اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
في الباءين ثلاثة أوجه :
أحدها : أنهما متعلقتان بالدُّعاء على بابهما ؛ نحو :" دَعوْتُ بكذا " والمعنى : أنَّ الإنسان في حال ضجره قد يدعو بالشَّر، ويلحُّ فيه، كما يدعو بالخير ويلحُّ فيه.
والثاني : أنهما بمعنى " في " بمعنى أنَّ الإنسان إذا أصابه ضرٌّ، دعا وألحَّ في الدعاءِ، واستعجل الفرجَ ؛ مثل الدعاءِ الذي كان يحبُّ أن يدعوهُ في حالة الخير، وعلى هذا : فالمدعوُّ به ليس الشرَّ ولا الخير، وهو بعيدٌ.
الثالث : أن تكون للسَّبب، ذكره أبو البقاء(١)، والمعنى لا يساعده، والمصدر مضافٌ لفاعله.
وحذفت الواو ولفظها الاستقبال باللام الساكنة ؛ كقوله تعالى :﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ [العلق: ١٨] وحذف في الخط أيضاً، وهي غير محذوفة في المعنى.

فصل في نظم الآية


وجه النَّظم : أن الإنسان بعد أن أنزل الله - تعالى - عليه هذا القرآن، وخصه بهذه النعم العظيمة، قد يعدل على التمسُّك بشرائعه، والرُّجوع إلى بيانه، ويقدم على ما لا فائدة فيه، فقال :﴿وَيَدْعُ الإنسان بالشر دُعَآءَهُ بالخير﴾.
واختلفوا في المراد من دعاء الإنسان بالشرِّ، فقيل : المراد منه النضر بن الحارث، حيث قال : اللهُم، إن كان هذا هو الحقَّ من عندكَ. فأجاب الله دعاءه، وضُربَتْ رَقَبتهُ، وكان بعضهم يقول : ائْتِنَا بعذابِ الله، وآخرون يقولون : مَتَى هذا الوعد إن كنتم صَادقِينَ، وإنَّما فعلوا ذلك ؛ للجَهْلِ، ولاعتقادِ أن محمَّداً - صلوات الله وسلامه عليه - كاذبٌ فيما يقول.
وقيل : المراد أنَّ الإنسان في وقت الضجر يلعنُ نفسه، وأهله وولده، وماله ؛ كدعائه ربَّه أن يهب له النعمة والعافية، ولو استجاب الله دعاءه على نفسه في الشرِّ، كما يستجيب(٢) له في الخير، لهلك، ولكنَّ الله لا يستجيبُ ؛ لفضله.
رُوِيَ أن النبي المصطفى - صلوات الله وسلامه عليه - " دفع إلى سودةَ بنت زَمْعةٍ أسيراً، فأقبل يَئِنُّ باللَّيْلِ، فقالت له : مَا لَكَ تَئِنُّ ؟ فَشَكَى ألم القدِّ، فأرْخَتْ لهُ مِنْ كتافه، فلمَّا نَامَتْ أخرجَ يدهُ، وهَربَ(٣) فلمَّا أصْبحَ النبي ﷺ دعا بِهِ، فأعْلمَ بِشأنهِ، فقال صلوات الله وسلامه عليه : اللَّهُمَّ اقطعْ يَدهَا، فَرفَعتْ سَوْدَةُ - رضي الله عنها - يَدهَا تتَوقَّعُ أن يَقْطعَ الله يَدهَا، فقَال النَّبيُّ ﷺ : إنِّي سَألتُ الله أنْ يَجْعلَ دُعائِي على مَنْ لا يَسْتحقُّ عَذاباً مِنْ أهْلِي رَحْمةً ؛ لأنِّي بَشرٌ أغْضَبُ كَمَا تَغْضَبُونَ " (٤).
وقيل : يحتمل أن يكون المرادُ أنَّ الإنسان قد يبالغُ في الدُّعاء طلباً للشَّيء، يعتقد أنَّ خيره فيه، مع أنَّ ذلك الشيء منبع لشرِّه وضرره، وهو يبالغ في طلبه ؛ لجهله بحال ذلك الشَّيء، وإنما يقدم على مثل هذا العمل ؛ لكونه عجولاً مُغْتَرًّا بظواهر الأمور غير متفحِّصٍ عن حقائقها، وأسرارها.
ثم قال تعالى :﴿وَكَانَ الإنسان عَجُولاً﴾.
قيل : المراد بهذا الإنسان آدم -صلوات الله وسلامه عليه- لأنه لمَّا انتهت الروح إلى سُرَّته، نظر إلى جسده، فأعجبه ما رأى، فذهب لينهض، فلم يقدر، فهو قوله جل ذكره :﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً﴾.
وقيل : المراد الجنس ؛ لأنَّ أحداً من النَّاس لا يعرى عن عجلةٍ، ولو تركها، لكان تركها أصلح له في الدِّين والدُّنيا، ومعنى القولين واحدٌ ؛ لأنَّا إذا حملنا الإنسان على آدم - صلوات الله وسلامه عليه - فهو أبُو البشر وأصلهم، فإذا وصف بالعجلة، كانت الصفة لازمةً لأولاده.
وقال ابنُ عبَّاسٍ - رضي الله عنه- :" عَجُولاً " ضَجُوراً لا صبر له على سرَّاء ولا ضرَّاء(٥).
١ ينظر: الإملاء ٢/٨٩..
٢ في أ: يستجاب..
٣ سقط من: أ..
٤ ذكره الزمخشري في الكشاف ٢/٦٥١..
٥ أخرجه الطبري في "تفسيره " (٨/٤٥) وذكر البغوي في "تفسيره" (٣/١٠٧)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى