المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿قل لو أنتم تملكون﴾ الآية حكم لو أن يليها الفعل إما مظهراً وإما مضمراً يفسره الظاهر بعد ذلك، فالتقدير هنا، قل لو تملكون خزائن، ف ﴿أنتم﴾ رفع على تبع الضمير(١)، و «الرحمة » في هذه الآية المال والنعم التي تصرف في الأرزاق، ومن هذا سميت ﴿رحمة﴾، و ﴿الإنفاق﴾ المعروف ذهاب المال وهو مؤد إلى الفقر، فكأن المعنى خشية عاقبة الإنفاق، وقال بعض اللغويين أنفق الرجل معناه افتقر كما تقول أترب وأقتر، وقوله ﴿وكان الإنسان فتوراً﴾ أي ممسكاً، يريد أن في طبعه ومنتهى نظره أن الأشياء تتناهى وتفنى، فهو لو ملك خزائن رحمة الله لأمسك خشية الفقر، وكذلك يظن أن قدرة الله تعالى تقف دون البعث، والأمر ليس كذلك، بل قدرته لا تتناهى، فهو مخترع من الخلق ما يشاء، ويخترع من الرحمة الأرزاق، فلا يخاف نفاد خزائن رحمته، وبهذا النظر تتلبس هذه الآية بما قبلها، والله ولي التوفيق برحمته، ومن الإقتار قول أبي داود :[ الخفيف ]
لا أعد الإقتار عدماً ولكن. . . فقد من قد رزئته الإعدام(٢)
لا أعد الإقتار عدماً ولكن. . . فقد من قد رزئته الإعدام(٢)
١ يتفق ابن عطية في هذا مع الزمخشري، وأبي البقاء، والحوفي. لكن هذا يخالف مذهب البصريين، قال ابن عصفور: "لا يلي (لو) إلا الفعل ظاهرا، ولا بليها مضمرا إلا ضرورة أو نادر كلام، مثل ما جاء في المثل من قولهم: (لو ذات سوار لطمتني). وقال ابن الصائغ: "البصريون يصرحون بامتناع (لو زيد قام لأكرمته) على الفصيح، ويجيزونه شاذا، كقولهم: (لو ذات سوار لطمتني)، وهو عندهم على فعل مضمر، وهو من باب الاشتغال، كقوله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره﴾. وخرجه أبو الحسن علي بن فضال المجاشعي على إضمار (كان)، والتقدير: "قل لو كنتم أنتم تملكون"، على خلاف في حذف (كان) وحدها، أو حذفها مع الضمير (كنتم). ويميل أبو حيان إلى حذف (كان) وانفصال الضمير المرفوع، وقال: إن حذف (كان) بعد (لو) معهود في لسان العرب..
٢ أبو دواد (بواو غير مهموزة، بعدها ألف، وقد همزت في كثير من الكتب مثل الشعر والشعراء). واسمه جارية بن الحجاج، وقيل: حنظلة بن الشرفي، والأول أصح. والبيت من قصيدة مشهورة، هي الأصمعية (٦٥)، ومنها مختارات في الشعر والشعراء، والإقتار: قلة المال وضيق العيش، وهو الشاهد هنا، والعدم والإعدام: الفقر. يقول: لا أعتبر قلة المال فقرا، إنما الفقر الحقيقي هو فقد الكرام من الرجال. قيل للحطيئة: من أشعر الناس؟ قال الذي يقول: (لا أعد الإقتار عدما.... البيت). ثم يصف الشاعر هؤلاء الرجال بالشجاعة والسماحة ورجاحة العقول، إلى أن يقول:
فعلى إثرهم تساقط نفســــــي حسرات وذكرهم لي سقــــــام.
٢ أبو دواد (بواو غير مهموزة، بعدها ألف، وقد همزت في كثير من الكتب مثل الشعر والشعراء). واسمه جارية بن الحجاج، وقيل: حنظلة بن الشرفي، والأول أصح. والبيت من قصيدة مشهورة، هي الأصمعية (٦٥)، ومنها مختارات في الشعر والشعراء، والإقتار: قلة المال وضيق العيش، وهو الشاهد هنا، والعدم والإعدام: الفقر. يقول: لا أعتبر قلة المال فقرا، إنما الفقر الحقيقي هو فقد الكرام من الرجال. قيل للحطيئة: من أشعر الناس؟ قال الذي يقول: (لا أعد الإقتار عدما.... البيت). ثم يصف الشاعر هؤلاء الرجال بالشجاعة والسماحة ورجاحة العقول، إلى أن يقول:
فعلى إثرهم تساقط نفســــــي حسرات وذكرهم لي سقــــــام.