اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( ١ )
قوله تعالى :﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾(١) الآية.
قال النحويُّون :" سُبْحَانَ " اسم علم للتَّسبيح يقال : سبحت تسبيحاً فالتسبيح هو المصدر، وسبحان اسم علم للتسبيح ؛ كقوله :" كَفَّرتُ اليمينَ تَكْفيراً وكُفْراناً "، وتقدَّم الكلام عليه في أول البقرة، ومعناه تنزيه الله عن كلِّ سوء.
والنصبُ على المصدر، كأنه وضع موضع " سبَّحت الله تسبيحاً " وهو مفرد، إذا أفرد، وفي آخره زائدتان : الألف والنون، فامتنع من الصرف ؛ للتقدير والزيادتين.
وعن سيبويه أنَّ من العرب من ينكِّرهُ ؛ فيقول :" سُبْحَاناً " بالتنزيه.
وقال أبو عبيدٍ : لا ينتصب على النِّداء، فكأنه قال :" يا سُبْحانَ الله، يا سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبدِه ".
قال القرطبي(٢) : سُبْحانَ، اسم موضوع موضع المصدر، وهو غير متمكن ؛ لأنَّه لا يجري بوجوه الإعراب، ولا يدخل فيه الألف واللام، ولم يجر منه فعلٌ، ولم ينصرف ؛ لأنَّ في آخره زائدتين، ومعناه التنزيهُ، والبراءة لله، فهو ذكر ؛ فلا يصلح لغيره، فأمَّا قول من قال :[ السريع ]
فإنما ذكره على طريق النَّادر.
روى طلحة بن عبيد الله أنه قال للنبيِّ ﷺ :" ما مَعْنَى سبحان لله " فقال :" تَنْزيهُ الله عن كُلِّ سُوءٍ " (٤).
وقال صاحبُ النظم(٥) :" السَّبح في اللغة التباعد ؛ قال تعالى :﴿إِنَّ لَكَ فِي النهار سَبْحَاً طَوِيلاً﴾ [المزمل: ٧] أي : تباعداً طويلاً فمعنى " سَبح " : تنزيهه عمَّا لا ينبغي ".
وللتَّسبيح معانٍ أخر ؛ قد يكون بمعنى الصلاة ؛ كقوله :﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين﴾ [الصافات: ١٤٣] أي المصلِّين والسبحة : صلاة النافلة، وإنما قيل للمصلِّي :" مُسَبِّح " ؛ لأنه معظم لله بالصلاة، ومنزِّهٌ له عمَّا لا ينبغي.
وقد يرد التسبيح(٦) بمعنى الاستثناء ؛ كقوله تعالى :﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم: ٢٨] أي تستثنون.
وتأويله أيضاً يعود إلى تعظيم الله في الاستثناء بمشيئته، وجاء في الحديث :" لأحْرقَتْ سُبحَاتُ وجْهِه " (٧) قيل : معناه : وجهه وقيل : معناه : نور وجهه الذي إذا رآه الرّائي، قال :" سبحان الله ". ويكون " سُبْحَانَ الله " بمعنى التعجُّب.
وقوله :" أسْرَى " و " سَرَى " لغتان، وتقدَّم الكلام عليهما في سورة هود [ آية : ٨١ ]، وأن بعضهم خصَّ " أسْرَى " باللَّيل.
قال الزمخشريُّ هنا : فإن قلت : الإسراء لا يكون إلاَّ ليلاً ؛ فما معنى ذكر الليل ؟.
قلت : أراد بقوله " ليلاً " بلفظ التنكير، تقليل مدَّة الإسراءِ، وأنه أسْرِي به في بعض الليل، من " مكَّة " إلى " الشام " مسيرة أربعين ليلة ؛ وذلك أنَّ التنكير دلَّ على البعضيَّة، ويشهد لذلك قراءة عبد الله وحذيفة " من اللَّيل "، أي : بعضه ؛ كقوله :
﴿وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: ٧٩]. انتهى.
فيكون " سَرَى " و " أسْرَى " ك " سَقَى " و " أسْقَى " والهمزة ليست للتعدية ؛ وإنما المعدَّى الباء في " بعبده "، وقد تقدَّم أنها لا تقتضي مصاحبة الفاعل للمفعول عند الجمهور، في البقرة، خلافاً للمبرِّد.
وزعم ابن عطية أنَّ مفعول " أسْرَى " محذوف، وأن التعدية بالهمزة ؛ فقال :" ويظهر أنَّ " " أسْرَى " معدَّاةٌ بالهمزة إلى مفعول محذوف، أي : أسرى الملائكة بعبده ؛ لأنه يقلقُ أن يسند " أسْرَى " وهو بمعنى " سَرَى " إلى الله تعالى ؛ إذ هو فعلٌ يقتضي النَّقلة ؛ ك " مَشَى، وجرى، وأحضر، وانتقل " فلا يحسن إسناد شيء من هذا مع وجود مندوحةٍ عنه، فإذا وقع في الشريعة شيء من ذلك، تأوَّلناهُ ؛ نحو : أتَيْتهُ هَرْولةً ".
وهذا كلُّه إنما بناهُ ؛ اعتقاداً على أن التعدية بالباء تقتضي مصاحبة الفاعل للمفعول في ذلك، وتقدَّم الردُّ على هذا المذهب في أوَّل البقرة في قوله تعالى :﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠].
ثم جوَّز أن يكون " أسْرَى " بمعنى " سَرَى " على حذف مضافٍ ؛ كقوله :﴿ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] يعني : فيكون التقدير : الذي أسْرى ملائكته بعبده، والحامل له على ذلك ما تقدَّم من اعتقاد المصاحبة. والعبد هو محمد ﷺ.
قوله :" لَيْلاً " منصوب على الظرف، وقد تقدم فائدة تنكيره. و " مِنَ المسجد " " مِنْ " لابتداء الغاية.
قال مقاتل :" كان قبل الهجرة بستَّة عشر شهراً " (٨)، ونقل الزمخشري عن أنس والحسين : كان قبل البعثة، واختلفوا في المكان الذي أسْرِي به منه، فقيل : هو المسجد الحرامُ بعينه ؛ لظاهر القرآن، وقوله - عليه الصلاة والسلام- :" بَيْنَا أنَا في المَسْجدِ الحَرامِ عِندَ البَيْتِ بيْنَ النَّائمِ واليَقْظَانِ، إذْ أتَانِي جِبْريلُ عليه السلام بالبراقِ " (٩).
وقيل : أسري به من دار(١٠) أمِّ هانئ بنت أبي طالبٍ(١١)، وعلى هذا، فالمراد بالمسجد الحرام الحرمُ.
قال ابن عبَّاس :" الحرم كلُّه مَسْجِدٌ " (١٢)، وهذا قول الأكثرين. وقوله :﴿إلى المسجد الأقصى﴾.
اتفقوا على أنه بيتُ المقدس، وسمي بالأقصى ؛ لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام.
وقوله :﴿بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾.
قيل : بالأزهار والثمار.
وقيل : لأنه مقرُّ الأنبياء، ومهبطُ الملائكةِ.
واعلم أنَّ كلمة :" إلى " لانتهاء الغاية، فمدلول قوله :﴿إلى المسجد الأقصى﴾ أنه وصل إلى ذلك، فأما أنه دخل المسجد أم لا، فليس في اللفظ دلالةٌ عليه، إلاَّ أنه ورد الحديثُ أنَّه ﷺ صلَّى فيه.
قوله :" حولَه " فيه وجهان : أظهرهما : أنه منصوبٌ على الظَّرفِ، وقد تقدَّم في تحقيق القول فيه أوَّل البقرة.
والثاني : أنه مفعولٌ. قال أبو البقاء(١٣) :" أي : طيَّبْنَا ونَمَّيْنَا ".
يعني ضمَّنه معنى ما يتعدَّى بنفسه، وفيه نظرٌ ؛ لأنه لا يتصرَّفُ.
قوله :" لِنُريَهُ " قرأ العامة بنون العظمة ؛ جرياً على " بَارَكْنَا " وفيهما التفات من الغيبة في قوله " الَّذي أسْرَى بعبده " إلى التكلُّم في " بَاركْنَا " و " لنُرِيَهُ "، ثم التفت إلى الغيبة في قوله :" إنه هُوَ " إن أعدنا الضمير إلى الله تعالى، وهو الصحيح، ففي الكلام التفاتان.
وقرأ الحسن(١٤) " لِيُريَهُ " بالياء من تحت، أي : الله تعالى، وعلى هذه القراءة يكون في هذه الآية أربعةُ التفاتات : وذلك أنَّه التفت أوَّلاً من الغيبة في قوله " الَّذي أسْرَى بعبْدهِ " إلى التكلم في قوله " بَاركْنَا " ثم التفت ثانياً من التكلُّم في " باركْنَا " إلى الغيبة في " ليُرِيَهُ " على هذه القراءة، ثم التفت ثالثاً من هذه الغيبة إلى التكلم في " آيَاتِنَا "، ثم التفت رابعاً من هذا التكلم إلى الغيبة في قوله " إنَّهُ هُو " على الصحيح في الضمير ؛ أنه لله، وأمَّا على قول نقله أبو البقاء(١٥) أنَّ الضمير في " إنَّه هُو " للنبي ﷺ فلا يجيء ذلك، ويكون في قراءة العامة التفاتٌ واحدٌ، وفي قراءة الحسنِ ثلاثةٌ. وأكثر ما ورد الالتفاتُ فيه ثلاث مراتٍ على ما قاله الزمخشريُّ في قول امرئ القيس :[ المتقارب ]
تَطَاولَ لَيْلُكَ بالأثْمُدِ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . (١٦)
الأبيات. وتقدَّم النزاعُ معه في ذلك، وبعض ما يجابُ به عنه أوَّل الفاتحة.
ولو ادَّعى مُدَّعٍ أنَّ ها هنا خمسة التفاتاتٍ لاحتيج في دفعه إلى دليلٍ واضحٍ، والخامس : الالتفاتُ من " إنَّهُ هُوَ " إلى التكلُّم في قوله ﴿وَآتَيْنَآ مُوسَى الكتاب﴾ [الإسراء: ٢] الآية.
والرؤيةُ هنا بصرية. وقيل : قلبية، وإليه نحا ابن عطيَّة، فإنه قال :" ويحتمل أن يريد : لنُرِيَ محمداً للنَّاس آية، أي : يكون النبي ﷺ آية في أن يصنع الله ببشرِ هذا الصنيع " فتكون الرؤية قلبية على هذا.
معنى الرُّؤية هو ما رأى في تلك الليلة من العجائب والآيات الدالَّة على قدرة الله تعالى.
فإن قيل : قوله :﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ﴾ يدلُّ على أنَّه تعالى ما أراه إلاَّ بعض الآيات ؛ لأن كلمة " مِنْ " للتبعيض وقال في حقِّ إبراهيم :﴿وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السماوات والأرض﴾ [الأنعام: ٧٥] فيلزم أن يكون معراج إبراهيم - عليه السلام - أفضل من معراج محمد ﷺ قلنا(١٧) : فالجواب أن الذي رآه إبراهيم ملكوت السموات والأرض، والذي رآه محمد بعض آياتِ الله، ولا شكَّ أن آيات الله أفضلُ.
ثم قال :﴿إِنَّهُ هُوَ السميع البصير﴾ أي : السميعُ لأقوال محمدٍ ﷺ أي : المجيبُ لدعائهِ البصير : أي : لأفعاله العالم بكونها خالصة عن شوائب الرياءِ، مقرونة بالصِّدق والصَّفاء.
اختلفوا في كيفيَّة ذلك الإسراء، فالأكثرون على أنه أسْرِي بجسد رسُول الله ﷺ.
وروي عن عائشة وحذيفة : أن ذلك كان رُؤيا، قالا : ما فُقِد جَسَدُ رسول الله ﷺ ولكنَّ الله أسْرَى برُوحهِ(١٨). فالكلامُ في هذا الباب في مقامين(١٩).
الأول : في إثبات الجوازِ العقليِّ.
والثاني : في الوُقوعِ.
فالمقام الأول ؛ وهو الجواز العقليُّ : فنقول : الحركة الواقعة في السُّرعة إلى هذا الحدِّ ممكنةٌ في نفسها، والله - تعالى - قادرٌ على جميع الممكنات، والدليل على أنَّ هذه الحركة السَّريعة ممكنة غير ممتنعةٍ تفتقر إلى مقدِّمتين :
الأولى : أنَّ الحركة الواقعة إلى هذا الحدِّ يدلُّ عليها وجوهٌ :
الأول : أنَّ الفلك الأعظم يتحرَّك من أوَّل الليل إلى آخره ما يقرب من نصف الدَّور، وثبت في الهندسة أنَّ نسبة القطر إلى الدَّور نسبة الواحد إلى ثلاثةٍ وسبعة فيلزم أن تكون نسبة نصف القطر إلى نصف الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة وسبعة فبتقدير أن رسول الله ﷺ ارتفع من مكة إلى ما فوق الفلك الأعظم، فهو لم يتحرَّك إلا مقدار نصف القطر، فلمَّا حصل في ذلك القدر من الزمان حركة نصف الدَّور، كان حصول الحركةِ بمقدار نصفِ القطر أولى بالإمكان، فهذا برهانٌ قاطعٌ على أنَّ الارتفاع من مكَّة إلى ما فوق العرشِ في مقدار ثلث اللَّيل أمرٌ ممكنٌ في نفسه، وإذا كان كذلك، كان حصوله في كلِّ الليل أولى بالإمكان.
الثاني : ثبت في الهندسة أنَّ قرص الشمس يساوي كرة الأرض مائة وستين مرَّة، وكذا وكذا وكذا، ثم إنا نشاهد أنَّ طُلوعَ القرص يحصل في زمان لطيفٍ سريعٍ، فدلَّ على أنَّ بلوغ الحركة في السُّرعة إلى هذا الحدِّ أمرٌ ممكنٌ في نفسهِ.
الثالث : أنه كما يستبعدُ في العقلِ صعود الجسم الكثيف عن مركز العالم إلى ما فوق العرش، فكذلك يستبعد نزول الجسم اللَّطيف الرُّوحانِي من فوق ا
قوله تعالى :﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾(١) الآية.
قال النحويُّون :" سُبْحَانَ " اسم علم للتَّسبيح يقال : سبحت تسبيحاً فالتسبيح هو المصدر، وسبحان اسم علم للتسبيح ؛ كقوله :" كَفَّرتُ اليمينَ تَكْفيراً وكُفْراناً "، وتقدَّم الكلام عليه في أول البقرة، ومعناه تنزيه الله عن كلِّ سوء.
والنصبُ على المصدر، كأنه وضع موضع " سبَّحت الله تسبيحاً " وهو مفرد، إذا أفرد، وفي آخره زائدتان : الألف والنون، فامتنع من الصرف ؛ للتقدير والزيادتين.
وعن سيبويه أنَّ من العرب من ينكِّرهُ ؛ فيقول :" سُبْحَاناً " بالتنزيه.
وقال أبو عبيدٍ : لا ينتصب على النِّداء، فكأنه قال :" يا سُبْحانَ الله، يا سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبدِه ".
قال القرطبي(٢) : سُبْحانَ، اسم موضوع موضع المصدر، وهو غير متمكن ؛ لأنَّه لا يجري بوجوه الإعراب، ولا يدخل فيه الألف واللام، ولم يجر منه فعلٌ، ولم ينصرف ؛ لأنَّ في آخره زائدتين، ومعناه التنزيهُ، والبراءة لله، فهو ذكر ؛ فلا يصلح لغيره، فأمَّا قول من قال :[ السريع ]
| أقُولُ لمَّا جَاءنِي فَخرُهُ | سُبحَانَ مِنْ عَلْقمَةَ الفَاخِرِ(٣) |
روى طلحة بن عبيد الله أنه قال للنبيِّ ﷺ :" ما مَعْنَى سبحان لله " فقال :" تَنْزيهُ الله عن كُلِّ سُوءٍ " (٤).
وقال صاحبُ النظم(٥) :" السَّبح في اللغة التباعد ؛ قال تعالى :﴿إِنَّ لَكَ فِي النهار سَبْحَاً طَوِيلاً﴾ [المزمل: ٧] أي : تباعداً طويلاً فمعنى " سَبح " : تنزيهه عمَّا لا ينبغي ".
وللتَّسبيح معانٍ أخر ؛ قد يكون بمعنى الصلاة ؛ كقوله :﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين﴾ [الصافات: ١٤٣] أي المصلِّين والسبحة : صلاة النافلة، وإنما قيل للمصلِّي :" مُسَبِّح " ؛ لأنه معظم لله بالصلاة، ومنزِّهٌ له عمَّا لا ينبغي.
وقد يرد التسبيح(٦) بمعنى الاستثناء ؛ كقوله تعالى :﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم: ٢٨] أي تستثنون.
وتأويله أيضاً يعود إلى تعظيم الله في الاستثناء بمشيئته، وجاء في الحديث :" لأحْرقَتْ سُبحَاتُ وجْهِه " (٧) قيل : معناه : وجهه وقيل : معناه : نور وجهه الذي إذا رآه الرّائي، قال :" سبحان الله ". ويكون " سُبْحَانَ الله " بمعنى التعجُّب.
وقوله :" أسْرَى " و " سَرَى " لغتان، وتقدَّم الكلام عليهما في سورة هود [ آية : ٨١ ]، وأن بعضهم خصَّ " أسْرَى " باللَّيل.
قال الزمخشريُّ هنا : فإن قلت : الإسراء لا يكون إلاَّ ليلاً ؛ فما معنى ذكر الليل ؟.
قلت : أراد بقوله " ليلاً " بلفظ التنكير، تقليل مدَّة الإسراءِ، وأنه أسْرِي به في بعض الليل، من " مكَّة " إلى " الشام " مسيرة أربعين ليلة ؛ وذلك أنَّ التنكير دلَّ على البعضيَّة، ويشهد لذلك قراءة عبد الله وحذيفة " من اللَّيل "، أي : بعضه ؛ كقوله :
﴿وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: ٧٩]. انتهى.
فيكون " سَرَى " و " أسْرَى " ك " سَقَى " و " أسْقَى " والهمزة ليست للتعدية ؛ وإنما المعدَّى الباء في " بعبده "، وقد تقدَّم أنها لا تقتضي مصاحبة الفاعل للمفعول عند الجمهور، في البقرة، خلافاً للمبرِّد.
وزعم ابن عطية أنَّ مفعول " أسْرَى " محذوف، وأن التعدية بالهمزة ؛ فقال :" ويظهر أنَّ " " أسْرَى " معدَّاةٌ بالهمزة إلى مفعول محذوف، أي : أسرى الملائكة بعبده ؛ لأنه يقلقُ أن يسند " أسْرَى " وهو بمعنى " سَرَى " إلى الله تعالى ؛ إذ هو فعلٌ يقتضي النَّقلة ؛ ك " مَشَى، وجرى، وأحضر، وانتقل " فلا يحسن إسناد شيء من هذا مع وجود مندوحةٍ عنه، فإذا وقع في الشريعة شيء من ذلك، تأوَّلناهُ ؛ نحو : أتَيْتهُ هَرْولةً ".
وهذا كلُّه إنما بناهُ ؛ اعتقاداً على أن التعدية بالباء تقتضي مصاحبة الفاعل للمفعول في ذلك، وتقدَّم الردُّ على هذا المذهب في أوَّل البقرة في قوله تعالى :﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠].
ثم جوَّز أن يكون " أسْرَى " بمعنى " سَرَى " على حذف مضافٍ ؛ كقوله :﴿ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] يعني : فيكون التقدير : الذي أسْرى ملائكته بعبده، والحامل له على ذلك ما تقدَّم من اعتقاد المصاحبة. والعبد هو محمد ﷺ.
قوله :" لَيْلاً " منصوب على الظرف، وقد تقدم فائدة تنكيره. و " مِنَ المسجد " " مِنْ " لابتداء الغاية.
فصل في وقت الإسراء
قال مقاتل :" كان قبل الهجرة بستَّة عشر شهراً " (٨)، ونقل الزمخشري عن أنس والحسين : كان قبل البعثة، واختلفوا في المكان الذي أسْرِي به منه، فقيل : هو المسجد الحرامُ بعينه ؛ لظاهر القرآن، وقوله - عليه الصلاة والسلام- :" بَيْنَا أنَا في المَسْجدِ الحَرامِ عِندَ البَيْتِ بيْنَ النَّائمِ واليَقْظَانِ، إذْ أتَانِي جِبْريلُ عليه السلام بالبراقِ " (٩).
وقيل : أسري به من دار(١٠) أمِّ هانئ بنت أبي طالبٍ(١١)، وعلى هذا، فالمراد بالمسجد الحرام الحرمُ.
قال ابن عبَّاس :" الحرم كلُّه مَسْجِدٌ " (١٢)، وهذا قول الأكثرين. وقوله :﴿إلى المسجد الأقصى﴾.
اتفقوا على أنه بيتُ المقدس، وسمي بالأقصى ؛ لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام.
وقوله :﴿بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾.
قيل : بالأزهار والثمار.
وقيل : لأنه مقرُّ الأنبياء، ومهبطُ الملائكةِ.
واعلم أنَّ كلمة :" إلى " لانتهاء الغاية، فمدلول قوله :﴿إلى المسجد الأقصى﴾ أنه وصل إلى ذلك، فأما أنه دخل المسجد أم لا، فليس في اللفظ دلالةٌ عليه، إلاَّ أنه ورد الحديثُ أنَّه ﷺ صلَّى فيه.
قوله :" حولَه " فيه وجهان : أظهرهما : أنه منصوبٌ على الظَّرفِ، وقد تقدَّم في تحقيق القول فيه أوَّل البقرة.
والثاني : أنه مفعولٌ. قال أبو البقاء(١٣) :" أي : طيَّبْنَا ونَمَّيْنَا ".
يعني ضمَّنه معنى ما يتعدَّى بنفسه، وفيه نظرٌ ؛ لأنه لا يتصرَّفُ.
قوله :" لِنُريَهُ " قرأ العامة بنون العظمة ؛ جرياً على " بَارَكْنَا " وفيهما التفات من الغيبة في قوله " الَّذي أسْرَى بعبده " إلى التكلُّم في " بَاركْنَا " و " لنُرِيَهُ "، ثم التفت إلى الغيبة في قوله :" إنه هُوَ " إن أعدنا الضمير إلى الله تعالى، وهو الصحيح، ففي الكلام التفاتان.
وقرأ الحسن(١٤) " لِيُريَهُ " بالياء من تحت، أي : الله تعالى، وعلى هذه القراءة يكون في هذه الآية أربعةُ التفاتات : وذلك أنَّه التفت أوَّلاً من الغيبة في قوله " الَّذي أسْرَى بعبْدهِ " إلى التكلم في قوله " بَاركْنَا " ثم التفت ثانياً من التكلُّم في " باركْنَا " إلى الغيبة في " ليُرِيَهُ " على هذه القراءة، ثم التفت ثالثاً من هذه الغيبة إلى التكلم في " آيَاتِنَا "، ثم التفت رابعاً من هذا التكلم إلى الغيبة في قوله " إنَّهُ هُو " على الصحيح في الضمير ؛ أنه لله، وأمَّا على قول نقله أبو البقاء(١٥) أنَّ الضمير في " إنَّه هُو " للنبي ﷺ فلا يجيء ذلك، ويكون في قراءة العامة التفاتٌ واحدٌ، وفي قراءة الحسنِ ثلاثةٌ. وأكثر ما ورد الالتفاتُ فيه ثلاث مراتٍ على ما قاله الزمخشريُّ في قول امرئ القيس :[ المتقارب ]
تَطَاولَ لَيْلُكَ بالأثْمُدِ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . (١٦)
الأبيات. وتقدَّم النزاعُ معه في ذلك، وبعض ما يجابُ به عنه أوَّل الفاتحة.
ولو ادَّعى مُدَّعٍ أنَّ ها هنا خمسة التفاتاتٍ لاحتيج في دفعه إلى دليلٍ واضحٍ، والخامس : الالتفاتُ من " إنَّهُ هُوَ " إلى التكلُّم في قوله ﴿وَآتَيْنَآ مُوسَى الكتاب﴾ [الإسراء: ٢] الآية.
والرؤيةُ هنا بصرية. وقيل : قلبية، وإليه نحا ابن عطيَّة، فإنه قال :" ويحتمل أن يريد : لنُرِيَ محمداً للنَّاس آية، أي : يكون النبي ﷺ آية في أن يصنع الله ببشرِ هذا الصنيع " فتكون الرؤية قلبية على هذا.
فصل في معنى " لِنُريَهُ "
معنى الرُّؤية هو ما رأى في تلك الليلة من العجائب والآيات الدالَّة على قدرة الله تعالى.
فإن قيل : قوله :﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ﴾ يدلُّ على أنَّه تعالى ما أراه إلاَّ بعض الآيات ؛ لأن كلمة " مِنْ " للتبعيض وقال في حقِّ إبراهيم :﴿وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السماوات والأرض﴾ [الأنعام: ٧٥] فيلزم أن يكون معراج إبراهيم - عليه السلام - أفضل من معراج محمد ﷺ قلنا(١٧) : فالجواب أن الذي رآه إبراهيم ملكوت السموات والأرض، والذي رآه محمد بعض آياتِ الله، ولا شكَّ أن آيات الله أفضلُ.
ثم قال :﴿إِنَّهُ هُوَ السميع البصير﴾ أي : السميعُ لأقوال محمدٍ ﷺ أي : المجيبُ لدعائهِ البصير : أي : لأفعاله العالم بكونها خالصة عن شوائب الرياءِ، مقرونة بالصِّدق والصَّفاء.
فصل في كيفية الإسراء
اختلفوا في كيفيَّة ذلك الإسراء، فالأكثرون على أنه أسْرِي بجسد رسُول الله ﷺ.
وروي عن عائشة وحذيفة : أن ذلك كان رُؤيا، قالا : ما فُقِد جَسَدُ رسول الله ﷺ ولكنَّ الله أسْرَى برُوحهِ(١٨). فالكلامُ في هذا الباب في مقامين(١٩).
الأول : في إثبات الجوازِ العقليِّ.
والثاني : في الوُقوعِ.
فالمقام الأول ؛ وهو الجواز العقليُّ : فنقول : الحركة الواقعة في السُّرعة إلى هذا الحدِّ ممكنةٌ في نفسها، والله - تعالى - قادرٌ على جميع الممكنات، والدليل على أنَّ هذه الحركة السَّريعة ممكنة غير ممتنعةٍ تفتقر إلى مقدِّمتين :
الأولى : أنَّ الحركة الواقعة إلى هذا الحدِّ يدلُّ عليها وجوهٌ :
الأول : أنَّ الفلك الأعظم يتحرَّك من أوَّل الليل إلى آخره ما يقرب من نصف الدَّور، وثبت في الهندسة أنَّ نسبة القطر إلى الدَّور نسبة الواحد إلى ثلاثةٍ وسبعة فيلزم أن تكون نسبة نصف القطر إلى نصف الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة وسبعة فبتقدير أن رسول الله ﷺ ارتفع من مكة إلى ما فوق الفلك الأعظم، فهو لم يتحرَّك إلا مقدار نصف القطر، فلمَّا حصل في ذلك القدر من الزمان حركة نصف الدَّور، كان حصول الحركةِ بمقدار نصفِ القطر أولى بالإمكان، فهذا برهانٌ قاطعٌ على أنَّ الارتفاع من مكَّة إلى ما فوق العرشِ في مقدار ثلث اللَّيل أمرٌ ممكنٌ في نفسه، وإذا كان كذلك، كان حصوله في كلِّ الليل أولى بالإمكان.
الثاني : ثبت في الهندسة أنَّ قرص الشمس يساوي كرة الأرض مائة وستين مرَّة، وكذا وكذا وكذا، ثم إنا نشاهد أنَّ طُلوعَ القرص يحصل في زمان لطيفٍ سريعٍ، فدلَّ على أنَّ بلوغ الحركة في السُّرعة إلى هذا الحدِّ أمرٌ ممكنٌ في نفسهِ.
الثالث : أنه كما يستبعدُ في العقلِ صعود الجسم الكثيف عن مركز العالم إلى ما فوق العرش، فكذلك يستبعد نزول الجسم اللَّطيف الرُّوحانِي من فوق ا
١ سقط من أ..
٢ ينظر: الجامع لأحكام القرآن ١٠/١٣٤..
٣ البيت للأعشى، وقد تقدم، وهو في ديوانه ص ١٩٣، وأساس البلاغة ص ٢٠ (سبح)، والأشباه والنظائر ٢/١٠٩، وجمهرة اللغة ص ٢٧٨، وخزانة الأدب ١/١٨٥، ٧/٢٣٤، ٢٣٥، ٢٣٨، والخصائص ٢/٤٣٥، والدرر ٣/٧٠، وشرح أبيات سيبويه ١/١٥٧ وشرح شواهد المغني ٢/٩٠٥، وشرح المفصل ١/٣٧، ١٢٠، والكتاب ١/٣٢٤، واللسان (سبح) والخصائص ٢/١٩٧، ٣/٢٩، ومجالس ثعلب ١/٢٦١، والمقتضب ٣/٢١٨، والمقرب ١/١٤٩، وهمع الهوامع ١/١٩٠، ٢/٥٢..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٣) عن موسى بن طلحة مرفوعا.
أخرجه البزار (٣٠٨٢ ـ كشف) عن طلحة بن عبيد الله وذكره الهيثمي في "المجمع" (١٠/٩٧ ـ ٩٨) وقال رواه البزار وفيه عبد الرحمن بن حماد الطلحي وهو ضعيف بسبب هذا وغيره.
وحديث طلحة ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/١١٠) وعزاه إلى الطبري والديلمي والخطيب في "الكفاية" من طرق عنه مرفوعا.
وله شاهد عن ابن عباس موقوفا:
ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/١١٠) وعزاه إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم والمحاملي في "أماليه"..
٥ ينظر: الفخر الرازي ٢٠/١١٦..
٦ في أ: يكون..
٧ تقدم..
٨ ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/٩٢) ولكن قال: بسنة..
٩ أخرجه البخاري في "صحيحه" (٣٨٨٧)..
١٠ في أ: بيت..
١١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤) عن أم هانيء.
وأخرجه الطبري وابن مردويه كما في ب"الدر المنثور" (٤/٢٧٤) عنها بلفظ آخر..
١٢ ذكره الرازي في "تفسيره" (٢٠/١١٧) وقد تقدم تخريجه..
١٣ ينظر: الإملاء ٢/٨٧..
١٤ ينظر: الإتحاف ٢/١٩٢، والكشاف ٢/٦٤٨، والبحر ٦/٧، والدر المصون ٤/٣٦٩..
١٥ ينظر: الإملاء ٢/٨٧..
١٦ تقدم..
١٧ ينظر: الفخر الرازي ٢٠/١١٧..
١٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/١٦) وذكره ابن إسحق في "السيرة" (٢/٣٠٤)..
١٩ ينظر: الفخر الرازي ٢٠/١١٨..
٢ ينظر: الجامع لأحكام القرآن ١٠/١٣٤..
٣ البيت للأعشى، وقد تقدم، وهو في ديوانه ص ١٩٣، وأساس البلاغة ص ٢٠ (سبح)، والأشباه والنظائر ٢/١٠٩، وجمهرة اللغة ص ٢٧٨، وخزانة الأدب ١/١٨٥، ٧/٢٣٤، ٢٣٥، ٢٣٨، والخصائص ٢/٤٣٥، والدرر ٣/٧٠، وشرح أبيات سيبويه ١/١٥٧ وشرح شواهد المغني ٢/٩٠٥، وشرح المفصل ١/٣٧، ١٢٠، والكتاب ١/٣٢٤، واللسان (سبح) والخصائص ٢/١٩٧، ٣/٢٩، ومجالس ثعلب ١/٢٦١، والمقتضب ٣/٢١٨، والمقرب ١/١٤٩، وهمع الهوامع ١/١٩٠، ٢/٥٢..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٣) عن موسى بن طلحة مرفوعا.
أخرجه البزار (٣٠٨٢ ـ كشف) عن طلحة بن عبيد الله وذكره الهيثمي في "المجمع" (١٠/٩٧ ـ ٩٨) وقال رواه البزار وفيه عبد الرحمن بن حماد الطلحي وهو ضعيف بسبب هذا وغيره.
وحديث طلحة ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/١١٠) وعزاه إلى الطبري والديلمي والخطيب في "الكفاية" من طرق عنه مرفوعا.
وله شاهد عن ابن عباس موقوفا:
ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/١١٠) وعزاه إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم والمحاملي في "أماليه"..
٥ ينظر: الفخر الرازي ٢٠/١١٦..
٦ في أ: يكون..
٧ تقدم..
٨ ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/٩٢) ولكن قال: بسنة..
٩ أخرجه البخاري في "صحيحه" (٣٨٨٧)..
١٠ في أ: بيت..
١١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤) عن أم هانيء.
وأخرجه الطبري وابن مردويه كما في ب"الدر المنثور" (٤/٢٧٤) عنها بلفظ آخر..
١٢ ذكره الرازي في "تفسيره" (٢٠/١١٧) وقد تقدم تخريجه..
١٣ ينظر: الإملاء ٢/٨٧..
١٤ ينظر: الإتحاف ٢/١٩٢، والكشاف ٢/٦٤٨، والبحر ٦/٧، والدر المصون ٤/٣٦٩..
١٥ ينظر: الإملاء ٢/٨٧..
١٦ تقدم..
١٧ ينظر: الفخر الرازي ٢٠/١١٧..
١٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/١٦) وذكره ابن إسحق في "السيرة" (٢/٣٠٤)..
١٩ ينظر: الفخر الرازي ٢٠/١١٨..