوْ رَوْحة. فَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَبُو بَكْرٍ: الصِّدِّيقَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (٥).
رِوَايَةُ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ بَاذَانَ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا] (٦) فِي مَسْرَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: مَا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا وَهُوَ فِي بَيْتِي، نَائِمٌ عِنْدِي تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ ثُمَّ نَامَ وَنِمْنَا، فَلَمَّا كَانَ قُبَيْلَ الْفَجْرِ أَهَبْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ وَصْلَيْنَا مَعَهُ قَالَ: "يَا أُمَّ هَانِئٍ، لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَكُمُ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ كَمَا رَأَيْتِ بِهَذَا الْوَادِي، ثُمَّ جِئْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَصَلَّيْتُ فِيهِ، ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْغَدَاةِ مَعَكُمُ الْآنَ كَمَا تَرَيْنَ" (٧).
الْكَلْبِيُّ: مَتْرُوكٌ بِمَرَّةٍ سَاقِطٌ، لَكِنْ رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ ضَمْرَة بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو السَّيْبَانِيِّ (٨)، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أم هانئ بأبسط من هذا
(١) في ت: "فثبت".
(٢) دلائل النبوة (٢/٤٠٤).
(٣) زيادة من ف، أ.
(٤) في ت: "البكري".
(٥) دلائل النبوة (٢/٣٦٠) وهو في المستدرك (٣/٦٢) وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
(٦) زيادة من أ.
(٧) رواه الطبري في تفسيره (١٥/٣) من طريق محمد بن إسحاق.
(٨) في ت، ف، أ: "الشيباني"
السِّيَاقِ، فَلْيَكْتُبْ هَاهُنَا (١).
وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ أَبِي المُسَاور، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ: بَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ فِي بَيْتِي، فَفَقَدْتُهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَامْتَنَعَ مِنِّي النَّوْمُ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ عَرَضَ لَهُ بَعْضُ قُرَيْشٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ جِبْرِيلَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَتَانِي فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَخْرَجَنِي، فَإِذَا عَلَى الْبَابِ دَابَّةٌ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ، فَحَمَلَنِي عَلَيْهَا، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَأَرَانِي إِبْرَاهِيمَ يُشْبِهُ خَلْقُهُ خَلْقِي، وَيُشْبِهُ خَلْقِي خَلْقَهُ، وَأَرَانِي مُوسَى آدَمَ طَوِيلًا سَبْطَ الشَّعْرِ، شَبَّهْتُهُ بِرِجَالِ أَزْدِ شَنُوءَةَ، وَأَرَانِي عيسى ابن مَرْيَمَ رَبْعة أَبْيَضَ يَضْرِبُ إِلَى الْحُمْرَةِ، شَبَّهْتُهُ بِعُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ، وَأَرَانِي الدَّجَّالَ مَمْسُوحَ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، شَبَّهْتُهُ بِقَطَنِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى"
(١) كذا ولم أجد فى النسخ إثباته، وقد رواه أبو يعلى فى معجم شيوخه برقم (١٠) قال: "حدثنا محمد بن إسماعيل الوساوسي، حدثنا ضمرة بن ربيعة، حدثنا يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو السَّيْبَانِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ، عَنْ أم هانئ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم بغلس، فجلس، وأنا على فراشي، فقال: "شعرت أنى بت الليلة فى المسجد الحرام، فأتاني جبريل، فذهب بى إلى باب المسجد، فإذا بدابة أبيض، فوق الحمار، ودون البغل، مضطرب الأذنين، فركبت وكان يضع حافره مد بصره، إذا أخذني فى هبوط طالت يداه وقصرت رجلاه، وإذا أخذني في صعود طالت رجلاه وقصرت يداه، وجبريل لا يفوتني، حتى انتهينا إلى بيت المقدس، فأوثقته بالحلقة التى كانت الأنبياء توثق بها، فنشر لي رهط من الأنبياء، منهم إبراهيم، وموسى، وعيسى، فصليت بهم، وكلمتهم، وأتيت بإناءين أحمر وأبيض، فشربت الأبيض، فقال لي جبريل: شربت اللبن، وتركت الخمر، لو شربت الخمر لارتدت أمتك. ثم ركبته، فأتيت المسجد الحرام وصليت به الغداة" قالت: فعلقت بردائه: أنشدك الله يا ابن عمى! أن تحدث بهذا قريشا، فيكذبك من صدقك. فضرب بيده على ردائه، فانتزعه من يدى، فارتفع عن بطنه، فنظرت إلى عكنه، فوق إزاره كأنها طى القراطيس، فإذا نور ساطع عند فؤاده، كاد يخطف بصري، فخررت ساجدة، فلما رفعت رأسي إذا هو قد خرج، فقلت لجاريتي نبعة: ويحك اتبعيه، فانظرى ماذا يقول، وماذا يقال له؟ فلما رجعت نبعة، أخبرتني أن رسول الله ﷺ انتهى إلى نفر من قريش، فى الحطيم، فيهم المطعم بن عدي، وعمرو بن هشام، والوليد بن المغيرة، فقال: "إنى صليت الليلة العشاء فى هذا المسجد، وصليت به الغداة، وأتيت فيما دون ذلك بيت المقدس، فنشر لي رهط من الأنبياء منهم إبراهيم، وموسى، وعيسى، وصليت بهم وكلمتهم".
فقال عمرو بن هشام كالمستهزئ به: صفهم لي، فقال: "أما عيسى، ففوق الربعة، ودون الطول، عريض الصدر، ظاهر الدم، جعد، أشعر تعلوه صهبة، كأنه عروة بن مسعود الثقفي. وأما موسى، فضخم آدم، طوال، كأنه من رجال شنوءة، متراكب الأسنان، مقلص الشفة، خارج اللثة، عابس. وأما إبراهيم فوالله إنه لأشبه الناس بي، خلقا، وخلقا". قال: فضجوا، وأعظموا ذلك، فقال المطعم بن عدي: كل أمرك كان قبل اليوم، كان أمما غير قولك اليوم، أما أنا، فأشهد أنك كاذب، نحن نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس، نصعد شهرا، ونحدر شهرا، تزعم أنك أتيته فى ليلة، واللات والعزى لا أصدقك، وما كان الذى تقول قط. وكان للمطعم بن عدي حوض على زمزم أعطاه إياه عبد المطلب، فهدمه وأقسم باللات والعزى لا يسقى قطرة أبدا، فقال أبو بكر: يا مطعم، بئس ما قلت لابن أخيك جبهته وكذبته، أنا أشهد أنه صادق، فقالوا: يا محمد، فصف لنا بيت المقدس، قال: "دخلت ليلا وخرجت منه ليلا". فأتاه جبريل بصورته فى جناحه، فجعل يقول: "باب منه كذا، فى موضوع كذا، وباب منه كذا، فى موضع كذا"، وأبو بكر يقول: صدقت، قالت نبعة: فسمعت رسول الله ﷺ يقول يومئذ: "يا أبا بكر، إنى قد سميتك (الصديق) ". قالوا: يا مطعم، دعنا نسأله عما هو أغنى لنا من بيت المقدس. يا محمد، أخبرنا عن عيرنا، فقال: "أتيت على عير بنى فلان بالروحاء، قد أضلوا ناقة لهم، فانطلقوا فى طلبها، فانتهيت إلى رحالهم، ليس بها منهم أحد، وإذا قدح ماء، فشربت منه، فاسألوهم عن ذلك " قالوا: هذه والإله آية. "ثم انتهيت إلى عير بنى فلان، فنفرت منى الإبل، وبرك منها جمل أحمر، عليه جوالق محيط ببياض، لا أدرى أكسر البعير، أم لا، فاسألوهم عن ذلك" قالوا: هذه والإله آية "ثم انتهيت إلى عير بنى فلان فى التنعيم، يقدمها جمل أورق، وها هى ذه يطلع عليكم من الثنية". فقال الوليد بن المغيرة: ساحر، فانطلقوا فنظروا، فوجدوا الأمر كما قال. فرموه بالسحر، وقالوا: صدق الوليد بن المغيرة فيما قال، فأنزل الله عز وجل: "وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن" (الإسراء: ٦٠) قلت لأم هانئ: ما الشجرة الملعونة فى القرآن؟ قالت: الذين خوفوا فلم يزدهم التخويف إلا طغيانا وكفرا".
قَالَ: "وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ إِلَى قُرَيْشٍ فَأُخْبِرْهُمْ بِمَا رَأَيْتُ". فَأَخَذْتُ بِثَوْبِهِ فَقُلْتُ: إِنِّي أُذَكِّرُكَ (١) اللَّهَ، إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا يُكَذِّبُونَكَ وَيُنْكِرُونَ مَقَالَتَكَ، فَأَخَافُ أَنْ يَسْطُوا بِكَ. قَالَتْ: فَضَرَبَ ثَوْبَهُ مِنْ يَدِي، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمْ فَأَتَاهُمْ وَهُمْ جُلُوسٌ، فَأَخْبَرَهُمْ مَا أَخْبَرَنِي، فَقَامَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ لَوْ كُنْتَ شَابًّا (٢) كَمَا كُنْتَ، مَا تَكَلَّمْتَ بِمَا تَكَلَّمْتَ بِهِ وَأَنْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: يَا مُحَمَّدُ، هَلْ مَرَرْتَ بِإِبِلٍ لَنَا فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَاللَّهِ قَدْ وَجَدْتُهُمْ أَضَلُّوا بَعِيرًا لَهُمْ فَهُمْ فِي طَلَبِهِ".
قَالَ: فَهَلْ مَرَرْتَ بِإِبِلٍ لِبَنِي فُلَانٍ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَجَدْتُهُمْ فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا، وَقَدِ انْكَسَرَتْ (٣) لَهُمْ نَاقَةٌ حَمْرَاءُ، وَعِنْدَهُمْ قَصْعَةٌ مِنْ مَاءٍ، فَشَرِبْتُ مَا فِيهَا". قَالُوا: فَأَخْبِرْنَا عِدَّتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الرُّعَاةِ [قَالَ: "قَدْ كُنْتُ عَنْ عِدَّتِهَا مَشْغُولًا". فَنَامَ فَأُوتِيَ بِالْإِبِلِ فَعَدَّهَا وَعَلِمَ مَا فِيهَا مِنَ الرُّعَاةِ] (٤) ثُمَّ أَتَى قُرَيْشًا فَقَالَ لَهُمْ: "سَأَلْتُمُونِي عَنْ إِبِلِ بَنِي فُلَانٍ، فَهِيَ كَذَا وَكَذَا، وَفِيهَا مِنَ الرُّعَاةِ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَسَأَلْتُمُونِي عَنْ إِبِلِ بَنِي فُلَانٍ، فَهِيَ كَذَا وَكَذَا، وَفِيهَا مِنَ الرُّعَاةِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَهِيَ مُصَبَّحَتُكُمْ مِنَ الْغَدَاةِ (٥) عَلَى الثَّنِيَّةِ". قَالَ: فَقَعَدُوا (٦) عَلَى الثَّنِيَّةِ يَنْظُرُونَ أَصَدَقَهُمْ مَا قَالَ؟ فَاسْتَقْبَلُوا الْإِبِلَ فَسَأَلُوهُمْ: هَلْ ضَلَّ لَكُمْ بَعِيرٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَسَأَلُوا الْآخَرَ: هَلِ انْكَسَرَتْ لَكُمْ نَاقَةٌ حَمْرَاءُ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالُوا: فَهَلْ كَانَ عِنْدَكُمْ قَصْعَةٌ؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ: أَنَا وَاللَّهِ وَضَعْتُهَا فَمَا شَرِبَهَا أَحَدٌ، وَلَا أَهْرَاقُوهُ فِي الْأَرْضِ. فَصَدَّقَهُ أَبُو بَكْرٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] (٧) وَآمَنَ بِهِ، فَسُمِّيَ يَوْمَئِذٍ الصِّدِّيقَ (٨).
فَصْلٌ
وَإِذَا (٩) حَصَلَ الْوُقُوفُ عَلَى مَجْمُوعِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ صَحِيحِهَا وَحَسَنِهَا وَضَعِيفِهَا، يَحْصُلُ مَضْمُونُ مَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ مِنْ مِسْرَى رسول الله ﷺ من مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَنَّهُ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الرُّوَاةِ فِي أَدَائِهِ، أَوْ زَادَ بَعْضُهُمْ فِيهِ أَوْ نَقَصَ مِنْهُ، فَإِنَّ الْخَطَأَ جَائِزٌ عَلَى مَنْ عَدَا الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَمَنْ جَعَلَ مِنَ النَّاسِ كُلَّ رِوَايَةٍ خَالَفَتِ الْأُخْرَى مُرَّةً عَلَى حِدَةٍ، فَأَثْبَتَ إِسْرَاءَاتٍ مُتَعَدِّدَةً فَقَدْ أَبْعَدَ وَأَغْرَبَ، وَهَرَبَ إِلَى غَيْرِ مَهْرَبٍ وَلَمْ يَحْصُلْ عَلَى مَطْلَبٍ.
وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ (١٠) أُسْرِيَ بِهِ مَرَّةً مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَطْ، وَمَرَّةً مِنْ مَكَّةَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَطْ، وَمَرَّةً إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَمِنْهُ إِلَى السَّمَاءِ. وَفَرِحَ بِهَذَا الْمَسْلَكِ، وَأَنَّهُ قَدْ ظَفِرَ بِشَيْءٍ يَخْلُصُ بِهِ مِنَ الْإِشْكَالَاتِ. وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا، وَلَمْ يُنْقَلْ هَذَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ، وَلَوْ تَعَدَّدَ هَذَا التَّعَدُّدَ لَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ أُمَّتَهُ، وَلَنَقَلَتْهُ (١١) النَّاسُ عَلَى التَّعَدُّدِ وَالتَّكَرُّرِ.
قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: كَانَ الْإِسْرَاءُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ. وَكَذَا قَالَ عُرْوَةُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: بِسِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا.
وَالْحَقُّ أَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ (١٢) أُسْرِيَ بِهِ يَقَظَةً لَا مَنَامًا مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ المقدس، راكبًا البراق،
(١) في ت: "أذكر".
(٢) في ت، ف: "أن لو كنت لك شابا".
(٣) في ت: "وقد كسرت".
(٤) زيادة من الخصائص الكبرى للسيوطي (١/٤٣٩).
(٥) في ف: "بالغداة".
(٦) في ت، ف: "فغدوا".
(٧) زيادة من ف، أ.
(٨) المعجم الكبير (٢٤/٤٣٢) وعبد الأعلى بن أبي المساور كذاب.
(٩) في ف: "فإذا".
(١٠) في ف: "بأنه صلى الله عليه وسلم".
(١١) في ت: "ولتعلمه".
(١٢) في ف: "أنه صلى الله عليه وسلم".
فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ رَبَطَ الدَّابَّةَ عِنْدَ الْبَابِ، وَدَخَلَهُ فَصَلَّى فِي قِبْلَتِهِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ رَكْعَتَيْنِ. ثُمَّ أَتَى الْمِعْرَاجَ (١) -وَهُوَ كَالسُّلَّمِ ذُو دَرَجٍ يُرْقَى فِيهَا-فَصَعِدَ فِيهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ إِلَى بَقِيَّةِ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ، فَتَلَقَّاهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا، وَسَلَّمَ عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ [عَلَيْهِمُ السَّلَامُ] (٢) الَّذِينَ فِي السَّمَاوَاتِ بِحَسْبِ مَنَازِلِهِمْ وَدَرَجَاتِهِمْ، حَتَّى مَرَّ بِمُوسَى الْكِلِيمِ فِي السَّادِسَةِ، وَإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ فِي السَّابِعَةِ، ثُمَّ جَاوَزَ مَنْزِلَتَهُمَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِمَا وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى مُسْتَوًى يَسْمَعُ (٣) فِيهِ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ، أَيْ: أَقْلَامَ الْقَدَرِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، وَرَأَى سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى وَغَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، تَعَالَى، عَظَمَةٌ عَظِيمَةٌ، مِنْ فَرَاشٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَأَلْوَانٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَغَشِيَتْهَا الْمَلَائِكَةُ، وَرَأَى هُنَالِكَ جِبْرِيلَ عَلَى صُورَتِهِ، وَلَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ، وَرَأَى رَفْرَفًا أَخْضَرَ قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ، وَرَأَى الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ (٤) وَإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ بَانِي الْكَعْبَةِ الْأَرْضِيَّةِ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْكَعْبَةُ السَّمَاوِيَّةُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَتَعَبَّدُونَ فِيهِ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَرَأَى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَفَرَضَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] (٥) عَلَيْهِ هُنَالِكَ الصَّلَوَاتِ خَمْسِينَ، ثُمَّ خَفَّفَهَا إِلَى خَمْسٍ؛ رَحْمَةً مِنْهُ وَلُطْفًا بِعِبَادِهِ. وَفِي هَذَا اعْتِنَاءٌ عَظِيمٌ بِشَرَفِ الصَّلَاةِ وَعَظَمَتِهَا. ثُمَّ هَبَطَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَهَبَطَ مَعَهُ الْأَنْبِيَاءُ فَصَلَّى بِهِمْ فِيهِ لَمَّا حَانَتِ الصَّلَاةُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا الصُّبْحُ مِنْ يَوْمِئِذٍ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ أَمَّهُمْ فِي السَّمَاءِ. وَالَّذِي تَظَاهَرَتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ أَنَّهُ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَلَكِنْ فِي بَعْضِهَا أَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ (٦) دُخُولِهِ إِلَيْهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بَعْدَ رُجُوعِهِ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا مَرَّ بِهِمْ فِي مَنَازِلِهِمْ جَعَلَ يَسْأَلُ عَنْهُمْ جِبْرِيلَ وَاحِدًا وَاحِدًا وَهُوَ يُخْبِرُهُ بِهِمْ، وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلًا مَطْلُوبًا إِلَى الْجَنَابِ الْعُلْوِيِّ لِيَفْرِضَ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ مَا يَشَاءُ اللَّهُ، تَعَالَى. ثُمَّ لَمَّا فَرَغَ مِنَ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ، اجْتَمَعَ هُوَ وَإِخْوَانُهُ مِنَ النَّبِيِّينَ [صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ] (٧) ثُمَّ أَظْهَرَ شَرَفَهَ وَفَضْلَهُ عَلَيْهِمْ بِتَقْدِيمِهِ فِي الْإِمَامَةِ، وَذَلِكَ عَنْ إِشَارَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ (٨) لَهُ فِي ذَلِكَ. ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَرَكِبَ الْبُرَاقَ وَعَادَ إِلَى مَكَّةَ بِغَلَسٍ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَأَمَّا عَرْضُ الْآنِيَةِ عَلَيْهِ مِنَ اللَّبَنِ وَالْعَسَلِ، أَوِ اللَّبَنِ وَالْخَمْرِ، أَوِ اللَّبَنِ وَالْمَاءِ، أَوِ الْجَمِيعِ -فَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَجَاءَ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَاهُنَا وَهَاهُنَا؛ لِأَنَّهُ كَالضِّيَافَةِ لِلْقَادِمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ النَّاسُ: هَلْ كَانَ الْإِسْرَاءُ بِبَدَنِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ (٩) وَرُوحِهِ؟ أَوْ بِرُوحِهِ فَقَطْ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، فَالْأَكْثَرُونَ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ أُسْرِيَ بِبَدَنِهِ وَرُوحِهِ يَقَظَةً لَا مَنَامًا، وَلَا يُنْكَرُ أَنْ يَكُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى قَبْلَ ذَلِكَ مَنَامًا، ثُمَّ رَآهُ بَعْدَهُ يَقَظَةً؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ (١٠) كَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ [عَزَّ وَجَلَّ] (١١) ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ فَالتَّسْبِيحُ إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الْأُمُورِ الْعِظَامِ، وَلَوْ كَانَ مَنَامًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ كَبِيرُ شَيْءٍ وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَعْظَمًا، وَلَمَا بَادَرَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ إِلَى تَكْذِيبِهِ، وَلَمَا ارْتَدَّ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعَبْدَ عِبَارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ الروح والجسد،
(١) في ت، ف: "بالمعراج".
(٢) زيادة من ف.
(٣) في ت: "سمع"، وفي ف، أ: "فسمع".
(٤) في ت، ف، أ: "المعمور الذي".
(٥) زيادة من ف.
(٦) في ف، أ: "كان في أول".
(٧) زيادة من ف، أ.
(٨) في ت: "عليه الصلاة والسلام"
(٩) في ف: "صلى الله عليه وسلم".
(١٠) في أ: "صلى الله عليه وسلم".
(١١) زيادة من: ف، أ.
وَقَدْ قَالَ [عَزَّ شَأْنُهُ] (١) ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا﴾ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٠] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] (٢) هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، وَالشَّجَرَةُ الْمَلْعُونَةُ: شَجَرَةُ الزَّقُّومِ] (٣) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النَّجْمِ: ١٧]، وَالْبَصَرُ مِنْ آلَاتِ الذَّاتِ لَا الرُّوحِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ حُمِلَ عَلَى الْبُرَاقِ، وَهُوَ دَابَّةٌ بَيْضَاءُ بَرَّاقَةٌ لَهَا لَمَعَانٌ، وَإِنَّمَا يَكُونُ هَذَا لِلْبَدَنِ لَا لِلرُّوحِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ فِي حَرَكَتِهَا إِلَى مَرْكَبٍ تَرْكَبُ (٤) عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرُوحِهِ لَا بِجَسَدِهِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ فِي السِّيرَةِ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ؛ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] (٥) كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ مَسْرَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كَانَتْ رُؤْيَا مِنَ اللَّهِ صَادِقَةً.
وَحَدَّثَنِي بَعْضُ آلِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَقُولُ: مَا فُقِدَ جَسَدُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَكِنْ أُسْرِيَ بِرُوحِهِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهَا، لِقَوْلِ الْحَسَنِ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ وَلِقَوْلِ (٦) اللَّهِ فِي الْخَبَرِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصَّافَّاتِ: ١٠٢]، ثُمَّ مَضَى عَلَى ذَلِكَ. فَعَرَفْتُ أَنَّ الْوَحْيَ يَأْتِي لِلْأَنْبِيَاءِ مِنَ اللَّهِ أَيْقَاظًا وَنِيَامًا.
فَكَانَ (٧) رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "تَنَامُ عَيْنَايَ، وَقَلْبِي يَقْظَانُ" فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ قَدْ جَاءَهُ، وَعَايَنَ فِيهِ مِنَ اللَّهِ مَا عَايَنَ، عَلَى أَيِّ حَالَاتِهِ كَانَ، نَائِمًا أَوْ يَقْظَانَ، كُلُّ ذَلِكَ حَقٌّ وَصِدْقٌ. انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ إِسْحَاقَ (٨).
وَقَدْ تَعَقَّبَهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ بِالرَّدِّ وَالْإِنْكَارِ وَالتَّشْنِيعِ، بِأَنَّ هَذَا خِلَافُ (٩) ظَاهِرِ سِيَاقِ الْقُرْآنِ، وَذَكَرَ مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى رَدِّهِ بَعْضَ مَا تَقَدَّمَ (١٠) وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَائِدَةٌ حَسَنَةٌ جَلِيلَةٌ:
رَوَى الْحَافِظُ أَبُو نُعَيم الْأَصْبِهَانِيُّ فِي كِتَابِ "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ" مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْوَاقِدِيِّ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَبِي الرِّجَالِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَحْية بْنَ خَلِيفَةَ إِلَى قَيْصَرَ -فَذَكَرَ وُرُودَهُ عَلَيْهِ وَقُدُومَهُ إِلَيْهِ. وَفِي السِّيَاقِ دَلَالَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى وُفُور عَقْلِ هِرَقْلَ-ثُمَّ اسْتَدْعَى مَنْ بِالشَّامِ مِنَ التُّجَّارِ، فَجِيءَ بِأَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ
(١) زيادة من ف، أ.
(٢) زيادة من ف، أ.
(٣) زيادة من ت، ف، أ.
(٤) في ف: "يركب".
(٥) زيادة من ف، أ.
(٦) في ف: "وكقول".
(٧) في ف: "وكان".
(٨) ذكره الطبري في تفسيره (١٥/١٣) بإسناده إلى ابن إسحاق.
(٩) في ف: "اختلاف".
(١٠) تفسير الطبري (١٥/١٣، ١٤)

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ١ } ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
ينزه تعالى نفسه المقدسة ويعظمها لأن له الأفعال العظيمة والمنن الجسيمة التي من جملتها أن ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ ورسوله محمد ﷺ ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الذي هو أجل المساجد على الإطلاق ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ الذي هو من المساجد الفاضلة وهو محل الأنبياء.
فأسري به في ليلة واحدة إلى مسافة بعيدة جدا ورجع في ليلته، وأراه الله من آياته ما ازداد به هدى وبصيرة وثباتا وفرقانا، وهذا من اعتنائه تعالى به ولطفه حيث يسره لليسرى في جميع أموره وخوله نعما فاق بها الأولين والآخرين، وظاهر الآية أن الإسراء كان في أول الليل وأنه من نفس المسجد الحرام، لكن ثبت في الصحيح أنه أسري به من بيت أم هانئ، فعلى هذا تكون الفضيلة في المسجد الحرام لسائر الحرم، فكله تضاعف فيه العبادة كتضاعفها في نفس المسجد، وأن الإسراء بروحه وجسده معا وإلا لم يكن في ذلك آية كبرى ومنقبة عظيمة.
وقد تكاثرت الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في الإسراء، وذكر تفاصيل ما رأى وأنه أسري به إلى بيت المقدس ثم عرج به من هناك إلى السماوات حتى وصل إلى ما فوق السماوات العلى ورأى الجنة والنار، والأنبياء على مراتبهم وفرض عليه الصلوات خمسين، ثم ما زال يراجع ربه بإشارة موسى الكليم حتى صارت خمسا بالفعل، وخمسين بالأجر والثواب، وحاز من المفاخر تلك الليلة هو وأمته ما لا يعلم مقداره إلا الله عز وجل.
وذكره هنا وفي مقام الإنزال للقرآن ومقام التحدي بصفة العبودية لأنه نال هذه المقامات الكبار بتكميله لعبودية ربه.
وقوله :﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ أي : بكثرة الأشجار والأنهار والخصب الدائم.
ومن بركته تفضيله على غيره من المساجد سوى المسجد الحرام ومسجد المدينة، وأنه يطلب شد الرحل إليه للعبادة والصلاة فيه وأن الله اختصه محلا لكثير من أنبيائه وأصفيائه.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١} ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
ينزه تعالى نفسه المقدسة ويعظمها لأن له الأفعال العظيمة والمنن الجسيمة التي من جملتها أن ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ ورسوله محمد ﷺ ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الذي هو أجل المساجد على الإطلاق ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى﴾ الذي هو من المساجد الفاضلة وهو محل الأنبياء.
فأسري به في ليلة واحدة إلى مسافة بعيدة جدا ورجع في ليلته، وأراه الله من آياته ما ازداد به هدى وبصيرة وثباتا وفرقانا، وهذا من اعتنائه تعالى به ولطفه حيث يسره لليسرى في جميع أموره وخوله نعما فاق بها الأولين والآخرين، وظاهر الآية أن الإسراء كان في أول الليل وأنه من نفس المسجد الحرام، لكن ثبت في الصحيح أنه أسري به من بيت أم هانئ، فعلى هذا تكون الفضيلة في المسجد الحرام لسائر الحرم، فكله تضاعف فيه العبادة كتضاعفها في نفس المسجد، وأن الإسراء بروحه وجسده معا وإلا لم يكن في ذلك آية كبرى ومنقبة عظيمة.
وقد تكاثرت الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في الإسراء، وذكر تفاصيل ما رأى وأنه أسري به إلى بيت المقدس ثم عرج به من هناك إلى السماوات حتى وصل إلى ما فوق السماوات العلي ورأى الجنة والنار، والأنبياء على مراتبهم وفرض عليه الصلوات خمسين، ثم ما زال يراجع ربه بإشارة موسى الكليم حتى صارت خمسا بالفعل، وخمسين بالأجر والثواب، وحاز من المفاخر تلك الليلة هو وأمته ما لا يعلم مقداره إلا الله عز وجل.
وذكره هنا وفي مقام الإنزال للقرآن ومقام التحدي بصفة العبودية لأنه نال هذه المقامات الكبار بتكميله لعبودية ربه.
وقوله: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ أي: بكثرة الأشجار والأنهار والخصب الدائم.
ومن بركته تفضيله على غيره من المساجد سوى المسجد الحرام ومسجد المدينة، وأنه يطلب شد الرحل إليه للعبادة والصلاة فيه وأن الله اختصه محلا لكثير من أنبيائه وأصفيائه.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٠ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير يحيى بن سلام — يحيى بن سلام معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش تفسير النسائي — النسائي معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي جهود ابن عبد البر في التفسير — ابن عبد البر تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — نووي الجاوي محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المختصر في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
سُبْحَانَ
تَنْزِيهًا للِه، وَتَعَجُّبَا مِنْ قُدْرَتِهِ.

إعراب الآية ١ من سورة الإسراء

من كتاب: إعراب القرآن

١٧ شرح إعراب سورة الإسراء

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة الإسراء (١٧) : آية ١]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)
روي عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أنه قال: سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن معنى:
سُبْحانَ اللَّهِ، فقال: تنزيها لله من كل سوء. قال أبو جعفر: شرح هذا أنه بمعنى تبعيد الله جلّ وعز عن كلّ ما نسبه إليه المشركون من الأنداد والأضداد والشركاء والأولاد ونصبه عند الخليل وسيبويه «١» رحمهما الله على المصدر أي: سبّحت الله تسبيحا، إلّا أنه إذا أفرد كان معرفة منصوبا بغير تنوين لأن في آخره زائدتين وهو معرفة، وحكى سيبويه أنّ من العرب من ينكره فيصرفه، وحكى أبو عبيد في نصبه وجهين سوى هذا، إنه يكون نصبا على النداء أي يا سبحان الله، والوجه الآخر: أن يكون غير موصوف. الَّذِي في موضع خفض بالإضافة. وقال: سرى وأسرى لغتان معروفتان. بِعَبْدِهِ لَيْلًا على الظرف مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ نعت للمسجد. وأصل الحرام المنع فالمسجد الحرام ممنوع الصيد فيه. قال أبو إسحاق: ويقال للحرم كلّه: مسجد. إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى نعت له، وكذلك الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ قيل: معنى باركنا حوله أن الأنبياء عليهم السلام الذين كانوا بعد موسى صلّى الله عليه وسلّم من بني إسرائيل كانوا ببيت المقدس وما حوله فبارك الله جلّ وعزّ في تلك المواضع بأن باعد الشرك منها، ولهذا سمّي ببيت المقدس لأنه قدّس أي طهّر من الشرك. لِنُرِيَهُ نصب بلام كي وهي بدل من أن وأصلها لام الخفض.

[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٢ الى ٣]

وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً (٣)
وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مفعولان، وكذا وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ. أَلَّا تَتَّخِذُوا
(١) انظر الكتاب ١/ ٣٨٦.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ١ من سورة الإسراء

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

إِنَّهُ هُوَ

إدغام الهاء في الهاء إدغاماً كبيراً

السوسي عن أبي عمرو

إظهار الهاء الأولى مضمومة

خلف عن حمزة إدريس عن خلف إسحاق عن خلف روح عن يعقوب رويس عن يعقوب ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة قالون عن نافع حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير ورش عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١ من سورة الإسراء

١٤ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٤٢ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

آثار متعلقة بالآية

١٠ أقوال
١
عن أنس بن مالك، أنّ مالك بن صَعْصَعَة حدَّثه: أن رسول الله حدَّثهم عن ليلة أُسري به، قال: «بينما أنا في الحَطِيمِ -وربما قال قتادة: في الحِجر- مضطجعًا إذ أتاني آتٍ، فجعل يقول لصاحبه: الأوسط بين الثلاثة. فأتاني، فشقَّ ما بين هذه إلى هذه -يعني: مِن ثُغرة نحره١ إلى شِعرَتِه-، فاستخرج قلبي، فأُوتيت بطَست مِن ذهب مملوءةً إيمانًا وحكمة، فغُسل قلبي بماء زمزم، ثم حُشِي، ثم أُعيد مكانه. ثم أُوتيتُ بدابةٍ أبيض، دون البغل وفوق الحمار، يُقال له: البُراق، يقع خطوه عند أقصى طرفه، فحملتُ عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى بي السماء الدنيا، فاستفتح، فقيل: مَن هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومَن معك؟ قال: محمد. قيل: أوَقَد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولَنِعْم المجيء جاء. ففُتِح لنا، فلمّا خلَصت إذا فيها آدم، فقلت: يا جبريل، مَن هذا؟ قال: هذا أبوك آدم، فسلِّم عليه. فسلَّمت عليه، فردَّ عليَّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبيِّ الصالح. ثم صعد حتى أتى إلى السماء الثانية، فاستفتَح، فقيل: مَن هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومَن معك؟ قال: محمد. قيل: أوَقَد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولَنعم المجيء جاء. ففُتِح لنا، فلما خلَصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة، فقلت: يا جبريل، مَن هذان؟ قال: هذان يحيى وعيسى، فسلِّم عليهما. فسلَّمت عليهما، فردّا السلام، ثم قالا: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صَعِد حتى أتى السماء الثالثة، فاستفتَح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولَنعم المجيء جاء. ففُتِح لنا، فلما خلَصت إذا يوسف، فسلَّمت عليه، فردَّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صَعِد حتى أتى إلى السماء الرابعة، فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أو قد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء. ففُتِح لنا، فلما خلَصت إذا إدريس، فسلَّمت عليه، فردَّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صَعِد حتى أتى السماء الخامسة، فاستفتَح، فقيل: مَن هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوَقَد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء. فلما خلَصت إذا هارون، فسلَّمت عليه، فردَّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صَعِد حتى أتى السماء السادسة، فاستفتَح، فقيل: مَن هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوَقَد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء. ففُتِح لنا، فلما خلَصت إذا أنا بموسى، فسلَّمت عليه، فردَّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح. فلمّا تجاوزت بكى، قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأنّ غلامًا بُعِِث بعدي يدخُلُ الجنة مِن أمته أكثرُ مما يدخُلُها من أمتي. ثم صَعِد حتى أتى السماء السابعة، فاستفتَح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوَقَد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء. ففُتِح لنا، فلما خلَصت إذا إبراهيم، قلت: من هذا، يا جبريل؟ قال: هذا أبوك إبراهيم، فسلِّم عليه. فسلَّمت عليه، فردَّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح. ثم رُفِعْتُ إلى سدرة المنتهى، فإذا نَبقُها مثلُ قِلالِ هَجَر، وإذا ورقُها مثل آذان الفيلة، وإذا أربعة أنهار يخرُجن من أصلها؛ نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: يا جبريل، ما هذه الأنهار؟ فقال: أمّا الباطنان؛ فنهران في الجنة، وأَمّا الظاهران؛ فالنيل والفرات. ثم رُفِع لي البيت المعمور، قلت: يا جبريل، ما هذا؟ قال: هذا البيت المعمور، يدخُلُه كل يوم سبعون ألف مَلَك، إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه آخر ما عليهم. ثم أُتيتُ بإناءين؛ أحدُهما خمر، والآخر لبن، فعُرِضا عليَّ، فقيل: خُذ أيَّهما شئت. فأخَذتُ اللبن، فقيل لي: أصَبْتَ الفِطرة، أنت عليها وأمتك. ثم فُرِضت عليَّ الصلاة؛ خمسون صلاة كل يوم، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى، فقال: ما فرض ربُّك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة كل يوم. قال: إنّ أُمَّتك لا تستطيع ذلك، وإني قد خبَرتُ الناس قبلك، وعالجتُ بني إسرائيل أشدَّ المعالجة، فارجِع إلى ربِّك فاسأله التخفيف لأمَّتِك. فرجَعت إلى ربي، فحَطَّ عني خمسًا، فأقبلت حتى أتيت على موسى، فأنبأته بما حطَّ عني، فقال: ارجِع إلى ربك، فاسأله التخفيف لأمتك؛ فإن أمتك لا يطيقون ذلك. قال: فما زلت بين موسى وبين ربي يحُطُّ عني خمسًا خمسًا، حتى أقبَلتُ بخمس صلوات، فأتيت على موسى، فقال: بم أُمِرت؟ قلت: بخمس صلوات كل يوم. قال: إنّ أمتك لا يطيقون ذلك، إني بلَوت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشدَّ المعالجة، ارجِع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. فقلت: لقد رجَعت إلى ربي حتى لقد استحيت، ولكني أرضى وأُسلِّم. فنوديت: أن يا محمد، إني قد أمضَيت فريضتي، وخفَّفتُ عن عبادي، الحسنة بعشر أمثالها»٢
التخريج
  1. ١الثغرة: نقرة النحر بين الترقوتين. التاج (ثغر).
  2. ٢أخرجه البخاري ٤‏/‏١٠٩-١١١ (٣٢٠٧)، ٤‏/‏١٥٢ (٣٣٩٣) مختصرًا، ٥‏/‏٥٢-٥٤ (٣٨٨٧)، ٤‏/‏١٦٣ (٣٤٣٠) مختصرًا، ومسلم ١‏/‏١٤٩، ١٥١ (١٦٤)، ويحيى بن سلام في تفسيره ١‏/‏١٠١-١٠٥، وابن جرير ١٤‏/‏٤١٤-٤١٥.
٢
عن أم هانئ -من طريق يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن أبي صالح- قالت: دخل عَلَيَّ النَّبي ﷺ بغَلَسِ١ وأنا على فراشي، فقال: «شعرتِ أنِّي نمت الليلة في المسجد الحرام، فأتاني جبريل، فذهب بي إلى باب المسجد، فإذا دابَّةٌ أبيض فوق الحمار ودون البغل، مُضطَرِبُ الأُذُنَين، فركِبْته، فكان يضع حافره في مَدِّ بصره، إذا أخذ بي في هُبُوطٍ طالَت يَداه وقصُرَت رجلاه، وإذا أخذ بي في صُعُود طالت رجلاه وقصُرت يَداه، وجبريل لا يفوتُني، حتى انتهينا إلى بيت المقدس، فأوثقتُه بالحلقة التي كانت الأنبياء تُوثِقُ بها، فنُشِر لي رَهطٌ من الأنبياء؛ منهم إبراهيم وموسى وعيسى، فصَلَّيت بهم، وكلَّمتهم، وأُتِيتُ بإناءين أحمر وأبيض، فشربت الأبيض، فقال لي جبريل: شرِبتَ اللبن، وتركت الخمر، لو شربت الخمر لارتَدَّت أُمَّتُك٢، ثم ركبتُه، فأتيت المسجد الحرام، فصليت به الغداة؟» فتعلَّقت برِدائِه، وقلت: أُنشِدُك اللهَ، يا ابن عمِّ، أن تحدِّثَ بهذا قريشًا، فيُكَذِّبَك مَن صَدَّقك، فصَرب بيده على ردائه، فانتزعه مِن يدي، فارتفع عن بطنه، فنظرت إلى عُكَنِه٣ فوق إزاره كأنها طَيُّ القراطيس، وإذا نور ساطع عند فؤاده كاد أن يَختَطِفَ بصري، فخررتُ ساجدةً، فلما رفعت رأسي إذا هو قد خرج، فقلت لجاريتي: ويحكِ، اتبَعِيه، وانظري ماذا يقول، وماذا يُقال له. فلما رجعتْ أخبرتني أنه انتهى إلى نفر من قريش، فيهم المُطعِمُ بن عَدِيٍّ، وعمرو بن هشام، والوليد بن المغيرة، فقال: «إني صَلَّيتُ الليلة العشاء في هذا المسجد، وصلَّيت به الغداة، وأتيت فيما بين ذلك ببيت المقدس، فنُشِر لي رهطٌ من الأنبياء، فيهم إبراهيم وموسى وعيسى، فصَلَّيتُ بهم، وكلَّمتُهم». فقال عمرو بن هشام كالمستهزئ: صِفهم لي. فقال: «أما عيسى ففوق الرَّبعَةِ ودون الطويل، عريض الصدر، ظاهر الدم، جَعدُ الشَّعر، تَعلُوه صُهبَةٌ، كأنّه عروة بن مسعود الثقفي، وأمّا موسى فضخم آدَمُ طُوالٌ كأنّه مِن رجال شنوءة، كثير الشعر، غائر العينين، مُتَراكِبَ الأسنان، مُقَلَّصُ الشَّفَةِ، خارج اللثة، عابس، وأما إبراهيم -فواللهِ- لأشبهُ الناس به خَلقًا وخُلُقًا». فضَجُّوا، وأعظَموا ذلك، فقال المُطعِم: كلُّ أمِرك قبل اليوم كان أمَمًا٤ غير قولك اليوم، أنا أشهد أنك كذاب؛ نحن نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس مصعدًا شهرًا ومنحدرًا شهرًا، تزعُمُ أنك أتيته في ليلة! واللاتِ والعُزّى، لا أُصَدِّقُك. فقال أبو بكر: يا مُطعِمُ، لَبِئْسَ ما قلت لابن أخيك، جَبَهْتَه٥ وكذَّبتَه، أنا أشهد أنه صادق. فقالوا: يا محمد، صِف لنا بيت المقدس. قال: «دخلته ليلًا، وخرجت منه ليلًا». فأتاه جبريل، فصَوَّره في جناحه، فجعل يقول: «باب منه كذا في موضع كذا، وباب منه كذا في موضع كذا». وأبو بكر يقول: صَدَقتَ، صَدَقتَ. فقال رسول الله ﷺ يومئذ: «يا أبا بكر، إنّ الله قد سَمّاك: الصِّدِّيق». قالوا: يا محمد، أخبرنا عن عِيرنا. فقال: «أتيت على عير بني فلان بالرَّوحاءِ قد أضَلُّوا ناقة لهم، فانطلقوا في طلبها، فانتهيت إلى رِحالِهم ليس بها منهم أحد، وإذا قدح ماء فشربتُ منه، ثم انتهيت إلى عير بني فلان، فنَفَرَتْ منِّي الإبلُ، وبَرَك منها جمل أحمر عليه جَوالِقُ مخططة ببياض، لا أدري أكُسِر البعير أم لا، ثم انتهيت إلى عير بني فلان في التَّنعيم يقدُمُها جملٌ أورَقُ، وها هي ذه تطلُعُ عليكم من الثَّنيَّة». فقال الوليد بن المغيرة: ساحر. فانطلقوا، فنظروا، فوجدوا كما قال، فرموه بالسحر، وقالوا: صدق الوليد. فأنزل الله: ﴿وما جعلنا الرُّءيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾ [الإسراء:٦٠]٦
التخريج
  1. ١الغَلَسُ: ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح. النهاية (غلس).
  2. ٣العكن: ما انطوى وتثنى من لحم البطن سِمَنًا. القاموس المحيط (عكن).
  3. ٤الأَمَم: القريب واليسير. النهاية (أمم).
  4. ٥الجبه: الاستقبال بالمكروه. وأصله من إصابة الجبهة، يقال: جبهته إذا أصبت جبهته. النهاية (جبه).
  5. ٦أخرجه أبو يعلى في معجمه ١‏/‏٤٢-٤٥ (١٠)، والضياء المقدسي في فضائل بيت المقدس ص٨٠-٨٣ (٥٢). وتقدم طرفه مع تخريجه في تفسير قوله تعالى: ﴿من المسجد الحرام﴾ في هذه الآية.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابنُ كثير (٨/٤٣٢): «أما عرض الآنية عليه من اللبن والعسل، أو اللبن والخمر، أو اللبن والماء، أو الجميع فقد ورد أنه في البيت المقدس، وجاء أنه في السماء، ويحتمل أن يكون هاهنا وهاهنا؛ لأنه كالضيافة للقادم».
٣
عن عبد الله بن عمرو، وأم سلمة، وعائشة، وأم هانئ، وابن عباس، دخل حديث بعضهم في بعض، قالوا: أُسرِي برسول الله ﷺ ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول قبل الهجرة بسنة مِن شِعبِ أبي طالب إلى بيت المقدس، قال رسول الله ﷺ: «حُمِلتُ على دابة بيضاء بين الحمار وبين البغل، في فخذها جناحان، تَحفِزُ١ بهما رجليها، فلما دَنَوتُ لأركبها شَمَسَتْ٢، فوضع جبريل يده على مَعرَفَتِها٣، ثم قال: ألا تستحيين -يا بُراق- مِمّا تصنعين؟! واللهِ، ما ركب عليك عبد لله قبل محمد أكرم على الله منه. فاستَحيَت حتى ارْفَضَّتْ عَرَقًا، ثم قَرَّت حتى ركَبِتُها، فعمِلَتْ بأُذُنَيها٤، وقبضت الأرض حتى كان مُنتَهى وقعِ حافِرِها طَرفُها، وكانت طويلة الظهر طويلة الأذنين، وخرج معي جبريل لا يَفُوتُني ولا أفُوتُه، حتى أنتهى بي إلى بيت المقدس، فأتى البُراقُ إلى موقفِه الذي كان يقف، فربطه فيه، وكان مَربِطَ الأنبياء، رأيت الأنبياء جُمِعوا لي، فرأيت إبراهيم وموسى وعيسى، فظننت أنّه لا بد أن يكون لهم إمام، فقدمني جبريل حتى صَلَّيت بين أيديهم٥، وسألتُهم فقالوا: بُعِثنا بالتوحيد». وقال بعضهم: فُقِد النَّبي ﷺ تلك الليلة، فتَفَرَّقَت بنو عبد المطلب يطلُبونه ويَلتَمِسونه، وخرج العباس حتى إذا بلغ ذا طوى، فجعل يصرخ: يا محمد، يا محمد. فأجابه رسول الله ﷺ: «لبيك». فقال: ابن أخي، عَنَّيت قومك منذ الليلة، فأين كنت؟ قال: «أتيت من بيت المقدس». قال: في ليلتك؟! قال: «نعم». قال: هل أصابك إلا خير؟ قال: «ما أصابني إلا خير». وقالت أم هانئ: ما أُسرِي به إلا من بيتنا، نام عندنا تلك الليلة، صلّى العشاء ثم نام، فلما كان قبل الفجر أنبَهناه للصبح، فقام، فلما صلى الصبح قال: «يا أم هانئ، لقد صلَّيت معكم العشاء كما رأيتِ بهذا الوادي، ثم قد جئت بيت المقدس، فصليت فيه، ثم صليت الغداة معكم». ثم قام ليخرج، فقلت: لا تُحَدِّث هذا الناس فيُكَذِّبوك ويُؤذُوك. فقال: «واللهِ، لَأُحَدِّثَنَّهم». فأخبرَهم، فتعجَّبوا، وقالوا: لم نسمع بمثل هذا قط. وقال رسول الله ﷺ لجبريل: «يا جبريل، إنّ قومي لا يُصَدِّقوني». قال: يُصَدِّقُك أبو بكر، وهو الصِّدِّيق. «وافتتن ناسٌ كثير كانوا قد صلَّوا وأسلَموا، وقمتُ في الحِجر، فجَلّى الله لي بيت المقدس، فطَفِقت أُخبِرُهم عن آياته وأنا أنظر إليه، فقال بعضهم: كم للمسجد من باب؟ ولم أكن عددت أبوابه، فجعلت أنظر إليها، وأعُدُّها بابًا بابًا، وأُعلِمُهم، وأخبرتُهم عن عيرات لهم في الطريق، وعلامات فيها، فوجَدوا ذلك كما أخبرتهم». وأنزل الله: ﴿وما جعلنا الرءيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾. قال: كانت رؤيا عين، رآها بعينه٦
التخريج
  1. ١الحفز: الحث والإعجال. النهاية (حفز).
  2. ٢الشَّموس: هو النَّفور من الدواب الذي لا يستقر لشَغَبه وحدَّته. النهاية (شمس).
  3. ٣المَعرَفَة: منبت العُرف من الرقبة. النهاية (عرف).
  4. ٤عملت بأذنيها: أي أسرعت؛ لأنها إذا أسرعت حركت أذنيها لشدة السير. النهاية (عمل).
  5. ٦أخرجه الواقدي -كما في الخصائص الكبرى ١‏/‏٢٩٥-٢٩٦-، ومن طريقه ابن سعد في الطبقات ١‏/‏١٦٦-١٦٧. إسناده ضعيف جدًّا؛ فيه محمد بن عمر الواقدي، قال عنه ابن حجر في التقريب (٦١٧٥): «متروك».
تعليقات المحققين
  1. ٥قال ابنُ كثير (٨/٤٣١): «مِن الناس مَن يزعم أنه أمَّهم في السماء، والذي تظاهرت به الروايات أنه ببيت المقدس، ولكن في بعضها أنه كان أول دخوله إليه، والظاهر أنه بعد رجوعه إليه؛ لأنه لما مرَّ بهم في منازلهم جعل يسأل عنهم جبريل واحدًا واحدًا، وهو يخبره بهم، وهذا هو اللائق؛ لأنه كان أولًا مطلوبًا إلى الجناب العلوي؛ ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى، ثم لَمّا فرغ مِن الذي أريد به اجتمع به هو وإخوانه من النبيين، ثم أظهر شرفَه وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة، وذلك عن إشارة جبريل عليه السلام له في ذلك».
٤
عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَرَرتُ ليلة أُسرِي بي على موسى عليه السلام قائمًا يُصَلِّي في قبره عند الكَثِيب الأحمر»١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٤‏/‏١٨٤٥ (٢٣٧٥).
٥
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «لقد رأيتُني في الحِجرِ وقريشٌ تسألُني عن مَسرايَ، فسألوني عن أشياء مِن بيت المقدس لم أُثبِتها، فكُرِبتُ كَرْبًا ما كُرِبتُ مثلَه قَطُّ، فرفَعه الله لي أنظُرُ إليه، ما سألوني عن شيء إلا أنبأتُهم به، وقد رأيتُني في جماعة من الأنبياء، وإذا موسى عليه السلام قائمٌ، وإذا رجلٌ ضَربٌ جَعدٌ كأنه مِن رجال شنوءة، وإذا عيسى قائمٌ يُصَلِّي، أقربُ الناسِ به شَبَهًا عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم قائمٌ يُصَلِّي، أشبَهُ الناس به صاحِبُكم -يعني: نفسه- فحانَت الصلاة، فأمَمتُهم، فلما فَرَغتُ قال قائل: يا محمد، هذا مالِكٌ صاحب النار. فالتَفَتُّ إليه، فبَدَأَني بالسلام»١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ١‏/‏١٥٦ (١٧٢).
٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق قتادة، عن أبي العالية- قال: قال رسول الله ﷺ: «رأيت ليلة أُسرِي بي موسى بن عمران، رجلًا طُوالًا جَعْدًا، كأنه مِن رجال شَنُوءة، ورأيت عيسى ابن مريم مربوعَ الخَلقِ، إلى الحمرةِ والبياضِ، سَبِطَ الرأس، ورأيت مالِكًا خازن جهنم، والدجال». في آياتٍ أراهُنَّ الله. قال: ﴿فلا تكن في مِرية من لقائه﴾ [السجدة:٧٣]. فكان قتادة يُفَسِّرُها: أنّ النَّبي ﷺ قد لَقِي موسى١٢
التخريج
  1. ٢عزاه السيوطي إلى أبي بكر الواسطي في كتاب فضائل بيت المقدس.([٨٢]) أخرجه مسلم ١‏/‏١٥١ (١٦٥) بلفظه، وأخرجه البخاري ٤‏/‏١١٦ (٣٢٣٩)، وابن جرير ١٨‏/‏٦٣٦ دون تفسير قتادة. هذا وقد أورد السيوطي في الدر المنثور ٩‏/‏١٤٦-٢٤٦ آثارًا كثيرة عن الإسراء والمعراج وما كان فيهما، كذلك عن بيت المقدس وبنائه ونحو ذلك. قال الشوكاني في تفسيره ٣‏/‏٢٤٨: «واعلم أنه قد أطال كثير من المفسرين كابن كثير والسيوطي وغيرهما في هذا الموضع بذكر الأحاديث الواردة في الإسراء على اختلاف ألفاظها، وليس في ذلك كثير فائدة، فهي معروفة في موضعها من كتب الحديث، وهكذا أطالوا بذكر فضائل المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وهو مبحث آخر، والمقصود في كتب التفسير ما يتعلق بتفسير ألفاظ الكتاب العزيز، وذكر أسباب النزول، وبيان ما يؤخذ منه من المسائل الشرعية، وما عدا ذلك فهو فضلة لا تدعو إليه حاجة».
تعليقات المحققين
  1. ١قال ابنُ كثير (٨/٤٣٠): «وإذا حصل الوقوف على مجموع هذه الأحاديث صحيحها وحسنها وضعيفها يحصل مضمون ما اتَّفقت عليه مِن مسرى رسول الله ﷺ مِن مكة إلى بيت المقدس، وأنّه مرة واحدة، وإن اختلفت عبارات الرواة في أدائه، أو زاد بعضهم فيه أو نقص منه؛ فإنّ الخطأ جائز على مَن عدا الأنبياء عليهم السلام، ومَن جعل من الناس كل رواية خالفت الأخرى مرة على حدة، فأثبت إسراءات متعددة فقد أبعد وأغرب، وهرب إلى غير مهرب، ولم يتحصل على مطلب. وقد صرح بعضهم من المتأخرين بأنه عليه السلام أسري به مرة من مكة إلى بيت المقدس فقط، ومرة من مكة إلى السماء فقط، ومرة إلى بيت المقدس ومنه إلى السماء، وفرح بهذا المسلك، وأنّه قد ظفر بشيء يخلص به من الإشكالات، وهذا بعيد جدًّا، ولم ينقل هذا عن أحد من السلف، ولو تعدد هذا التعدد لأخبر النبي ﷺ به أمته، ولنقله الناس على التعدد والتكرر».
٧
عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: «لَمّا كذَّبَتني قريش حين أُسري بي إلى بيت المقدس قمتُ في الحِجرِ، فجَلّى الله لي بيتَ المقدس، فطفِقتُ أُخبرُهم عن آياتِه وأنا أنظر إليه»[[أخرجه البخاري ٥/٥٢ (٣٨٨٦)، ٦/٨٣ (٤٧١٠)، ومسلم ١/١٥٦ (١٧٠)، وعبد الرزاق في تفسيره ٢/٢٨٧ (١٥٣١)، ٢/٣٠٣ (١٥٨٤)، وابن جرير ١٤/٤٢١-٤٢٢.]]
٨
عن أنس -من طريق ثابت- أنّ رسول الله ﷺ قال: «أُتِيتُ بالبُراق، وهو دابةٌ أبيض طويل، فوق الحمار ودون البغل، يضع حافرَه عند منتهى طرفه، فركِبتُه حتى أتيت بيت المقدس، فربَطتُه بالحلقةِ التي تَربِطُ بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد، فصلَّيتُ فيه ركعتين، ثم خرجتُ، فجاءني جبريل بإناء مِن خمر، وإناء من لبن، فاخترت اللبَنَ، فقال جبريل: اختَرتَ الفطرة. ثم عرج بنا إلى سماء الدنيا، فاستفتح جبريل، فقيل: مَن أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بُعِث إليه؟ قال: قد بُعِث إليه. ففُتِح لنا فإذا أنا بآدم، فرحَّب بي، ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بُعِث إليه؟ قال: قد بُعِث إليه. ففُتِح لنا، فإذا أنا بابنَي الخالة؛ عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكريا، فرحَّبا بي، ودعوا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بُعِث إليه؟ قال: قد بُعِث إليه. ففُتِح لنا فإذا أنا بيوسف، وإذا هو قد أُعطِي شَطرَ الحسن، فرحَّب بي، ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بُعِث إليه؟ قال: قد بُعِث إليه. ففُتِح لنا فإذا أنا بإدريس، فرحَّب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بُعِث إليه؟ قال: قد بُعِث إليه. ففُتِح لنا فإذا أنا بهارون، فرحَّب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بُعِث إليه؟ قال: قد بُعِث إليه. ففُتِح لنا فإذا أنا بموسى، فرحَّب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بُعِث إليه؟ قال: قد بُعِث إليه. ففُتِح لنا فإذا أنا بإبراهيم مسنِدًا ظهرَه إلى البيت المعمور، وإذا هو يَدخُلُه كلَّ يوم سبعون ألف مَلَكٍ لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، فإذا ورَقُها فيها كآذانِ الفِيَلَة، وإذا ثمرُها كالقِلالِ[[القلال: جمع قُلَّة، وهي الجَرَّة الكبيرة. اللسان (قلل).]]، فلما غَشِيها مِن أمر الله ما غَشِيَ تغيَّرت، فما أحدٌ من خلق الله يستطيع أن ينعتَها من حسنِها، فأوحى إليَّ ما أوحى، وفرض عليَّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزَلتُ حتى انتهيت إلى موسى، فقال: ما فرَض ربُّك على أمَّتِك؟ قلت: خمسين صلاة. قال: ارجِع إلى ربِّك، فاسأله التخفيف؛ فإنّ أُمَّتَك لا تُطِيقُ ذلك، فإني قد بَلَوتُ بني إسرائيل وخبرتُهم. فرجَعت إلى ربي، فقلت: يا ربِّ، خفِّف عن أُمَّتي. فحَطَّ عني خمسًا، فرجَعتُ إلى موسى، فقلت: حَطَّ عني خمسًا. قال: إنّ أمتَك لا يُطِيقون ذلك، فارجِع إلى ربِّك فاسأله التخفيف. قال: فلم أزل أرجِعُ بين ربِّي وموسى حتى قال: يا محمد، إنهنَّ خمسُ صلوات لكل يوم وليلة، بكل صلاة عشر، فتلك خمسون صلاة، ومن همَّ بحَسَنةٍ فلم يَعمَلها كُتِبت له حسنة، فإن عَمِلها كُتبت له عشرًا، ومن همَّ بسيئة فلم يَعمَلها لم تُكتب شيئًا، فإن عَمِلها كُتبت سيئة واحدة. فنزَلتُ حتى انتهيتُ إلى موسى، فأخبرته، فقال: ارجِع إلى ربك فاسأله التخفيف. فقلت: قد رجَعتُ إلى ربي حتى استَحيَيتُ منه»[[أخرجه مسلم ١/١٤٥-١٤٦ (١٦٢).]][[c=٣٧٨٥]]
