التفسير المظهري — المظهري

عن الكتاب
﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير١﴾
﴿سبحان﴾ اسم بمعنى التسبيح الذي هو التنزيه، وقد يستعمل علما له، فيقطع عن الإضافة ويمنع الصرف. وانتصابه بفعل متروك إظهاره، تقديره : سبحوا الله سبحان، أو : أسبح الله سبحانه، ثم نزل سبحان منزلة الفعل، فسد مسده. ودل على التنزيه البليغ. وتصدير الكلام به للتنزيه عن العجز عما ذكر بعد، ويكون بمعنى التعجب. ﴿الذي أسرى﴾ يعني سير ليلا ﴿بعبده﴾ محمد صلى الله عليه وسلم. ﴿ليلا﴾ منصوب على الظرف، وفائدةُ ذكره مع أن الإسراء لا يكون إلا بالليل الدلالةُ بتنكيره على تقليل مدة الإسراء. ﴿من المسجد الحرام﴾ كما في الصحيحين عن أنس عن مالك بن صعصعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( بينا أنا في المسجد الحرام بين النائم واليقظان، إذ أتاني جبرئيل بالبراق، وفي لفظ : بينما أنا في الحطيم مضطجعا إذ أتاني آت. . (١) الحديث )، وقد ذكرناه في تفسير سورة النجم. وقيل : كان الإسراء من دار أم هانئ، فالمراد بالمسجد الحرام حينئذ : الحرم، سماه المسجد الحرام لأن كله مسجد، أو لأنه محيط به ليطابق المبدأ المنتهي. ويدل على كون النبي صلى الله عليه وسلم في البيت دون المسجد، ما في الصحيحين عن أنس عن أبي ذر يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال :( ففرج عني سقف بيتي وأنا بمكة. . (٢) الحديث ). وذكرناه أيضا في سورة النجم.
وما رواه أبو يعلي في مسنده، والطبراني في الكبير، من حديث أم هانئ أنه كان في بيت أم هانئ، فأسري به فرجع من ليلته، وقص القصة عليها، وقال : مثل لي النبيون فصليت بهم، ثم خرج إلى المسجد، وأخبَرَتْهُ قريشا فتعجبوا منه استحالة، وارتد ناس ممن آمن به، وسعى رجال إلى أبي بكر فقال : إن كان قال : ذلك فقد صدق. قالوا : أتصدقه على ذلك ؟ قال : إني لأصدقه على أبعد من ذلك. وسمى بذلك الصديق. واستنعته طائفة سافروا إلى بيت المقدس، فَجُلي له، فَطفِق ينظر إليه وينعته لهم، فقالوا : أما النعت، فقد أصاب. فقالوا : أخبرنا عن بعيرنا. فأخبرهم بعدد جمالها وأموالها، وقال : يقدم يوم كذا مع طلوع الشمس، يقدمها جمل أورق، فخرجوا يشتدون إلى الثنية، فصادفوا العير كما أخبرهم، ثم لم يؤمنوا وقالوا : ما هذا إلا سحر مبين.
وقلت : يمكن الجمع بين الحديثين بتعدد المعراج، مرة من الحطيم، ومرة من بيت أم هانئ. قال البغوي : قال مقاتل : كانت ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة، يقال : كان في رجب. وقيل : في شهر رمضان.
﴿إلى المسجد﴾ يعني البيت المقدس، سمي أقصى لبعده من المسجد الحرام، ولم يكن حينئذ وراءه مسجد. وتعجب قريش لبعده، واستحالوه. قال البيضاوي : والاستحالة مدفوعة بما ثبت في الهندسة أن ما بين طرفي قرص الشمس ضِعْفُ ما بين طرفي كرة الأرض مائة ونيفا وستين مرة، ثم إن طرفها الأسفل يصل موضع طرفها الأعلى في الأقل من ثانية. وقد برهن في الكلام أن الأجسام متساوية في قبول الأعراض، وأن الله تعالى قادر على كل شيء من الممكنات، فيقدر أن يخلق مثل هذه الحركة السريعة أو أسرع منها، في بدن النبي صلى الله عليه وسلم أو فيما يحمله. والتعجب من لوازم المعجزات.
﴿الذي باركنا حوله﴾ بالأنهار والأشجار والثمار. وقال مجاهد : سماه مباركا لأنه مقر الأنبياء، ومهبط الملائكة والوحي، ومنه يحشر الناس يوم القيامة.
﴿لنريه﴾ يعني عبده محمد صلى الله عليه وسلم ﴿من آياتنا﴾، أي بعض عجائب قدرتنا، كذهابه في برهة من الليل إلى مسيرة أربعين ليلة، ومن هناك إلى السماوات، وتمثيل الأنبياء له، وما رأى في تلك الليلة من آيات ربه الكبرى. وصرف الكلام من الغيبة إلى التكلم، لتعظيم تلك الآيات.
﴿إنه هو السميع﴾ لأقوال النبي صلى الله عليه وسلم، والمجيب لدعائه، ﴿البصير﴾ لأفعاله وأحواله، الحفيظ له في ظلمة الليل.
قال البغوي : وروي عن عائشة أنها كانت تقول : ما فُقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن أسري بروحه، يعني في المنام. ويدل عليه ما رواه البخاري من حديث أنس بن مالك يقول :( ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة، أنه جاء ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم : أيهم هو ؟ فقال أوسطهم : هو خيرهم. فقال آخرهم : خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة، فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى، فيما يرى قلبه، وتنام عينه، ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء، تنام أعينهم، ولا تنام قلوبهم. فلم يكلموه حتى احتملوه، فوضعوه عند زمزم، فشق جبرئيل ما بين نحره إلى لبته، حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم بيده، وساق حديث المعراج بقصته، فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان، قال : هذا النيل والفرات عنصرهما، ثم مضى به في السماء، فإذا هو بنهر آخر، عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب بيده، فإذا هو مسك أذفر، قال : ما هذا يا جبرئيل ؟ قال : هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك، وساق الحديث وقال : ثم عرج به إلى السماء السابعة وقال : قال موسى : رب لم أظن أن يرفع علي أحد، ثم علا فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إليه ما أوحى : خمسين صلاة كل يوم وليلة، فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس فقال : يا محمد، والله لقد راودتُ بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا فضعفوا عنه وتركوه، وأمتك أضعف أجسادا أو قلوبا وأبدانا وأبصارا وأسماعا، فارجع فليخفف عنك ربك، كلُّ ذلك يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبرئيل ليشير عليه ولا يكره ذلك جبرئيل، فرفعه عند الخامسة فقال : يا رب إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم واستماعهم وأبدانهم فخفف عنا. فقال الجبار : يا محمد. فقال : لبيك وسعديك. قال : إنه لا يبدل القول لدي، كما فرضت عليك في أم الكتاب، فكل حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أم الكتاب، وهي خمس عليك. فقال موسى : ارجع إلى ربك فاسأله فليخفف عنك أيضا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والله قد استحييت من ربي فيما اختلفت عليه. قال : فاهبط بسم الله. فاستيقظ وهو في المسجد الحرام ). (٣) وروى مسلم هذا الحديث مختصرا.
فإن قوله : فاستيقظ وهو في المسجد الحرام، يدل على كونه رؤيا في المنام. والأكثرون على أن الله تعالى أسرى بعبده محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج بجسده في اليقظة. وتواترت الأخبار الصحيحة بذلك، وعليه انعقد الإجماع، ولو كان المعراح في المنام لما أنكرت عليه قريش، إذ لا استبعاد في الرؤيا. قال البغوي : قال شيخنا الإمام : قد قال بعض أهل الحديث : ما وجدنا لمحمد بن إسماعيل ولمسلم في كتابيهما شيئا لا يحتمل مخرجا إلا هذا الحديث المذكور، الذي يدل على كون الإسراء في المنام بروحه، وأحال الآفة فيه إلى شريك بن عبد الله. وأنكر أيضا على أن ذلك قبل أن يوحى إليه.
وقد اتفق أهل العلم على أن المعراج كان بعد الوحي بنحو من اثنتي عشرة سنة، قبل الهجرة بسنة. ثم قال البغوي : قال شيخنا الإمام : هذا الاعتراض عندي لا يصح، لأن هذا كان رؤيا في المنام أراه الله تعالى قبل الوحي، ثم عرج به في اليقظة بعد الوحي قبل الهجرة بسنة، تحقيقا لرؤياه من قبل، كما أنه رأى فتح مكة في المنام عام الحديبية، سنة ستة من الهجرة، ثم كان تحققه سنة ثمان، والله أعلم.
قال البغوي : روي أنه لما رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به، فكان بذي طوى، قال : يا جبرئيل، إن قومي لا يصدقوني. قال : يصدقك أبو بكر وهو الصديق. قال البغوي : قال ابن عباس وعائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لما كان ليلة أسري بي، فأصبحت بمكة، قطعت بأمري، وعرفت أن الناس مكذبي ). فروي أنه صلى الله عليه وسلم قعد معتزلا محزونا، فمر به أبو جهل، فجلس إليه، فقال له كالمستهزئ : هل استفدت من شيء ؟ قال : نعم. قال : إني أسري بي الليلة. قال : إلى أين ؟ قال : إلى بيت المقدس. قال : ثم أصبحت بين ظهرانينا ؟ قال : نعم. فلم ير أبو جهل أن ينكر ذلك، مخافة أن يجحده الحديث. ثم قال : أتحدث قومك بما حدثتني ؟ قال : نعم. فقال أبو جهل : يا معشر بني كعب بن لؤي، هلم. قال : فانتقضت المجالس، فجاءوا حتى جلسوا إليهما. قال : فَحَدِّث قومك ما حدثتني. قال : نعم، إني أسري بي الليلة. قالوا : إلى أين ؟ قال : إلى بيت المقدس. قالوا : ثم أصبحت بين ظهرانينا ؟ قال : نعم. قال : فمن بين مصفق، ومن بين واضع يده على رأسه متعجبا. وارتد ناس ممن كان آمن به وصدقه. وسعى رجل من المشركين إلى أبي بكر فقال : هل لك في صاحبك ؟ يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس. قال : أو قد قال ذلك ؟ قالوا : نعم. قال : إن كان قال ذلك لصدق. قالوا : وتصدقه أنه ذهب إلى بيت المقدس في ليلة وجاء قبل أن يصبح ؟ قال : نعم، إني لأصدقه بما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة وروحة، فلذلك سمي أبو بكر الصديق. قال : وفي القوم من قد أتى المسجد الأقصى، فقالوا : هل تستطيع أن تنعت لنا المسجد ؟ قال : نعم. قال : فذهبتُ أنعت وأنعت، فما زلت أنعت حتى التبس علي بعض النعت، قال : فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه، حتى وُضع دون دار عقيل، فنعتُّ المسجد وأنا أنظر إليه، فقالوا : أما النعت، فوالله لقد أصاب. ثم قالوا : يا محمد، أخبرنا عن بعيرنا فهي أهم إلينا، فهل لقيت منها شيئا، قال : نعم، مررت على بعير بني فلان وهي بالروحاء، قد أضلوا بعيرا لهم وهم في طلبه، وفي رحالهم قدح من ماء، فعطشتْ فأخذتْهُ فشرِبَتْهُ ثم وضعته كما كان، فسلوهم هل وجدوا الماء في القدح حين رجعوا إليه. قالوا : هذه آية. قال : ومررت ببعير بني فلان وفلان وفلان راكبان، قعودا لهما بذي مر، فنفر بعيرها مني، فاسئلوهما عن ذلك. قالوا : وهذه آية. قالوا : وأخبرنا عن بعيرنا. قال : مررت بها بالتنعيم. قالوا : فما عدتها وأحمالها وهيئتها ؟ قال : كنت في شغل عن ذلك، ثم مثلت له مكانه بالحرورة بعدتها وهيئتها ومن فيها، قال : نعم هيئتها كذا وكذا، وفيها فلان، يقدمها جمل أورق، عليه غرارتان مخيطتان، يطلع عليكم عند طلوع الشمس. قالوا : وهذه آية. فخرجوا يشتدون نحو الثنية وهم يقولون : والله لقد قص محمد شيئا وبَيَّنَهُ، حتى أتوا كداء، فجلسوا عليه، فجعلوا ينتظرون متى تطلع الشمس فيكذبونه، إذ قال قائل منهم : والله هذه الشمس قد طلعت. وقال الآخر : والله وهذه الإبل قد طلعت يقدمها بعير أورق فيها فلان وفلان كما قال لهم. فلم يؤمنوا وقالوا : إن هذا السحر مبين.
وروى مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لقد رأيتني في الحِجر، وقريش تسئلني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكَرُبْتُ كربا ما كَرُبْتُ مثله قط، فرفعه الله لي أنظر إليه، ما يسئلوني عن شيء إلا أنبأتهم به، وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء وإذا موسى قائم يصلي، فإذا رجل ضَرْبٌ جَعْدٌ، فكأنه من رجال شنؤة أشبه الناس به شبها عروة بن م

تفسير هذه الآية من كتب أخرى