زهرة التفاسير — أبو زهرة

عن الكتاب
جهدت نفس النبي صلى الله عليه وسلم ولم ييأس من رحمة الله عندما ماتت زوجه المواسية الحانية التي كان يسكن إليها بعد لغوب الحياة ومعاندة المشركين وإيذائهم له وللمؤمنين فهي التي واسته عندما نزل الوحي، وذهب إليها يرجف فؤاده، فقالت له : إنك تكرم الضيف وتحمل الكل، وتعين على نوائب الدهر، ولن يضيعك الله أبدا، وذهبت برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابن عمها الذي كان على علم بالكتاب فقال له : إن هذا هو الناموس الذي نزل موسى من قبل، ليتنى أكون فيها جذعا إذ يخرجك قومك فقال صلى الله عليه وسلم :"أو مخرجي هم" فقال : ما أتى قوم بمثل ما أوتيت إلا أخرجوه(١).
وفي سنة وفاتها توفي الحامي الحاني أبو طال الذي كان درئة(٢) من قريش، فسمى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك العام عام الحزن.
وذهب إلى الطائف يعلن الدعوة في ثقيف عسى أن يكون منهم النصراء المستجيبون ولكنهم ردوه ردا قبيحا وأحس أنه فقد المعين، فقال داعيا ربه :"اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي إلا أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي سخطك أو يحل علي غضبك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا لك".
استجاب الله تعالى لنبيه الكريم فأعطاه القوة بالبراهين الحسية التي لا يمارى فيها إلا المثبورون، فشق له القمر ورآه السارون(٣) فماروا وقالوا سحر مستمر مع أنه رؤى رأى العين، وأعطاه الله قوة الحيلة فتحايل للدخول إلى مكة في جوار بعض القرشيين، فدخلها بين أولاد من نزل في جواره، وقد خرجوا ليناصروه، وإذا كان فقد العم البار الحاني، والزوجة المؤنسة الواسية الحانية فإنه الله تعالى أشعره بأن الله معه ومؤنسه، وكان ذلك بالإسراء والمعراج، فآنسه الله تعالى في وحشته.
قال تعالى :﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام﴾ ( سبحان ) : اسم في معنى المصدر، وهو غير متصرف فلا تجرى عليه وجوه الإعراب وليس له فعل، وقد يعده بعض العلماء مصدرا من سبح يسبح تسبيحا وسبحانا، ومعنى هذه اللغة تنزيه الله تعالى وتقديسه وبراءته من كل نقص لا يليق بالذات العلية المكرمة، وقد روى أن طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المبشرين بالجنة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما معنى سبحان الله فقال :"تنزيه الله من كل سوء"، وصدرت الآية أو السورة بالتسبيح وتنزيه الله تعالى عن كل عيب ؛ لأنه سيكون فيها إسراء ومعراج، واتجاه إلى الله واستشراف بالملأ الأعلى فكان لا بد من الابتداء بما يدل على التنزيه عن التجسيم والأغراض التي لا تليق بذاته الكريمة، و( سبحان ) منصوبة على أنه مفعول مطلق ؛ لأنه في معنى المصدر أو مصدر كما ذكرنا.
وأسرى : أي سار ليلا، فالإسراء لا يكون إلا بالليل، وذكر ( ليلا ) للتبعيض فكان التنكير للدلالة على البعضية، فالإسراء كان في بعض الليل لا في الليل كله، فما استغرق الليل كله، بل كان في بعض، وكان ذكر ليلا للإشارة إلى أنه حين يكون السير ليس سهلا، إذ إن الانتقال إلى مكان بعيد لا يكون ليلا، بل يكون نهارا، ولا يكون بعض الليل بل يكون بعض النهار، فذكر "ليلا" للدلالة على موضع الغرابة، أنه كان بأقصى السرعة، وكان ليلا.
وذكر "عبده" في قوله تعالى ﴿أسرى بعبده﴾، للإشارة إلى قربه من بينه فقد خلص له، ولم يكن بينه وبينه حجاب إلا العبودية، وأضاف إليه سبحانه لمعنى الاختصاص وأنه صار خالصا لله سبحانه وتعالى، وفي ذلك إشارة إلى معنى دعائه صلى الله عليه وسلم :"إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي" فقال له ربه : أنت عبدي، أي أنت لي خالصا.
وقد عين ابتداء السير، وانتهاءه فقال سبحانه :﴿من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا﴾ فالابتداء من المسجد الحرام لا من مكة كلها، وصحت الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أسرى به من الحجر في المسجد(٤)، وقيل إنه أسرى به من بيت أم هانئ بنت أبي طالب، ونحن نرى أن الأولى أن يكون ابتداء الإسراء من الحجر، لصحة الرواية ولأنها التي تتفق مع النص ؛ لأن النص ذكر أنه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ومكة وإن كانت حرما آمنا لأجل المسجد الحرام، فليست كلها الكعبة ولا المسجد الحرام.
والمسجد الأقصى هو بيت المقدس، قيل إن الذي بناه يعقوب بن إسحاق عليهما السلام، ومهما يكن تاريخ بنائه فهو مسجد مقدس كما قال صلى الله عليه وسلم :"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : البيت الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي هذا"(٥).
وهو إحدى القبلتين – أولهما – اتجه إليه النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، فقد كان في صلاته يصلى متجها إليها غير مستدبر الكعبة، ولما هاجر استمر يتجه إلى بيت المقدس وحده نحو ستة عشر شهرا(٦).
وكان الإسراء قبل الهجرة بعام، وبعد موت أم المؤمنين خديجة، وعمه أبي طالب، وقد ذكرت في أول القول ما كان للإسراء من أثر نفسي في التسرية عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد ذكر الله تعالى بعد المسجد الأقصى وصفا كريما له فقال :﴿باركنا حوله﴾، ففيه آثار النبيين من أولاد إسحاق عليه السلام وفيه كانت الإمامة الكبرى بأرواحهم، وقد قال الزمخشري في قوله تعالى :﴿باركنا حوله﴾ يريد سبحانه بركات الدين والدنيا ؛ لأنه متبعد الأنبياء من وقت موسى، ومهبط الوحي، وهو محفوظ بالأنهار الجارية والأشجار المثمرة، وكانت بركته أيضا في أنه إلى هذا الوقت كان قبلة المسلمين.
وقوله تعالى :﴿لنريه من آياتنا﴾ أي يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم من آيات ربه الكبرى ومن إمامته لأرواح الأنبياء أو للأنبياء أنفسهم قد أحضرهم الله تعالى له بأجسادهم، كما يبعثهم يوم البعث بأجسادهم، وتلك آيات من آيات الله تعالى، وعرج به إلى السموات العلا، كما قال تعالى في سورة النجم :﴿والنجم إذا هوى ( ١ ) ما ضل صاحبكم وما غوى ( ٢ ) وما ينطق عن الهوى ( ٣ ) إن هو إلا وحي يوحى ( ٤ ) علمه شديد القوى ( ٥ ) ذو مرة فاستوى ( ٦ ) وهو بالأفق الأعلى ( ٧ ) ثم دنا فتدلى ( ٨ ) فكان قاب قوسين أن أدنى ( ٩ ) فأوحى إلى عبده ما أوحى ( ١٠ ) ما كذب الفؤاد ما رأى ( ١١ ) أفتمارونه على ما يرى ( ١٢ ) ولقد رآه نزلة أخرى ( ١٣ ) عند سدرة المنتهى ( ١٤ ) عندها جنة المأوى ( ١٥ ) إذ يغشى السدرة ما يغشى ( ١٦ ) ما زاغ البصر وما طغى ( ١٧ ) لقد رأى من آيات ربه الكبرى ( ١٨ )﴾.
هذه آيات المعراج لا نتعجل الكلام في ذكر معانيها، فنجل ذلك إلى الكلام في معاني هذه السورة التي تصور الرحلة النبوية إلى السموات العلا سواء أكانت هذه الرحلة بالروح فقط أم بالروح والجسد، والله على كل شيء قدير، بقى أن نتكلم في الإسراء والمعراج أكان بالروح أو بالجسد والروح ؟.
اتفق علماء السلف على أن الإسراء كان بالروح والجسد، وأنه كان ليلا، والنبي صلى الله عليه وسلم مستيقظ يرى ويسمع، ولذا وصف عير قريش وذكر أنه يتقدمها جمل أورق.
ولم يخالف في ذلك إلا ما روى عن عائشة وعن معاوية من الذين لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلن، ونقول : إن عائشة رضي الله عنها ما كانت زفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كانت في سن تسمح لها بالرواية، إلا أن تكون قد روت ذلك عن غيرها، ولم تذكر من روت عنه، ومهما يكن فهي الصديقة بنت الصديق، ولكنا لا نأخذ برأيها وقد كان رأيا لنا أن نخالفه، وأما معاوية فماله ولهذا وقد كان هو وأبوه ممن كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم في أصل الإسراء، فلم يكن وقت الإسراء إلا مشركا ككل المشركين.
ونحن نرى أن الإسراء كان بالجسد في حال يقظة النبي صلى الله عليه وسلم فلم يكن في منام :
أولا : لأن الله تعالى قال :﴿سبحانه الذي أسرى بعبده ليلا﴾ والعبد جسد وروح.
وثانيا : أنه وصف لهم ما رأى وعاين.
وثالثا : أنهم ما كانوا يختلفون عليه لو كانت الرؤيا منامية.
وأما المعراج، فإن بعض العلماء قال : إنه بالروح دون الجسد، وقد قال في ذلك القرطبي :"قالت طائفة كان الإسراء بالجسد يقظة إلى بيت المقدس وإلى السماء بالروح، واحتجوا بقوله تعالى :﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا﴾ فجعل المسجد الأقصى غاية الإسراء"(٧)، وإننا نميل إلى هذا الرأي، والله أعلم.
وختم الله سبحانه وتعالى آية الإسراء بقوله تعالى :﴿إنه هو السميع البصير﴾ الضمير يعود إلى الله تعالى، وذكر ﴿السميع البصير﴾ في هذا المقام للإشارة إلى أن الله تعالى عليم علم من يسمع بما قيل لك من مشركي قريش وأهل الطائف، والعليم من يبصر بما رد به سفهاء ثقيف وما أوذيت به من أذى رق له قلب بعض المشركين، وهو تعالى مؤنسك في وحشتك وناصرك في وحدتك، فإذا فقدت النصير من أهل الدنيا والمواسي منهم فالله معك، وهو أعز نصير وأرحم بك.
تنبيهان :
أولهما : أن المشركين عندما كانوا يطلبون آيات حسية كانوا يريدون الإعنات لا الإقناع، فهذه الآية الحسية قد جاءتهم فزادوا خسرانا، جاءتهم في الإسراء وشق القمر، فزادوا كفرا فقالوا : سحر مستمر.
ثانيهما : أن بعض الناس يذكرون الإسراء مع ما يقال الآن في الخروج إلى الفضاء والارتفاع إلى السماء وهذا تهجم على المعجزات، إن الارتفاع إلى الفضاء أو القمر أو المريخ بأسباب حسية مادية هي رافعة كرافع لأحمال لا فرق بين صغيرها وكبيرها، أما معجزة الإسراء فهي انتقال من مكان إلى مكان في وقت كان الانتقال يستغرق أربعين يوما من غير سبب ظاهر، أو دفعة حسية بل بسبب آخر وهو قدرة الله تعالى ولا شيء سوى قدرته ولا يوجد مثل هذا الآن ولا في أي زمان إلا أن يكون معجزة، فلا يستطيع ذلك أحد إلا الله العلي القدير الحكيم العليم (٨).
بعد أن ذكر بيت المقدس ذكر موسى الذي أراد أن يدخل الأرض المقدسة فقعد بنو إسرائيل، وقالوا مقالة الجبن والنذالة :﴿قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ( ٢٤ )﴾ [ المائدة ].
١ أخرجه البخاري: بدء الوحي – بدء الوحي(٣)، ومسلم: الإيمان – بدء الوحي (٢٣١)..
٢ الدريئة: الحلقة يتعلم الطعن والرمي عليها، وكل ما استتر به من الصيد ليخدع. القاموس المحيط (درأ)، والدرئة كذلك..
٣ سرى: سار ليلا، والسارون: السائرون بليل. الصحاح..
٤ عن أنس بن مالك يحدثنا عن ليلة أسرى بالنبي صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة.. الحديث. رواه البخاري: المناقب – تنام عينه (٣٠٥).
٥ متفق عليه، وقد سبق تخريجه، ورواه بهذا اللفظ البخاري: الصوم – صوم صوم النحر (١٨٥٨) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه..
٦ متفق عليه، سبق تخريجه..
٧ الجامع لأحكام القرآن: ١/ ٢٠٤..
٨ الإسراء والمعراج : (من كتاب خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم للإمام محمد أبو زهرة – الجزء الأول، ص ٥٩٦ - ٦١).
كان الإسراء في السنة التي كانت قبل الهجرة، وروى البيهقي عن ابن شهاب الزهري أنه كان في السنة التي قبل الهجرة، وروى الحاكم أن الإسراء كان قبل الهجرة بستة عشر شهرا.
واختلف على ذلك في الشهر الذي أسرى به فيه، فالسدى قال إنه في ذي القعدة، والزهري قال في ربيع الأول.
وروى عن جابر وابن عباس أنهما قالا: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول، وفيه بعث، وفيه عرج إلى السماء، وفيه هاجر، وفيه مات.
وفي رواية أن الإسراء كان في ليلة السابعة والعشرين من شهر رجب، ويقول ابن كثير: "وقد اختاره الحافظ ابن سرور المقدسي، وقد أورد حديثا لا يصح سنده، كما ذكرناه في فضائل شهر رجب، وان الإسراء كان في ليلة السابعة والعشرين من رجب والله أعلم. ومن الناس من يزعم أن الإسراء كان في أول ليلة جمعة من شهر رجب، وهي ليلة الرغائب التي أحدثت فيها الصلاة المشهورة، ولا أصل لذلك، والله أعلم.
وقد جاء في نهاية الأرب أن الإسراء كان ليلة السبت، ليلة سبع عشرة من رمضان، قبل الهجرة بثمانية عشر شهرا، وقد أسرى صلى الله عليه وسل به وسنه إحدى وخمسون سنة وتسعة أشهر!!
وننتهي من هذا إلى أن علماء السيرة النبوية مختلفون في تعيين اليوم الذي كان فيه الإسراء، ولكن الواقعة ثابتة. وقد اتفقوا على أنها بعد ذهاب النبي صلى لله عليه تعالى وسلم إلى الطائف، وردهم له الرد المنكر، وأن كونها في ليلة السابع والعشرين من رجب ثبتت بخير لم يصح سنده في نظر الحافظ المحدث ابن كثير، وقال من بعد ذكره: والله سبحانه وتعالى أعلم.
وقد وجدنا الناس قبلوا ذلك التاريخ، أو تلقوه بالقبول، وما يتلقاه الناس بالقبول ليس لنا أن نرده، بل نقبله ولكن من غير قطع ومن غير جزم ويقين.
واتفقت الروايات أيضا على أن الإسراء كان قبل الهجرة بسنة على الأقل، ويظهر أنها كانت في السنة التي قبل الهجرة في ثلثها الأول أو الأخير والله سبحانه تعالى أعلم.
ومن سياق التاريخ ومناسبات الحوادث نرى أن الإسراء كان بعد انشقاق القمر.
وهنا قد يسأل السائل ما المناسبة لمسألة الإسراء والمعراج، وتعيين الله تعالى لزمانها، والله سبحانه وتعالى حكيم عليم، يضع الأمور بموازينها وفي أوقاتها، وأجلها المعلوم، ولنا أن نتعرف حكمة الله تعالى من غير أن نقطع بأن هذا هو مراد الله تعالى، فهو العليم الخبير الذي لا تخفى عليه صغيرة أو كبيرة في السماء أو في الأرض.
ونجيب عن هذا التساؤل بما قررنا، وهو أن الله سبحانه وتعالى استجاب لنبيه صلى الله تعالى عليه وسلم في ضراعته بالدعاء الذي دعا ربه عقب خروجه من الطائف، شكا ضعف قوته فأمده الله تعالى بالقوة، وقلة الحيلة فأمده بحسن التدبير لدخول مكة آمنا مطمئنا، وأيده بآية حسية من نوع ما يطلبون، وإذا كانوا لم يستجيبوا لداعي الله تعالى، فلأن المعاند لا يقنعه الدليل، ولو كان حسيا، فقالوا سحرنا، مع أن انشقاق القمر رأته الركبان في أسفارها، ثم كان من بعد ذلك الأنس بلقاء الله تعالى في المعراج، سواء أقلنا إن لقاءه بالله تعالى، كان بالروح في الرؤيا، أم كان بما هو أكثر من الرؤيا (السيرة العطرة للأستاذ عبد العزيز خبير الدين، ونهاية الأرب ج ١٦، ص ٢٨٣، ٢٨٤).
لقد أحس النبي صلى الله عليه وسلم بالوحشة بعد وفاة الحبيبين خديجة العطوف، وأبي طالب الشفيق. فقال الله تعالى له بالفعل أنس الله أكبر، ورحمته أعظم، وحياطته أكرم، وإن عنايته بك وبرسالتك هي التي ستبلغك أمرك، وتحقق لك شأوك، وتصل بك إلى غايتك، وهو المهيمن الرءوف الرحيم، لذلك كان الإسراء، ومن بعده عروجه إلى السماء.
والآن ننتقل إلى الآيات الكريمات التي صرحت بالإسراء، ثم كانت إشارة إلى المعارج قال الله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير (١)﴾ [الإسراء]. ففي هذا النص الإسراء صريحا، وكانت الإشارة إلى المعراج بقوله تعالى ﴿لنريه من آياتنا﴾.
وقال تعالى: ﴿وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا (٦٠)﴾، فقد ذكر المفسرون أن الرؤيا هي المعراج.
وقال تعالى في سورة النجم: ﴿والنجم إذا هوى (١) ما ضل صاحبكم وما غوى (٢) وما ينطق عن الهوى (٣) إن هو إلا وحي يوحى (٤) علمه شديد القوى (٥) ذو مرة فاستوى (٦) وهو بالأفق الأعلى (٧) ثم دنا فتدلى (٨) فكان قاب قوسين أو أدنى (٩) فأوحى إليه عبده ما أوحى (١٠) ما كذب الفؤاد ما رأى (١١) أفتمارونه على ما يرى (١٢) ولقد رآه نزلة أخرى (١٢) عند سدرة المنتهى (١٤) عندها جنة المأوى (١٥) إذ يغشى السدرة ما يغشى (١٦) ما زاغ البصر وما طغى (١٧) لقد رأى من آياته ربه الكبرى (١٨)﴾. ولقد قرر المفسرون أن هذه الآيات نزلت في المعراج، وإن تلك لواضح، وإذا كانت العبارات السابقة لم تصرح بالعروج إلى السموات العلا فإن الإشارات واضحة تكاد كون تصريحا، والإشارات الواضحة في قوة الدلالة تكون كالألفاظ الصريحة.
وقد قال بعض علماء السيرة: إن الإسراء بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ابتدأ من شعب أبى طالب، وإن كان السند في ذلك صحيحا، فإنه يشير إلى أن أبا طالب قد مات، وأن مهمته قد انتهت، وأن الله تعالى وهو الباقي الدائم، الأول والآخر والظاهر والباطن به تكون النصرة الدائمة المتجددة في الشدائد – ولكن الثابت في البخاري أنه ابتدأ من الحطيم بالمسجد الحرام (البداية والنهاية ج ٣، ص ١١٠).
الإسراء بالجسم: إن ظاهر الآية القرآنية التي أثبتت الإسراء وهي قوله تعالى: ﴿سبحانه الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام﴾، أن الإسراء كان بالجسد والروح؛ وذلك لأنه سبحانه وتعالى قال: ﴿أسرى بعبده﴾، والعبد هو الروح والجسد، وما دام الظاهر لا دليل يناقضه من عقل أو نقل، فإنه يجب الأخذ به، فإنه من المقررات أن الألفاظ تفسر بظاهرها إلا إذا لك يمكن حملها على الظاهر لمعارض، ولا معرض.
وفوق ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم عندما أعلن خبر الإسراء بين قريش ففتن بعض الذين أسلموا وارتد من ارتد، ويقول في ذلك ابن كثير فيما رواه عم قتادة: "انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فأصبح يخبر قريشا بذلك؛ فذكر أنه كذبه أكثر الناس، وارتدت طائفة بعد إسلامها، وبادر الصديق إلى التصديق، وذكر أن الصديق سأله عن صفة بيت المقدس، وقال: إني لأصدقه في خبر السماء بكرة وعشيا، أفلا أصدقه في بيت المقدس، فيومئذ سمى أبو بكر الصديق.
وإنه روى أنه عند مروره صلى الله تعالى عليه وسلم على عير قريش فند بعير لهم نافروا، فأرشدهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى مكانه، وقد أخبروا أهل مكة بذلك (الروض الأنف، ج١، ص ٢٤٤).
وإنه روى أن أهل مكة الذين ردوا القول استوصفوه عيرا لهم فوصفها، وقد قال صلى الله عليه وسلم في إخبارهم، والاستدلال على صدقه: "وآية ذلك أني مررت بعير بني فلان، بوادي كذا وكذا، فأنفرهم حسن الدابة (هي البراق التي سنذكر الروايات عنه من بعد) فند لهم بعير، فدللتهم عليه، وأنت متوجه إلى الشام، ثم أقبلت، حتى إذا كنت بصحنان مررت بعير بني فلان، فوجدت القوم نياما، ولهم إناء فيه ماء، قد غطوا عليه بشيء، فكشف غطاءه، وشربت ما فيه، ثم غطيت عليه كما كان، وآية ذلك أن عيرهم تصوب الآن من ثنية التنعيم (هو المكان) البيضاء يقدمهم جبل أورق عليه غرارتان، إحداهما سوداء، والأخرى برقاء، فابتدر القوم الثنية،... وسألوهم عن الإناء وعن العير فأخبروه، كما ذكر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
وإن هذا كله يدل على أن الإسراء كان بالروح والجسد، فإن تلاقي مع المارين بين مكة والشام وأخبر عن التلاقي، وصدق خبره صلى اله عليه وسلم، وإذا كانت بعض هذه الروايات في إسنادها كلام، فإن بعضها يقوى الآخر، ونص القرآن ظاهر في تأييد الدعوى، بل لا يدل على غيرها حتى يقوم الدليل.
ولو كان الإسراء بالروح أو الرؤيا الصادقة ما كانت ثمة غرابة تمنع التصديق، ولبادر صلى الله عليه وسلم بإخبارهم إلى أن ذلك رؤيا في المنام، أو هذا وحي أوحى به إليه.
ولقد كان بجوار هذا القول الذي تنطق به الآية الكريمة قول آخر روى عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تبارك وتعالى عنها وعن أبيها الصديق، وروى أيضا عن معاوية بن أبي سفيان، وقد كان إبان ذلك هو وأبوه من المكذبين الذين يناوئون الدعوة، ولكن لعله نقل عن غيره ممن شاهدوا، وعاينوا، كما نقلت عائشة عن غيرها، وما كانت في ذلك الإبان قد زفت إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد كان معاوية مسلما من بعد أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وعن أبيها الصديق،/ واحتج بقول عائشة هذا وقد أثر عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه أمر بأن يؤخذ الدين عن عائشة.
ولكن الخبر عنها يحمل في نفسه ما يوهم عدم صدقه عنها، ففيه أنها قالت: "لم تفقد بدنه" وإن ذلك يوهم أنها كانت معه في مبيت واحد، مع إجماع المؤرخين والمحدثين على أنه لم يبن بها إلا في المدينة.
وقد استدل أصحاب هذا القول بما روى الحسن البصري عن أن قوله تعالى: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾ وقالوا إن الرؤيا هي ما يكون في المنام، كما حكى عن سيدنا يعقوب: أنه قال لابنه يوسف بعد أن قص عليه ما رآه في المنام: ﴿... لا تقصص رءياك على إخوتك...(٥)﴾ [يوسف].
وجاء في كتاب البصائر للفيروزأبادي: "الرؤيا ما رأيته في منامك، والجمع رؤى كهدى، وقد تخفف الهمزة من الرؤيا، فيقال بالواو" (بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ج٣، ص ١٧٧). وهذا وغيره نصوص صريحة في أن الرؤءيا منامية. ولكن أهي كانت في الإسراء أم كانت في المعراج؟ إن رواية الحسن رشي الله عنه تقول: هي ما كان في ليلة المعراج، نعم إن الليلة كانت واحدة، ولكن النص على ليلة المعراج يدل على أن كلام الحسن ومن معه في المعراج لا في الإسراء.
ويستدل أصحاب هذا القول، وهو أن الإسراء كان بالروح بحديث البخاري عن أنس بن مالك قال: ليلة أسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة داءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام. فقال أولهم: أيهم هو، قال أوسطهم: هذا، وهو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا خيرهم... فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه، وتنام عينه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم، ولا تنام قلوبهم، ولم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند زمزم، فتولاه منهم جبريل... والحديث طويل وقال في آخره واستيقظ وهو في المسجد الحرام، ويرى صاحب الروض الأنف أنه نص لا إشكال فيه.
ونرى أن فيه إشكالا؛ لأنه نص فيه على أنه كان قبل أن يوحى إليه، ونرى أنه يتعرض لذكر الإسراء والمعراج، ولعلها كانت إذا صحت الرواية في موضوع آخر.
ويرى صاحب الروض الأنف أنم الأدلة قد تعارضت بالنسبة للإسراء، وأنه يوفق بينهما بأن الإسراء كان مرتين: إحداهما بالروح والأخرى بالجسد والروح.
ونحن نرى أن الأدلة لم تتعارض، بل الأدلة على أن الإسراء كان بالجسد والروح هي التي لا ريب فيها، ولا يمكن أن يعارض الضعيف القوي.
ولذا نرى أن الإسراء كان بالجسد والروح، ولا نجد فيما استدل به على ما يدل على أنه كان بالروح فقط، وإن الآية {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى