اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
اعلم أنَّ الكفار، لما قالوا : لن نؤمن لك ؛ حتَّى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً وطلبوا إجراء الأنهارِ، والعيون في بلدهم لتكثر أموالهم ؛ بين أنَّهم لو ملكوا خزائن رحمة الله، لبقوا على بخلهم وشحهم، ولا أقدموا على إيصال النفع إلى أحدٍ، وعلى هذا التقدير : فلا فائدة في إسعافهم لما طلبوه.
قوله :﴿لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ : فيه ثلاثة أوجه :
أحدها :- وإليه ذهب الزمخشري، والحوفي، وابن عطيَّة، وأبو البقاء(١)، ومكيٌّ(٢)- : أن المسألة من باب الاشتغال، ف " أنْتُمْ " مرفوع بفعلٍ مقدر يفسِّره هذا الظاهر، لأنَّ " لَوْ " لا يليها إلا الفعل، ظاهراً أو مضمراً، فهي ك " إنْ " في قوله تعالى :﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المشركين﴾ [التوبة: ٦]، وفي قوله :
وإنْ هُوَ لمْ يَحْمِلْ على النَّفْسِ ضَيْمهَافَليْسَ إلى حُسْنِ الثَّنَاءِ سَبيلُ(٣)
والأصل : لو تملكون، فحذف الفعل ؛ لدلالة ما بعده عليه، فانفصل الضمير، وهو الواو ؛ إذ لا يمكن بقاؤه متَّصلاً بعد حذف رافعه، ومثله :" وإنْ هو لم يحمل " : الأصل : وإن لم يحمل، فلما حذف الفعل، انفصل ذلك الضميرُ المستتر، وبرز، ومثله فيما نحنُ فيه قول الشاعر :
" لوْ ذَاتُ سِوارٍ لطَمتْنِي " (٤) *** برفع " ذَاتُ " وقول المتلمِّس :
ولَوْ غَيْرُ أخْوالِي أرادُوا نَقِيصَتِي ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (٥)
ف " ذَاتُ سوارٍ " مرفوعةٌ بفعل مفسَّر بالظاهر بعده.
الثاني : أنه مرفوع ب " كَانَ " وقد كثر حذفها بعد " لو " والتقدير : لو كنتم تملكون، فحذف " كَانَ "، فانفصل الضمير، و " تَمْلكُونَ " في محلِّ نصبٍ ب " كَانَ " المحذوفةِ، وهو قولُ ابن الصائغ ؛ وقريبٌ منه قوله :[ البسيط ]
أبَا خُرَاشةَ أمَّا أنْتَ ذَا نَفرٍ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (٦)
فإنَّ الأصل : لأن كنت، فحذفت " كَانَ "، فانفصل الضمير، إلا أنَّ هنا عوِّض من " كَانَ " " ما "، وفي [ " لَوْ " ] لم يعوَّض منها.
الثالث : أنَّ " أنتم " توكيدٌ لاسم " كانَ " المقدر معها، والأصل " لَوْ كُنتمْ أنْتُم تَمْلكُونَ " فحذفت " كَانَ " واسمها، وبقي المؤكِّدُ، وهو قول ابن فضالٍ المجاشعيِّ، وفيه نظرٌ ؛ من حيث إنَّا نحذف ما في التَّوكيد، وإن كان سيبويه يجيزه(٧).
وإنما أحوج هذين القائلين إلى ذلك : كون مذهب البصريِّين في " لَوْ " أنَّه لا يليها إلاَّ الفعل ظاهراً، ولا يجوز عندهم أن يليها مضمراً مفسَّراً إلاَّ في ضرورة، أو ندور، كقوله :" لَو ذَات سوارٍ لطَمتْنِي "، فإن قيل : هذان الوجهان أيضاً فيهما إضمار فعلٍ، قيل : ليس هو الإضمار المعنيَّ ؛ فإنَّ الإضمار الذي أبوه هو على شريطة التفسير في غير " كان "، وأمَّا " كان " فقد كثر حذفها بعد [ " لو " ] في مواضع كثيرة، وقد وقع الاسم الصَّريحُ بعد " لَوْ " غير مذكور بعده فعلٌ ؛ وأنشد الفارسيُّ :[ الرمل ]
لَو بِغيْرِ المَاءِ حَلْقِي شَرقٌكُنْتُ كالغصَّانِ بالمَاءِ اعْتِصَارِي(٨)
إلا أنه أخرجه على أنه مرفوع بفعل مقدَّر يفسِّره الوصف من قوله " شَرِقٌ "، وقد تقدَّم الكلام في " لَوْ ". قال أهل المعاني : إنَّ التقديم بالذكر يدل على التَّخصيص، فقوله :﴿لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ دليل على أنَّهم هم المختصُّون بهذه الحالة الخسيسة، والشُّحِّ الكامل.
واعلم أنَّ خزائن رحمة الله غير متناهية ؛ فكان المعنى أنكم لو ملكتم من النِّعم خزائن لا نهاية لها، لتقيمنَّ على الشحِّ، وهذه مبالغة عظيمة في وصفهم بهذه الصفة.
قوله :" لأمْسَكْتُمْ " يجوز أن يكون لازماً ؛ لتضمنه معنى " بخِلتمْ " وأن يكون متعدِّياً، ومفعوله محذوف، أي : لأمسكتم المال، ويجوز أن يكون كقوله ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨].
قوله :﴿خَشْيَةَ الإنفاق﴾ فيه وجهان :
أظهرهما : أنه مفعول من أجله.
والثاني : أنه مصدر في موضع الحال، قاله أبو البقاء، أي : خاشين الإنفاق، وفيه نظر ؛ إذ لا يقع المصدر المعرف موقع الحال، إلا سماعاً ؛ نحو :" جَهْدكَ " و " طَاقَتكَ "، وكقوله :
وأرْسلَهَا العِراكَ. . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . (٩)
ولا يقاس عليه، والإنفاقُ مصدر " أنْفقَ "، أي : أخرج المال، وقال أبو عبيدة :" هو بمعنى الافتقار، والإقتار ".
قوله :﴿خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾، أي : نعمة ربِّي.
﴿إِذاً لأمْسَكْتُمْ﴾ لبخلتم.
﴿خَشْيَةَ الإنفاق﴾ : الفاقة.
وقيل : خشية النفاق يقال : أنفق الرجل، أي : أملق، وذهب ماله، ونفق الشَّرُّ، أي : ذهب.
وقيل : لأمسكتم عن الإنفاق ؛ خشية الفقر، ومعنى " قَتُوراً " : قال قتادة : بخيلاً ممسكاً(١٠).
يقال : أقْتَرَ يُقْتِرُ إقتاراً، وقتَّر تَقْتِيراً : إذا قصَّر في الإنفاق.
فإن قيل : قد حصل في الإنسان الجواد، والكريم.
فالجواب من وجوه :
الأول : أن الأصل في الإنسان البخلُ ؛ لأنَّه خلق محتاجاً، والمحتاج لابد وأن يحبَّ ما به يدفع الحاجة، وأن يمسكه لنفسه، إلا أنَّه قد يجود به [ لأسبابٍ ](١١) من خارج، فثبت أنَّ الأصل في الإنسان البخلُ.
الثاني : أنَّ الإنسان إنَّما يبذلُ ؛ لطلب الحمدِ، وليخرج من عهدة الواجب، ثم للتَّقرُّب إلى الله تعالى، فهو في الحقيقة إنَّما أنفق ليأخذ العوض، فهو بخيلٌ، والمراد بهذا الإنسان المعهود السَّابق، وهم الذين قالوا :﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعاً﴾ [ الإسراء : ٩٠
١ ينظر: الإملاء ٢/٩٧..
٢ ينظر: المشكل ٢/٣٤..
٣ تقدم..
٤ مثل عربي ينسب لحاتم وليس بشعر.
ينظر: الجني الداني ص ٢٧٩، جمهرة الأمثال ١٧٤، ومجمع الأمثال ٢/١٢٢..

٥ البيت للمتلمس في ديوانه ص ٢٩، الأصمعيات ص ٢٤٥، خزانة الأدب ١٠/٥٩، اللامات ص ١٢٨، تذكرة النحاة ص ٤٩٠، لسان العرب "نقص، "وسم"، والمقتضب ٣/٧٧، الدر المصون ٤/٤٢٢..
٦ البيت لعباس بن مرداس في ديوانه ص ١٢٨، والأشباه والنظائر ٢/١١٣، الاشتقاق ص ٣١٣، خزانة الأدب ٤/١٣، ١٤/١٧، ٢٠٠، ٥/٤٤٥، ٦/٥٣٦، ١١/٦٢، الدرر ٢/٩١، شرح شذور الذهب ص ٢٤٢، شرح شواهد الإيضاح ص ٤٧٩، شرح شواهد المغني ١/١١٦، ١٧٩، شرح قطر الندى ص ١٤٠، ولجرير في ديوانه ١/٣٤٩، الخصائص ٢/٣٨١، شرح المفصل ٢/٩٩، ٨/١٣٢، والشعر والشعراء ١/٣٤١، الكتاب ١/٢٩٣، لسان العرب (خرش)، (ضبع)، المقاصد النحوية ٢/٥٥، الأزهية ص ١٤٧، أمالي ابن الحاجب ١/٤١١، ٤٤٢، الإنصاف ١/٧١، أوضح المسالك ١/٢٦٥، تخليص الشواهد ص ٢٦٠، الجني الداني ص ٥٢٨، جواهر الأدب ١٩٨، ٤١٦، ٤٢١، رصف المباني ص ٩٩، ١٠١، شرح الأشموني ١/١١٩، شرح ابن عقيل ص ١٤٩، لسان العرب (أما) مغني اللبيب ١/٣٥، المنصف ٣/١١٦، همع الهوامع ١/٢٣، الدر المصون ٤/٤٢٢..
٧ ينظر: الكتاب ١/٢٤٧..
٨ تقدم..
٩ البيت للبيد في ديوانه ص ٨٦، وينظر: أساس البلاغة (نغص)، خزانة الأدب ٣/١٩٢، شرح أبيات سيبويه ١/٢٠، شرح التصريح ١/٣٧٣، شرح المفصل ٢/٦٢، شرح ابن عقيل ص ٣٢٤، الكتاب ١/٣٧٢، لسان العرب (نغص)، (عرك)، (دخل)، المقاصد النحوية ٣/٢١٩، الأشباه والنظائر ٦/٨٥، الإنصاف ٢/٨٢٢، جواهر الأدب ص ٣١٨، المقتضب ٣/٢٣٧، الدر المصون ٤/٤٢٣..
١٠ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/١٥٤) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٣٦٩) وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وابن أبي حاتم..
١١ سقط من أ..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى