تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا ) دعاء الإنسان بالشر هو أن يدعو على نفسه وأهله وولده حالة الغضب، فيقول : اللهم أهلكهم، اللهم العنهم، وربما يقول لنفسه هذه المقالة.
وقوله :( دعاءه بالخير ) أي : كدعائه بالخير، ويقال : إن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث فإنه قال : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم.
فاستجاب الله له، وضربت عنقه صبرا يوم بدر.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال :«اللهم إني بشر، أغضب كما يغضب البشر، وأيما مسلم لعنته، أو سببته فاجعلها له صلاة ورحمة »(١).
وفي بعض الأخبار :«أتى النبي ﷺ بأسير فسلمه إلى سودة بنت زمعة لتحفظه، وكان الأسير أتى مشدودا فجعل جميع الليل يئن، فقامت سودة، وأرخت من وثاقه ؛ فهرب الأسير، فلما دخل رسول الله ﷺ قال لها : أين الأسير ؟ فذكرت له ذلك فقال : قطع الله يدك، وبعث خلف الأسير من رده، فأخرجت سودة يدها ؛ ليجيء من يقطعها بدعاء النبي ﷺ ؛ فدخل عليها النبي ﷺ، ورآها على تلك الحالة، فسألها : ممن هذا ؟ فقالت : لدعائك يا رسول الله ؛ فقال رسول الله ﷺ :«اللهم إني بشر أغضب كما يغضب البشر. . » (٢) الخبر.
وقوله :( وكان الإنسان عجولا ) يعني : أنه يعجل بدعاء الشر، والله لا يعجل بالإجابة.
وفي الآية قول وهو أن هذا في آدم صلوات الله عليه، وفي القصة : أن الله تعالى أدخل الروح في رأسه، فجعل ينظر إلى نفسه كيف يخلق ! فلما بلغ الروح وسطه أراد أن يقوم فلم يقدر، فقال الله تعالى :«وخلق الإنسان عجولا ».
هذا محكي عن قتادة وغيره، وعن سلمان الفارسي أن الله خلق آدم في آخر ساعة من يوم الجمعة، فجعل الروح تجري في جسده، ويحيى آدم فنظر إلى الشمس، وهي تغرب، فقال : يا رب، قبل الليل -أي أتم خلقي قبل الليل- فقال الله تعالى :«وخلق الإنسان عجولا ».
وفي أصل الآية قول آخر ؛ وهو أن معنى قوله :( ويدعو الإنسان بالشر ) أي : يدعو بفعل المعصية كما يدعو بفعل الطاعة. قال الشاعر :
عسى فارج الهم عن يوسفيسخر لي ربة المحمل
والصحيح ما قدمنا من قبل.
١ - متفق عليه، وقد تقدم في سورة يونس..
٢ - قال الحافظ الزيلعي في تخريج الكشاف (٢/٢٦٠): غريب من حديث سودة، وقال الحافظ ابن حجر في تلخيص تخريج الكشاف: لم أجده من هذه الجهة. قلت: وقد روى مثل هذه القصة ولكن لعائشة –رضي الله عنها- كما في المسند لأحمد (٦/٥٢)، والسنن الكبرى للبيهقي (٩/٨٩)، ولحفصة بنت عمر –رضي الله عنهما- كما في المسند (٣/١٤١)، وقال الهيثمي في المجمع (٨/٢٧٠): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى