لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن

عن الكتاب
قوله عز وجل ﴿سبحان الذين أسرى بعبده ليلاً﴾ روى ابن الجوزي عن النبي ﷺ أنه سئل عن تفسير سبحان الله فقال :« تنزيه الله عن كل شيء » هكذا ذكره بغير سند وقال النحويون : سبحان اسم علم على التسبيح يقال سبحت الله تسبيحاً فالتسبيح هو المصدر وسبحان الله علم للتسبيح وتفسير سبحان الله، تنزيه الله عن كل سوء ونقيصة وأصله في اللغة التباعد فمعنى سبحان الله بعده ونزاهته عن كل ما لا يبغي ﴿الذي أسرى﴾ يقال سري به وأسري به لغتان ﴿بعبده﴾ أجمع المفسرون والعلماء والمتكلمون، أن المراد به محمد ﷺ لم يختلف أحد من الأمة في ذلك، وقوله بعبده إضافة تشريف وتعظيم وتبجيل وتفخيم وتكريم ومنه قول بعضهم :
لا تدعني إلا بيا عبدهافإنه أشرف أسمائي
قيل : لما بلغ رسول الله ﷺ إلى الدرجات العالية والرتب الرفيعة ليلة المعراج، أوحى الله عز وجل إليه يا محمد بم شرفتك ؟ قال : رب حيث نسبتني إلى نفسك بالعبودية. فأنزل الله سبحانه وتعالى : سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً. فإن قلت : الإسراء لا يكون إلا بالليل فما معنى ذكر الليل. قلت : أراد بقوله ليلاً بلفظ التنكير تقليل مدة الإسراء وأنه أسري به في بعض ليلة من مكة إلى الشام مسيرة شهر أو أكثر، فدل تنكير الليل على البعضية ﴿من المسجد الحرام﴾ قيل كان الإسراء من نفس مسجد مكة وفي حديث مالك بن صعصعة أن رسول الله ﷺ قال « بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر » وذكر حديث المعراج، وسيأتي بكماله فيما بعد وقيل عرج به من دار أم هانئ بنت أبي طالب وهي بنت عمه أخت علي رضي الله تعالى عنه، فعلى هذا أراد بالمسجد الحرام الحرم ﴿إلى المسجد الأقصى﴾ يعني إلى بيت المقدس سمي أقصى لبعده عن المسجد الحرام أو لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد ﴿الذي باركنا حوله﴾ يعني بالأنهار والأشجار والثمار، وقيل سماه مباركاً لأنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة والوحي وقبلة الأنبياء قبل نبينا محمد ﷺ وإليه تحشر الخلق يوم القيامة. فإن قلت : ظاهر الآية يدل على أن الإسراء كان إلى بيت المقدس والأحاديث الصحيحة تدل على أنه عرج به إلى السماء فكيف الجمع بين الدليلين، وما فائدة ذكر المسجد الأقصى فقط ؟ قلت : قد كان الإسراء على ظهر البراق إلى المسجد الأقصى، ومنه كان عروجه إلى السماء على المعراج وفائدة ذكر المسجد الأقصى فقط أنه ﷺ لو أخبر بصعوده إلى السماء أولاً لاشتد إنكارهم لذلك فلما أخبر أنه أسرى به إلى بيت المقدس، وبان لهم صدقه فيما أخبر به من العلامات التي فيه وصدقوه عليها أخبر بعد ذلك بعروجه إلى السماء، فجعل الإسراء إلى المسجد الأقصى كالتوطئة لمعراجه إلى السماء، وقوله تعالى :﴿لنريه من آياتنا﴾ يعني من عجائب قدرتنا فقد رأى محمد ﷺ في تلك الليلة الأنبياء وصلى بهم ورأى الآيات العظام. فإن قلت لفظة من قوله من آياتنا تقتضي التبعيض وقال في حق إبراهيم عليه السلام وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض، وظاهر هذا يدل على فضيلة إبراهيم عليه السلام على محمد ﷺ ولا قائل به فما وجهه. قلت : ملكوت السموات والأرض من بعض آيات الله أيضاً ولآيات الله أفضل من ذلك وأكثر والذي أراه محمداً ﷺ من آياته وعجائبه تلك الليلة كان أفضل من ملكوت السموات والأرض، فظهر بهذا البيان فضل محمد ﷺ على إبراهيم ﷺ ﴿إنه هو السميع﴾ لأقواله ودعائه ﴿البصير﴾ لأفعاله الحافظة له في ظلمة الليل وقت إسرائه وقيل إنه هو السميع لما قالته له قريش حين أخبرهم بمسراه إلى بيت المقدس ﴿البصير﴾ بما ردوا عليه من التكذيب. وقيل : إنه هو السميع لأقوال جميع خلقه البصير بأفعالهم فيجازي كل عامل بعمله. وحمله على العموم أولى.
فصل : في ذكر حديث المعراج وما يتعلق به من الأحكام، وما قال العلماء فيه ( ق ) حدثنا قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن نبي الله ﷺ حدثهم عن ليلة أسري به قال :« بينما أنا في الحطيم وربما قال في الحجر مضطجعاً، ومنهم من قال بين النائم واليقظان إذ أتاني آت فقد قال وسمعته يقول : فشق ما بين هذه إلى هذه فقلت للجارود وهو إلى جنبي ما يعني به قال من ثغرة نحره إلى شعرته سمعته يقول من قصته إلى شعرته، فاستخرج قلبي ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيماناً، فغسل قلبي ثم حشى ثم أعيد ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض فقال له الجارود : أهو البراق يا أبا حمزة ؟ قال أنس : نعم يضع خطوه عند أقصى طرفه فحملت عليه، فانطلق بي جبريل عليه السلام حتى أتى المساء الدنيا فاستفتح فقيل : من هذا ؟ قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل : وقد أرسل إليه قال : نعم قيل مرحباً به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت فإذا فيها آدم فقال : هذا أبوك آدم فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال : مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح ثم صعد حتى أتى السماء الثانية فاستفتح. قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال : محمد قيل : وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحباً به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت فإذا بيحيى وعيسى وهما ابنا خالة قال : هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما فسلمت فردا ثم قالا : مرحباً بالأخ الصالح، والنبي الصالح. ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل : ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال : نعم قيل مرحباً به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت إذا يوسف، قال : هذا يوسف فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال : مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل : ومن معك ؟ قال : محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحباً به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت، فإذا إدريس قال : هذا إدريس فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال : مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحباً فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت فإذا هارون قال : هذا هارون فسلم عليه فسلمت فرد ثم قال : مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قال مرحباً فنعم المجيء فلما خلصت فإذا موسى قال : هذا موسى فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال : مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح فلما تجاوزت بكى قيل له : ما يبكيك ؟ قال : أبكي لأن غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي ثم صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل قيل من هذا قال جبريل قيل : ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحباً به فنعم المجيء جاء لما خلصت فإذا إبراهيم قال : هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال : مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم رفعت إلى سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة قال : هذه سدرة المنتهى فإذا أربعة أنهار نهران باطنان ونهران ظاهران، فقلت : ما هذان يا جبريل قال : أما الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات، ثم رفع لي البيت المعمور ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل فأخذت اللبن فقال : هي الفطرة أنت عليها وأمتك ثم فرضت علي الصلوات خمسين صلاة كل يوم فرجعت، فمررت على موسى فقال بم أمرت قلت : أمرت بخمسين صلاة كل يوم. قال : إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم وإني والله قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم فرجعت إلى موسى، قال : بم أمرت ؟ قلت : بخمس صلوات كل يوم قال : إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم وإني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك قال سألت : ربي حتى استحييت ولكن أرضى وأسلم قال : فلما جاوزت نادى منادي أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي » زاد في رواية أخرى « وأجزي بالحسنة عشراً » وفي رواية أخرى « بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان وفيه ثم غسل البطن بماء زمزم ثم ملئ إيماناً وحكمة، وفيه فرفع إلى البيت المعمور فسألت جبريل فقال هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا لم يعودوا مرة أخرى » ( ق ) « عن أنس بن مالك قال : كان أبو ذر يحدث أن رسول الله ﷺ قال : فرج سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل، ففرج صدري ثم غسله من ماء زمزم ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيماناً، فأفرغها في صدري ثم أطبقه ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء فلما جئنا السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء الدنيا : افتح قال من هذا قال هذا جبريل قيل هل معك أحد قال : نعم معي محمد ﷺ قال : فأرسل إليه قال نعم فافتح ففتح قال : فلما علونا السماء الدنيا فإذا رجل عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة قال فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى فقال مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح، قال : قلت يا جبريل من هذا قال هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه فأهل اليمين أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى، قال : ثم عرج بي جبريل حتى أتى السماء الثانية فقال لخازنها : افتح. فقال له خازنها مثل ما قال خازن السماء الدنيا ففتح. قال أنس بن مالك : فذكر أنه وجد في السموات آدم وإدريس وعيسى وموسى وإبراهيم، ولم يثبت كيف منازلهم غير أنه ذكر أنه قد وجد آدم في السماء الدنيا وإبراهيم في السماء السادسة، قال : لما مر جبريل ورسول الله بإدريس قال مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح، قال : ثم مر فقلت من هذا قال هذا إدريس قال : ثم مررت بموسى فقال مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح قال : فقلت من هذا قال : هذا موسى. قال ثم مررت بعيسى فقال مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح قلت من هذا قال : عيسى ابن مريم قال ثم مررت بإبراهيم فقال مرحباً بالنبي الصالح والإبن الصالح قال فقلت من هذا قال هذا إبراهيم. قال ابن شهاب : وأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان : قال رسول الله ﷺ ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام. قال ابن حزم وأنس بن مالك قال رسول الله ﷺ : ففرض الله على أمتي خمسين صلاة قال : فرجعت بذلك حتى مررت بموسى فقال موسى : ما فرض ربك على أمتك ؟ قلت : فرض عليهم خمسين صلاة. قال لي موسى : فراجع ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك قال فراجعت ربي فوضع شطرها. قال فرجعت إلى موسى فأخبرته قال : راجع ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك قال : فراجعت ربي فقال : هي خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدي قال فرجعت إلى موسى فقال : راجع رب

تفسير هذه الآية من كتب أخرى