الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي
عن الكتاب
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾.
" عن طلحة بن عبيد الله قال : سألت رسول الله ﷺ عن تفسير سبحان الله. قال : تنزيه الله عن كل سوء " ويكون سبحان بمعنى التعجب.
قال الأعشى :
وفي بعض الحديث تفسير سبحان الله : براءة الله من السوء.
فالآية متضمنة للمعنين جميعاً.
﴿مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. اختلفوا فيه : قال بعضهم : كان اسراء رسول الله ﷺ من مسجد مكة.
يدل عليه ماروى قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة أن النبي ﷺ قال :" بينما أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبرئيل بالبراق. . " وذكر حديث المعراج.
وقال الآخرون : عرج برسول الله ﷺ من دار أم هاني بنت أبي طالب أخت علي ( رضي الله عنه ) وزوجها هبيرة بن أبي وهب المخزومي.
وقالوا : معنى قوله ﴿مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ من الحرم، لأن الحرم كله مسجد.
يدل عليه ماروى الكلبي عن أبي صالح عن باذان " عن أم هاني بنت أبي طالب أنها كانت تقول : ما أسرى رسول الله ﷺ إلاّ وهو في بيتي نائم عندي تلك الليلة فصلى في بيتي العشاء الآخرة فصليت معه، ثمّ قمت فنمت وتركته في مصلاه فلم انتبه حتّى أنبهني لصلاة الغداة، قال :" قومي يا أم هاني أُحدثك العجب ".
فقلت : كل حديثك العجب بأبي أنت وأمي فقام وصلى الغداة فصليت معه فلما إنصرف قال :" يا أم هاني لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بعد نومك ثمّ أتاني جبرئيل وأنا في مُصلاي هذا فقال : يا محمّد أخرج فخرجت إلى الباب فإذا بملك راكب على دابة فقال لي : اركب فركبت فسارت بي إلى بيت المقدس، فإذا أتيت على واد طالت يدا الدابة وقصرت رجلاها، فإذا أتيت على عقبة طالت رجلاها وقصرت يداها حتّى إذا أنتهيت إلى بيت المقدس فصليت فيه ثمّ صليت صلاة الغداة معكم الآن كما تروني " ".
قال مقاتل : كانت ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة.
﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ يعني بيت المقدس، سمّي أقصى لأنه أبعد المساجد التي تزار ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ بالماء والأنهار والأشجار والثمار.
وقال مجاهد : سمّاه مباركاً لأنه مَقَرّ الأنبياء، وفيه مهبط الملائكة والوحي، وهو الصخرة، ومنه يحشر الناس يوم القيامة.
﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ﴾ عجائب أمرنا ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾.
وأما حديث المسرى، فأقتصرت به على الأخبار المأثورة المشهورة دون المناكير والأحاديث الواهية الأسانيد وجمعتها على نسق واحد مختصر، ليكون أعلى في الاستماع وأدنى إلى الانتفاع، وهو ما ورى الزهري عن ابن سلمة بن عبد الرحمن قال : سمعت جابر بن عبد الله يقول : قال رسول الله ﷺ وروى السدي عن محمّد بن السائب عن باذان عن ابن عبّاس عن النبي ﷺ دخل كلام بعضهم في بعض قالوا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" لما كانت ليلة أسري بي وأنا بمكة بين النائم واليقظان، جاءني جبرئيل ( عليه السلام ) فقال يا محمّد قم فقمت فإذا جبرئيل ومعه ميكائيل فقال جبرئيل لميكائيل : أئتني بطشت من ماء زمزم لكيما [ وعطر قلبه ] وأشرح له صدره قال : فشق بطني فغسله ثلاث مرات واختلف إليه ميكائيل بثلاث طشات من ماء زمزم، فشرح صدري ونزع ما كان فيه من غل وملاه حلماً وعلماً وإيماناً وختم بين كتفيَّ بخاتم النبوة، ثمّ أخذ جبرئيل بيدي حتّى انتهى بي إلى سقاية زمزم فقال لملك : ائتني بنور من ماء زمزم ومن ماء الكوثر، فقال : توضأ فتوضأت ثمّ قال لي : انطلق يا محمّد. قلت : إلى اين ؟ قال : إلى ربك ورب كل شيء، فأخذ بيدي وأخرجني من المسجد فإذا أنا بالبراق دابة فوق الحمار ودون البغل خدّه كخد الانسان وذنبه كذنب البعير وعرفه كعرف الفرس وقوائمه كقوائم الابل وأظلافه كأظلاف البقر وصدره كأنه ياقوتة حمراء وظهره كأنه درة بيضاء عليه رحل من رحائل الجنة، وله جناحان في فخذيه يمّر مثل البرق خطوة منتهى طرفه فقال لي : إركب، وهي دابة إبراهيم التي كان يزور عليها البيت الحرام.
قال : فلما وضعت يديَّ عليه شمس واستعصى عليَّ، فقال جبرئيل : مه يابراق، فقال البراق : يا جبرئيل [ مس ظهري ] فقال جبرئيل : هل مسستَ [ ظهراً ] قال : لا والله إلاّ إني مررت يوماً على [ نصاب إبل ] فمسحت يدي على رؤسهما وقلت : إن قوماً يعبدونكما من دون الله ضلال. فقال جبرئيل : يابراق أما تستحي فوالله ماركبك مذ كنت قط نبي أكرم على الله من محمد ﷺ قال : فأرتعش البراق وأنصب عرقاً حياءً مني، ثمّ خفض لي حتى لزق بالأرض، فركبته واستويت عليه قام بي جبرئيل نحو المسجد الأقصى بخطوا البراق مدَّ البصر يرسل إلى جنبي لا يفوتني ولا أفوته حيناً أنا في مسيري إذا جاءني نداء عن يميني قال : يا محمّد على رسلك أسلك بقولها ثلاثاً فلم أرفق عليه ثمّ مضيت حتّى جاوزته، فإذا أنا بامرأة عجوز رفعت لي عليها من كل زينة وبهجة تقول : يا محمّد إليَّ، فلم ألتفت إليها وقلت : يا جبرئيل من هذا الذي ناداني عن يميني ؟ فقال : داعية اليهود والذي نفسي بيده لو أجبته لتهودت أُمتك من بعدك والذي ناداك من يسارك داعية النصارى، والذي نفسي بيده لو أجبت لتنصّرت أُمتك من بعدك، فأما التي رفعت لك بهجتها وزينتها فهي الدنيا لو التويت إليها لاختارت أُمتك الدنيا على الآخرة.
ثمّ أتيت بإنائين أحدهما اللبن والآخر خمرة فقيل لي : اشرب ايهما شئت، فأخذت اللبن فشربته. فقال لي جبرئيل : أصبت الفطرة أنت وأمتك، أما إنك لو أخذت الخمر لخمرت أمتك من بعدك قال : ثمّ سار رسول الله ﷺ وسار معه جبرئيل فأتى على قوم يزرعون ويحصدون في يوم واحد، كلما حصدوا عاد كما كان، فقال النبي ﷺ من هؤلاء ؟ فقال : هؤلاء المهاجرون في سبيل الله يضاعف لهم الحسنة سبعمائة ضعف، وما انفقوا من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين.
قال : ثمّ أتى على قوم يرضخ رؤسهم بالصخر كلما رضخت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيئاً. قال : ماهؤلاء ياجبرئيل ؟ قال : هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة. ثمّ أتى على قوم إقبالهم رقاع وعلى أدبارهم رقاع فيسرحون كما تسرح الأنعام إلى الضريع، والزقوم قد صف جهنم وحجارتها فقال : ماهؤلاء ياجبرئيل ؟ فقال : هؤلاء الذين لايؤدون صدقات أموالهم وماظلمهم الله ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] ثمّ أتى على قوم بين ايديهم لحم في قدر نضيج طيب ولحم آخر خبيث، فجعلوا يأكلون الخبيث ويدعون النضيج الطيب، قال : ماهؤلاء ياجبرئيل ؟ فقال : هذا الرجل من يكون عنده المرأة حلالاً طيباً فأتى امرأه خبيثة فيبيت معها حتّى يصبح، فالمرأة تقوم من عند زوجها حلالاً طيباً فتأتي الرجل الخبيث فتبيت معه حتّى تصبح، ثمّ أتى على [ إمرأة ] في الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته ولا شيء آخر إلا فتتّه. فقال : ما هذا ياجبرئيل ؟ قال : هذا مثل أمتك يقعدون على الطريق فيقطعون بمثلاً ﴿وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ [الأعراف: ٨٦] الآية ثمّ أتى على رجل جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها فقال : ما هذا ياجبرئيل ؟ قال : هذا الرجل من أمتك عليه أمانات الناس لايقدر على أدائها وهو يزيد عليها، ثمّ أتى على قوم يقرض السنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد، كلما قرضت عادت كما كانت. قال : ما هؤلاء ياجبرئيل ؟ قال هؤلاء خطباء الفتنة، ثمّ أتى على حجر صغير يخرج منه ثور عظيم فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع.
قال : ما هذا ؟ قال : هذا الرجل من أمتك يتكلم الكلمة العظيمة ثمّ يندم عليها ولا يستطيع أن يردها. قال : ثمّ أتى واد فوجد ريحاً طيبة باردة وصوتاً. قال : ما هذه الريح الطيبة وما هذا الصوت ؟ قال : هذا صوت الجنة، فقال : ربّ أرني بما وعدتني فقد كثر غُرَفي واستبرقي وحريري وسندسي وعبقري ولؤلؤي ومرجاني وفضتي وذهبي وأكوابي وصحافي وأباريقي وفواكهي وعسلي ولبني وخمري ومائي، فأتني بما وعدتني. فقال : لك كل مؤمن ومؤمنة من آمن بي وبرسلي وعمل صالحاً ولم يشرك بي ولم يتخذ من دوني أنداداً، ومن خشيني فهو آمن ومن سألني أعطيته ومن أقرضني جزيته ومن توكل عليَّ كفيته، إني أنا الله لا إله إلاّ أنا لا أخلف الميعاد قد أفلح المؤمنين تبارك الله أحسن الخالقين قال : قد رضيت. قال ثمّ أتى على واد فسمع صوتاً منكراً ووجد ريحاً منتنة فقال : ماهذا يا جبرئيل ؟ قال : هذا صوت جهنم تقول :[ يا ربّ آتني ] ما وعدتني فقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وضريعي وغساقي وعذابي، وقد بعد قعري واشتد حرّي إئتني بما وعدتني، قال : لك كل مشرك ومشركة وكافر وكافرة وكل خبيث وخبيثة وكل جبار لايؤمن بيوم الحساب.
قالت : قد رضيت يارب، ثمّ سار ومعه جبرئيل فقال له جبرئيل : إنزل فصل. قال : فنزلت وصليت، فقال : أتدري أين صليت ؟ صليت بطيبة وإليها المهاجرة إلى الله. ثمّ قال : إنزل فصلّ قال فنزلت فصليت فقال : أتدري أين صليت صليت بطور سيناء حيث كلّم الله موسى ثمّ قال : إنزل فصل، قال : فنزلت فصليت. فقال : أتدري أين صليت ؟ صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى ( عليه السلام ) قال : ثمّ مضينا حتّى أتينا بيت المقدس فلما انتهيت إليه إذا أنا بملائكة قد نزلوا من السماء يتلقونني بالبشارة والكرامة من عند رب العزة يقولون : السلام عليك يا أول ويا آخر ويا حاشر، قال : قلت ياجبرئيل ما تحيتهم إياي ؟ قال : إنك أول من تنشر عنه الأرض وعن أمتك، وأول شافع وأول مشفع وإنك آخر الأنبياء وإن الحشر لك وبأمتك يعني حشر يوم القيامة ».
قال ﷺ " ثمّ جاوزناهم حتّى انتهينا إلى باب المسجد، فأنزلني جبرئيل وربط البراق بالحلقة الي كانت تربط بها الأنبياء ( عليه السلام ) بحطام عليه من حرير الجنة، فلما دخلت الباب إذا أنا بالأنبياء والمرسلين ".
وفي حديث أبي العالية :" " أرواح الأنبياء والمرسلين الذين بعثهم الله قبلي من لدن إدريس ونوح إلى عيسى قد جمعهم الله عزّ وجلّ، فسلموا عليَّ وحيوني بمثل تحية الملائكة قلت : ياجبرئيل من هؤلاء ؟ قال : أخوتك الأنبياء، زعمت قريش أن لله شريكاً، واليهود والنصارى أن لله ولداً، سل هؤلاء المرسلين هل لله شريك ؟
وذلك قوله تعالى ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] فأقرّوا بالربوبية لله تعالى ثمّ جمعهم والملائكة صفوفاً فقدمني وأمرني أن أُصلي بهم فصليت بهم ركعتين. ثمّ إن الأنبياء أثنوا على ربهم فقال إبراهيم ( عليه السلام ) الحمد لله الذي إتخذني خليلاً وأعطاني مُلكاً عظيماً وجعلني أُمة قانتاً يؤتم بي وأنقذني من النار وجعلها عليّ برداً وسلاماً. ثمّ إن موسى ( عليه السلام ) أثنى على ربّه فقال : الحمد لله رب العالمين الذي كلمني تكليماً وجعل هلاك فرعون منه ونجاة بني إسرائيل على يديّ، وجعل من أمتي قوماً يهدون بالحق وبه يعدلون. ثمّ إن داود ( عليه السلام ) أثنى على ربه فقال : الحمد لله الذي ج
" عن طلحة بن عبيد الله قال : سألت رسول الله ﷺ عن تفسير سبحان الله. قال : تنزيه الله عن كل سوء " ويكون سبحان بمعنى التعجب.
قال الأعشى :
| أقول لما جاءني فخر | سبحان من علقمة الفاخر |
فالآية متضمنة للمعنين جميعاً.
﴿مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. اختلفوا فيه : قال بعضهم : كان اسراء رسول الله ﷺ من مسجد مكة.
يدل عليه ماروى قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة أن النبي ﷺ قال :" بينما أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبرئيل بالبراق. . " وذكر حديث المعراج.
وقال الآخرون : عرج برسول الله ﷺ من دار أم هاني بنت أبي طالب أخت علي ( رضي الله عنه ) وزوجها هبيرة بن أبي وهب المخزومي.
وقالوا : معنى قوله ﴿مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ من الحرم، لأن الحرم كله مسجد.
يدل عليه ماروى الكلبي عن أبي صالح عن باذان " عن أم هاني بنت أبي طالب أنها كانت تقول : ما أسرى رسول الله ﷺ إلاّ وهو في بيتي نائم عندي تلك الليلة فصلى في بيتي العشاء الآخرة فصليت معه، ثمّ قمت فنمت وتركته في مصلاه فلم انتبه حتّى أنبهني لصلاة الغداة، قال :" قومي يا أم هاني أُحدثك العجب ".
فقلت : كل حديثك العجب بأبي أنت وأمي فقام وصلى الغداة فصليت معه فلما إنصرف قال :" يا أم هاني لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بعد نومك ثمّ أتاني جبرئيل وأنا في مُصلاي هذا فقال : يا محمّد أخرج فخرجت إلى الباب فإذا بملك راكب على دابة فقال لي : اركب فركبت فسارت بي إلى بيت المقدس، فإذا أتيت على واد طالت يدا الدابة وقصرت رجلاها، فإذا أتيت على عقبة طالت رجلاها وقصرت يداها حتّى إذا أنتهيت إلى بيت المقدس فصليت فيه ثمّ صليت صلاة الغداة معكم الآن كما تروني " ".
قال مقاتل : كانت ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة.
﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ يعني بيت المقدس، سمّي أقصى لأنه أبعد المساجد التي تزار ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ بالماء والأنهار والأشجار والثمار.
وقال مجاهد : سمّاه مباركاً لأنه مَقَرّ الأنبياء، وفيه مهبط الملائكة والوحي، وهو الصخرة، ومنه يحشر الناس يوم القيامة.
﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ﴾ عجائب أمرنا ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾.
وأما حديث المسرى، فأقتصرت به على الأخبار المأثورة المشهورة دون المناكير والأحاديث الواهية الأسانيد وجمعتها على نسق واحد مختصر، ليكون أعلى في الاستماع وأدنى إلى الانتفاع، وهو ما ورى الزهري عن ابن سلمة بن عبد الرحمن قال : سمعت جابر بن عبد الله يقول : قال رسول الله ﷺ وروى السدي عن محمّد بن السائب عن باذان عن ابن عبّاس عن النبي ﷺ دخل كلام بعضهم في بعض قالوا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" لما كانت ليلة أسري بي وأنا بمكة بين النائم واليقظان، جاءني جبرئيل ( عليه السلام ) فقال يا محمّد قم فقمت فإذا جبرئيل ومعه ميكائيل فقال جبرئيل لميكائيل : أئتني بطشت من ماء زمزم لكيما [ وعطر قلبه ] وأشرح له صدره قال : فشق بطني فغسله ثلاث مرات واختلف إليه ميكائيل بثلاث طشات من ماء زمزم، فشرح صدري ونزع ما كان فيه من غل وملاه حلماً وعلماً وإيماناً وختم بين كتفيَّ بخاتم النبوة، ثمّ أخذ جبرئيل بيدي حتّى انتهى بي إلى سقاية زمزم فقال لملك : ائتني بنور من ماء زمزم ومن ماء الكوثر، فقال : توضأ فتوضأت ثمّ قال لي : انطلق يا محمّد. قلت : إلى اين ؟ قال : إلى ربك ورب كل شيء، فأخذ بيدي وأخرجني من المسجد فإذا أنا بالبراق دابة فوق الحمار ودون البغل خدّه كخد الانسان وذنبه كذنب البعير وعرفه كعرف الفرس وقوائمه كقوائم الابل وأظلافه كأظلاف البقر وصدره كأنه ياقوتة حمراء وظهره كأنه درة بيضاء عليه رحل من رحائل الجنة، وله جناحان في فخذيه يمّر مثل البرق خطوة منتهى طرفه فقال لي : إركب، وهي دابة إبراهيم التي كان يزور عليها البيت الحرام.
قال : فلما وضعت يديَّ عليه شمس واستعصى عليَّ، فقال جبرئيل : مه يابراق، فقال البراق : يا جبرئيل [ مس ظهري ] فقال جبرئيل : هل مسستَ [ ظهراً ] قال : لا والله إلاّ إني مررت يوماً على [ نصاب إبل ] فمسحت يدي على رؤسهما وقلت : إن قوماً يعبدونكما من دون الله ضلال. فقال جبرئيل : يابراق أما تستحي فوالله ماركبك مذ كنت قط نبي أكرم على الله من محمد ﷺ قال : فأرتعش البراق وأنصب عرقاً حياءً مني، ثمّ خفض لي حتى لزق بالأرض، فركبته واستويت عليه قام بي جبرئيل نحو المسجد الأقصى بخطوا البراق مدَّ البصر يرسل إلى جنبي لا يفوتني ولا أفوته حيناً أنا في مسيري إذا جاءني نداء عن يميني قال : يا محمّد على رسلك أسلك بقولها ثلاثاً فلم أرفق عليه ثمّ مضيت حتّى جاوزته، فإذا أنا بامرأة عجوز رفعت لي عليها من كل زينة وبهجة تقول : يا محمّد إليَّ، فلم ألتفت إليها وقلت : يا جبرئيل من هذا الذي ناداني عن يميني ؟ فقال : داعية اليهود والذي نفسي بيده لو أجبته لتهودت أُمتك من بعدك والذي ناداك من يسارك داعية النصارى، والذي نفسي بيده لو أجبت لتنصّرت أُمتك من بعدك، فأما التي رفعت لك بهجتها وزينتها فهي الدنيا لو التويت إليها لاختارت أُمتك الدنيا على الآخرة.
ثمّ أتيت بإنائين أحدهما اللبن والآخر خمرة فقيل لي : اشرب ايهما شئت، فأخذت اللبن فشربته. فقال لي جبرئيل : أصبت الفطرة أنت وأمتك، أما إنك لو أخذت الخمر لخمرت أمتك من بعدك قال : ثمّ سار رسول الله ﷺ وسار معه جبرئيل فأتى على قوم يزرعون ويحصدون في يوم واحد، كلما حصدوا عاد كما كان، فقال النبي ﷺ من هؤلاء ؟ فقال : هؤلاء المهاجرون في سبيل الله يضاعف لهم الحسنة سبعمائة ضعف، وما انفقوا من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين.
قال : ثمّ أتى على قوم يرضخ رؤسهم بالصخر كلما رضخت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيئاً. قال : ماهؤلاء ياجبرئيل ؟ قال : هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة. ثمّ أتى على قوم إقبالهم رقاع وعلى أدبارهم رقاع فيسرحون كما تسرح الأنعام إلى الضريع، والزقوم قد صف جهنم وحجارتها فقال : ماهؤلاء ياجبرئيل ؟ فقال : هؤلاء الذين لايؤدون صدقات أموالهم وماظلمهم الله ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] ثمّ أتى على قوم بين ايديهم لحم في قدر نضيج طيب ولحم آخر خبيث، فجعلوا يأكلون الخبيث ويدعون النضيج الطيب، قال : ماهؤلاء ياجبرئيل ؟ فقال : هذا الرجل من يكون عنده المرأة حلالاً طيباً فأتى امرأه خبيثة فيبيت معها حتّى يصبح، فالمرأة تقوم من عند زوجها حلالاً طيباً فتأتي الرجل الخبيث فتبيت معه حتّى تصبح، ثمّ أتى على [ إمرأة ] في الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته ولا شيء آخر إلا فتتّه. فقال : ما هذا ياجبرئيل ؟ قال : هذا مثل أمتك يقعدون على الطريق فيقطعون بمثلاً ﴿وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ [الأعراف: ٨٦] الآية ثمّ أتى على رجل جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها فقال : ما هذا ياجبرئيل ؟ قال : هذا الرجل من أمتك عليه أمانات الناس لايقدر على أدائها وهو يزيد عليها، ثمّ أتى على قوم يقرض السنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد، كلما قرضت عادت كما كانت. قال : ما هؤلاء ياجبرئيل ؟ قال هؤلاء خطباء الفتنة، ثمّ أتى على حجر صغير يخرج منه ثور عظيم فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع.
قال : ما هذا ؟ قال : هذا الرجل من أمتك يتكلم الكلمة العظيمة ثمّ يندم عليها ولا يستطيع أن يردها. قال : ثمّ أتى واد فوجد ريحاً طيبة باردة وصوتاً. قال : ما هذه الريح الطيبة وما هذا الصوت ؟ قال : هذا صوت الجنة، فقال : ربّ أرني بما وعدتني فقد كثر غُرَفي واستبرقي وحريري وسندسي وعبقري ولؤلؤي ومرجاني وفضتي وذهبي وأكوابي وصحافي وأباريقي وفواكهي وعسلي ولبني وخمري ومائي، فأتني بما وعدتني. فقال : لك كل مؤمن ومؤمنة من آمن بي وبرسلي وعمل صالحاً ولم يشرك بي ولم يتخذ من دوني أنداداً، ومن خشيني فهو آمن ومن سألني أعطيته ومن أقرضني جزيته ومن توكل عليَّ كفيته، إني أنا الله لا إله إلاّ أنا لا أخلف الميعاد قد أفلح المؤمنين تبارك الله أحسن الخالقين قال : قد رضيت. قال ثمّ أتى على واد فسمع صوتاً منكراً ووجد ريحاً منتنة فقال : ماهذا يا جبرئيل ؟ قال : هذا صوت جهنم تقول :[ يا ربّ آتني ] ما وعدتني فقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وضريعي وغساقي وعذابي، وقد بعد قعري واشتد حرّي إئتني بما وعدتني، قال : لك كل مشرك ومشركة وكافر وكافرة وكل خبيث وخبيثة وكل جبار لايؤمن بيوم الحساب.
قالت : قد رضيت يارب، ثمّ سار ومعه جبرئيل فقال له جبرئيل : إنزل فصل. قال : فنزلت وصليت، فقال : أتدري أين صليت ؟ صليت بطيبة وإليها المهاجرة إلى الله. ثمّ قال : إنزل فصلّ قال فنزلت فصليت فقال : أتدري أين صليت صليت بطور سيناء حيث كلّم الله موسى ثمّ قال : إنزل فصل، قال : فنزلت فصليت. فقال : أتدري أين صليت ؟ صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى ( عليه السلام ) قال : ثمّ مضينا حتّى أتينا بيت المقدس فلما انتهيت إليه إذا أنا بملائكة قد نزلوا من السماء يتلقونني بالبشارة والكرامة من عند رب العزة يقولون : السلام عليك يا أول ويا آخر ويا حاشر، قال : قلت ياجبرئيل ما تحيتهم إياي ؟ قال : إنك أول من تنشر عنه الأرض وعن أمتك، وأول شافع وأول مشفع وإنك آخر الأنبياء وإن الحشر لك وبأمتك يعني حشر يوم القيامة ».
قال ﷺ " ثمّ جاوزناهم حتّى انتهينا إلى باب المسجد، فأنزلني جبرئيل وربط البراق بالحلقة الي كانت تربط بها الأنبياء ( عليه السلام ) بحطام عليه من حرير الجنة، فلما دخلت الباب إذا أنا بالأنبياء والمرسلين ".
وفي حديث أبي العالية :" " أرواح الأنبياء والمرسلين الذين بعثهم الله قبلي من لدن إدريس ونوح إلى عيسى قد جمعهم الله عزّ وجلّ، فسلموا عليَّ وحيوني بمثل تحية الملائكة قلت : ياجبرئيل من هؤلاء ؟ قال : أخوتك الأنبياء، زعمت قريش أن لله شريكاً، واليهود والنصارى أن لله ولداً، سل هؤلاء المرسلين هل لله شريك ؟
وذلك قوله تعالى ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] فأقرّوا بالربوبية لله تعالى ثمّ جمعهم والملائكة صفوفاً فقدمني وأمرني أن أُصلي بهم فصليت بهم ركعتين. ثمّ إن الأنبياء أثنوا على ربهم فقال إبراهيم ( عليه السلام ) الحمد لله الذي إتخذني خليلاً وأعطاني مُلكاً عظيماً وجعلني أُمة قانتاً يؤتم بي وأنقذني من النار وجعلها عليّ برداً وسلاماً. ثمّ إن موسى ( عليه السلام ) أثنى على ربّه فقال : الحمد لله رب العالمين الذي كلمني تكليماً وجعل هلاك فرعون منه ونجاة بني إسرائيل على يديّ، وجعل من أمتي قوماً يهدون بالحق وبه يعدلون. ثمّ إن داود ( عليه السلام ) أثنى على ربه فقال : الحمد لله الذي ج