معاني القرآن للفراء — الفراء

عن الكتاب
وقوله: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ [١٢٦] (نزلت فِي حَمْزَةَ «١» ) لِمّا مَثَّل المشركون بحمزة يوم أحد فقال النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لأمثّلَنّ بسبعين شيخًا من قريش فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ (وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ) ثُمَّ أمره بالصبر فقال (وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ثُمَّ أمره بالصبر عزمًا فقال:
وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [١٢٧].
وقوله (وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) فالضيق ما ضاق عَنْهُ صدرك، والضيق ما يكون فِي الَّذِي يتسع مثل الدار والثوب وأشباه ذَلِكَ وإذا رأيت الضَّيق وقع فِي موقع الضيق كَانَ عَلَى وجهين: أحدهما أن يكون جَمعًا واحدته ضَيْقَة كما قَالَ «٢» :
كَشَف الضَّيْقة عَنّا وَفَسَحْ
والوجهُ الآخر أن يُراد بِهِ شيء ضَيِّق فيكون مخففًا، وأصله التشديد مثل هين ولين تريد هيّن ليّن.
ومن سورة بنى إسرائيل
قوله: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ. الحرم كله مسجد، يعني مكة وحرمها (إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) : بيت المقدس (الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ) بالثمار والأنهار.
وقوله: (لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا) يعني النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين أُسْرِيَ بِهِ ليريه تِلْكَ الليلة العجائب. وأُري الأنبياء حَتَّى وصفهم لأهل مكة، فقالوا: فإن لنا إبلا فى طريق الشام فأخبرنا
(١) هذه الجملة فى ا، ش، ب بعد «يوم أحد» والمناسب وضعها حيث وضعت
(٢) هو الأعشى. وصدره:
فلئن ربك من رحمته
بأمرها، فأخبرهم بآيات وعلامات، فقالوا: متى تقدَمُ؟ فقال: يوم كذا مع طلوعِ الشمس يقدُمها جَمل أورق. فقالوا: هَذِه علامات نعرف بِهَا صِدْقه من كذبه. فغدوا من وراء العقبة يستقبلونها، فقال قائل: هَذِه والله الشمسُ قد شَرَقت ولم تأتِ. وقال آخر: هَذِه والله العيرُ يقدُمها جَمل أورق كما قَالَ مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثُمَّ لَمْ يؤمنوا.
وقوله: أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا [٢] يُقال: رَبًّا، ويُقال: كافيًا.
وقوله: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا [٣] منصوبة عَلَى النداء ناداهم: يا ذُرِّية من حملنا مع نوح، يعني فِي أصلاب الرجال وأرحام النساء مِمّن لَمْ يُخْلَق.
وقوله: وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ [٤].
أعلمناهم أنهم سيفسدون مرتين.
وقوله: (فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما) يقول: عقوبة أولى المرتين، وهو أول الفسادين (بَعَثْنا عَلَيْكُمْ «١» عِباداً لَنا) يعني بُخْتَنصر فسَبَى وقتل.
وقوله: (فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ) يعني: قتلوكم بين بيوتكم (فَجاسُوا) فِي معنى أخذوا وحاسوا أيضًا بالحاء فِي ذَلِكَ المعنى.
وقوله: ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ [٦] يعني عَلَى بختنصَّر جاء رجل بعثه الله عَزَّ وَجَلَّ عَلَى بختنصر فقتله وأعاد الله إليهم ملكهم وأمرهم، فعاشوا، ثُمَّ أفسدوا وهو آخر الفسادين.
وقوله: فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ [٧] يقول القائل: أين جواب (إذا) ؟
ففيه وجهان. يقال: فإذا جاء وعد الآخرة بعثناهم ليسُوء الله وجوهكم «٢» لِمن قرأ بالياء. وقد يكون
(١) ا: «عليهم»
(٢) هى قراءة ابن عامر وأبى بكر وحمزة وخلف، كما في الإتحاف.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى