الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي

عن الكتاب
أخرج ابن جرير عن حذيفة أنه قرأ «سبحان الذي أسرى بعبده من الليل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ».
وأخرج الطستي عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله تعالى :﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً﴾ قال :﴿سبحان﴾ تنزيه الله تعالى ﴿الذي أسرى﴾ بمحمد ﷺ ﴿من المسجد الحرام﴾ إلى بيت المقدس، ثم رده إلى المسجد الحرام. قال : وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال : نعم، أما سمعت الأعشى وهو يقول :
قلت له لما علا فخرهسبحان من علقمة الفاجر
وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه من طريق ثابت، عن أنس أن رسول الله ﷺ قال :«أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه. . . فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت ركعتين ثم خرجت، فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن فقال جبريل : اخترت الفطرة. ثم عرج بنا إلى سماء الدنيا فاستفتح جبريل فقيل : من أنت ؟ قال : جبريل. قيل : ومن معك ؟ قال : محمد، قيل : وقد بعث إليه ؟ قال : قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بآدم، فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل فقيل : من أنت ؟ قال : جبريل. قيل : ومن معك ؟ قال : محمد، قيل : بعث إليه ؟ قال : قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بإبني الخالة، عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا، فرحّبا بي ودعوا إلي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل فقيل : من أنت ؟ قال : جبريل. قيل : ومن معك ؟ قال : محمد، قيل : وقد بعث إليه ؟ قال : قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بيوسف، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل فقيل : من هذا ؟ قال : جبريل. قيل : ومن معك ؟ قال : محمد، قيل : وقد بعث إليه ؟ قال : قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بإدريس، فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل فقيل : من هذا ؟ قال : جبريل. قيل : ومن معك ؟ قال : محمد، قيل : وقد بعث إليه ؟ قال : قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بهارون، فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل فقيل : من هذا ؟ قال : جبريل. قيل : ومن معك ؟ قال : محمد، قيل : وقد بعث إليه ؟ قال : قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بموسى، فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فاستفتح، فقيل : من هذا ؟ قال : جبريل. قيل : ومن معك ؟ قال : محمد، قيل : وقد بعث إليه ؟ قال : قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم مسند ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، فإذا ورقها فيها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، فلما غشيها من أمر الله ما غشى تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى إلي ما أوحى وفرض عليّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فقال : ما فرض ربك على أمتك ؟ قلت : خمسين صلاة. قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم. فرجعت إلى ربي فقلت : يا رب، خفف عن أمتي. فحط عني خمساً فرجعت إلى موسى فقلت : حط عني خمساً، فقال : إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. قال : فلم أزل أرجع بين ربي وموسى حتى قال : يا محمد، إنهن خمس صلوات لكل يوم وليلة، بكل صلاة عشر، فتلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشراً، ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئاً، فإن عملها كتبت سيئة واحدة. فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقلت : قد رجعت إلى ربي حتى استحيت منه ».
وأخرج البخاري ومسلم وابن جرير وابن مردويه من طريق شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس قال :«ليلة أسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة، جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم : أيهم هو ؟ فقال أوسطهم : هو خيرهم. فقال أحدهم : خذوا خيرهم. فكانت تلك الليلة فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى، فيما يرى قلبه، وتنام عيناه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه، ثم أتى بطست من ذهب محشواً إيماناً وحكمة فحشا به صدره ولغاديده - يعني عروق حلقه - ثم أطبقه ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب باباً من أبوابها فقيل : من هذا ؟ قال : جبريل. قيل : ومن معك ؟ قال : محمد، قيل : وقد بعث إليه ؟ قال : نعم. قالوا : مرحباً به وأهلاً. ووجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل : هذا أبوك آدم فسلم عليه، فسلم عليه ورد عليه آدم وقال : مرحباً وأهلاً بابني. . . نعم الابن أنت. فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان فقال : ما هذان النهرين يا جبريل ؟ قال : هذا النيل والفرات عنصرهما. ثم مضى به في السماء فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب بيده فإذا هو مسك أذفر. قال : ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك.
ثم عرج به إلى السماء الثانية فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى : من هذا ؟ قال : جبريل. قالوا : ومن معك ؟ قال : محمد، قيل : وقد بعث إليه ؟ قال : نعم. قالوا : مرحبا به وأهلاً.
ثم عرج به إلى السماء الثالثة فقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية.
ثم عرج به إلى السماء الرابعة فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى الخامسة فقالوا مثل ذلك، ثم عرج به إلى السادسة فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السابعة فقالوا له مثل ذلك، كل سماء فيها أنبياء قد سماهم، منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة ولم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله، فقال موسى : رب لم أظن أن ترفع عليّ أحداً، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلّى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله فيما يوحي إليه خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى فاحتبسه موسى فقال : يا محمد، ماذا عهد إليك ربك ؟ قال : عهد إلي، خمسين صلاة كل يوم وليلة. قال : إن أمتك لا تستطيع ذلك، ارجع فليخفف عنك ربك وعنهم. فالتفت النبي ﷺ إلى جبريل كأنه يستشيره فأشار إليه جبريل أن نعم إن شئت، فعلا به إلى الجبار تبارك وتعالى فقال وهو مكانه : يا رب، خفف عنا. . . ؛ فإن أمتي لا تستطيع ذلك. فوضع عنه عشر صلوات. ثم رجع إلى موسى واحتبسه، فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس فقال : يا محمد، والله لقد راودت بني إسرائيل على أدنى من هذا فضعفوا وتركوه، فأمتك أضعف أجساداً وقلوباً وأبداناً وأبصاراً وأسماعاً، فارجع فليخفف عنك ربك كل ذلك. يلتفت النبي ﷺ إلى جبريل ليشير عليه ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة فقال : يا رب، إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم، فخفف عنا. فقال الجبار : يا محمد، قال : لبيك وسعديك. قال : إنه لا يبدل القول لدي كما فرضت عليك في أم الكتاب، وكل حسنة بعشر أمثالها. فهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك. فرجع إلى موسى فقال : كيف فعلت ؟ فقال : خفف عنا، أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها. فقال موسى : قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه، ارجع إلى ربك فليخفف عنك. فقال رسول الله ﷺ : يا موسى، قد والله استحييت من ربي مما اختلفت إليه. قال : فاهبط بسم الله. واستيقظ وهو في المسجد الحرام ».
وأخرج النسائي وابن مردويه من طريق يزيد بن أبي مالك، عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال :«أتيت ليلة أسرى بي بدابة فوق الحمار ودون البغل، خطوها عند منتهى طرفها. . . كانت تسخّر للأنبياء قبلي، فركبته معي جبريل فسرت، فقال : انْزِلْ فَصَلِّ. ففعلت. . . فقال : أتدري أين صليت ؟ صليت بطيبة وإليها المهاجر إن شاء الله. ثم قال : انزل فصَلِّ. ففعلت فقال : أتدري أين صليت ؟ صليت بطور سيناء حيث كلم الله موسى، ثم قال : انزل فَصلِّ. فصليت فقال أتدري أين صليت ؟ صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى. ثم دخلت بيت المقدس فجمع لي الأنبياء عليهم السلام، فقدَّمني جبريل فصليت بهم.
ثم صعد بي إلى السماء الدنيا فإذا فيها آدم فقال لي : سلم عليه فقال : مرحباً بابني والنبي الصالح.
ثم صعد بي إلى السماء الثانية، فإذا فيها ابنا الخالة عيسى ويحيى، ثم صعد بي إلى السماء الثالثة، فإذا فيها يوسف. ثم صعد بي إلى السماء الرابعة، فإذا فيها هارون. ثم صعد بي إلى السماء الخامسة فإذا فيها إدريس. ثم صعد بي إلى السماء السادسة فإذا فيها موسى، ثم صعد بي إلى السماء السابعة فإذا فيها إبراهيم، ثم صعد بي إلى فوق السبع سماوات، وأتيت سدرة المنتهى فغشيتني ضبابة. . . فخررت ساجداً، فقيل لي : إني يوم خلقت السماوات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة، فقم بها أنت وأمتك، فمررت على إبراهيم فلم يسألني شيئاً، ثم مررت على موسى فقال لي : كم فرض عليك وعلى أمتك ؟ قلت : خمسين صلاة. قال : إنك لن تستطيع أن تقوم بها أنت ولا أمتك، فاسأل ربك التخفيف. فرجعت فأتيت سدرة المنتهى فخررت ساجداً. . . فقلت : يا رب، فرضت علي وعلى أمتي خمسين صلاة، فلن أستطيع أن أقوم بها أنا ولا أمتي. . . فخفف عني عشراً. فمررت على موسى فسألني فقلت : خفف عني عشراً. قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فخفف عني عشراً ثم عشراً حتى قال : هن خمس بخمسين، فقم بها أنت وأمتك. فعلمت أنها من الله صرى. فمررت على موسى فقال لي : كم فرض عليك ؟ فقلت : خمس صلوات، فقال : فرض على بني إسرائيل صلاتان فما قاموا بهما، فقلت : إنها من الله فلم أرجع ».
وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن يزيد بن أبي مالك، عن أنس رضي الله عنه قال :« لما كان ليلة أسرى برسول الله ﷺ، أتاه جبريل عليه السلام بدابة فوق الحمار ودون البغل. حمله جبريل عليها ينتهي خفها حيث ينتهي طرفها فلما بلغ بيت المقدس أتى إلى الحجر الذي ثمة، فغمزه جبريل عليه السلام بإصبعه فثقبه، ثم ربطها ثم صعد. . . فلما استويا في صرحة المسجد قال جبريل : يا محمد، هل سألت ربك أن يريك الحور العين ؟ قال : نعم. قال : فانطلق إلى أولئك النسوة فسلّم عليهن، وهن جلوس عن يسار الصخرة. فأتيتهن فسلَّمت عليهن فرددن عليَّ السلام، فقلت : من أنتن ؟ فقلن : خيرات حسان. . . نساء قوم أبرار نقوا فلم يدرنوا، وأقاموا فلم يظعنوا، وخلدوا فلم يموتوا. ثم انصرفت فلم ألبث إلا يسيراً حتى اجتمع ناس كثير، ثم أذن مؤذن وأقيمت الصلاة، فقمنا صفوفاً فانتظرنا من يؤمنا،

تفسير هذه الآية من كتب أخرى