روح المعاني — الألوسي
عن الكتاب
﴿وَجَعَلْنَا اليل والنهار ءايَتَيْنِ﴾ هذا على ما قيل شروع في بيان بعض ما ذكر من الهداية بالإرشاد إلى مسلك الاستدلال بالآيات والدلائل الآفاقية التي كل واحدة منها برهان نير لا ريب فيه ومنهاج بين لا يضل من ينتحيه فإن الجعل المذكور وما عطف عليه وإن كانا من الهدايات التكوينية لكن الأخبار بذلك من الهدايات القرآنية المنبهة على تلك الهدايات.
وذكر الإمام في وجه الربط وجوهاً، الأول أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة ما أوصل إلى الخلق من نعم الدين وهو القرآن أتبعه ببيان ما أوصل إليهم من نعم الدنيا فقال سبحانه :﴿وَجَعَلْنَا﴾ الخ، وكما أن القرآن ممتزج من المحكم والمتشابه كذلك الزمان مشتمل على الليل والنهار وكما أن المقصود من التكليف لا يتم إلا بذكر المحكم والمتشابه فكذلك الزمان لا يكمل الانتفاع به إلا بالنهار والليل، الثاني أنه تعالى وصف الإنسان بكونه عجولاً أي منتقلاً من صفة إلى صفة ومن حالة إلى حالة بين(١) أن كل أحوال العالم كذلك وهو الانتقال من النور إلى الظلمة وبالضد وانتقال نور القمر من الزيادة إلى النقصان وبالضد، الثالث نحو ما نقلناه أولا ولعله الأولى، وتقديم الليل لمراعاة الترتيب الوجودي إذ منه ينسلخ النهار وفيه تظهر غرر الشهور العربية ولترتيب غاية النهار عليها بلا واسطة، ومما يزيد تقديم الليل حسناً افتتاح السورة بقوله سبحانه ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ [الإسراء: ١] والجعل على ما نقل عن السمين بمعني التصيير متعد لاثنين أو بمعنى الخلق متعدلوا حد و ﴿ءايَتَيْنِ﴾ حال مقدرة.
واستشكل الأول الكرماني بأنه يستدعي أن يكون الليل والنهار موجودين على حالة ثم انتقلا منها إلى أخرى وليس كذلك، ودفع بأنه من باب ضيق فم الركية وهو مجاز معروف واستظهر هذا أبو حيان، والمعنى جعلنا الملوين بهيآتهما وتعاقبهما واختلافهما في الطول والقصر على وتيرة عجيبة آيتين تدلال على أن لهما صانعاً حكيماً قادراً عليماً ويهديان إلى ما هدى إليه القرآن الكريم من الإسلام والتوحيد.
﴿فَمَحَوْنَا ءايَةَ اليل﴾ الإضافة هنا وفيما بعد إما بيانية كما في إضافة العدد إلى المعدود نحو أربع نسوة أي محونا الآية التي هي الليل أي جعلنا الليل ممحو الضوء مطموسة مظلماً لا يستبين فيه شيء كما لا يستبين ما في اللوح الممحو وإلى ذلك ذهب صاحب الكشاف.
وروي عن مجاهد وهو على نحو ضيق فم الركية والفاء تفسيرية لأن المحو المذكور وما عطف عليه ليسا مما يحصل عقيب جعل الجديدين آيتين بل هما من جملة ذلك الجعل ومتمماته، وقيل معنى محو الليل إزالة ظلمته بالضوء، ورجح بأن فيه إبقاء المحو على حقيقته وهو إزالة الشيء الثابت وليس فيما ذكره الزمخشري ذلك ولا ينبغي العدول عن الحقيقة بلا ضرورة.
وتعقب بأنه يكفي ما بعده قرينة على تلك الإرادة فإن محو الليل في مقابلة جعل النهار مبصراً، وعلى ما ذكر من المعنى الحقيقي لا يتعلق بمحو الليل فائدة زائدة على ما بعده، وقيل عليه إن الظلمة هي الأصل والنور طارىء فكون الليل مخلوقاً مطموس الضوء مفروغ عنه فالمراد بيان أن الله تعالى خلق الزمان ليلاً مظلماً ثم جعل بعضه نهاراً باحداث الاشراق لفائدة ذكرها سبحانه، وكون محو الليل في مقابلة جعل النهار مضيئاً لا يوجب حمله على المجاز لفائدة بيان إبقاء بعض الزمان على إظلامه وجعل بعضه مضيئاً اه ولا يخفى ما فيه من التكلف وأن المقام لا يلائمه فالمعول عليه ما في الكشاف.
﴿وَجَعَلْنَا ءايَةَ النهار﴾ أي الآية التي هي النهار ﴿مُبْصِرَةً﴾ أي مضيئة فهو مجاز بعلاقة السببية أو الإسناد مجازي كما في نهاره صائم والمراد يبصر أهلها أو الصيغة للنسب أي ذات إبصارهم أو هي من أبصره المتعدي أي جعله مبصراً ناظراً والإسناد إلى النهار مجازي أيضاً من الإسناد إلى السبب العادي والفاعل الحقيقي هو الله تعالى أو من باب أفعل المراد به غير من أسند إليه كأضعاف الرجل إذا كانت دوابه ضعافاً وأجبن إذا كان أهله جبناء فأبصرت الآية بمعنى صار أهلها بصراء.
وروى ذلك عن أبي عبيدة وهو معنى وضعي لا مجازي. وقرأ قتادة. وعلى بن الحسين رضي الله عنهما ﴿مُبْصِرَةً﴾ بفتح الميم والصاد وهو مصدر أقيم مقام غيره وكثر مثل ذلك في صفات الأمكنة كارض مسبعة ومكان مضبة وإما إضافة لامية وآيتا الليل والنهار نيراهما القمر والشمس ويحتاج حينئذ في قوله تعالى :﴿وَجَعَلْنَا اليل والنهار ءايَتَيْنِ﴾ إلى تقدير مضاف في الأول والثاني أي جعلنا نيري الليل والنهار آيتين أو جعلنا الليل والنهار ذوي آيتين أن جعل جعل متعدياً إلى مفعولين والليل والنهار هو المفعول الأول وآيتين الثاني، فإن عكس كما استظهره أبو حيان وجعل الليل والنهار نصباً على الظرفية في موضع المفعول الثاني أي جعلنا في الليل والنهار آيتين وهما النيران لا يحتاج إلى تقدير كما إذا جعل الجعل متعدياً لواحد والليل والنهار منصوبان على الظرفية كما جوزه المعربون، ومحو آية الليل وهي القمر على ما تدل عليه الآثار إزالة ما ثبت لها من النور يوم خلقت، فقد أخرج ابن جرير. وابن المنذر عن ابن عباس في الآية إنه قال كان القمر يضيء كما تضيء الشمس وهو آية الليل فمحى فالسواد الذي في القمر أثر ذلك المحو.
وأخرج عبد بن حميد. وغيره عن عكرمة أنه قال : خلق الله تعالى نور الشمس سبعين جزأ ونور القمر سبعين جزأ فمحى من نور القمر تسعة وستين جزأ فجعله مع نور الشمس فالشمس على مائة وتسعة وثلاثين جزأ والقمر على جزء واحد، وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي أنه قال : كانت شمس بالليل وشمس بالنهار فمحى الله تعالى شمس الليل فهو المحو الذي في القمر، وأخرج البيهقي في دلائل النبوة.
وابن عساكر عن سعيد المقبري أن عبد الله بن سلام سأل النبي ﷺ عن السواد الذي في القمر فقال : كانا شمسين وقال قال الله تعالى :﴿وَجَعَلْنَا اليل والنهار ءايَتَيْنِ فَمَحَوْنَا ءايَةَ اليل﴾ فالسواد الذي رأيت هو المحو، وفي حديث طويل أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه بسند واه عن ابن عباس مرفوعاً «أن الله تعالى خلق شمسين من نور عرشه فارسل جبريل عليه السلام فأمر جناحه على وجه القمر وهو يومئذ شمس ثلاث مرات فطمس عنه الضوء وبقي فيه النور وذلك قوله تعالى :﴿وَجَعَلْنَا اليل والنهار ءايَتَيْنِ﴾ » الآية إلى غير ذلك من الآثار، والفاء على هذا للتعقيب، وجعل آية النهار وهي الشمس مبصرة على نحو ما تقدم فتبصر، وقيل محو القمر اما خلقه كمدا مطموس النور غير مشرق بالذات على ما ذكره أهل الهيئة من أنه غير مضيء في نفسه بل نوره مستفاد من ضوء الشمس فالفاء تفسيرية كما مر وإما نقص ما استفاده من الشمس شيئاً فشيئاً بحسب الرؤية والإحساس إلى أن ينمحق على ما هو معنى المحو فالفاء للتعقيب، وذكر الإمام في محوه قولين، احدهما نقص نوره قليلاً قليلاً إلى المحاق، وثانيهما جعله ذا كلف ثم قال : حمله على الوجه الأول أولى لأن اللام في الفعلين بعد متعلق بما هو المذكور قبل وهو محو آية الليل وجعل آية النهار مبصرة، ومحو آية الليل إنما يؤثر في ابتغاء فضل الله تعالى إذا حملنا محو القمر على زيادة نورة القمر ونقصانه لأن سبب حصول هذه الآية مختلف باختلاف أحوال نور القمر وأهل التجارب أثبتوا أن اختلاف أحوال القمر في مقادير النور له أثر عظيم في أحوال هذا العالم ومصالحه مثل أحوال البحار في المد والجزر ومثل أحوال البحرانات على ما يذكره الأطباء في كتبهم، وأيضاً بسبب زيادة نور القمر ونقصانه يحصل الشهور وبسبب معاودة الشهور يحصل السنون العربية المبنية على رؤية الهلال كما قال سبحانه ﴿وَلِتَعْلَمُواْ﴾ الخ ا ه.
وأنت تعلم أنه متى دل أثر صحيح عن رسول الله ﷺ على ما ذكرناه أولا لا ينبغي أن يدعي أن غيره أولى، وهو لعمري وجه لا كلف فيه عند من له عين مبصرة، وللفلاسفة في هذا المحو المرئى في وجه القمر كلام طويل لا بأس بأن تحيط به خبراً فنقول : ذكر الإمام في المباحث المشرقية أن امتناع بعض المواضع في وجه القمر عن قبول الضوء التام إما أن يكون بسبب خارج عن جرم القمر أو غير خارج عند فإن كان بسبب خارج فإما أن يكون لمثل ما يعرض للمرايا من وقوعاشباح الأشياء فيها فإذا رؤيت تلك الأشياء لم تر براقة فكذلك القمر لما تصورت فيه أشباح الجبال والبحار وجب أن لا ترى تلك المواضع في غاية الاستنارة، وإما أن يكون ذلك بسبب ساتر والأول باطل، أما أولاً فلأن الأشباح لا تنحفظ هيآتها مع حركة المرآة وبتقدير سكونها لا تستقر تلك الأشباح فيها عند اختلاف مقامات الناظرين والآثار التي في وجه القمر ليست كذلك، وأما ثانياً فلأن القمر ينعكس الضوء عنه إلى البصر وما كان كذلك لم يصلح للتخييل، وأما ثالثاً فلأنه كان يجب أن تكون تلك الآثار كالكرات لأن الجبال في الآرض كتضريس أو خشونة في سطح كرة وليس لها من المقدار قدر ما يؤثر في كرية الآرض فكيف لأشباحها المرئية في المرآة.
وأما إن كان ذلك بسبب ساتر فذلك الساتر إما أن يكون عنصرياً أو سماوياً والأول باطل، أما أولا فلأنه كان يجب أن يكون المواضع المتسترة من جرم القمر مختلفة باختلاف مقامات الناظرين، وأما ثانياً فلأن ذلك الساتر لا يكون هواء صرفاً ولا ناراً صرفة لأنهما شفافان فلا يحجبان بل لا بد وأن يكون مركباً إما بخاراً وإما دخاناً وذلك لا يكون مستمراً، وأما إن كان الساتر سماوياً فهو الحق وذلك إنما يكون لقيام أجسام سماوية قريبة المكان جداً من القمر وتكون من الصغر بحيث لا يرى كل واحد منها بل جملتها على نحو مخصوص من الشكل وتكون إما عديمة الضوء أو لها ضوء أضعف من ضوء القمر فترى في حالة إضاءته مظلمة، وأما إن كان ذلك بسبب عائد إلى ذات القمر فلا يخلو إما أن يكون جوهر ذلك الموضع مساوياً لجواهر المواضع المستنيرة من القمر في الماهية أو لا يكون فإن لم يكن كان ذلك لارتكاز أجرام سماوية مخالفة بالنوع للقمر في جرمه كما ذكرناه قبل وهو قريب منه.
وإما أن تكون تلك المواضع مساوية الماهية لجرم القمر فحينئذ يمتنع اختصاصها بتلك الآثار إلا بسبب خارجي لكنه قد ظهر لنا أن الأجرام السماوية لا تتأثر بشيء عنصري وبذلك أبطل قول من قال : إن ذلك المحو بسبب انسحاق عرض القمر من مماسة النار، أما أولاً فلأن ذلك يوجب أن يتأدى ذلك في الأزمان الطويلة إلى العدم والفساد بالكلية والأرصاد المتوالية مكذبة لذلك، وأيضاً القمر غير مماس للنار لأنه مفرق في ذلك تدويره الذي هو في حامله الذي بينه وبين النار بعد بعيد بدليل أن النار لو كانت ملاقية لحامله لتحركت بحركته إلى المشرق وليس كذلك لأن حركات الشهب في الأكثر لا تكون إلا إلى جهة المغرب وتلك الحركة تابعة لحركة النار والحركة المستديرة ليست للنار بذاتها فإنها مستقيمة الحركة فذلك لها بالعرض تبعاً لحركة الكل فبطل ما قالوه اه.
وذكر الآمدي في أبكار الأفكار زيادة على ما يفهم مما ذكر من الأقوال وهي أن منهم من قال : إن ما يرى خيال لا حقيقة له، ورده بأنه لو كان كذلك لاختلف الناظرون فيه ؛ ومنهم من قال : إنه السواد الكائن في القمر في الجانب الذي لا يلي الشمس، ور
وذكر الإمام في وجه الربط وجوهاً، الأول أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة ما أوصل إلى الخلق من نعم الدين وهو القرآن أتبعه ببيان ما أوصل إليهم من نعم الدنيا فقال سبحانه :﴿وَجَعَلْنَا﴾ الخ، وكما أن القرآن ممتزج من المحكم والمتشابه كذلك الزمان مشتمل على الليل والنهار وكما أن المقصود من التكليف لا يتم إلا بذكر المحكم والمتشابه فكذلك الزمان لا يكمل الانتفاع به إلا بالنهار والليل، الثاني أنه تعالى وصف الإنسان بكونه عجولاً أي منتقلاً من صفة إلى صفة ومن حالة إلى حالة بين(١) أن كل أحوال العالم كذلك وهو الانتقال من النور إلى الظلمة وبالضد وانتقال نور القمر من الزيادة إلى النقصان وبالضد، الثالث نحو ما نقلناه أولا ولعله الأولى، وتقديم الليل لمراعاة الترتيب الوجودي إذ منه ينسلخ النهار وفيه تظهر غرر الشهور العربية ولترتيب غاية النهار عليها بلا واسطة، ومما يزيد تقديم الليل حسناً افتتاح السورة بقوله سبحانه ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ [الإسراء: ١] والجعل على ما نقل عن السمين بمعني التصيير متعد لاثنين أو بمعنى الخلق متعدلوا حد و ﴿ءايَتَيْنِ﴾ حال مقدرة.
واستشكل الأول الكرماني بأنه يستدعي أن يكون الليل والنهار موجودين على حالة ثم انتقلا منها إلى أخرى وليس كذلك، ودفع بأنه من باب ضيق فم الركية وهو مجاز معروف واستظهر هذا أبو حيان، والمعنى جعلنا الملوين بهيآتهما وتعاقبهما واختلافهما في الطول والقصر على وتيرة عجيبة آيتين تدلال على أن لهما صانعاً حكيماً قادراً عليماً ويهديان إلى ما هدى إليه القرآن الكريم من الإسلام والتوحيد.
﴿فَمَحَوْنَا ءايَةَ اليل﴾ الإضافة هنا وفيما بعد إما بيانية كما في إضافة العدد إلى المعدود نحو أربع نسوة أي محونا الآية التي هي الليل أي جعلنا الليل ممحو الضوء مطموسة مظلماً لا يستبين فيه شيء كما لا يستبين ما في اللوح الممحو وإلى ذلك ذهب صاحب الكشاف.
وروي عن مجاهد وهو على نحو ضيق فم الركية والفاء تفسيرية لأن المحو المذكور وما عطف عليه ليسا مما يحصل عقيب جعل الجديدين آيتين بل هما من جملة ذلك الجعل ومتمماته، وقيل معنى محو الليل إزالة ظلمته بالضوء، ورجح بأن فيه إبقاء المحو على حقيقته وهو إزالة الشيء الثابت وليس فيما ذكره الزمخشري ذلك ولا ينبغي العدول عن الحقيقة بلا ضرورة.
وتعقب بأنه يكفي ما بعده قرينة على تلك الإرادة فإن محو الليل في مقابلة جعل النهار مبصراً، وعلى ما ذكر من المعنى الحقيقي لا يتعلق بمحو الليل فائدة زائدة على ما بعده، وقيل عليه إن الظلمة هي الأصل والنور طارىء فكون الليل مخلوقاً مطموس الضوء مفروغ عنه فالمراد بيان أن الله تعالى خلق الزمان ليلاً مظلماً ثم جعل بعضه نهاراً باحداث الاشراق لفائدة ذكرها سبحانه، وكون محو الليل في مقابلة جعل النهار مضيئاً لا يوجب حمله على المجاز لفائدة بيان إبقاء بعض الزمان على إظلامه وجعل بعضه مضيئاً اه ولا يخفى ما فيه من التكلف وأن المقام لا يلائمه فالمعول عليه ما في الكشاف.
﴿وَجَعَلْنَا ءايَةَ النهار﴾ أي الآية التي هي النهار ﴿مُبْصِرَةً﴾ أي مضيئة فهو مجاز بعلاقة السببية أو الإسناد مجازي كما في نهاره صائم والمراد يبصر أهلها أو الصيغة للنسب أي ذات إبصارهم أو هي من أبصره المتعدي أي جعله مبصراً ناظراً والإسناد إلى النهار مجازي أيضاً من الإسناد إلى السبب العادي والفاعل الحقيقي هو الله تعالى أو من باب أفعل المراد به غير من أسند إليه كأضعاف الرجل إذا كانت دوابه ضعافاً وأجبن إذا كان أهله جبناء فأبصرت الآية بمعنى صار أهلها بصراء.
وروى ذلك عن أبي عبيدة وهو معنى وضعي لا مجازي. وقرأ قتادة. وعلى بن الحسين رضي الله عنهما ﴿مُبْصِرَةً﴾ بفتح الميم والصاد وهو مصدر أقيم مقام غيره وكثر مثل ذلك في صفات الأمكنة كارض مسبعة ومكان مضبة وإما إضافة لامية وآيتا الليل والنهار نيراهما القمر والشمس ويحتاج حينئذ في قوله تعالى :﴿وَجَعَلْنَا اليل والنهار ءايَتَيْنِ﴾ إلى تقدير مضاف في الأول والثاني أي جعلنا نيري الليل والنهار آيتين أو جعلنا الليل والنهار ذوي آيتين أن جعل جعل متعدياً إلى مفعولين والليل والنهار هو المفعول الأول وآيتين الثاني، فإن عكس كما استظهره أبو حيان وجعل الليل والنهار نصباً على الظرفية في موضع المفعول الثاني أي جعلنا في الليل والنهار آيتين وهما النيران لا يحتاج إلى تقدير كما إذا جعل الجعل متعدياً لواحد والليل والنهار منصوبان على الظرفية كما جوزه المعربون، ومحو آية الليل وهي القمر على ما تدل عليه الآثار إزالة ما ثبت لها من النور يوم خلقت، فقد أخرج ابن جرير. وابن المنذر عن ابن عباس في الآية إنه قال كان القمر يضيء كما تضيء الشمس وهو آية الليل فمحى فالسواد الذي في القمر أثر ذلك المحو.
وأخرج عبد بن حميد. وغيره عن عكرمة أنه قال : خلق الله تعالى نور الشمس سبعين جزأ ونور القمر سبعين جزأ فمحى من نور القمر تسعة وستين جزأ فجعله مع نور الشمس فالشمس على مائة وتسعة وثلاثين جزأ والقمر على جزء واحد، وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي أنه قال : كانت شمس بالليل وشمس بالنهار فمحى الله تعالى شمس الليل فهو المحو الذي في القمر، وأخرج البيهقي في دلائل النبوة.
وابن عساكر عن سعيد المقبري أن عبد الله بن سلام سأل النبي ﷺ عن السواد الذي في القمر فقال : كانا شمسين وقال قال الله تعالى :﴿وَجَعَلْنَا اليل والنهار ءايَتَيْنِ فَمَحَوْنَا ءايَةَ اليل﴾ فالسواد الذي رأيت هو المحو، وفي حديث طويل أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه بسند واه عن ابن عباس مرفوعاً «أن الله تعالى خلق شمسين من نور عرشه فارسل جبريل عليه السلام فأمر جناحه على وجه القمر وهو يومئذ شمس ثلاث مرات فطمس عنه الضوء وبقي فيه النور وذلك قوله تعالى :﴿وَجَعَلْنَا اليل والنهار ءايَتَيْنِ﴾ » الآية إلى غير ذلك من الآثار، والفاء على هذا للتعقيب، وجعل آية النهار وهي الشمس مبصرة على نحو ما تقدم فتبصر، وقيل محو القمر اما خلقه كمدا مطموس النور غير مشرق بالذات على ما ذكره أهل الهيئة من أنه غير مضيء في نفسه بل نوره مستفاد من ضوء الشمس فالفاء تفسيرية كما مر وإما نقص ما استفاده من الشمس شيئاً فشيئاً بحسب الرؤية والإحساس إلى أن ينمحق على ما هو معنى المحو فالفاء للتعقيب، وذكر الإمام في محوه قولين، احدهما نقص نوره قليلاً قليلاً إلى المحاق، وثانيهما جعله ذا كلف ثم قال : حمله على الوجه الأول أولى لأن اللام في الفعلين بعد متعلق بما هو المذكور قبل وهو محو آية الليل وجعل آية النهار مبصرة، ومحو آية الليل إنما يؤثر في ابتغاء فضل الله تعالى إذا حملنا محو القمر على زيادة نورة القمر ونقصانه لأن سبب حصول هذه الآية مختلف باختلاف أحوال نور القمر وأهل التجارب أثبتوا أن اختلاف أحوال القمر في مقادير النور له أثر عظيم في أحوال هذا العالم ومصالحه مثل أحوال البحار في المد والجزر ومثل أحوال البحرانات على ما يذكره الأطباء في كتبهم، وأيضاً بسبب زيادة نور القمر ونقصانه يحصل الشهور وبسبب معاودة الشهور يحصل السنون العربية المبنية على رؤية الهلال كما قال سبحانه ﴿وَلِتَعْلَمُواْ﴾ الخ ا ه.
وأنت تعلم أنه متى دل أثر صحيح عن رسول الله ﷺ على ما ذكرناه أولا لا ينبغي أن يدعي أن غيره أولى، وهو لعمري وجه لا كلف فيه عند من له عين مبصرة، وللفلاسفة في هذا المحو المرئى في وجه القمر كلام طويل لا بأس بأن تحيط به خبراً فنقول : ذكر الإمام في المباحث المشرقية أن امتناع بعض المواضع في وجه القمر عن قبول الضوء التام إما أن يكون بسبب خارج عن جرم القمر أو غير خارج عند فإن كان بسبب خارج فإما أن يكون لمثل ما يعرض للمرايا من وقوعاشباح الأشياء فيها فإذا رؤيت تلك الأشياء لم تر براقة فكذلك القمر لما تصورت فيه أشباح الجبال والبحار وجب أن لا ترى تلك المواضع في غاية الاستنارة، وإما أن يكون ذلك بسبب ساتر والأول باطل، أما أولاً فلأن الأشباح لا تنحفظ هيآتها مع حركة المرآة وبتقدير سكونها لا تستقر تلك الأشباح فيها عند اختلاف مقامات الناظرين والآثار التي في وجه القمر ليست كذلك، وأما ثانياً فلأن القمر ينعكس الضوء عنه إلى البصر وما كان كذلك لم يصلح للتخييل، وأما ثالثاً فلأنه كان يجب أن تكون تلك الآثار كالكرات لأن الجبال في الآرض كتضريس أو خشونة في سطح كرة وليس لها من المقدار قدر ما يؤثر في كرية الآرض فكيف لأشباحها المرئية في المرآة.
وأما إن كان ذلك بسبب ساتر فذلك الساتر إما أن يكون عنصرياً أو سماوياً والأول باطل، أما أولا فلأنه كان يجب أن يكون المواضع المتسترة من جرم القمر مختلفة باختلاف مقامات الناظرين، وأما ثانياً فلأن ذلك الساتر لا يكون هواء صرفاً ولا ناراً صرفة لأنهما شفافان فلا يحجبان بل لا بد وأن يكون مركباً إما بخاراً وإما دخاناً وذلك لا يكون مستمراً، وأما إن كان الساتر سماوياً فهو الحق وذلك إنما يكون لقيام أجسام سماوية قريبة المكان جداً من القمر وتكون من الصغر بحيث لا يرى كل واحد منها بل جملتها على نحو مخصوص من الشكل وتكون إما عديمة الضوء أو لها ضوء أضعف من ضوء القمر فترى في حالة إضاءته مظلمة، وأما إن كان ذلك بسبب عائد إلى ذات القمر فلا يخلو إما أن يكون جوهر ذلك الموضع مساوياً لجواهر المواضع المستنيرة من القمر في الماهية أو لا يكون فإن لم يكن كان ذلك لارتكاز أجرام سماوية مخالفة بالنوع للقمر في جرمه كما ذكرناه قبل وهو قريب منه.
وإما أن تكون تلك المواضع مساوية الماهية لجرم القمر فحينئذ يمتنع اختصاصها بتلك الآثار إلا بسبب خارجي لكنه قد ظهر لنا أن الأجرام السماوية لا تتأثر بشيء عنصري وبذلك أبطل قول من قال : إن ذلك المحو بسبب انسحاق عرض القمر من مماسة النار، أما أولاً فلأن ذلك يوجب أن يتأدى ذلك في الأزمان الطويلة إلى العدم والفساد بالكلية والأرصاد المتوالية مكذبة لذلك، وأيضاً القمر غير مماس للنار لأنه مفرق في ذلك تدويره الذي هو في حامله الذي بينه وبين النار بعد بعيد بدليل أن النار لو كانت ملاقية لحامله لتحركت بحركته إلى المشرق وليس كذلك لأن حركات الشهب في الأكثر لا تكون إلا إلى جهة المغرب وتلك الحركة تابعة لحركة النار والحركة المستديرة ليست للنار بذاتها فإنها مستقيمة الحركة فذلك لها بالعرض تبعاً لحركة الكل فبطل ما قالوه اه.
وذكر الآمدي في أبكار الأفكار زيادة على ما يفهم مما ذكر من الأقوال وهي أن منهم من قال : إن ما يرى خيال لا حقيقة له، ورده بأنه لو كان كذلك لاختلف الناظرون فيه ؛ ومنهم من قال : إنه السواد الكائن في القمر في الجانب الذي لا يلي الشمس، ور
١ - قوله "إلى حالة بين) الخ كذا بخطه ولعله إما وصف الخ بين بقرينة ما سبق في الوجه قبله..