تيسير التفسير — إبراهيم القطان

عن الكتاب
سبحانه الله: تنزيها له عن كل ما لا يليق بجلاله. أسرى: سار ليلا. المسجدد الحرام: مسجد مكة. المسجد الأقصى: الحرم في بيت المقدس، وهو اقصى، أي بعيد بالنظر إلى الحجاز.
تنزيها لله الذي أسرى بعبده محمد في جزء من الليل، ومن المسجد الحرام بمكة الى المسجد الاقصى ببيت المقدس، ذلك المسج الذي جعلنا البركة فيه وحوله لسكّانه في معايشهم وقواهم، لنُري عبدنا محمدا من أدلتنا ما فيه البرهان الكافي والدليل الساطع على وحدانيتنا وعظم قدرنا. ان الله الذي اسرى بعبده هو السميع لما يقول هؤلاء المشركون من أهل مكة، البصير بما يفعلون.
حادث الإسراء:
كان حادث الاسراء في ليلة ٢٧ من رجب قبل الهجرة بسنة واحدة، وقد حصل الاسراء من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى بالجسد والروح فعلا، ولوم كان الاسراء بالروح فقط لما كان في ذلك شيء من العجب، ولما قامت ضجة قريش، وبادروا الى تكذيبه.
فالرواية تقول ان الرسول الكريم كان نائما في بيت انبه عمه ام هانئ، فأُسري به ورجع من ليته وقص القصة على ام هانئ، ثم قام ليخرج الى المسجد فتشبثت ام هانئ بثوبه، فقال لهاه: مالك؟ قالت: أخشى ان يكذّبك قومك ان أخرتهم: قال: وان كذّبوني. فخرج فجلس إليه أبو جهل، فاخبره رسول الله بحديث الاسراء، فقال ابو جهل: با معشر بني كعب بن لؤي، هلُم. فحدّيهم. فاستنكر القوم ذلك، فمن مصفق وواضع يده على رأسه تعجبا وإنكاراً. وارتد ناس من المسلمين. وسعى رجال الى أبي بكر رضي الله عنهـ قال: أوَ قال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: فأنا أشهد لئن قال ذلك لقد صدق. قالوا: فتصدّقه في ان يأتي الشام في ليلة واحدة ثم يرجع الى مكة قبل ان يصبح؟ قال: نعم، أنا أصدقه بأبعدَ من ذلك، اصدقه بخير السماء. فسُمّيَ الصدّيق. وكان منهم من سافر الى بيت المقدس، فطلبوا اليه وصف بيت المقدس فوصفه لهم وصفا دقيقا، فقولوا أخبرْنا عن عِيرنا، فأخبرهم بعدد جمالها واحوالها، وقال: تَقْدُم يوم كذا، فكان كما قال. وفي الليلة ذاتها كان العروج الى السماء من بيت المقدس.
بيت المقدس بناه العرب الكنعانيون، واليبوسيون منهم، على جبل صهيون نحو سنة ٢٥٠٠ قبل الميلاد. وكلمة «صهيون» كنعانية أخذها اليهود وجعلوها شعاراً لهم. والرحلة من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى رحلة تربط بين عقائد التوحيد الكبرى من لدن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام الى محمد خاتم النبيين ﷺ. كما تربط من الأماكن المقدسة لديانات التوحيد، وتعيد الحق الى أهله. والمقصود من هذه الرحلة العجيبة إعلان وراثة الرسول الأخير لمقدسات الرسل قبله، واشتمال رسالته على هذه الرحلة العجيبة اعلان وراثة الرسول الاخير لمقدسات الرسل قبله، واشتمال رسالته على هذه المقدسات وارتباط رسالته بها جميعا، فهي رحلة ترمز الى أبعد من حدود الزمان والمكان، وتشمل آمادا وآفاقا أوسع من ذلك.
كما أنها تتضمن معاني اكبر من المعاني القريبة التي تنكشف عنها النظرة الأولى. وهي آية من آيات الله، تفتح القلب على آفاق عجيبة في هذا الوجود، وتكشف عن الطاقات المخبوءة في كيان هذا المخلوق البشري، والاستعدادات الدينية التي تتهيأ بها لاستقبال فيض القدرة في أشخاص المختارين من هذا الجنس الذي كرمه الله وفضله على كثير من خلقه.
وفي هذه الآية الكريمة يدلنا الله تعإلى الى ان بيت المقدس والشام أجمع هي بلادنا وملك لنا فسارِعوا الى أخذها. ولم تمض عشرون سنة حتى كانت في حوزة المسلمين وبقيت وستبقى الى الأبد في أيديهم مهما كانت الغمّة القائمة.
ومهما جمعت إسرائيل من قوة وأسلحة ودعمها الأمريكان والإنكليز وغيرها فإنها سوف تزول، ولسنا نشك في ان دائرة السوء ستدور عليهم جميعا، ويذهب هذا الباطل، وينمحي ذلك في الزيف والكذب وتبقى القدس عربية مسلمة، وتبقى الصخرة المشرفة، ومسجد عمر ﴿لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون﴾ [الروم: ٤].

تفسير هذه الآية من كتب أخرى