٩
عن أنس -من طريق شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر- قال: ليلة أُسري برسول الله ﷺ مِن مسجد الكعبة جاءه ثلاثةُ نفرٍ قبل أن يُوحى إليه[[c=٣٧٨٦]] وهو نائمٌ في المسجد الحرام، فقال أوَّلُهم: أيُّهم هو؟ فقال أوسطُهم: هو خيرُهم. فقال أحدُهم: خُذوا خيرَهم. فكانت تلك الليلة[[قال ابن حجر في فتح الباري ١٣/٤٨٠: التقدير: فكانت القصة الواقعة تلك الليلة ما ذكر هنا.]]، فلم يَرَهم حتى أتَوه ليلةً أخرى، فيما يَرى قلبُه، وتنام عيناه ولا ينامُ قلبُه، وكذلك الأنبياء تنامُ أعينُهم ولا تنامُ قلوبُهم، فلم يكلِّمُوه حتى احتمَلوه، فوضَعوه عند بئر زمزم، فتولّاه منهم جبريل، فشقَّ جبريل ما بين نحرِه إلى لَبَّتِه[[اللبة: هي موضع القلادة من الصدر. المصدر السابق.]]. حتى فرَغ مِن صدرِه وجوفِه، فغسَله مِن ماءِ زمزمَ بيده حتى أنقى جوفَه، ثم أتى بطَستٍ مِن ذهب تَورٌ[[التور: إناء يُشرب فيه. لسان العرب (تور).]] مِن ذهب مَحْشُوًّا[[قال ابن حجر في فتح الباري ١٣/٤٨١: كذا وقع بالنصب، وأعرب بأنه حال من الضمير الجار والمجرور، والتقدير: كائن من ذهب. فنقل الضمير من اسم الفاعل إلى الجار والمجرور.]] إيمانًا وحكمة، فحشا به صدرَه ولغاديدَه -يعني: عروقَ حلقِه-، ثم أطبَقه، ثم عرَج به إلى السماء الدنيا، فضرَب بابًا من أبوابها، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومَن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بُعِث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحبًا به وأهلًا. ووجَد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل: هذا أبوك آدمُ، فسلِّم عليه. فسلَّم عليه، وردَّ عليه آدم، وقال: مرحبًا وأهلًا بابني، نِعمَ الابن أنت. فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يَطَّرِدان، فقال: «ما هذان النهران، يا جبريل؟». قال: هذا النيل والفرات عُنصَرُهما[[العنصر -بضم العين وفتح الصاد، وقد تضم-: الأصل. النهاية (عنصر).]]. ثم مضى به في السماء، فإذا هو بنهر آخر عليه قصر مِن لؤلؤ وزَبَرجَدٍ، فضرَب بيدِه فإذا هو مِسْكٌ أذفَرُ[[مسك أذفر: طيب الرائحة. النهاية ٢/١٦١.]]، قال: «ما هذا، يا جبريل؟». قال: هذا الكوثر الذي خَبَأ لك ربُّك. ثم عرج به إلى السماء الثانية، فقالت الملائكة له مثلَ ما قالت له الأولى: مَن هذا؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: محمد. قالوا: وقد بُعِث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحبًا به وأهلًا. ثم عرج به إلى السماء الثالثة، فقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية، ثم عرج به إلى السماء الرابعة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى الخامسة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السادسة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السابعة، فقالوا له مثل ذلك، كلُّ سماء فيها أنبياء قد سمّاهم؛ منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة ولم أحفظِ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله، فقال موسى: ربِّ، لم أظنَّ أن ترفع عَلَيَّ أحدًا. ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمُه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار ربُّ العزَّةِ فتدلّى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى[[c=٣٧٨٧]]، فأوحى الله فيما يُوحِي إليه خمسين صلاة على أمتِك كلَّ يومٍ وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى، فاحتبسه موسى، فقال: يا محمد، ماذا عَهِد إليك ربُّك؟ قال: «عهِد إليَّ خمسين صلاة كل يوم وليلة». قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك، ارجع فليخفف عنك ربُّك وعنهم. فالتفت النَّبي ﷺ إلى جبريل كأنه يستشيره، فأشار إليه جبريل أن نعم إن شِئت. فعلا به إلى الجبار -تبارك وتعالى-، فقال وهو مكانه: «يا ربِّ، خفِّف عنا، فإنّ أُمَّتي لا تستطيع هذا». فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجَع إلى موسى، فاحتبَسه، فلم يَزَل يُرَدِّدُه موسى إلى ربِّه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس، فقال: يا محمد، واللهِ، لقد راودتُ بني إسرائيل على أدنى من هذا فضَعُفُوا وتركَوه، فأمتُك أضعف أجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأبصارًا وأسماعًا، فارجِع فليخفِّف عنك ربُّك. كلَّ ذلك يلتفت النَّبي ﷺ إلى جبريل ليُشير عليه ولا يَكرَهُ ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة، فقال: «يا رب، إن أمتي ضعفاء أجسادُهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم؛ فخفِّف عنا». فقال الجبار: يا محمد. قال: «لبيك وسعديك». قال: إنه لا يُبدَّلُ القول لديَّ؛ كما فرَضت عليك في أمِّ الكتاب، وكلُّ حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أمِّ الكتاب، وهي خمسٌ عليك. فرجَع إلى موسى فقال: كيف فعلت؟ فقال: «خفَّف عنا؛ أعطانا بكلِّ حسنة عشر أمثالها». فقال موسى: قد -واللهِ- راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه، ارجع إلى ربك فليخفِّف عنك. فقال رسول الله ﷺ: «يا موسى، قد -واللهِ- استحييت من ربي مما اختلفت إليه». قال: فاهبط بسم الله. واستيقظ وهو في المسجد الحرام[[أخرجه البخاري ٤/١٩١ (٣٥٧٠) مختصرًا، ٩/١٤٩-١٥١ (٧٥١٧)، ومسلم ١/١٤٨ (١٦٢)، وابن جرير ١٤/٤١٦-٤٢٠. قال مسلم: «قدم فيه شيئًا وأخر، وزاد ونقص». وقال النووي في شرح مسلم ٢/٢٠٩: «وقد جاء في رواية شريك في هذا الحديث في الكتاب أوهام أنكرها عليه العلماء، وقد نبه مسلم على ذلك بقوله: فقدم وأخر وزاد ونقص منها... قال الحافظ عبد الحق رحمه الله في كتابه الجمع بين الصحيحين بعد ذكر هذه الرواية هذا الحديث بهذا اللفظ من رواية شريك بن أبي نمر عن أنس: وقد زاد فيه زيادة مجهولة، وأتى فيه بألفاظ غير معروفة، وقد روى حديث الإسراء جماعة من الحفاظ المتقنين والأئمة المشهورين، كابن شهاب، وثابت البناني، وقتادة -يعني: عن أنس-، فلم يأت أحد منهم بما أتى به شريك، وشريك ليس بالحافظ عند أهل الحديث. قال: والأحاديث التي تقدمت قبل هذا هي المُعَوَّل عليها». وقال ابن كثير في تفسيره ٥/٧: «وهو كما قاله مسلم رحمه الله، فإنّ شريك بن عبد الله بن أبي نمر اضطرب في هذا الحديث، وساء حفظه ولم يضبطه». وقال الذهبي في ميزان الاعتدال ٢/٢٧٠: «هذا من غرائب الصحيح». وقال ابن حجر في الفتح ١٣/٤٨٤-٤٨٥: «قال -ابن حزم- لم نجد للبخاري ومسلم في كتابيهما شيئًا لا يحتمل مخرجًا إلا حديثين، ثم غلبه في تخريجه الوهم مع إتقانهما وصحة معرفتهما. فذكر هذا الحديث، وقال: فيه ألفاظ معجمة، والآفة من شريك». وقال ابن رجب في فتح الباري ٢/٣٢٠: «وهذه اللفظة مما تفرَّد بها شريك».]]
١٠
عن شداد بن أوس، قال: قلنا: يا رسول الله، كيف أُسرِي بك؟ فقال: «صلَّيت لأصحابي العتَمَة بمكة مُعتِمًا، فأتاني جبريل بدابة بيضاء، فوق الحمار ودون البغل، فقال: اركب. فاسْتَصْعَبَتْ عَلَيَّ، فأدارها بأذنِها، ثم حملني عليها، فانطلقت تهوي بنا، يقع حافرُها حيث أدرك طَرفُها، حتى بلغنا أرضًا ذات نخل، فقال: انزل. فنزلت، فقال: صلِّ. فصليت، ثم ركبنا، فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم. قال: صليت بيثرب، صليت بطيبة. ثم انطلقَت تهوي بنا، يقع حافرُها حيث أدرَك طَرفُها، ثم بلغنا أرضًا، فقال: انزِل. فنزلت، فقال: صلِّ. فصليت، ثم ركبنا، فقال: أتدري أين صلَّيت؟ قلت: الله أعلم. قال: صلَّيت بمدين، صلَّيت عند شجرة موسى. ثم انطلقت تهوي بنا، يقع حافرها حيث أدرك طرفُها، ثم بلغنا أرضًا بدت لنا قصورها، فقال: انزل. فنزلت، ثم قال: صلِّ. فصليت، ثم ركبنا، فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم. قال: صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى المسيح ابن مريم. ثم انطلق بي حتى دخلنا المدينة من بابها اليماني، فأتى قبلة المسجد، فربَط فيه دابته، ودخلنا المسجد من باب فيه تميل الشمس والقمر، فصليت من المسجد حيث شاء الله، وأخذني مِن العطش أشدُّ ما أخذني، فأُتِيتُ بإناءين؛ في أحدِهما لبن، وفي الآخر عسل، أُرسِل إلَيَّ بهما جميعًا، فعدلت بينهما، ثم هداني الله، فأخذت اللبن، فشربت حتى قرعت به جبيني[[يعني: أنه شرب جميع ما فيه. النهاية (قرع).]]، وبين يديه شيخ متكئ على منبر له، فقال: أخذ صاحبُك الفطرة، وإنّه لَمَهْدِيٌّ. ثم انطلق بي حتى أتينا الوادي الذي في المدينة، فإذا جهنم تنكشِف عن مثل الزرابي». فقلنا: يا رسول الله، كيف وجدتها؟ قال: «مثل الحَمَّةِ[[الحمة: عين ماء حار. النهاية (حمم).]] السخنة. ثم انصرف بي، فمررنا بعير لقريش بمكان كذا وكذا وقد أضلُّوا بعيرًا لهم قد جمعه فلان، فسلَّمت عليهم، فقال بعضهم: هذا صوت محمد. ثم أتيت أصحابي قبل الصبح بمكة، فأتاني أبو بكر، فقال: يا رسول الله، أين كنت الليلة؟ قد التمستُك في مكانك. فقلت: أعلِمتَ أني أتيت بيت المقدس الليلة؟» فقال: يا رسول الله، إنّه مسيرة شهر؛ فصِفْه لي. قال: «ففُتِح لي صراط كأني أنظر إليه، لا يسألوني عن شيء إلا أنبأتُهم عنه». فقال أبو بكر: أشهد أنّك رسول الله. وقال المشركون: انظروا إلى ابن أبي كبشة، زعم أنه أتى بيت المقدس الليلة. فقال: «إنّ مِن آية ما أقول لكم أنِّي مررت بعِير لكم بمكان كذا وكذا، وقد أضلُّوا بعيرًا لهم، فجمعه فلان، وإنّ مسيرَهم ينزلون بكذا وكذا، ويأتونكم يوم كذا وكذا، ويقدُمُهم جمل آدم، عليه مِسحٌ[[المسح: الكساء من الشعر. لسان العرب (مسح).]] أسود وغِرارتان[[الغِرارُ: المثال الذي يُضرب عليه النِّصال لِتصلح. لسان العرب (غرر).]] سوداوان». فلمّا كان ذلك اليوم أشرف القوم ينظرون، حتى كان قريبًا مِن نصف النهار أقبلت العِير، يقدُمُهم ذلك الجمل الذي وصفه رسول الله ﷺ[[أخرجه البزار في مسنده ٨/٤٠٩-٤١١ (٣٤٨٤)، والطبراني في الكبير ٧/٢٨٢- ٢٨٣ (٧١٤٢). قال البزار: «لا نعلمه يروى عن شداد بن أوس عن النبي ﷺ إلا بهذا الإسناد». وقال البيهقي في دلائل النبوة ٢/٣٥٧: «هذا إسناد صحيح». وقال إسماعيل الأصبهاني في دلائل النبوة ص ١٤٤ (١٥٦): «هذا حديث شامي الطريق، واضح الإسناد». وقال ابن كثير في تفسيره ٥/٢٧: «ولا شك أن هذا الحديث -أعني: الحديث المروي عن شداد بن أوس- مشتمل على أشياء؛ منها ما هو صحيح كما ذكره البيهقي، ومنها ما هو منكر، كالصلاة في بيت لحم، وسؤال الصديق عن نعت بيت المقدس، وغير ذلك». وقال الهيثمي في المجمع ١/٧٤ (٢٣٦): «وفيه إسحاق بن إبراهيم بن العلاء، وثّقه يحيى بن معين، وضعّفه النسائي».]]

تفسير

٣١ قولًا
١
عن سفيان الثوري -من طريق يوسف بن أسباط- قال: صلاة ٌ في الحرم مئةُ ألف صلاة، قال الله عز وجل: ﴿سُبْحانَ الذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأَقْصى﴾، وإنّما أُسْرِيَ بالنبي ﷺ مِن شِعب أبي طالب؛ فالحرم كلُّه مسجد[[أخرجه الدينوري في المجالسة وجواهر العلم ٦/٣٠١ (٢٦٦٥)، والفاكهي في أخبار مكة ٤/٣٣ (٢٣٣٥)، من طريق عبد الصمد بن حسان.]][[c=٣٧٨١]]
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾، يعني: بيت المقدس[[تفسير مقاتل بن سليمان ٢/٥١٣-٥١٥.]]
٣
قال يحيى بن سلّام: قوله: ﴿ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾، يعني: بيت المقدس[[تفسير يحيى بن سلام ١/١٠١.]][[c=٣٧٨٢]]
٤
عن إسماعيل السُّدِّيّ، في قوله: ﴿الذي باركنا حوله﴾، قال: أنبَتْنا حولَه الشجرَ[[عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.]]
٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿الذي باركنا حوله﴾، يعني بالبركة: الماء، والشجر، والخير[[تفسير مقاتل بن سليمان ٢/٥١٦.]][[c=٣٧٨٣]]
٦
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿لنريه من آياتنا﴾، قال: ما أراه الله مِن الآيات والعِبَر في طريق بيت المقدس[[أخرجه يحيى بن سلام ١/١١٢، وابن جرير ١٤/٤٤٨.]]
٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لنريه من آياتنا﴾ فكان مما رأى مِن الآيات: البُراقَ، والرِّجالَ[[كذا في مطبوعة المصدر.]]، والملائكةَ، وصلّى بالنبيين [[تفسير مقاتل بن سليمان ٢/٥١٦.]]
٨
قال يحيى بن سلّام، في قوله تعالى: ﴿لنريه من آياتنا﴾: ما أراه الله ليلة أسري به[[تفسير يحيى بن سلام ١/١٠١.]][[c=٣٧٨٤]]
٩
قال يحيى بن سلّام: قوله: ﴿إنه هو السميع البصير﴾، يعني: نفسه، لا أسْمَعَ منه، ولا أبْصَرَ منه[[تفسير يحيى بن سلام ١/١١٢.]]
١٠
قال محمد بن إسحاق -من طريق سلمة-: فلَم يُنكَر ذلك مِن قولهما [أي: قول عائشة ومعاوية]؛ لقول الحسن: إنّ هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾ [الإسراء:٦٠]. ولقول الله في الخبر عن إبراهيم إذ قال لابنه: ﴿يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى﴾ [الصافات:١٠٢]. ثم مَضى على ذلك، فعرفت أنّ الوحي يأتي بالأنبياء مِن الله أيقاظًا ونيامًا، وكان رسول ﷺ يقول: «تنام عيني وقلبي يقظان». فالله أعلم أي ذلك كان قد جاءه، وعاين فيه مِن أمر الله ما عايَن، على أيِّ حالاته كان، نائمًا أو يقظانَ، كل ذلك حقٌّ وصِدق١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٤‏/‏٤٤٦. وفي البخاري (٣٥٦٩)، ومسلم (٧٣٨) من حديث عائشة عن النبي ﷺ: «تنام عيني ولا ينام قلبي».
١١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله﴾: أُسْرِي بنبيِّ الله عِشاء مِن مكة إلى بيت المقدس، فصلى نبيُّ الله فيه، فأراه الله من آياته وأمره بما شاء ليلة أسري به، ثم أصبح بمكة. ذُكِر لنا: أنّ نبي الله ﷺ قال: «حُمِلْتُ على دابَّة يقال لها: البُراق، فوق الحمار ودُون البغل، يقع خَطْوُه عند أقصى طَرَفِه». فحدَّث نبيُّ الله بذلك أهل مكة، فكذَّب به المشركون وأنكروه، وقالوا: يا محمد، تخبرنا أنّك أتيتَ بيت المقدس، وأقبلت مِن ليلتك، ثم أصبحت عندنا بمكة، فما كنت تجيئنا وتأتي به قبل اليوم مع هذا! فصدَّقه أبو بكر، فسُمِّي أبو بكر: الصديق؛ مِن أجل ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلام ١‏/‏١١٤ من طريق سعيد، وابن جرير ١٤‏/‏٤٤٣.
١٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿الذي أسرى بعبده﴾ يعني: النبي ﷺ... ، وفرضت عليه الصلوات الخمس تلك الليلة، وعُرِضَت على النبي ﷺ ثلاثة أنهار: نهر من لبن، ونهر من عسل، ونهر من خمر، فلم يشرب النبي ﷺ الخمر، فقال جبريل: أما إنّ الله حرَّمها على أمتك١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٥١٣-٥١٥.
١٣
عن جبر، قال: سمعت سفيان الثوري سُئِلَ عن ليلة أُسرِيَ به. فقال: أُسرِي ببَدَنِه١٢
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلِف في صفة إسرائه ﷺ، أكان بجسده وروحه، أم بروحه فقط؟ على قولين: الأول: أنّ الإسراء كان بجسده وروحه، يقظة لا منامًا. وهذا قول الجمهور. واختلف أصحاب هذا القول هل دخل ﷺ بيت المقدس، وصلّى فيه أم لا؟ على قولين، الثاني منهما قول حذيفة. والثاني: أنّ الإسراء كان بروحه فقط، وكانت الرؤيا منامية. وهذا قول عائشة، ومعاوية، وجوَّزه الحسن، وابن إسحاق. وعلَّقَ ابنُ كثير (٨/٤٠٠بتصرف) على قول حذيفة، فقال: «هذا الذي قاله حذيفة رضي الله عنهما نفي، وما أثبته غيرُه عن رسول الله ﷺ مِن ربط الدابة بالحلقة، ومن الصلاة ببيت المقدس، مُقدَّمٌ على قوله». وعلَّقَ ابنُ عطية (٥/٤٣٥بتصرف) على القول الثاني بقوله: «وركوب البُراق على قول هؤلاء يكون مِن جملة ما رأى في النوم». ثم قال: «واحتُجَّ لقول عائشة بقوله تعالى: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾، وهذا يحتمل القول الآخر؛ لأنه يقال لرؤية العين: رؤيا، واحتُجَّ أيضًا بأن في بعض الأحاديث: «فاستيقظت وأنا في المسجد الحرام». وهذا يحتمل أن يُرَدَّ من الإسراء إلى نوم. واعتُرِضَ قول عائشة بأنها كانت صغيرة لم تشاهد، ولا حدَّثت عن النبي ﷺ، وأما معاوية فكان كافرًا في ذلك الوقت، غير مشاهد للحال، صغيرًا، ولم يحدِّث عن النبي ﷺ». ورجَّحَ ابنُ جرير (١٤/٤٤٦-٤٤٧)، وكذا ابنُ عطية (٥/٤٣٥)، ومثلهما ابنُ كثير (٨/٤٣١-٤٣٢) قولَ الجمهور استنادًا إلى القرآن، وأقوال السلف، ودلالة العقل، وهو الظاهر مِن كلام ابن تيمية (٤/١٩٤). قال ابنُ عطية: «الصحيح ما ذهب إليه الجمهور، ولو كانت منامِيَّة ما أمكن قريشًا أن تُشَنِّع، ولا فُضِّل أبو بكر بالتصديق، ولا قالت له أم هاني: لا تحدِّث الناسَ بهذا فيكذبوك. إلى غير هذا من الدلائل». وقال ابنُ كثير (٨/٤٣١-٤٣٢بتصرف): «الحق أنّه ﷺ أُسْرِي به يقظةً لا منامًا، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله﴾، فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام، فلو كان منامًا لم يكن فيه كبير شيء، ولم يكن مُسْتَعْظَمًا، ولَما بادرت كفارُ قريش إلى تكذيبه، ولَما ارتَدَّت جماعةٌ مِمَّن كان قد أسلم. وأيضًا فإنّ العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد، وقد قال تعالى: ﴿أسرى بعبده ليلا﴾، وقال تعالى: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾، قال ابن عباس: هي رؤيا عين أُريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به. رواه البخاري. وقال تعالى: ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾، والبصر مِن آلات الذّات، لا الروح. وأيضًا فإنه حُمِل على البُراق، وهو دابة بيضاء، براقة لها لمعان، وإنما يكون هذا للبدن لا للروح؛ لأنها لا تحتاج في حركتها إلى مركب تركب عليه». وبنحوهما قال ابنُ جرير.
١٤
قال يحيى بن سلّام: قوله: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾، يعني: نفسه، أسرى بعبده محمد ﷺ١٢
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ١‏/‏١٠١.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذَهَبَ ابن القيم إلى أنّ الباء في قوله تعالى: ﴿أسْرى بِعَبْدِه﴾ للمصاحبة، فقال (٢/١٣٢-١٣٣): «في قوله تعالى: ﴿أسْرى بِعَبْدِه﴾ دون: بعث بعبده، وأرسل به. ما يُفِيد مصاحبته له في مسراه؛ فإن الباء هنا للمصاحبة، كهي في قوله: هاجر بأهله، وسافر بغلامه. وليست للتعدية؛ فإنّ»أسرى«يتعدى بنفسه، يقال: سري به، وأسراه. وهذا لأنّ ذلك السرى كان أعظم أسفاره ﷺ، والسفر يعتمد الصاحب، ولهذا كان ﷺ إذا سافر يقول: «اللهم، أنت الصاحب في السفر». فإن قيل: فهذا المعنى يفهم من الفعل الثلاثي لو قيل: سرى بعبده. فما فائدة الجمع بين الهمزة والباء؟ ففيه أجوبة: أحدها: أنهما بمعنى، وأن»أسرى«لازم كـ»سرى«، تقول: سرى زيد، وأسرى. بمعنًى واحد، وهذا قول جماعة. الثاني: أنّ»أسرى"" متعدّ، ومفعوله محذوف، أي: أسرى بعبده البراق. هذا قول أبي القاسم السهيلي وغيره. ويشهد للقول الأول قول الصديق: أسرينا ليلتنا كلها ومِن الغد حتى قام قائم الظهيرة. والجواب الصحيح: أنّ الثلاثي المتعدي بالباء يفهم منه شيئان: أحدهما: صدور الفعل من فاعله. الثاني: مصاحبته لما دخلت عليه الباء. فإذا قلت: سريت بزيد، وسافرت به. كنت قد وجد منك السرى والسفر مصاحبًا لزيد فيه، كما قال:ولقد سريت على الظلام بمعشرومنه الحديث: أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها. وأما المتعدي بالهمزة فيقتضي إيقاع الفعل بالمفعول فقط، كقوله تعالى: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكُمْ مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ [النحل:٧٨]، ﴿فَأَخْرَجْناهُمْ مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء:٥٧]، ونظائره. فإذا قرن هذا المتعدي بالهمزة أفاد إيقاع الفعل على المفعول مع المصاحبة المفهومة من الباء، ولو أتى فيه بالثلاثي فهم منه معنى المشاركة في مصدره وهو ممتنع، فتأمله.
١٥
عن عبد الله بن عمرو، وأم سلمة، وعائشة، وأم هانئ، وابن عباس، دخل حديث بعضهم في بعض قالوا: أُسرِي برسول الله ﷺ ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول قبل الهجرة بسنة من شِعبِ أبي طالب، ... الحديث١
التخريج
  1. ١أخرجه الواقدي، كما في الخصائص الكبرى ١‏/‏٢٩٥-٢٩٦، ومن طريقه ابن سعد في الطبقات ١‏/‏١٦٦-١٦٧. وسيأتي بتمامه مطولًا في الآثار المتعلقة بالآية. إسناده ضعيف جدًّا؛ فيه محمد بن عمر الواقدي، قال ابن حجر في التقريب (٦١٧٥): «متروك».
١٦
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، قال: أُسرِي بالنبي ﷺ ليلة سبع عشرة مِن شهر ربيع الأول، قبل الهجرة بسنة١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
١٧
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط بن نصر- قال: أسري بالنبي ﷺ قبل مُهاجَرِه بستة عشر شهرًا١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي ٢‏/‏٣٥٥.
١٨
عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق موسى بن عقبة- قال: أسري برسول الله ﷺ إلى بيت المقدس قبل خروجه إلى المدينة بسنة١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في الدلائل ٢‏/‏٣٥٤.
١٩
عن عروة بن الزبير -من طريق أبي الأسود-، مثله١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي ٢‏/‏٣٥٥.
٢٠
قال مقاتل بن سليمان: ﴿الذي أسرى بعبده﴾ في رجب... قبل الهجرة بسنة١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٥١٣-٥١٥.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابنُ تيمية (٤/١٩٧): «إنّ المعراج كان بمكة، قبل الهجرة، بإجماع الناس». وقال ابنُ عطية (٥/٤٣٧): «المُتَحَقَّق أنّ ذلك كان بعد شَقِّ الصحيفة، وقبل بيعة العقبة».
٢١
عن أنس بن مالك، أن مالك بن صَعْصَعة حدَّثه: أنّ رسول الله حدَّثهم عن ليلة أُسرِي به، قال: «بينما أنا في الحَطِيمِ -وربما قال قتادة: في الحِجر- مُضطجعًا إذ أتاني آتٍ، فجعل يقول لصاحبه: الأوسط بين الثلاثة. فأتاني، فشقَّ ما بين هذه إلى هذه -يعني: مِن ثُغرة نحره إلى شِعرَتِه- فاستخرج قلبي، فأُوتِيت بطَسْت مِن ذهب مملوءةً إيمانًا وحكمة، فغُسل قلبي بماء زمزم، ثم حُشِي، ثم أُعيد مكانه، ثم أُوتيتُ بدابَّةٍ أبيض دون البغل وفوق الحمار، يُقال له: البُراق...» الحديث١
التخريج
  1. ١جزء من حديث طويل أخرجه البخاري ٤‏/‏١٠٩-١١١ (٣٢٠٧)، ٥‏/‏٥٢-٥٤ (٣٨٨٧)، ومسلم ١‏/‏١٤٩، ١٥١ (١٦٤). وسيأتي بتمامه مطولًا في الآثار المتعلقة بالآية.
٢٢
عن أُمِّ هانئ بنت أبي طالب، قالت: ما أُسرِي به إلا مِن بيتنا١
التخريج
  1. ١جزء من حديث طويل أخرجه الواقدي -كما في الخصائص الكبرى ١‏/‏٢٩٥-٢٩٦-، ومن طريقه ابن سعد في الطبقات ١‏/‏١٦٦- ١٦٧. وسيأتي بتمامه مطولًا في الآثار المتعلقة بالآية. إسناده ضعيف جِدًّا؛ فيه محمد بن عمر الواقدي، قال عنه ابن حجر في التقريب (٦١٧٥): «متروك».
٢٣
عن أم هانئ بنت أبي طالب -من طريق عكرمة- قالت: بات رسول الله ﷺ ليلة أسري به في بيتي، ففقدته مِن الليل، فامتنع مِنِّي النومُ مخافة أن يكون عَرَض له بعضُ قريش، فقال رسول الله ﷺ: «إنّ جبريل أتاني، فأخذ بيدي، فأخرجني...» الحديث١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٢٤‏/‏٤٣٢ (١٠٥٩). وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه. قال الذهبي في تاريخ الإسلام ١‏/‏٢٤٦: «وهو حديث غريب، الوساوسي ضعيفٌ، تفرَّد به». وقال الهيثمي في المجمع ١‏/‏٧٥-٧٦ (٢٣٩): «رواه الطبراني في الكبير، وفيه عبد الأعلى بن أبي المساور، متروك كذاب».
٢٤
عن أم هانئ بنت أبي طالب -من طريق ابن إسحاق، عن الكلبي، عن أبي صالح- في مسرى رسول الله ﷺ أنها كانت تقول: ما أسري برسول الله ﷺ إلا وهو في بيتي، نائم عندي تلك الليلة، فصلّى العشاء الآخرة، ثم نام ونمنا، فلما كان قُبيل الفجر أهَبَّنا١ رسول الله ﷺ، فلمّا صلّى الصبح وصلينا معه قال: «يا أُمَّ هانئ، لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيتِ بهذا الوادي، ثم جئتُ بيتَ المقدس فصلَّيت فيه، ثم صليت صلاة الغداة معكم الآن كما ترين»٢
التخريج
  1. ١يقال: هب النائم هَبًّا وهُبوبًا أي: استيقظ. النهاية (هبب).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ١٤‏/‏٤١٤. وذكره ابن إسحاق بلاغًا -كما في سيرة ابن هشام ١‏/‏٤٠٢-. وعقَّب عليه ابن كثير (ت: سلامة) ٥‏/‏٤٠ بقوله: «الكلبي: متروك بمرة ساقط، لكن رواه أبو يعلى في مسنده عن محمد بن إسماعيل الأنصاري، عن ضمرة بن ربيعة، عن يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن أبي صالح، عن أم هانئ بأبسط من هذا، فليكتب ههنا».
٢٥
عن أم هانئ بنت أبي طالب -من طريق يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن أبي صالح- قالت: دخل عَلَيَّ النَّبيُّ ﷺ بغَلَسِ وأنا على فراشي، فقال: «شعرت أنِّي نمت الليلة في المسجد الحرام، فأتاني جبريل...» الحديث١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو يعلى في معجمه ١‏/‏٤٢-٤٥ (١٠). وسيأتي بتمامه مطولًا في الآثار المتعلقة بالآية. إسناده ضعيف؛ فيه أبو صالح مولى أم هانئ، وهو باذام، قال عنه ابن حجر في التقريب (٦٣٤): «ضعيف مدلس يرسل». وقال في الإصابة (ت: مركز هجر) ١٤‏/‏٢٤٠: «وهذا أصح من رواية الكلبي؛ فإنّ في روايته مِن المنكر: أنّه صلى العشاء الآخرة والصبح معهم. وإنّما فُرِضَت الصلاة ليلة المعراج، وكذا نومه الليلة في بيت أم هانئ، وإنما نام في المسجد».
٢٦
عن قتادة بن دعامة، في قوله: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا﴾، قال: أُسرِي به مِن شِعْبِ أبي طالب١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٢٧
عن عبد الله بن عباس: أنّ نافع بن الأزرق سأله عن قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا﴾. قال: ﴿سبحان﴾ تنزيه الله تعالى، ﴿الذي أسرى﴾ بمحمد ﷺ من المسجد الحرام إلى بيت المقدس، ثم ردَّه إلى المسجد الحرام. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الأعشى وهو يقول: قلت له لما علا فَخرُهُ سبحان مِن عَلقَمةَ١ الفاخِرِ٢
التخريج
  1. ١قال ابن جرير في تفسيره ١‏/‏٥٠٤: «يريد سبحان الله من فخر علقمة، أي: تنزيهًا لله مِمّا أتى علقمة مِن الافتخار. على وجه النَّكير منه لذلك».
  2. ٢أخرجه في مسائل نافع (٢٤٥). وعزاه السيوطي إلى الطستي.
٢٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿سبحان﴾، يعني: عجب١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٥١٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابنُ جرير (١٤/٤١١-٤١٢): «وللعرب في التسبيح أماكن تستعمله فيها: فمنها الصلاة، كان كثيرٌ من أهل التأويل يتأولون قول الله: ﴿فلولا أنه كان من المسبحين﴾ [الصافات:١٤٣]: فلولا أنّه كان من المصلين. ومنها الاستثناء، كان بعضهم يتأول قول الله تعالى: ﴿ألم أقل لكم لولا تسبحون﴾ [القلم:٢٨]: لولا تستثنون، وزعم أنّ ذلك لغة لبعض أهل اليمن، ويستشهد لصحة تأويله ذلك بقوله: ﴿إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين * ولا يستثنون﴾ [القلم:١٧-١٨]، قال: ﴿قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون﴾ [القلم:٢٨]، فذكَّرهم تركهم الاستثناء. ومنها النور، وكان بعضهم يتأول في الخبر الذي روي عن النبي ﷺ: «لولا ذلك لأحرقت سُبُحات وجهه ما أدركت من شيء» أنه عنى بقوله: «سبحات وجهه»: نور وجهه».
٢٩
عن زِرّ بن حُبَيش، قال: قلتُ لحذيفة بن اليمان: أصلّى رسولُ الله ﷺ في بيت المقدس؟ قال: لا. قلتُ: بلى. قال: أنت تقول ذاك، يا أصلعُ، بِم تقول ذلك؟ قلتُ: بالقرآن، بيني وبينك القرآن. فقال حذيفة: مَن احْتَجَّ بالقرآن فقد فَلَجَ -قال سفيان: يقول: فقد احتج. وربما قال: أفْلَج- فقال: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾. قال: أفتراه صلى فيه؟ قلتُ: لا. قال: لو صلّى فيه لَكُتِبَ عليكم فيه الصلاة كما كُتِبَتْ الصلاة في المسجد الحرام. قال حذيفة: قد أُتِي رسول الله ﷺ بدابَّة طويل الظهر، ممدود هكذا، خَطْوُه مدَّ بصره، فما زايلا ظَهْرَ البُراق حتى رأيا الجنة والنار، ووعد الآخرة أجمع، ثم رجعا عَوْدُهما على بدئهما. قال: ويتحدثَّون أنّه ربطه، لِمَ، لِيَفِرَّ منه؟! وإنّما سَخَّره له عالِمُ الغيب والشهادة١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢‏/‏٣٧٢، وأحمد ٣٨‏/‏٣٢١ (٢٣٢٨٥)، وابن أبي شيبة في مصنفه (ت: محمد عوامة) ٢٠‏/‏٢٤٨ (٣٧٧٢٨)، والترمذي ٥‏/‏٣٦٨ (٣٤١٤) واللفظ له، والنسائي في الكبرى (ت: شعيب الأرناؤوط) ١٠‏/‏١٤٦ (١١٢١٦)، وابن جرير ١٤‏/‏٤٤٤، والفاكهي في أخبار مكة ٢‏/‏١٠٢ (١٢١٥) مختصرًا.
٣٠
عن عائشة -من طريق ابن إسحاق، عن بعض آل أبي بكر- قالت: ما فُقِدَ جَسَد رسول الله ﷺ، ولكنَّ الله أسرى برُوحِه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن إسحاق ص٢٧٥ (٤٦٢)، وابن جرير ١٤‏/‏٤٤٥.
٣١
عن معاوية بن أبي سفيان -من طريق ابن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة-: أنّه كان إذا سُئِل عن مسرى رسول الله ﷺ؛ قال: كانت رؤيا مِن الله صادقة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن إسحاق -كما في سيرة ابن هشام ١‏/‏٤٠٠-، وابن جرير ١٤‏/‏٤٤٥.

قراءات

قول واحد
١
عن حذيفة بن اليمان -من طريق أبي بكر بن عياش- أنّه قرأ: (سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ مِنَ اللَّيْلِ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجَدِ الأَقْصى)١
التخريج
  1. ١الأثر عند ابن جرير ١٤‏/‏٤١٣ دون إسناد. و(مِنَ الَّليْلِ) قراءة شاذة، تروى أيضًا عن ابن مسعود. انظر: البحر المحيط ٦‏/‏٥.
التفسير بالمأثور لسورة الإسراء كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١ من سورة الإسراء

٥٨ وقفةً في هذه الآية

  • رحلة الإسراء والمعراج تحدثت عنها سورتان: الإسراء عن رحلة الإسراء، والنجم عن المعراج، وكلتاهما مختتمة بسجدة لأن العبد أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد، والمعراج رحلة اقتراب

    — أحمد نوفل

  • ﴿ سبحان الذي أسرى "بعبده"... ﴾ كلما تعمَّقْتَ بالتوحيد اقتربت من العبودية.

    — نايف الفيصل

  • (أسرى بعبده ليلاً) إذا دخل الليل سرت أرواح الصالحين (للملكوت الأعلى) لأن الروح المؤمنة بصرها في الليل أنفذ

    — عقيل الشمري

  • ( المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ... ) الطيّب يطيب به من حوله ، هـل لـك أثـر على من حـولك ؟

    — عايض المطيري

  • ﴿أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ رباط وثيق بين المسجدين وصَلَه عُمَر وقطَعه أحفاد خونة

    — إبراهيم العقيل

  • وصف الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالعبودية في أشرف المقامات: الإسراء ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾ الدعوة ﴿لما قام عبد الله يدعوه﴾ الوحي ﴿فأوحى إلى عبده﴾

    — نايف الفيصل

  • ﴿ سبحان الذي أسرىٰ "بعبده" .... ﴾ أعلى مرتبة ينالها الإنسان على وجه الأرض أن يكون عبداً لله.. وهل في الأرض كلها إنسان أعزه الله كمحمد صل الله عليه وسلم؟!!

    — نايف الفيصل

  • ﴿ سبحان الذي أسرى "بعبده"... ﴾ كلما تعمَّقْتَ بالتوحيد اقتربت من العبودية

    — نايف الفيصل

  • ( أَسرىٰ بعبدهِ ليِّلا ) في الليل تصعد المناجاة فتنزل الرحمات ، يرتفع الدعاء فتهبط الإجابة وتحلّ البركات

    — عايض المطيري

  • ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده "ليلا" ﴾ الليل وقت المنح الربانية

    — نايف الفيصل

  • رحلة الإسراء والمعراج تحدثت عنها سورتان: الإسراء عن رحلة الإسراء، والنجم عن المعراج، وكلتاهما مختتمة بسجدة لأن العبد أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد، والمعراج رحلة اقتراب..

    — أحمد نوفل

  • من الحكم في التعبير بالتسبيح في قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ) مع أن مقتضى الحال -حسب ما يظهر لعقولنا الضعيفة- أن يعبر بالحمد والثناء أنه أخبرهم صبيحة الإسراء بما حصل، ولو كان كذبًا، لما تركه الله، فإن الله ينـزه أن يترك شخصًا يكذب عليه مثل هذا الكذب من غير أن ينتقم منه، والله أعلم.

    — محمد بن صالح ابن عثيمين

و٤٦ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

فتاوى متعلقة بالآية ١ من سورة الإسراء

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ١ من سورة الإسراء

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(1) Exalted[722] is He who took His Servant [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] by night from al-Masjid al-Ḥarām to al-Masjid al-Aqṣā,[723] whose surroundings We have blessed, to show him of Our signs. Indeed, He is the Hearing,[724] the Seeing.[725]
[722]- Above any imperfection or failure to do as He wills.
[723]- In Jerusalem.
[724]- Who hears every sound, distinguishes every voice, understands every word, and accepts and responds to supplications.
[725]- After Seeing add ftnt: Who sees and understands all things apparent and unapparent, visible and invisible.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال