زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبّي﴾ قال الزجاج : المعنى : لو تملكون أنتم، قال الملمس :
ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتينصبت لهم فوق العرانين ميسما
المعنى : لو أراد غير أخوالي.
وفي هذه الخزائن قولان :
أحدهما : خزائن الأرزاق. والثاني : خزائن النعم، فيخرج في الرحمة قولان : أحدهما : الرزق. والثاني : النعمة. وتحرير الكلام : لو ملكتم ما يملكه الله عز وجل لأمسكتم عن الإنفاق خشية الفاقة. ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ﴾ يعني : الكافر ﴿قَتُورًا﴾ أي : بخيلاً ممسكاً ؛ يقال : قتر يقتر، وقتر يقتر : إذا قصر في الإنفاق. وقال الماوردي : لو ملك أحد من المخلوقين من خزائن الله تعالى، لما جاد كجود الله تعالى، لأمرين : أحدهما : أنه لا بد أن يمسك منه لنفقته ومنفعته. والثاني : أنه يخاف الفقر، والله تعالى منزه في جوده عن الحالين.
ثم إن الله تعالى ذكر إنكار فرعون آيات موسى، تشبيها بحال هؤلاء المشركين، فقال :﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ﴾ وفيها قولان :
أحدهما : أنها بمعنى المعجزات والدلالات، ثم اتفق جمهور المفسرين على سبع آيات منها، وهي : يده، والعصا، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، واختلفوا في الآيتين الآخرتين على ثمانية أقوال :
أحدها : أنهما لسانه والبحر الذي فلق له، رواه العوفي عن ابن عباس ؛ يعني بلسانه : أنه كان فيه عقدة فحلها الله تعالى له.
والثاني : البحر والجبل الذي نتق فوقهم، رواه الضحاك عن ابن عباس.
والثالث : السنون ونقص الثمرات، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والشعبي، وعكرمة، وقتادة. وقال الحسن : السنون ونقص الثمرات آية واحدة.
والرابع : البحر والموت أرسل عليهم، قاله الحسن، ووهب.
والخامس : الحجر والبحر، قاله سعيد بن جبير.
والسادس : لسانه وإلقاء العصا مرتين عند فرعون، قاله الضحاك.
والسابع : البحر والسنون، قاله محمد بن كعب.
والثامن : ذكره محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب أيضاً، فذكر السبع الآيات الأولى، إلا أنه جعل مكان يده البحر، وزاد الطمسة والحجر، يعني قوله :﴿اطْمِسْ عَلَى أَمْوالِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨].
والثاني : أنها آيات الكتاب، روى أبو داود السجستاني من حديث صفوان ابن عسال، أن يهوديا قال لصاحبه : تعال حتى نسأل هذا النبي، فقال الآخر : لا تقل : إنه نبي، فإنه لو سمع ذلك، صارت له أربعة أعين ؛ فأتياه، فسألاه عن تسع آيات بينات، فقال :" لا تشركوا بالله شيئا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا بالبريء إلى السلطان ليقتله، ولا تسحروا، ولا تقذفوا المحصنات، ولا تفروا من الزحف، وعليكم خاصة يهود ألا تعدوا في السبت "، قال : فقبلا يده، وقالا : نشهد أنك نبي.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى