غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
قال أهل النظم : لما ذكر نعمة الدين وهو القرآن أردفها بنعمة الدنيا فقال :﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين﴾ وفيه أن القرآن لا يتم المقصود منه إلا بنوعية المحكم والمتشابه، فكذا الزمان لا يكمل الانتفاع به إلا بجزئيه الليل والنهار. فالمحكم كالنهار في وضوحه، والمتشابه بمنزلة الليل في خفائه. وبوجه آخر لما ذكر دلائل النبوة والتوحيد أكدها بدليل آخر من عجائب الزمان. وبوجه آخر لما وصف الإنسان بكونه عجولاً أي منتقلاً من حالة إلى حالة ومن صفة إلى صفة بين أن كل أحوال هذا العالم كذلك فينتقل الهواء من الإنارة إلى الظلام وبالعكس، وينتقل القمر من النقصان إلى الامتلاء وبالضد. ﴿فمحونا آية الليل﴾ هي من إضافة الشيء إلى نفسه للبيان كقولك " نفس الشيء أو ذاته " أي فمحونا الآية التي هي الليل أي جعلنا الليل ممحوّ الضوء مطموساً مظلماً لا يستبان فيه شيء كما لا يستبان ما في اللوح الممحو ﴿وجعلنا﴾ الآية. التي هي ﴿النهار مبصرة﴾ ذات إبصار وذلك باعتبار من فيها أي تبصر فيها الأشياء وتستبان، أو أريد بالإبصار الإضاءة لأنها سببه. وقيل : المضاف محذوف والتقدير وجعلنا نيرى الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل التي هي القمر حيث لم يخلق له شعاع كشعاع الشمس فترى به الأشياء رؤية غير بينة، وجعلنا الشمس ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء ﴿لتبتغوا فضلاً من ربكم﴾ لتتواصلوا ببياض النهار أو بشعاع الشمس المستلزم للنهار إلى التصرف في وجوه معايشكم. ﴿ولتعلموا﴾ باختلاف الجديدين أو بزيادة ضوء القمر ونقصانه ﴿عدد السنين﴾ الشمسية أو القمرية المركبة من الشهور ﴿و﴾ لتعلموا جنس ﴿الحساب﴾ المبني على الساعات والأيام والشهور والسنين والأدوار. وقيل : أراد بمحو القمر الكلف الذي هو وجهه. وسببه في الشرع ما روي أن الشمس والقمر كانا سواء في النور والضوء فأرسل الله تعالى جبريل فأمر جناحه على وجه القمر فأذهب عنه أثر الضياء. وسببه عند الفلاسفة أنه ارتكز في وجه القمر أجسام قليلة الضوء كارتكاز الكواكب في أجرام الأفلاك، ولما كانت تلك الأجرام أقل ضوءاً من جرم القمر لا جرم شوهدت تلك الأجرام في وجه القمر كالكلف في وجه الإنسان. ونحن قد ذكرنا له وجهاً آخر في الهيئة، قال أهل التجارب : إن اختلاف أحوال القمر في مقادير النور له أثر عظيم في أحوال هذا العالم ومصالحه لاسيما في أحوال البحار والبحارين على ما يذكره الأطباء، إلا أن الكلف ليس له مدخل في ابتغاء فضل الله وفي معرفة الحسابات تفصيلاً. نعم لو قيل : إن الكلف نقص من نور القمر حتى لم يقو على إزالة ظلام الليل بالكلية فبقي في وقت السكون والراحة بحالة ووقت التردد في طلب المعاش بحالة، وصار تعاقب الليل والنهار سبباً لمعرفة الأيام وما يتركب منها كان متجهاً.
ثم قال :﴿وكل شيء﴾ مما تفتقرون إليه في دينكم ودنياكم ﴿فصلناه تفصيلاً﴾ بيناه بياناً غير ملتبس حتى انزاحت العلل وزالت الأعذار فلا يهلك من يهلك إلا عن بينة فلذلك قال :﴿وكل إنسان ألزمناه طائره﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل : نزه نفسه بقوله :﴿سبحان﴾ عن الاتحاد الكلي، ولكن أخبر عن مقام وصول حبيبه. فقوله :﴿أسرى﴾ إشارة إلى الجذبة الخفية عن الأغيار، وقوله ﴿بعبده﴾ إشارة إلى مقام تصحيح نسبة العبدية التي هي آخر مقامات السالكين، وقوله :﴿ليلاً﴾ رمز إلى أن ذلك الجذب كاد يكون خفياً عن المجذوب إذا كان ذاهلاً عن أنانيته.
وقوله :﴿من المسجد الحرام﴾ هو مقام يحرم فيه الالتفات إلى ما سوى الله. ﴿إلى المسجد الأقصى﴾ هو مقام الفناء في الله ﴿الذي باركنا حوله﴾ بالبقاء بالله ﴿لنريه من آياتنا﴾ التي لم تسمع إذن ولا أبصرت عين ﴿إنه هو السميع البصير﴾ فلا يصل أحد إليه إلا إذا سمع به وأبصر به. هذا ما خطر ببال هذا الضعيف في تأويل هذه الآية فإن كان صواباً فمن فضل الله وعطائه، وإلا فمني ومن الشيطان ﴿فجاسوا خلال الديار﴾ الجسدانية بالقتل وفك التركيب وخلال الديار المعنوية حين استولت الصفات الذميمة على الخصال الحميدة لتخريب بيت مقدس القلب ﴿ثم رددنا لكم الكرة عليهم﴾ باستيلاء داود القلب وقتل جالوت النفس ﴿وأمددناكم بأموال﴾ الطاعات ﴿وبنين﴾ الإيمان والإيقان ﴿وإذا جاء وعد الآخرة﴾ حين ارتد عن الطريقة ﴿ليسوؤا﴾ وجوه قلوبكم بحجب سوء أعمالكم ﴿وإن عدتم﴾ إلى الجهل ﴿عدنا﴾ إلى الفضل، أو وإن عدتم إلى الندم عدنا إلى الكرم، أو إن عدتم إلى العبودية عدنا إلى الربوبية، أو إن عدتم إلى التقربات عدنا إلى الجذبات ﴿وجعلنا ليل﴾ البشرية ونهار الروحانية ﴿فمحونا آية الليل﴾ وهي قمر القلب فني في نور العقل حين تطلع شمس شهود الحق وهي آية النهار، فإذا طلع الصباح استغنى عن المصباح ﴿لتبتغوا فضلاً من ربكم﴾ وهو تجلي ذاته وصفاته، وقد اختص الإنسان به من بين المخلوقات. ﴿ولتعلموا﴾ أيام الطلب وحساب الترقي من مقام إلى مقام وكل شيء يحتاج إليه السالك بيناه بالإشارات ﴿من كان يريد العاجلة﴾ فيه أن قلب الإنسان بين أصبعي قهر الرحمن ولطفه وبحسب ذلك يحوّل وجه إلى الدنيا حتى يؤل أمره إلى درجات البعد أو يحوّله إلى الآخرة حتى يصل إلى درجات الوصال والله المستعان على ما تصفون.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى