الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿آيَتَيْنِ﴾ : يجوز أن يكونَ هو المفعولَ الأولَ، و ﴿الْلَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ ظرفان في موضع الثاني قُدِّما على الأول، والتقدير : وجَعَلْنا آيتين في الليلِ والنهار، والمرادُ بالآيتين : إمَّا الشمسُ والقمرُ، وإمَّا تكويرُ هذا على هذا، وهذا على هذا، ويجوز أنْ يكونَ " آيَتَيْن " هو الثاني، و ﴿الْلَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ هما الأول. ثم فيه احتمالان، أحدُهما : أنه على حَذْفِ مضافٍ :/ إمَّا من الأولِ، أي : نَيَّرَي الليل والنهار، وهما القمرُ والشمسُ، وإمَّا من الثاني، أي : ذَوِي آيتين. والثاني : أنه لا حَذْفَ، وأنهما علامتان في أنفسِهما، لهما دلالةٌ على شيءٍ آخرَ. قال أبو البقاء :" فلذلك أضافَ في موضعٍ، وَوَصف في آخر " يعني أنه أضافَ الآيةَ إليهما في قولِه ﴿آيَةَ الْلَّيْلِ﴾ و ﴿الْلَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ ووصفَهما في موضعٍ آخرَ بأنهما اثنان لقولِه :" وجَعَلْنا الليلَ والنهارَ آيتين ". هذا كلُّه إذا جَعَلْنَا الجَعْلَ تصييراً متعدِّياً لاثنين، فإن جَعَلْناه بمعنى " خَلَقْنا " كان " آيتين " حالاً، وتكونُ حالاً مقدرة.
واستشكل بعضُهم أَنْ يكونَ " جَعَلَ " بمعنى صَيَّر قال :" لأنه يَسْتَدْعِيْ أن يكونَ الليلُ والنهارُ موجودَيْن على حالةٍ، ثم انتقل عنها إلى أخرى ".
قوله :" مُبْصِرَةً " فيه أوجهٌ، أحدُها : أنه مِنْ الإِسنادِ المجازيِّ، لأنَّ الإِبصارَ فيها لأهلِها، كقولِه :﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإِسراء: ٥٩] لمَّا كانت سبباً للإِبْصار. وقيل :" مُبْصِرة " : مضيئةً، وقيل : هي من بابِ اَفْعَل، والمرادُ به غيرُ مَنْ أُسْنِد الفعلُ إليه كقولهم :" أَضْعَفَ الرجلُ "، أي : ضَعُفَتْ ماشِيتُه، و " أَجْبن " إذا كان أهلُه جبناء، فالمعنى أنَّ أهلَها بُصراء.
وقرأ عليُّ بن الحسين وقتادةُ " مَبْصَرة " بفتح الميم والصاد، وهو مصدرٌ أقيم مُقام الاسمِ، وكَثُر هذا في صفاتِ الأمكنة نحو :" مَذْأَبَة ".
قوله :﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ﴾ فيه وجهان، أحدهما : أنَّه منصوبٌ على الاشتغال، ورُجِّح نصبُه لتقدُّمِ جملةٍ فعلية. وكذلك ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ﴾
[الإِسراء: ١٣]. والثاني :- وهو بعيد - أنه منصوبٌ نَسَقاً على " الحِسابَ "، أي : لتعلموا كلَّ شيءٍ أيضاً، ويكون " فَصَّلْناه " على هذا صفةً.
وقرئ " في عُنْقِه " وهو تخفيفٌ شائعٌ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى