السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني
عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿سبحان﴾ اسم بمعنى التسبيح الذي هو التنزيه وقد يستعمل علماً له فيقطع عن الإضافة ويمنع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون قال الأعشى في مدحه عامر بن الطفيل :
أي : العجب منه إذ يفخر والعرب تقول سبحان من كذا إذا تعجبوا منه الشاهد في سبحان حيث جعله علماً على التنزيه فمنعه الصرف وعلقمة المذكور صحابيّ قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو شيخ فأسلم وبايع واستعمله عمر بن الخطاب رضي الله عنه على حوران فمات بها ﴿الذي أسرى بعبده﴾ هو محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو أشرف عباده على الإطلاق وأحقهم بالإضافة إليه. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي أسرى بالإمالة محضة وورش بين بين والباقون بالفتح وقوله تعالى :﴿ليلاً﴾ نصب على الظرف والإسراء سير الليل.
وفائدة ذكره الإشارة بتنكيره إلى تقليل مدّته فكان هذا الأمر الجليل في جزء يسير من الليل وإلى أنه عليه الصلاة والسلام لم يحتج في الإسراء والعروج إلى سدرة المنتهى وسماع الكلام من العليّ الأعلى إلى رياضة بصيام ولا غيره بل كان مهيأ لذلك متأهلاً له فأقامه تعالى من الفرش إلى العرش ﴿من المسجد الحرام﴾ أي : بعينه وهو الذي يدل عليه ظاهر لفظ القرآن. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال :«بينما أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق » وقيل كان نائماً في الحطيم، وقيل في بيت أمّ هانئ بنت أبي طالب قال البقاعي : وهو قول الجمهور، والمراد بالمسجد حينئذ الحرم لأنه فناء المسجد. ﴿إلى المسجد الأقصى﴾ أي : بيت المقدس الذي هو بعيد المسافة حينئذٍ وأبعد المسجدين الأعظمين مطلقاً من مكة المشرّفة بينهما أربعون ليلة فصلى بالأنبياء كلهم إبراهيم وموسى ومن سواهما على جميعهم أفضل الصلاة والسلام ورأى من آياتنا الكبرى ما قدرنا له كما سيأتي في حديث المعراج، ورجع بين أظهركم إلى المسجد الأقرب منكم في ذلك الجزء اليسير من الليل، وأنتم تضربون أكباد الإبل في هذه المسافة شهراً ذهاباً وشهراً إياباً.
ثم وصفه تعالى بما يقتضي تعظيمه، وأنه أهل للقصد بقوله تعالى :﴿الذي باركنا حوله﴾ أي : بما لنا من العظمة بالمياه والأشجار. وقال مجاهد : سماه مباركاً لأنه مقرّ الأنبياء ومهبط الملائكة والوحي ومنه يحشر الناس يوم القيامة وموطن العبادات ومعدن الفواكه والأرزاق والبركات، وبارك تعالى حوله لأجله فما ظنك به نفسه فهو أبلغ من باركنا فيه، ثم منه إلى السماوات العلا إلى سدرة المنتهى إلى ما لم ينله بشر غيره صلى الله عليه وسلم قال البقاعي : ولعل حذف ذكر المعراج من القرآن هنا لقصور أفهامهم عن إدراك أدلته، لو أنكروه بخلاف الإسراء فإنه أقام دليله عليهم بما شاهدوه من الأمارات التي وصفها لهم وهم قاطعون بأنه صلى الله عليه وسلم لم يرها قبل ذلك فلما بان صدقه بما ذكر من الأمارات أخبر بعد ذلك من أراد الله تعالى بالمعراج.
ثم ذكر سبحانه وتعالى الغرض من الإسراء بقوله تعالى :﴿لنريه﴾ بعينه وقلبه ﴿من آياتنا﴾ أي : عجائب قدرتنا السماوية والأرضية كما أرينا أباه الخليل عليه السلام ملكوت السماوات والأرض. ﴿إنه﴾ أي : الله ﴿هو السميع﴾ لجميع الأقوال ﴿البصير﴾ أي : العالم بأحوال عباده فيكرم ويقرّب من شاء منهم وقيل : إنه أي : هذا العبد الذي اختصصناه بالإسراء هو أي : خاصة السميع أي : أذناً وقلباً بالإجابة لنا والإذعان لأوامرنا البصير بصراً وبصيرة بدليل ما أخبر به من الآيات وصدقه من الدلالات حتى نعت ما سألوه عنه من بيت المقدس ومن أمر عيرهم وغيرهما مما هو مشهور في قصة الإسراء. واختلف هل أسري بروحه أو بجسده صلى الله عليه وسلم فعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها كانت تقول ما فقدت جسد النبيّ صلى الله عليه وسلم ولكن أسري بروحه، والأكثرون على أنه أسري بجسده في اليقظة وتواترت الأخبار الصحيحة على ذلك منها قوله صلى الله عليه وسلم «أوتيت بالبراق وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه فركبته فسار بي حتى أتيت بيت المقدس فربطت الدابة بالحلقة التي تربط فيها الأنبياء ثم دخلت فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن، قال جبريل عليه السلام : أصبت الفطرة. قال صلى الله عليه وسلم ثم عرج بي إلى السماء الدنيا فاستفتح جبريل فقيل : من أنت ؟ قال : جبريل. فقيل : من معك ؟ قال : محمد. قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : قد أرسل إليه ففتح لنا فإذا أنا بآدم فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بي إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل فقيل : من أنت ؟ فقال : جبريل. فقيل : ومن معك ؟ قال : محمد. قيل : قد بعث إليه ؟ قال : قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى فرحبا بي ودعوا لي بخير. ثم عرج بي إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل فقيل : من أنت ؟ قال : جبريل. فقيل : ومن معك ؟ قال محمد. فقيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : قد أرسل إليه ففتح لنا فإذا أنا بيوسف وإذا هو قد أعطي شطر الحسن فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بي إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل فقيل : من أنت ؟ قال : جبريل. فقيل : ومن معك ؟ قال : محمد. فقيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : قد أرسل إليه. ففتح لنا فإذا أنا بإدريس فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بي إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل فقيل : من أنت ؟ فقال : جبريل. فقيل : من معك ؟ قال : محمد. فقيل : قد أرسل إليه ؟ قال : قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بهارون فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بي إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل فقيل : من أنت ؟ قال : جبريل. فقيل : ومن معك ؟ قال : محمد. قيل : وقد بعث إليه ؟ قال : قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بموسى فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل فقيل : من أنت ؟ قال : جبريل. فقيل : ومن معك ؟ قال : محمد. قيل : وقد بعث إليه ؟ قال : قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم فإذا هو مستند إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى السدرة المنتهى فإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن يصفها من حسنها. قال صلى الله عليه وسلم فأوحى إلى عبده ما أوحى وفرض عليّ في كل يوم وليلة خمسين صلاة، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فقال : ما فرض ربك على أمّتك ؟ قلت : خمسين صلاة في كل يوم وليلة. قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإنّ أمّتك لا تطيق ذلك، وإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم. قال : فرجعت إلى ربي فقلت له : أي : رب خفف عن أمّتي فحط عني خمساً فرجعت إلى موسى فقال : ما فعلت ؟ فقلت : قد حط عني خمساً. قال : إنّ أمّتك لا تطيق ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، لأنّ أمّتك لا تطيق ذلك. قال : فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى ويحط عني خمساً خمساً حتى قال : يا محمد، هي خمس صلوات في كل يوم وليلة بكل صلاة عشر فتلك خمسون صلاة ومن همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشراً، ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب فإن عملها كتبت سيئة واحدة فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمّتك فإن أمّتك لا تطيق فقلت : قد رجعت إلى ربي حتى استحييت » رواه الشيخان. وروي أنه قال بعد ذلك :«ولكن أرضى وأسلم فلما جاوزت نادى مناد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي، ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك ».
وروي أنه لما وصل إلى سدرة المنتهى فإذا أربعة أنهار نهران ظاهران ونهران باطنان فقلت :«ما هذان يا جبريل ؟ قال : أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات، ثم رفع إليّ البيت المعمور ثم أوتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل فاخترت اللبن فقال : هي الفطرة التي أنت عليها وأمّتك قال : ثم فرضت عليّ الصلاة خمسين صلاة يوم فرضت فمررت على موسى وساق الحديث ». ومنها ما رواه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«رأيت ربي عز وجل ». قال : هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به إلى بيت المقدس. قال : والشجرة الملعونة في القرآن هي شجرة الزقوم.
ومنها ما رواه قتادة عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم حدّثهم عن ليلة الإسراء به قال :«بينما أنا في الحطيم وربما قال في الحجر، مضطجع ومنهم من قال : بين النائم واليقظان، وذكر بين رجلين وأتيت بطشت من ذهب مملوءة حكمة وإيماناً فشق من النحر إلى مراق البطن واستخرج قلبي فغسل ثم حشي ثم أعيد »، وقال سعيد وهشام : ثم غسل البطن بماء زمزم ثم ملئ إيماناً وحكمة «ثم أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه فركبته » وساق بقية الحديث.
ومنها ما روي أنه صلى الله عليه وسلم كان نائماً في بيت أمّ هانئ بعد صلاة العشاء فأسري به، ورجع من ليلته، وقص القصة على أمّ هانئ. وقال :«مثل لي النبيون فصليت بهم وقام ليخرج إلى المسجد فتشبثت أمّ هانئ بثوبه فقال : ما لك ؟ قالت : أخشى أن يكذبك الناس وقومك إن أخبرتهم. قال : وإن كذبوني فخرج إليهم ». وروي أنه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به، فكان بذي طوى قال :«يا جبريل إنّ قومي لا يصدّقوني. قال : يصدّقك أبو بكر الصدّيق ». قال ابن عباس وعائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لما كانت ليلة أسري بي فأصبحت بمكة قطعت بأمري وعرفت أنّ الناس يكذبوني ». فروي «أنه عليه الصلاة والسلام قعد معتزلاً حزيناً فمرّ به أبو جهل فجلس إليه فقال كالمستهزئ : هل استفدت من شيء ؟ قال : نعم، أسري بي الليلة. قال : إلى أين ؟ قال : إلى بيت المقدس. قال : ثم أصبحت بين ظهرانينا ؟ قال : نعم. فقال أبو جهل : يا معشر بني كعب بن لؤيّ هلموا فانفضت إليه المجالس فجاؤوا حتى جلسوا إليهما قال : حدّث قومك بما حدّثتني. قال : نعم، إني قد أسري بي الليلة. قالوا : إلى أين ؟ قال : إلى بيت المقدس. قالوا : ثم أصبحت بين أظهرنا ؟ قال : نعم فمن بين مصفق وواضع يده على رأسه تعجباً وإنكاراً وارتدّ ناس ممن كان آمن به وسعى رجال إلى أبي بكر رضي الله عنه. فقالوا له : هل لك في صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس. قال : أو قد قال ؟ قالوا : نعم. قال : إن كان قال ذلك لقد صدق. قالوا : تصدّقه على ذلك ؟ قال : إني لأصدّقه على أبعد من ذلك أصدّقه على خبر السماء في غدوة أو روحة فسمي الصدّيق. قال : وفي القوم من كان يأتي المسجد الأقصى، فقالوا : فهل تستطيع أن تنعت لنا المسجد الأقصى قال : نعم. قال : فذهبت أنعت وأنعت فما زلت أنعت حتى التبس عليّ. قال : فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع دون دار عقيل، فنعت المسجد وأنا أنظر إليه فقال القوم : أما النعت فو الله لقد أصاب ثم قالوا : يا محمد أخبرنا عن عيرنا فهي أهمّ إلينا هل لقيت منها شيئاً قال : نعم مررت على عير بني فلان وهي بالروحاء وقد أضلوا بعيراً لهم وهم في طلبه وفي رحالهم قدح من ماء فعطشت فأخذته وشربته ثم وضعته كما كا
| قد قلت لما جاءني فخره | سبحان من علقمة الفاخر |
وفائدة ذكره الإشارة بتنكيره إلى تقليل مدّته فكان هذا الأمر الجليل في جزء يسير من الليل وإلى أنه عليه الصلاة والسلام لم يحتج في الإسراء والعروج إلى سدرة المنتهى وسماع الكلام من العليّ الأعلى إلى رياضة بصيام ولا غيره بل كان مهيأ لذلك متأهلاً له فأقامه تعالى من الفرش إلى العرش ﴿من المسجد الحرام﴾ أي : بعينه وهو الذي يدل عليه ظاهر لفظ القرآن. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال :«بينما أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق » وقيل كان نائماً في الحطيم، وقيل في بيت أمّ هانئ بنت أبي طالب قال البقاعي : وهو قول الجمهور، والمراد بالمسجد حينئذ الحرم لأنه فناء المسجد. ﴿إلى المسجد الأقصى﴾ أي : بيت المقدس الذي هو بعيد المسافة حينئذٍ وأبعد المسجدين الأعظمين مطلقاً من مكة المشرّفة بينهما أربعون ليلة فصلى بالأنبياء كلهم إبراهيم وموسى ومن سواهما على جميعهم أفضل الصلاة والسلام ورأى من آياتنا الكبرى ما قدرنا له كما سيأتي في حديث المعراج، ورجع بين أظهركم إلى المسجد الأقرب منكم في ذلك الجزء اليسير من الليل، وأنتم تضربون أكباد الإبل في هذه المسافة شهراً ذهاباً وشهراً إياباً.
ثم وصفه تعالى بما يقتضي تعظيمه، وأنه أهل للقصد بقوله تعالى :﴿الذي باركنا حوله﴾ أي : بما لنا من العظمة بالمياه والأشجار. وقال مجاهد : سماه مباركاً لأنه مقرّ الأنبياء ومهبط الملائكة والوحي ومنه يحشر الناس يوم القيامة وموطن العبادات ومعدن الفواكه والأرزاق والبركات، وبارك تعالى حوله لأجله فما ظنك به نفسه فهو أبلغ من باركنا فيه، ثم منه إلى السماوات العلا إلى سدرة المنتهى إلى ما لم ينله بشر غيره صلى الله عليه وسلم قال البقاعي : ولعل حذف ذكر المعراج من القرآن هنا لقصور أفهامهم عن إدراك أدلته، لو أنكروه بخلاف الإسراء فإنه أقام دليله عليهم بما شاهدوه من الأمارات التي وصفها لهم وهم قاطعون بأنه صلى الله عليه وسلم لم يرها قبل ذلك فلما بان صدقه بما ذكر من الأمارات أخبر بعد ذلك من أراد الله تعالى بالمعراج.
ثم ذكر سبحانه وتعالى الغرض من الإسراء بقوله تعالى :﴿لنريه﴾ بعينه وقلبه ﴿من آياتنا﴾ أي : عجائب قدرتنا السماوية والأرضية كما أرينا أباه الخليل عليه السلام ملكوت السماوات والأرض. ﴿إنه﴾ أي : الله ﴿هو السميع﴾ لجميع الأقوال ﴿البصير﴾ أي : العالم بأحوال عباده فيكرم ويقرّب من شاء منهم وقيل : إنه أي : هذا العبد الذي اختصصناه بالإسراء هو أي : خاصة السميع أي : أذناً وقلباً بالإجابة لنا والإذعان لأوامرنا البصير بصراً وبصيرة بدليل ما أخبر به من الآيات وصدقه من الدلالات حتى نعت ما سألوه عنه من بيت المقدس ومن أمر عيرهم وغيرهما مما هو مشهور في قصة الإسراء. واختلف هل أسري بروحه أو بجسده صلى الله عليه وسلم فعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها كانت تقول ما فقدت جسد النبيّ صلى الله عليه وسلم ولكن أسري بروحه، والأكثرون على أنه أسري بجسده في اليقظة وتواترت الأخبار الصحيحة على ذلك منها قوله صلى الله عليه وسلم «أوتيت بالبراق وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه فركبته فسار بي حتى أتيت بيت المقدس فربطت الدابة بالحلقة التي تربط فيها الأنبياء ثم دخلت فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن، قال جبريل عليه السلام : أصبت الفطرة. قال صلى الله عليه وسلم ثم عرج بي إلى السماء الدنيا فاستفتح جبريل فقيل : من أنت ؟ قال : جبريل. فقيل : من معك ؟ قال : محمد. قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : قد أرسل إليه ففتح لنا فإذا أنا بآدم فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بي إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل فقيل : من أنت ؟ فقال : جبريل. فقيل : ومن معك ؟ قال : محمد. قيل : قد بعث إليه ؟ قال : قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى فرحبا بي ودعوا لي بخير. ثم عرج بي إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل فقيل : من أنت ؟ قال : جبريل. فقيل : ومن معك ؟ قال محمد. فقيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : قد أرسل إليه ففتح لنا فإذا أنا بيوسف وإذا هو قد أعطي شطر الحسن فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بي إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل فقيل : من أنت ؟ قال : جبريل. فقيل : ومن معك ؟ قال : محمد. فقيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : قد أرسل إليه. ففتح لنا فإذا أنا بإدريس فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بي إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل فقيل : من أنت ؟ فقال : جبريل. فقيل : من معك ؟ قال : محمد. فقيل : قد أرسل إليه ؟ قال : قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بهارون فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بي إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل فقيل : من أنت ؟ قال : جبريل. فقيل : ومن معك ؟ قال : محمد. قيل : وقد بعث إليه ؟ قال : قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بموسى فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل فقيل : من أنت ؟ قال : جبريل. فقيل : ومن معك ؟ قال : محمد. قيل : وقد بعث إليه ؟ قال : قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم فإذا هو مستند إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى السدرة المنتهى فإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن يصفها من حسنها. قال صلى الله عليه وسلم فأوحى إلى عبده ما أوحى وفرض عليّ في كل يوم وليلة خمسين صلاة، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فقال : ما فرض ربك على أمّتك ؟ قلت : خمسين صلاة في كل يوم وليلة. قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإنّ أمّتك لا تطيق ذلك، وإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم. قال : فرجعت إلى ربي فقلت له : أي : رب خفف عن أمّتي فحط عني خمساً فرجعت إلى موسى فقال : ما فعلت ؟ فقلت : قد حط عني خمساً. قال : إنّ أمّتك لا تطيق ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، لأنّ أمّتك لا تطيق ذلك. قال : فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى ويحط عني خمساً خمساً حتى قال : يا محمد، هي خمس صلوات في كل يوم وليلة بكل صلاة عشر فتلك خمسون صلاة ومن همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشراً، ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب فإن عملها كتبت سيئة واحدة فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمّتك فإن أمّتك لا تطيق فقلت : قد رجعت إلى ربي حتى استحييت » رواه الشيخان. وروي أنه قال بعد ذلك :«ولكن أرضى وأسلم فلما جاوزت نادى مناد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي، ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك ».
وروي أنه لما وصل إلى سدرة المنتهى فإذا أربعة أنهار نهران ظاهران ونهران باطنان فقلت :«ما هذان يا جبريل ؟ قال : أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات، ثم رفع إليّ البيت المعمور ثم أوتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل فاخترت اللبن فقال : هي الفطرة التي أنت عليها وأمّتك قال : ثم فرضت عليّ الصلاة خمسين صلاة يوم فرضت فمررت على موسى وساق الحديث ». ومنها ما رواه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«رأيت ربي عز وجل ». قال : هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به إلى بيت المقدس. قال : والشجرة الملعونة في القرآن هي شجرة الزقوم.
ومنها ما رواه قتادة عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم حدّثهم عن ليلة الإسراء به قال :«بينما أنا في الحطيم وربما قال في الحجر، مضطجع ومنهم من قال : بين النائم واليقظان، وذكر بين رجلين وأتيت بطشت من ذهب مملوءة حكمة وإيماناً فشق من النحر إلى مراق البطن واستخرج قلبي فغسل ثم حشي ثم أعيد »، وقال سعيد وهشام : ثم غسل البطن بماء زمزم ثم ملئ إيماناً وحكمة «ثم أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه فركبته » وساق بقية الحديث.
ومنها ما روي أنه صلى الله عليه وسلم كان نائماً في بيت أمّ هانئ بعد صلاة العشاء فأسري به، ورجع من ليلته، وقص القصة على أمّ هانئ. وقال :«مثل لي النبيون فصليت بهم وقام ليخرج إلى المسجد فتشبثت أمّ هانئ بثوبه فقال : ما لك ؟ قالت : أخشى أن يكذبك الناس وقومك إن أخبرتهم. قال : وإن كذبوني فخرج إليهم ». وروي أنه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به، فكان بذي طوى قال :«يا جبريل إنّ قومي لا يصدّقوني. قال : يصدّقك أبو بكر الصدّيق ». قال ابن عباس وعائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لما كانت ليلة أسري بي فأصبحت بمكة قطعت بأمري وعرفت أنّ الناس يكذبوني ». فروي «أنه عليه الصلاة والسلام قعد معتزلاً حزيناً فمرّ به أبو جهل فجلس إليه فقال كالمستهزئ : هل استفدت من شيء ؟ قال : نعم، أسري بي الليلة. قال : إلى أين ؟ قال : إلى بيت المقدس. قال : ثم أصبحت بين ظهرانينا ؟ قال : نعم. فقال أبو جهل : يا معشر بني كعب بن لؤيّ هلموا فانفضت إليه المجالس فجاؤوا حتى جلسوا إليهما قال : حدّث قومك بما حدّثتني. قال : نعم، إني قد أسري بي الليلة. قالوا : إلى أين ؟ قال : إلى بيت المقدس. قالوا : ثم أصبحت بين أظهرنا ؟ قال : نعم فمن بين مصفق وواضع يده على رأسه تعجباً وإنكاراً وارتدّ ناس ممن كان آمن به وسعى رجال إلى أبي بكر رضي الله عنه. فقالوا له : هل لك في صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس. قال : أو قد قال ؟ قالوا : نعم. قال : إن كان قال ذلك لقد صدق. قالوا : تصدّقه على ذلك ؟ قال : إني لأصدّقه على أبعد من ذلك أصدّقه على خبر السماء في غدوة أو روحة فسمي الصدّيق. قال : وفي القوم من كان يأتي المسجد الأقصى، فقالوا : فهل تستطيع أن تنعت لنا المسجد الأقصى قال : نعم. قال : فذهبت أنعت وأنعت فما زلت أنعت حتى التبس عليّ. قال : فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع دون دار عقيل، فنعت المسجد وأنا أنظر إليه فقال القوم : أما النعت فو الله لقد أصاب ثم قالوا : يا محمد أخبرنا عن عيرنا فهي أهمّ إلينا هل لقيت منها شيئاً قال : نعم مررت على عير بني فلان وهي بالروحاء وقد أضلوا بعيراً لهم وهم في طلبه وفي رحالهم قدح من ماء فعطشت فأخذته وشربته ثم وضعته كما كا