محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي
عن الكتاببسم الله الرحمن الرحيم
[ ١ ] ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير ١﴾.﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا، إنه هو السميع البصير﴾.
يمجد تعالى نفسه بقوله :﴿سبحان﴾ وينزه ذاته العلية عما لا يليق بجلاله، ويعظم شأنه لقدرته على ما لا يقدر عليه أحد سواه فلا إله غيره. وقوله تعالى :﴿الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام﴾ أي سيّره منه ليلا. ﴿أسرى﴾ بمعنى ﴿سرى﴾ يقال : أسراه وأسرى به وسرى به. فهمزة ﴿أسرى﴾ ليست للتعدية. ولذا عدي بالباء. وفرق بعضهم بين أسرى وسرى بالمبالغة في ( أسرى ) لإفادة السرعة في السير ولذا أوثر على ( سرى ).
والإسراء سير الليل كله، كأسرى، فقوله تعالى :﴿ليلا﴾ للتأكيد أو للتجريد عن بعض القيود. مثل : أسعفت مرامه. مع أن الإسعاف قضاء الحاجة. أو للتنبيه على أنه المقصود بالذكر. وقد استظهره الناصر في ( الانتصاف ) قال : ونظيره في إفراد أحد ما دل عليه اللفظ المتقدم مضموما لغيره، قوله تعالى(١) :﴿لا تتخذوا إلهين اثنين، إنما هو إله واحد﴾ فالاسم الحامل للتثنية دال عليها وعلى الجنسية، وكذلك المفرد. فأريد التنبيه على أن أحد المعنيين، وهو التثنية، مراد مقصود، وكذلك أريد الإيقاظ، لأن الوحدانية هي المقصودة في قوله :﴿إنما هو إله واحد﴾ ولو اقتصر على قوله :﴿إنما هو إله﴾ لأوهم أن المهم إثبات الإلهية له. والغرض من الكلام ليس إلا إثبات الوحدانية.
وقيل سرّ قوله :﴿ليلا﴾ إفادة تقليل الوقت الذي كان الإسراء والرجوع فيه. أي أنه كان في بعض الليل أخذا من تنكيره. فقد نقل عن سيبويه أن الليل والنهار إذا عرّفا كانا معيارا للتعميم، فلا تقول أرقت الليل، وأنت تريد ساعة منه، إلا لأن تقصد المبالغة. بخلاف المنكر فإنه لا يفيد ذلك. فلما عدل عن تعريفه هنا، علم أنه لم يقصد استغراق السرى، وهذا هو المراد من البعضية. وجوز بعضهم أن يكون ( أسرى ) من ( السراة ) وهي الأرض الواسعة. وأصله من الواو. أسرى مثل أجبل وأتهم، أي ذهب به في سراة الأرض، وهو غريب. وفي تخصيص الليل إعلام بفضله لأنه وقت السر والنجوى والتجلي الأسمى، ولذلك كان أكثر عبادته ﷺ بالليل. والمراد ﴿بعبده﴾ خاتم أنبيائه محمد ﷺ. وفي ذكره بعنوان العبودية مع الإضافة إلى ضمير الجلالة، من التشريف والتنويه والتنبيه على اختصاصه به عز وجل وانقياده لأوامره ما لا يخفى.
والعبد، لغة، الإنسان مطلقا والمملوك والعبودية الذل والخضوع والرق والطاعة، كالعبادة والعبودة.
قال ابن القيم في ( طريق الهجرتين ) : أكمل الخلق أكملهم عبودية. وأعظمهم شهودا لفقره وضرورته وحاجته إلى ربه، وعدم استغنائه عنه طرفة عين. ولهذا كان من دعائه ﷺ :" أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك ".
ثم قال : ولهذا كان أقرب الخلق إلى الله وسيلة، وأعظمهم عنده جاها، وأرفعهم عنده منزلة، لتكميله مقام العبودية والفقر. وكان يقول :" أيها الناس ! ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي. إنما أنا عبد ". وكان يقول(٢) :" لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم. إنما أنا عبد فقولوا : عبد الله ورسوله ". وذكره سبحانه بسمة العبودية في أشرف مقاماته : مقام / الإسراء ومقام الدعوة، ومقام التحدي. فقال :﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا﴾ وقال(٣) :﴿وأنه لما قام عبد الله يدعوه﴾ وقال(٤) :﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا﴾ وفي حديث الشفاعة : أن المسيح يقول لهم :" اذهبوا إلى محمد، عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ". فنال ذلك بكمال عبوديته لله، وبكمال مغفرة الله له. انتهى.
وقوله تعالى :﴿من المسجد الحرام﴾ يعني مسجد مكة المكرمة. سمي حراما، كبلده، لكونه لا يحل انتهاكه بقتال فيه، ولا بصيد صيده، ولا بقطع شجره ولا كلئه، وقوله سبحانه :﴿إلى المسجد الأقصى﴾ هو مسجد بيت المقدس، وكان يعرف بهيكل سليمان لأنه الذي بناه وشيده ( والأقصى ) بمعنى الأبعد. سمي بذلك لبعده عن مكة، وقوله تعالى :﴿الذي باركنا حوله﴾ أي جوانبه ببركات الدين والدنيا. لأن تلك الأرض المقدسة مقر الأنبياء ومهبط وحيهم ومنمى الزروع والثمار. فاكتنفته البركة الإلهية من نواحيه كلها. فبركته إذن مضاعفة، لكونه في أرض مباركة، ولكونه من أعظم مساجد الله تعالى. والمساجد بيوت الله. ولكونه متعبد الأنبياء ومقامهم ومهبط وحيه عليهم، فبورك فيه ببركتهم ويمنهم أيضا.
وقد قيل في خصائص ( الأقصى ) : إنه متعبد الأنبياء السابقين، ومسرى خاتم النبيين. ومعراجه إلى السماوات العلى والمشهد الأسمى. بيت نوّه الله به في الآيات المفصلة، وتليت فيه الكتب الأربعة المنزلة. لأجله أمسك الله الشمس على يوشع أن تغرب ليتيسر فتحه على من وعدوا به ويقرب. وهو قبلة الصلاة في الملتين، وفي صدر الإسلام بعد الهجرتين. وهو أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين. لا تشد الرحال (٥) بعد المسجدين إلا إليه، / ولا تعقد الخناصر بعد الموطنين إلا عليه. انتهى. ومن فضائله ما رواه الإمام أحمد(٦) والنسائي والحاكم وصححه، عن ابن عمرو قال : قال رسول الله ﷺ :" إن سليمان لما بنى بيت المقدس سأل ربه ثلاثا. فأعطاه اثنتين وأنا أرجو أن يكون أعطاه الثالثة.
سأله حكما يصادف حكمه فأعطاه إياه.
وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه.
وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد - يعني بيت المقدس - خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه.
قال النبي ﷺ : ونحن نرجو أن يكون الله أعطاه ذلك ".
وروي " أن ابن عمر كان إذا دخله لا يشرب من مائه. تجريدا لقصد الصلاة ".
وقال الشيرازي في ( عرائس البيان ) : كان بداية المعراج الذهاب إلى الأقصى. لأن هناك الآيات الكبرى من أنوار تجليه تعالى لأرواح الأنبياء وأشباحهم. وهناك بقربه طور سينا وطور زيتا ومقام إبراهيم وموسى وعيسى في تلك الجبال، مواضع كشوف الحق. لذلك قال :﴿باركنا حوله﴾. انتهى.
والالتفات في ﴿باركنا﴾ لتعظيم ما ذكر. لأن فعل العظيم يكون عظميا. لاسيما إذا عبّر عنه بصيغة التعظيم. والنكتة العامة تنشيط السامعين.
وقوله تعالى :﴿لنريه من آياتنا﴾ إشارة إلى حكمة الإسراء. أي لكي نري محمدا ﷺ من آياتنا العظيمة التي من جملتها ذهابه في برهة من الليل، مسيرة شهر، ومشاهدة بيت المقدس وتمثل الأنبياء له ووقوفه على مقاماتهم العلية.
قيل : أراد تعالى أن يريه ﷺ من الآيات الحسية بعد ما أراه الآيات العقلية. لأن الآيات الحسية أكبر في قطع الشبهة ودفع الوساوس من العقلية. إذ لا يشك أحد فيما كان سبيل معرفته الحس والعيان. وقد تعترض الشبهة والوساوس في العقليات. لأنه لا يشك أحد في نفسه أنه هو. فشاء عز وجل أن يري رسوله آيات حسية فتدفع المنصفين إلى قبولها والإيمان بها والإقرار له بالرسالة. إذ ليس ذلك عمل سحر ولا افتراء ولا أساطير الأولين، كذا يستفاد من ( التأويلات ) لأبي منصور.
وما أحسن ما قاله ابن إسحاق(٧) : كان في مسراه ﷺ وما ذكر منه بلاء وتمحيص وأمر من أمر الله في قدرته وسلطانه. فيه عبرة لأولي الألباب. وهدى ورحمة وثبات لمن آمن بالله وصدق. وكان من أمر الله سبحانه وتعالى على يقين. فأسرى به سبحانه وتعالى كيف شاء ليريه من آياته ما أراد. حتى عاين ما عاين من أمره وسلطانه العظيم، وقدرته التي يصنع بها ما يريد. انتهى.
وقوله تعالى :﴿إنه هو السميع البصير﴾ أي السميع لأقوال عباده وأفعالهم فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
تنبيهات :
الأول : دلت هذه الآية على ثبوت الإسراء، وهو سير النبي ﷺ إلى بيت المقدس ليلا. وأما العروج إلى السماوات وإلى ما فوق العرش فهذه الآية لا تدل عليه. / ومنهم من يستدل عليه بأول سورة النجم. والكلام عليه ثمة.
الثانية : ذهب الأكثرون إلى أن الإسراء كان بعد المبعث، وأنه قبل الهجرة بسنة. قاله الزهري وابن سعد وغيرهما. وبه جزم النوويّ، وبالغ ابن حزم فنقل الإجماع فيه. وقال : كان في رجب سنة اثنتي عشرة من النبوة.
وفي ( إنسان العيون ) : أن تلك الليلة كانت ليلة سبع عشرة. وقيل سبع وعشرين خلت من ربيع الأول، وقيل : ليلة تسع وعشرين خلت من رمضان، وقيل سبع وعشرين خلت من ربيع الآخر، وقيل : من رجب واختار هذا الأخير، الحافظ عبد الغنيّ المقدسيّ قال : وعليه عمل الناس. والله أعلم.
الثالث : في ( زاد المعاد ) لابن القيم : كان الإسراء مرة واحدة وقيل : مرتين، مرة يقظة ومرة مناما. وأرباب هذا القول كأنهم أرادوا أن يجمعوا بين حديث شريك وقوله :" ثم استيقظت ". وبين سائر الروايات. ومنهم من قال : بل كان هذا مرتين : مرة قبل الوحي لقوله في حديث شريك :" وذلك قبل أن يوحى إليه " ومرة بعد الوحي كما دلت عليه سائر الأحاديث. ومنهم من قال : بل ثلاث مرات : مرة قبل الوحي ومرتين بعده. وكل هذا خبط وهذه طريقة ضعفاء الظاهرية من أرباب النقل، الذين إذا رأوا في القصة لفظة تخالف سياق بعض الروايات، جعلوه مرة أخرى. فكلما اختلفت عليهم الروايات عددوا الوقائع. والصواب الذي عليه أئمة النقل، أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة. ويا عجبا لهؤلاء الذين زعموا أنه كان مرارا ! كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة تفرض عليه الصلوات خمسين ثم يتردد بين ربه وبين موسى حتى تصير خمسا، ثم يقول أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي. ثم يعيدها في المرة الثانية إلى خمسين ثم يحطها عشرا عشرا ؟ !
الرابع : قال القاضي عياض، عليه الرحمة، في ( الشفا ) : اختلف السلف والعلماء هل كان إسراء بروحه أو جسده على ثلاث مقالات : فذهبت طائفة إلى أنه إسراء بالروح، وأنه رؤيا منام. مع اتفاقهم أن رؤيا الأنبياء حق ووحي. وإلى هذا ذهب معاوية. وحكي عن / الحسن : والمشهور عنه خلافه وإليه أشار محمد بن إسحاق. وحجتهم قوله تعالى(٨) :﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك﴾ وما حكوا عن عائشة :" ما فقدت جسد رسول الله ﷺ " وقوله :" بينما أنا نائم ". وقول أنس :" وهو نائم في المسجد الحرام " وذكر القصة. ثم قال قي آخرها :" فاستيقظ وأنا بالمسجد الحرام ".
وذهب معظم السلف والمسلمين إلى أنه إسراء بالجسد وفي اليقظة. وهذا هو الحق، وهذا قول ابن عباس وجابر وأنس وحذيفة وعمر وأبي هريرة ومالك بن صعصعة وأبي حبة البدريّ وابن مسعود والضحاك وسعيد بن جبير وقتادة وابن المسيّب وابن شهاب وابن زيد والحسن وإبراهيم ومسروق ومجاهد وعكرمة وابن جريج. وهو دليل قول عائشة. وهو قول الطبري وابن حنبل وجماعة عظيمة من المسلمين. وهو قول أكثر المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين والمفسرين.
وقالت طائفة : كان الإسراء بالجسد يقظة إلى بيت المقدس. وإلى السماء بالروح : واحتجوا بقوله :﴿سبحان الذي أسرى بعبده...﴾ الآية فجعل المسجد الأقصى غاية الإسراء الذي وقع التعجب فيه ب
١ [١٦ / النحل / ٥١]..
٢ أخرجه البخاري في: ٦٠- كتاب الأنبياء، ٤٨- باب ﴿واذكر في الكتاب مريم﴾، حديث رقم ١٢١٤..
٣ [٧٢ / الجن / ١٩]..
٤ [٢ / البقرة / ٢٣]..
٥ حديث لا تشدّ الرجال إلا إلى ثلاثة مساجد، الخ. أخرجه البخاري في: ٢٠- كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، ٦- باب مسجد بيت المقدس، حديث ٣٧٩، عن أبي سعيد الخدري. وأخرجه مسلم في: ١٥- كتاب الحج، حديث رقم ٤١٥ (طبعتنا)..
٦ من حديث طويل عن عبد الله بن عمرو، أخرجه الإمام أحمد في مسنده بالصفحة رقم ١٧٦ من الجزء الثاني (طبعة الحلبي) والحديث رقم ٦٦٤٤ (طبعة المعارف).
وأخرجه النسائي في: ٨- كتاب المساجد، ٦- باب فضل المسجد الأقصى والصلاة فيه..
٧ انظر سيرة ابن هشام، الصفحة ٢٦٣ (طبعة جوتنجن) والصفحة رقم ٣٧ من الجزء الثاني (طبعة الحلبي)..
٨ [١٧ / الإسراء / ٦٠]..
٢ أخرجه البخاري في: ٦٠- كتاب الأنبياء، ٤٨- باب ﴿واذكر في الكتاب مريم﴾، حديث رقم ١٢١٤..
٣ [٧٢ / الجن / ١٩]..
٤ [٢ / البقرة / ٢٣]..
٥ حديث لا تشدّ الرجال إلا إلى ثلاثة مساجد، الخ. أخرجه البخاري في: ٢٠- كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، ٦- باب مسجد بيت المقدس، حديث ٣٧٩، عن أبي سعيد الخدري. وأخرجه مسلم في: ١٥- كتاب الحج، حديث رقم ٤١٥ (طبعتنا)..
٦ من حديث طويل عن عبد الله بن عمرو، أخرجه الإمام أحمد في مسنده بالصفحة رقم ١٧٦ من الجزء الثاني (طبعة الحلبي) والحديث رقم ٦٦٤٤ (طبعة المعارف).
وأخرجه النسائي في: ٨- كتاب المساجد، ٦- باب فضل المسجد الأقصى والصلاة فيه..
٧ انظر سيرة ابن هشام، الصفحة ٢٦٣ (طبعة جوتنجن) والصفحة رقم ٣٧ من الجزء الثاني (طبعة الحلبي)..
٨ [١٧ / الإسراء / ٦٠]..