الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ : فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها :- وإليه ذهب الزمخشري والحوفي وابن عطية وأبو البقاء ومكي - أن المسألة من بابِ الاشتغال، ف " أنتم " مرفوعٌ بفعلٍ مقدرٍ يُفَسِّره هذا الظاهرُ، لأنَّ " لو " لا يليها إلا الفعلُ ظاهراً أو مضمراً، فهي ك " إنْ " في قولِه تعالى :
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٦] وفي قوله :
وإن هو لم يَحْمِلْ على النفس ضَيْمَهافليس إلى حُسْنِ الثَّناء سبيلُ
والأصل : لو تملكون، فحذف الفعلَ لدلالةِ ما بعده عليه فانفصل الضميرُ وهو الواوُ ؛ إذ لا يمكن بقاؤُه متصلاً بعد حَذْف رافِعِه. ومثلُه :" وإن هو لم يَحْمِلْ " الأصلُ : وإن لم يَحْمل، فلمَّا حُذِف الفعلُ انفصل ذلك الضميرُ المستتر وبَرَزَ، ومثلُه فيما نحن فيه قولُ الشاعر : لو ذاتُ سِوارٍ لَطَمَتْني "، وقولُ المتلمس :
ولو غيرُ أَخْوالي أرادُوا نَقِيْصَتي ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ف " ذاتُ سوار " مرفوعةٌ بفعلٍ مفسَّرٍ بالظاهرِ بعده.
الثاني : أنه مرفوعٌ ب " كان " وقد كَثُر حَذْفُها بعد " لو " والتقدير : لو كنتم تملكون، فَحُذِفَتْ " كان " فانفصل الضمير، و " تملكون " في محلِّ نصبٍ ب " كان " وهو قولُ ابنِ الصائغِ. وقريبٌ منه قولُه :
أبا خُراشَةَ أمَّا أنتَ ذا نَفَرٍ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإنَّ الأصلَ : لأَنْ كنتَ، فحُذِفَتْ " كان " فانفصل الضمير إلا أنَّ هنا عُوِّض مِنْ " كان " " ما "، وفي " لو " لم يُعَوَّض منها.
الثالث : أنَّ " أنتم " توكيدٌ لاسمِ " كان " المقدرِ معها، والأصلُ " لو كنتم أنتم تملِكُون " فَحُذِفَتْ " كان " واسمها وبقي المؤكِّد، وهو قولُ ابن فضَّال المجاشعي. وفيه نظرٌ من حيث إنَّا نحذِفُ ما في التوكيد، وإن كان سيبويه يُجيزه.
وإنما أحوجَ هذين القائلَيْن إلى ذلك : كونُ مذهب البصريين في " لو " أنَّه لا يليها إلا الفعلُ ظاهراً، ولا يجوز عندهم أَنْ يليَها مضمراً مفسِّراً إلى في ضرورةٍ أو ندورٍ كقوله :" لو ذاتَ سِوَارٍ لطمَتْني ". فإن قيل : هذان الوجهان : أيضاً فيهما إضمار فعلٍ. قيل : ليس هو الإِضمارَ المَعْنِيَّ ؛ فإنَّ الإِضمارَ الذي أَبَوْه على شريطةِ التفسير في غير " كان "، وأمَّا " كان " فقد كَثُر حَذْفُها بعد " لو " في مواضعَ كثيرةٍ. وقد وقع الاسمُ الصريحُ بعد " لو " غيرَ مذكورٍ بعده فعلٌ، أنشد الفارسي :
لو بغيرِ الماءِ حَلْقي شَرِقٌكنت كالغصَّانِ بالماءِ اعتصاري
إلا أنه خرَّجه على أنه مرفوعٌ بفعلٍ مقدر يُفَسِّره الوصفُ مِنْ قولِه " شَرِقٌ ". وقد تقدَّم تحقيق القول في " لو " فلنقتصِرْ على هذا.
قوله :﴿لأمْسَكْتُمْ﴾ يجوز أن يكونَ لازماً لتضمُّنِه معنى بَخَلْتُمْ، وأن يكونَ متعدِّياً، ومفعولُه محذوفٌ، لأَمْسَكْتُم المال، ويجوز أن يكونَ كقولِه ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨].
قوله :﴿خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ﴾ فيه وجهان، أظهرهما : أنه مفعولٌ مِنْ أجله.
والثاني : أنه مصدرٌ في موضع الحال، قاله أبو البقاء، أي : خاشِين الإِنفاقَ. وفيه نظرٌ ؛ إذ لا يقع المصدرُ المعرَّفُ موقعَ الحالِ إلا سماعاً نحو :" جَهْدَك " و " طاقتَك " و [ كقوله :]
وأرسلها العِراك. . . . . . . . . . . ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا يُقاسُ عليه. والإِنفاقُ مصدرُ أنفق، أي : أَخْرَجَ المالَ. وقال أبو عبيدة :" وهو بمعنى الافتقار والإِقتار ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى