التفسير الشامل — أمير عبد العزيز

عن الكتاب
بسم الله الرحمان الرحيم
﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنيره من آياتنا إنه هو السميع البصير﴾ ( سبحان )، اسم علم للتسبيح. سبحت الله تسبيحا وسبحانا ؛ فالتسبيح هو المصدر. و ( سبحان ) اسم علم للتسبيح. وسبحان الله، معناه تنزيه الله تعالى من كل سوء(١).
قوله :( أسرى بعبده ليلا ) سرى وأسرى، من الإسراء وهو السير ليلا.
والمراد بعبده محمد ( ص ) ؛ فقد أسرى الله به ليلا، بلفظ التنكير، لقلة المدة التي وقع فيها الحدث القدسي الهائل ؛ إذ أسرى الله برسوله الكريم ( ص ) في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة، في عرف السابقين من ذلك الزمان وكان ذلك قبل الهجرة بعدة أعوام. وسمي بالأقصى لبعد المسافة بين المسجدين ؛ ولأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد.
وهل وقع الإسراء بالروح وحده، أو بالروح والجسد معا ؟ فقد ذهب معظم العلماء من السلف والخلف من المسلمين إلى أن النبي ( ص ) قد أسري بروحه وجسده معا، وأنه ركب البراق بمكة ووصل إلى بيت المقدس وصلى فيه، ثم عرج بجسده من ثم إلى السموات. ويدل على ذلك : أن الحدث في ذاته معجزة هائلة. وهي دليل الوقوع بالروح والجسد مجتمعين. ولو كان الإسراء بالروح دون الجسد كالرؤيا في المنام لما كان في ذلك آية ولا معجزة ولما كان مدعاة للدهش والعجب، ولا معنى للبدء بتنزيه الله نفسه بقوله :( سبحان ) لا جرم أن البداية بهذا التعبير يكشف عن خبر مذهل وجلل قد تحقق في عملية الإسراء. ولا يكون ذلك بمجرد الروح.
وهو أمر غير عجيب ولا مثير ؛ بل إن ما حصل كان معجزة ضخمة لا تعني غير الإسراء بالروح والجسد مجتمعين. ويعزز ذلك ويؤيده ما ورد في هذه المسألة من أخبار كثيرة، منها ما أخرجه الإمام أحمد بسنده عن ابن عباس قال : قال رسول الله ( ص ) : " لما كان ليلة أسري بي فأصبحت بمكة فظعت(٢) وعرفت أن الناس مكذبي، فقعدت معتزلا حزينا فمرّ به أبو جهل فجاء حتى جلس إليه فقال له كالمستهزئ : هل كان من شيء ؟ فقال رسول الله ( ص ) : " نعم " قال : وما هو ؟ قال : " إني أسري بي الليلة " قال إلى أين ؟ قال : " إلى بيت المقدس " قال : ثم أصبحت بين ظهرانينا ؟ قال : " نعم " فلم ير أن يكذبه مخافة أن يجحد الحديث إن دعا قومه إليه. فقال : أرأيت إن دعوت قومك أتحدثهم بما حدثتني ؟ فقال رسول الله ( ص ) : " نعم " فقال : يا معشر بني كعب بن لؤي. قال : فانفضت إليه المجالس وجاءوا حتى جلسوا إليهما. قال : حدث قومك بما حدثني. قال رسول الله ( ص ) : " إني أسري بي الليلة " فقالوا : إلى أين ؟ قال : " إلى بيت المقدس " قالوا : ثم أصبحت بين ظهرانينا ؟. قال : " نعم " قال : فمن بين مصفق، ومن بين واضع يده على رأسه متعجبا. قالوا : ونستطيع أن تنعت لنا المسجد ؟ - وفيهم من قد سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد- فقال رسول الله ( ص ) : " فما زلت أنعت حتى التبس علي بعض النعت فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع دون دار عقيل فنعته وأنا أنظر إليه " فقال القوم : أما النعت فوالله لقد أصاب فيه.
ويستفاد من شدة تكذيب القوم واستنكارهم أن هذا الحدث العظيم ما كان ليحصل إلا بالروح والجسد ؛ فإنه ما كان لمثل هذا الدهش الذي طغى على المشركين ليكون لو أن حدث الإسراء حصل بالروح دون الجسد ؛ فرؤيا المنام لا مدعاة فيها لعجب أو إثارة ؛ لكن القوم قد أخذهم الذهول أخذا لإدراكهم أن المراد من الإسراء هو تحققه بالروح والجسد معا.
قوله :( الذي باركنا حوله ) والمراد بركات الدين والدنيا. أما الدين : فبيت المقدس متعبد الأنبياء ومهبط الوحي، وقد دفن حوله من الأنبياء والصالحين كثيرون. أما الدنيا : فقد جعل الله البركة لساكنيه في معايشهم وأرزاقهم وحروثهم وثمراتهم.
قوله :( لنريه من آياتنا ) لقد أراه الله في طريقه إلى بيت المقدس وبعد مصيره إليه وصعوده في السماوات من العجائب والمشاهد والعبر ما لا يطيق رؤيته غير أولي العزم من النبيين كرسول الله ( ص ). لقد أراه الله البيت المعمور وسدرة المنتهى، ولقي في صعوده بعض النبيين المرسلين وبعض الملائكة العظام.
قوله :( إنه هو السميع البصير ) الله سميع لما يقوله المشركون والمرتابون والمكذبون من تخريص عن الإسراء. وهو كذلك بصير بأعمالهم وما " يجنونه من منكرات الأفعال كصدهم عن دين الإسلام وإثارتهم من حوله الشبهات والأباطيل.
١ - تفسير الرازي جـ٢٠ ص ١٤٦ ومختار الصحاح ص ٢٨٢ والموجز في قواعد اللغة العربية للأستاذ سعيد الأفغاني ص ٢٦٠.
٢ - فظعت: أخسست بلفظاعة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى