مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير﴾
في الآية مسائل :
المسألة الأولى : قال النحويون :﴿سبحان﴾ اسم علم للتسبيح. يقال : سبحت الله تسبيحا وسبحانا، فالتسبيح هو المصدر، وسبحان : اسم علم للتسبيح كقولك : كفرت اليمين تكفيرا وكفرانا وتفسيره تنزيه الله تعالى من كل سوء. قال صاحب «النظم » : السبح في اللغة : التباعد، يدل عليه قوله تعالى :﴿إن لك في النهار سبحا﴾ أي تباعدا فمعنى : سبح الله تعالى، أي بعده ونزهه عما لا ينبغي وتمام المباحث العقلية في لفظ التسبيح قد ذكرناها في أول سورة الحديد، وقد جاء في لفظ التسبيح معان أخرى : أحدها : أن التسبيح يذكر بمعنى الصلاة، ومنه قوله تعالى :﴿فلولا أنه كان من المسبحين﴾ أي من المصلين، والسبحة : الصلاة النافلة، وإنما قيل للمصلي مسبح، لأنه معظم لله بالصلاة ومنزه له عما لا ينبغي. وثانيها : ورد التسبيح بمعنى الاستثناء في قوله تعالى :﴿قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون﴾ أي تستثنون وتأويله أيضا يعود إلى تعظيم الله تعالى في الاستثناء بمشيئته. وثالثها : جاء في الحديث :" لأحرقت سبحات وجهه ما أدركت من شيء " قيل معناه نور وجهه، وقيل : سبحات وجهه، نور وجهه الذي إذا رآه الرائي قال : سبحان الله، وقوله :﴿أسرى﴾ قال أهل اللغة : أسرى وسرى لغتان : وقوله :﴿بعبده﴾ أجمع المفسرون على أن المراد محمد عليه الصلاة والسلام، وسمعت الشيخ الإمام الوالد عمر بن الحسين رحمه الله قال : سمعت الشيخ الإمام أبا القاسم سليمان الأنصاري قال : لما وصل محمد صلوات الله عليه إلى الدرجات العالية والمراتب الرفيعة في المعراج أوحى الله تعالى إليه : يا محمد بم أشرفك ؟ قال :﴿يا رب بأن تنسبني إلى نفسك بالعبودية﴾ فأنزل الله فيه :﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾ وقوله :﴿ليلا﴾ نصب على الظرف.
فإن قيل : الإسراء لا يكون إلا بالليل فما معنى ذكر الليل ؟
قلنا : أراد بقوله :﴿ليلا﴾ بلفظ التنكير تقليل مدة الإسراء. وأنه أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة، وذلك أن التنكير فيه قد دل على معنى البعضية، واختلفوا في ذلك الليل قال مقاتل : كان ذلك الليل قبل الهجرة بسنة، ونقل صاحب «الكشاف » عن أنس والحسين أنه كان ذلك قبل البعثة. وقوله :﴿من المسجد الحرام﴾ اختلفوا في المكان الذي أسرى به منه، فقيل هو المسجد الحرام بعينه. وهو الذي يدل عليه ظاهر لفظ القرآن، وروي عن النبي ﷺ أنه قال :
" بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق " وقيل أسري به من دار أم هانئ بنت أبي طالب. والمراد على هذا القول بالمسجد الحرام : الحرم لإحاطته بالمسجد والتباسه به، وعن ابن عباس : الحرم كله مسجد، وهذا قول الأكثرين وقوله :﴿إلى المسجد الأقصى﴾ اتفقوا على أن المراد منه بيت المقدس. وسمي بالأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام وقوله :﴿الذي باركنا حوله﴾ قيل بالثمار والأزهار، وقيل بسبب أنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة.
واعلم أن كلمة ﴿إلى﴾ لانتهاء الغاية فمدلول قوله :﴿إلى المسجد الأقصى﴾ أنه وصل إلى حد ذلك المسجد فأما أنه دخل ذلك المسجد أم لا فليس في اللفظ دلالة عليه، وقوله :﴿لنريه من آياتنا﴾ يعني ما رأى في تلك الليلة من العجائب والآيات التي تدل على قدرة الله تعالى.
فإن قالوا : قوله :﴿لنريه من آياتنا﴾ يدل على أنه تعالى ما أراه إلا بعض الآيات، لأن كلمة ﴿من﴾ تفيد التبعيض، وقال في حق إبراهيم :﴿وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض﴾ فيلزم أن يكون معراج إبراهيم عليه السلام أفضل من معراج محمد ﷺ.
قلنا : الذي رآه إبراهيم ملكوت السموات والأرض، والذي رآه محمد ﷺ بعض آيات الله تعالى، ولا شك أن آيات الله أفضل.
ثم قال :﴿إنه هو السميع العليم﴾ أي أن الذي أسرى بعبده هو السميع لأقوال محمد، البصير بأفعاله، العالم بكونها مهذبة خالصة عن شوائب الرياء، مقرونة بالصدق والصفاء، فلهذا السبب خصه الله تعالى بهذه الكرامات، وقيل : المراد سميع لما يقولون للرسول في هذا الأمر، بصير بما يعملون في هذه الواقعة.
المسألة الثانية : اختلف في كيفية ذلك الإسراء، فالأكثرون من طوائف المسلمين اتفقوا على أنه أسرى بجسد رسول الله ﷺ، والأقلون قالوا : إنه ما أسري إلا بروحه، حكي عن محمد بن جرير الطبري في «تفسيره » عن حذيفة أنه قال : ذلك رؤيا. وأنه ما فقد جسد رسول الله ﷺ، وإنما أسري بروحه، وحكي هذا القول أيضا عن عائشة رضي الله عنها، وعن معاوية رضي الله عنه. واعلم أن الكلام في هذا الباب يقع في مقامين : أحدهما : في إثبات الجواز العقلي. والثاني : في الوقوع.
أما المقام الأول : وهو إثبات الجواز العقلي، فنقول : الحركة الواقعة في السرعة إلى هذا الحد ممكنة في نفسها. والله تعالى قادر على جميع الممكنات، وذلك يدل على أن حصول الحركة في هذا الحد من السرعة غير ممتنع، فنفتقر ههنا إلى بيان مقدمتين :
المقدمة الأولى : في إثبات أن الحركة الواقعة إلى هذا الحد ممكنة في نفسها ويدل عليه وجوه :
الوجه الأول : أن الفلك الأعظم يتحرك من أول الليل إلى آخره ما يقرب من نصف الدور وقد ثبت في الهندسة أن نسبة القطر الواحد إلى الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة وسبع، فيلزم أن تكون نسبة نصف القطر إلى نصف الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة وسبع. وبتقدير أن يقال : إن رسول الله ﷺ ارتفع من مكة إلى ما فوق الفلك الأعظم فهو لم يتحرك إلا بمقدار نصف القطر، فلما حصل في ذلك القدر من الزمان حركة نصف الدور فكان حصول الحركة بمقدار نصف القطر أولى بالإمكان، فهذا برهان قاطع على أن الارتقاء من مكة إلى ما فوق العرش في مقدار ثلث من الليل أمر ممكن في نفسه، وإذا كان كذلك كان حصوله في كل الليل أولى بالإمكان، والله أعلم.
الوجه الثاني : وهو أنه ثبت في الهندسة أن قرص الشمس يساوي كرة الأرض مائة وستين وكذا مرة. ثم إنا نشاهد أن طلوع القرص يحصل في زمان لطيف سريع، وذلك يدل على أن بلوغ الحركة في السرعة إلى الحد المذكور أمر ممكن في نفسه.
الوجه الثالث : أنه كما يستبعد في العقل صعود الجسم الكثيف من مركز العالم إلى ما فوق العرش، فكذلك يستبعد نزول الجسم اللطيف الروحاني من فوق العرش إلى مركز العالم، فإن كان القول بمعراج محمد ﷺ في الليلة الواحدة ممتنعا في العقول، كان القول بنزول جبريل عليه الصلاة والسلام من العرش إلى مكة في اللحظة الواحدة ممتنعا، ولو حكمنا بهذا الامتناع كان ذلك طعنا في نبوة جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والقول بثبوت المعراج فرع على تسليم جواز أصل النبوة، فثبت أن القائلين بامتناع حصول حركة سريعة إلى هذا الحد، يلزمهم القول بامتناع نزول جبريل عليه الصلاة والسلام في اللحظة من العرش إلى مكة، ولما كان ذلك باطلا كان ما ذكروه أيضا باطلا.
فإن قالوا : نحن لا نقول إن جبريل عليه الصلاة والسلام جسم ينتقل من مكان إلى مكان، وإنما نقول المراد من نزول جبريل عليه السلام هو زوال الحجب الجسمانية عن روح محمد ﷺ حتى يظهر في روحه من المكاشفات والمشاهدات بعض ما كان حاضرا متجليا في ذات جبريل عليه الصلاة والسلام.
قلنا : تفسير الوحي بهذا الوجه هو قول الحكماء، فأما جمهور المسلمين فهم مقرون بأن جبريل عليه الصلاة والسلام جسم. وأن نزوله عبارة عن انتقاله من عالم الأفلاك إلى مكة، وإذا كان كذلك كان الإلزام المذكور قويا، روي أنه عليه الصلاة والسلام لما ذكر قصة المعراج كذبه الكل، وذهبوا إلى أبي بكر وقالوا له : إن صاحبك يقول كذا وكذا فقال أبو بكر : إن كان قد قال ذلك فهو صادق، ثم جاء إلى رسول الله ﷺ فذكر الرسول له تلك التفاصيل، فكلما ذكر شيئا قال أبو بكر صدقت، فلما تمم الكلام قال أبو بكر : أشهد أنك رسول الله حقا، فقال له الرسول : وأنا أشهد أنك الصديق حقا، وحاصل الكلام أن أبا بكر رضي الله عنه كأنه قال لما سلمت رسالته فقد صدقته فيما هو أعظم من هذا فكيف أكذبه في هذا ؟
الوجه الرابع : أن أكثر أرباب الملل والنحل يسلمون وجود إبليس ويسلمون أنه هو الذي يتولى إلقاء الوسوسة في قلوب بني آدم، ويسلمون أنه يمكنه الانتقال من المشرق إلى المغرب لأجل إلقاء الوساوس في قلوب بني آدم، فلما سلموا جواز مثل هذه الحركة السريعة في حق إبليس فلأن يسلموا جواز مثلها في حق أكابر الأنبياء كان أولى، وهذا الإلزام قوي على من يسلم أن إبليس جسم ينتقل من مكان إلى مكان، أما الذين يقولون إنه من الأرواح الخبيثة الشريرة وأنه ليس بجسم ولا جسماني، فهذا الإلزام غير وارد عليهم، إلا أن أكثر أرباب الملل والنحل يوافقون على أنه جسم لطيف متنقل.
فإن قالوا : هب أن الملائكة والشياطين يصح في حقهم حصول مثل هذه الحركة السريعة لأنهم أجسام لطيفة، ولا يمتنع حصول مثل هذه الحركة السريعة في ذواتها، أما الإنسان فإنه جسم كثيف فكيف يعقل حصول مثل هذه الحركة السريعة فيه ؟
قلنا : نحن إنما استدللنا بأحوال الملائكة والشياطين على أن حصول حركة منتهية في السرعة إلى هذا الحد ممكن في نفس الأمر، وأما بيان أن هذه الحركة لما كانت ممكنة الوجود في نفسها كانت أيضا ممكنة الحصول في جسم البدن الإنساني، فذاك مقام آخر سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى
الوجه الخامس : أنه جاء في القرآن أن الرياح كانت تسير بسليمان عليه الصلاة والسلام إلى المواضع البعيدة في الأوقات القليلة قال تعالى في صفة مسير سليمان عليه الصلاة والسلام :﴿غدوها شهر ورواحها شهر﴾ بل نقول : الحس يدل على أن الرياح تنتقل عند شدة هبوبها من مكان إلى مكان في غاية البعد في اللحظة الواحدة، وذلك أيضا يدل على أن مثل هذه الحركة السريعة في نفسها ممكنة.
الوجه السادس : أن القرآن يدل على أن الذي عنده علم من الكتاب أحضر عرش بلقيس من أقصى اليمن إلى أقصى الشام في مقدار لمح البصر بدليل قوله تعالى :﴿قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك﴾ وإذا كان ممكنا في حق بعض الناس، علمنا أنه في نفسه ممكن الوجود.
الوجه السابع : إن من الناس من يقول : الحيوان إنما يبصر المبصرات لأجل أن الشعاع يخرج من عينيه ويتصل بالمبصر ثم إنا إذا فتحنا العين ونظرنا إلى رجل رأيناه فعلى قول هؤلاء انتقل شعاع العين من أبصارنا إلى رجل في تلك اللحظة اللطيفة، وذلك يدل على أن الحركة الواقعة على هذا الحد من السريعة من الممكنات لا من الممتنعات، فثبت بهذه الوجوه أن حصول الحركة المنتهية في السرعة إلى هذا الحد أمر ممكن الوجود في نفسه.
المقدمة الثانية : في بيان أن هذه الحركة لما كانت ممكنة الوجود في نفسها وجب أن لا يكون حصولها في جسد محمد ﷺ ممتنعا، والذي يدل عليه أنا بينا بالدلائل القطعية أن الأجسام متماثلة في تمام ماهياتها، فلما صح حصول مثل هذه الحركة في
في الآية مسائل :
المسألة الأولى : قال النحويون :﴿سبحان﴾ اسم علم للتسبيح. يقال : سبحت الله تسبيحا وسبحانا، فالتسبيح هو المصدر، وسبحان : اسم علم للتسبيح كقولك : كفرت اليمين تكفيرا وكفرانا وتفسيره تنزيه الله تعالى من كل سوء. قال صاحب «النظم » : السبح في اللغة : التباعد، يدل عليه قوله تعالى :﴿إن لك في النهار سبحا﴾ أي تباعدا فمعنى : سبح الله تعالى، أي بعده ونزهه عما لا ينبغي وتمام المباحث العقلية في لفظ التسبيح قد ذكرناها في أول سورة الحديد، وقد جاء في لفظ التسبيح معان أخرى : أحدها : أن التسبيح يذكر بمعنى الصلاة، ومنه قوله تعالى :﴿فلولا أنه كان من المسبحين﴾ أي من المصلين، والسبحة : الصلاة النافلة، وإنما قيل للمصلي مسبح، لأنه معظم لله بالصلاة ومنزه له عما لا ينبغي. وثانيها : ورد التسبيح بمعنى الاستثناء في قوله تعالى :﴿قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون﴾ أي تستثنون وتأويله أيضا يعود إلى تعظيم الله تعالى في الاستثناء بمشيئته. وثالثها : جاء في الحديث :" لأحرقت سبحات وجهه ما أدركت من شيء " قيل معناه نور وجهه، وقيل : سبحات وجهه، نور وجهه الذي إذا رآه الرائي قال : سبحان الله، وقوله :﴿أسرى﴾ قال أهل اللغة : أسرى وسرى لغتان : وقوله :﴿بعبده﴾ أجمع المفسرون على أن المراد محمد عليه الصلاة والسلام، وسمعت الشيخ الإمام الوالد عمر بن الحسين رحمه الله قال : سمعت الشيخ الإمام أبا القاسم سليمان الأنصاري قال : لما وصل محمد صلوات الله عليه إلى الدرجات العالية والمراتب الرفيعة في المعراج أوحى الله تعالى إليه : يا محمد بم أشرفك ؟ قال :﴿يا رب بأن تنسبني إلى نفسك بالعبودية﴾ فأنزل الله فيه :﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾ وقوله :﴿ليلا﴾ نصب على الظرف.
فإن قيل : الإسراء لا يكون إلا بالليل فما معنى ذكر الليل ؟
قلنا : أراد بقوله :﴿ليلا﴾ بلفظ التنكير تقليل مدة الإسراء. وأنه أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة، وذلك أن التنكير فيه قد دل على معنى البعضية، واختلفوا في ذلك الليل قال مقاتل : كان ذلك الليل قبل الهجرة بسنة، ونقل صاحب «الكشاف » عن أنس والحسين أنه كان ذلك قبل البعثة. وقوله :﴿من المسجد الحرام﴾ اختلفوا في المكان الذي أسرى به منه، فقيل هو المسجد الحرام بعينه. وهو الذي يدل عليه ظاهر لفظ القرآن، وروي عن النبي ﷺ أنه قال :
" بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق " وقيل أسري به من دار أم هانئ بنت أبي طالب. والمراد على هذا القول بالمسجد الحرام : الحرم لإحاطته بالمسجد والتباسه به، وعن ابن عباس : الحرم كله مسجد، وهذا قول الأكثرين وقوله :﴿إلى المسجد الأقصى﴾ اتفقوا على أن المراد منه بيت المقدس. وسمي بالأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام وقوله :﴿الذي باركنا حوله﴾ قيل بالثمار والأزهار، وقيل بسبب أنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة.
واعلم أن كلمة ﴿إلى﴾ لانتهاء الغاية فمدلول قوله :﴿إلى المسجد الأقصى﴾ أنه وصل إلى حد ذلك المسجد فأما أنه دخل ذلك المسجد أم لا فليس في اللفظ دلالة عليه، وقوله :﴿لنريه من آياتنا﴾ يعني ما رأى في تلك الليلة من العجائب والآيات التي تدل على قدرة الله تعالى.
فإن قالوا : قوله :﴿لنريه من آياتنا﴾ يدل على أنه تعالى ما أراه إلا بعض الآيات، لأن كلمة ﴿من﴾ تفيد التبعيض، وقال في حق إبراهيم :﴿وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض﴾ فيلزم أن يكون معراج إبراهيم عليه السلام أفضل من معراج محمد ﷺ.
قلنا : الذي رآه إبراهيم ملكوت السموات والأرض، والذي رآه محمد ﷺ بعض آيات الله تعالى، ولا شك أن آيات الله أفضل.
ثم قال :﴿إنه هو السميع العليم﴾ أي أن الذي أسرى بعبده هو السميع لأقوال محمد، البصير بأفعاله، العالم بكونها مهذبة خالصة عن شوائب الرياء، مقرونة بالصدق والصفاء، فلهذا السبب خصه الله تعالى بهذه الكرامات، وقيل : المراد سميع لما يقولون للرسول في هذا الأمر، بصير بما يعملون في هذه الواقعة.
المسألة الثانية : اختلف في كيفية ذلك الإسراء، فالأكثرون من طوائف المسلمين اتفقوا على أنه أسرى بجسد رسول الله ﷺ، والأقلون قالوا : إنه ما أسري إلا بروحه، حكي عن محمد بن جرير الطبري في «تفسيره » عن حذيفة أنه قال : ذلك رؤيا. وأنه ما فقد جسد رسول الله ﷺ، وإنما أسري بروحه، وحكي هذا القول أيضا عن عائشة رضي الله عنها، وعن معاوية رضي الله عنه. واعلم أن الكلام في هذا الباب يقع في مقامين : أحدهما : في إثبات الجواز العقلي. والثاني : في الوقوع.
أما المقام الأول : وهو إثبات الجواز العقلي، فنقول : الحركة الواقعة في السرعة إلى هذا الحد ممكنة في نفسها. والله تعالى قادر على جميع الممكنات، وذلك يدل على أن حصول الحركة في هذا الحد من السرعة غير ممتنع، فنفتقر ههنا إلى بيان مقدمتين :
المقدمة الأولى : في إثبات أن الحركة الواقعة إلى هذا الحد ممكنة في نفسها ويدل عليه وجوه :
الوجه الأول : أن الفلك الأعظم يتحرك من أول الليل إلى آخره ما يقرب من نصف الدور وقد ثبت في الهندسة أن نسبة القطر الواحد إلى الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة وسبع، فيلزم أن تكون نسبة نصف القطر إلى نصف الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة وسبع. وبتقدير أن يقال : إن رسول الله ﷺ ارتفع من مكة إلى ما فوق الفلك الأعظم فهو لم يتحرك إلا بمقدار نصف القطر، فلما حصل في ذلك القدر من الزمان حركة نصف الدور فكان حصول الحركة بمقدار نصف القطر أولى بالإمكان، فهذا برهان قاطع على أن الارتقاء من مكة إلى ما فوق العرش في مقدار ثلث من الليل أمر ممكن في نفسه، وإذا كان كذلك كان حصوله في كل الليل أولى بالإمكان، والله أعلم.
الوجه الثاني : وهو أنه ثبت في الهندسة أن قرص الشمس يساوي كرة الأرض مائة وستين وكذا مرة. ثم إنا نشاهد أن طلوع القرص يحصل في زمان لطيف سريع، وذلك يدل على أن بلوغ الحركة في السرعة إلى الحد المذكور أمر ممكن في نفسه.
الوجه الثالث : أنه كما يستبعد في العقل صعود الجسم الكثيف من مركز العالم إلى ما فوق العرش، فكذلك يستبعد نزول الجسم اللطيف الروحاني من فوق العرش إلى مركز العالم، فإن كان القول بمعراج محمد ﷺ في الليلة الواحدة ممتنعا في العقول، كان القول بنزول جبريل عليه الصلاة والسلام من العرش إلى مكة في اللحظة الواحدة ممتنعا، ولو حكمنا بهذا الامتناع كان ذلك طعنا في نبوة جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والقول بثبوت المعراج فرع على تسليم جواز أصل النبوة، فثبت أن القائلين بامتناع حصول حركة سريعة إلى هذا الحد، يلزمهم القول بامتناع نزول جبريل عليه الصلاة والسلام في اللحظة من العرش إلى مكة، ولما كان ذلك باطلا كان ما ذكروه أيضا باطلا.
فإن قالوا : نحن لا نقول إن جبريل عليه الصلاة والسلام جسم ينتقل من مكان إلى مكان، وإنما نقول المراد من نزول جبريل عليه السلام هو زوال الحجب الجسمانية عن روح محمد ﷺ حتى يظهر في روحه من المكاشفات والمشاهدات بعض ما كان حاضرا متجليا في ذات جبريل عليه الصلاة والسلام.
قلنا : تفسير الوحي بهذا الوجه هو قول الحكماء، فأما جمهور المسلمين فهم مقرون بأن جبريل عليه الصلاة والسلام جسم. وأن نزوله عبارة عن انتقاله من عالم الأفلاك إلى مكة، وإذا كان كذلك كان الإلزام المذكور قويا، روي أنه عليه الصلاة والسلام لما ذكر قصة المعراج كذبه الكل، وذهبوا إلى أبي بكر وقالوا له : إن صاحبك يقول كذا وكذا فقال أبو بكر : إن كان قد قال ذلك فهو صادق، ثم جاء إلى رسول الله ﷺ فذكر الرسول له تلك التفاصيل، فكلما ذكر شيئا قال أبو بكر صدقت، فلما تمم الكلام قال أبو بكر : أشهد أنك رسول الله حقا، فقال له الرسول : وأنا أشهد أنك الصديق حقا، وحاصل الكلام أن أبا بكر رضي الله عنه كأنه قال لما سلمت رسالته فقد صدقته فيما هو أعظم من هذا فكيف أكذبه في هذا ؟
الوجه الرابع : أن أكثر أرباب الملل والنحل يسلمون وجود إبليس ويسلمون أنه هو الذي يتولى إلقاء الوسوسة في قلوب بني آدم، ويسلمون أنه يمكنه الانتقال من المشرق إلى المغرب لأجل إلقاء الوساوس في قلوب بني آدم، فلما سلموا جواز مثل هذه الحركة السريعة في حق إبليس فلأن يسلموا جواز مثلها في حق أكابر الأنبياء كان أولى، وهذا الإلزام قوي على من يسلم أن إبليس جسم ينتقل من مكان إلى مكان، أما الذين يقولون إنه من الأرواح الخبيثة الشريرة وأنه ليس بجسم ولا جسماني، فهذا الإلزام غير وارد عليهم، إلا أن أكثر أرباب الملل والنحل يوافقون على أنه جسم لطيف متنقل.
فإن قالوا : هب أن الملائكة والشياطين يصح في حقهم حصول مثل هذه الحركة السريعة لأنهم أجسام لطيفة، ولا يمتنع حصول مثل هذه الحركة السريعة في ذواتها، أما الإنسان فإنه جسم كثيف فكيف يعقل حصول مثل هذه الحركة السريعة فيه ؟
قلنا : نحن إنما استدللنا بأحوال الملائكة والشياطين على أن حصول حركة منتهية في السرعة إلى هذا الحد ممكن في نفس الأمر، وأما بيان أن هذه الحركة لما كانت ممكنة الوجود في نفسها كانت أيضا ممكنة الحصول في جسم البدن الإنساني، فذاك مقام آخر سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى
الوجه الخامس : أنه جاء في القرآن أن الرياح كانت تسير بسليمان عليه الصلاة والسلام إلى المواضع البعيدة في الأوقات القليلة قال تعالى في صفة مسير سليمان عليه الصلاة والسلام :﴿غدوها شهر ورواحها شهر﴾ بل نقول : الحس يدل على أن الرياح تنتقل عند شدة هبوبها من مكان إلى مكان في غاية البعد في اللحظة الواحدة، وذلك أيضا يدل على أن مثل هذه الحركة السريعة في نفسها ممكنة.
الوجه السادس : أن القرآن يدل على أن الذي عنده علم من الكتاب أحضر عرش بلقيس من أقصى اليمن إلى أقصى الشام في مقدار لمح البصر بدليل قوله تعالى :﴿قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك﴾ وإذا كان ممكنا في حق بعض الناس، علمنا أنه في نفسه ممكن الوجود.
الوجه السابع : إن من الناس من يقول : الحيوان إنما يبصر المبصرات لأجل أن الشعاع يخرج من عينيه ويتصل بالمبصر ثم إنا إذا فتحنا العين ونظرنا إلى رجل رأيناه فعلى قول هؤلاء انتقل شعاع العين من أبصارنا إلى رجل في تلك اللحظة اللطيفة، وذلك يدل على أن الحركة الواقعة على هذا الحد من السريعة من الممكنات لا من الممتنعات، فثبت بهذه الوجوه أن حصول الحركة المنتهية في السرعة إلى هذا الحد أمر ممكن الوجود في نفسه.
المقدمة الثانية : في بيان أن هذه الحركة لما كانت ممكنة الوجود في نفسها وجب أن لا يكون حصولها في جسد محمد ﷺ ممتنعا، والذي يدل عليه أنا بينا بالدلائل القطعية أن الأجسام متماثلة في تمام ماهياتها، فلما صح حصول مثل هذه الحركة في