زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً﴾ في سبب إرادته لذلك قولان :
أحدهما : ما سبق لهم في قضائه من الشقاء. والثاني : عنادهم الأنبياء وتكذيبهم إياهم.
قوله تعالى :﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ قرأ الأكثرون :﴿أمرنا﴾ مخففة، على وزن " فَعَلْنا "، وفيها ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه من الأمر، وفي الكلام إضمار، تقديره : أمرنا مترفيها بالطاعة، ففسقوا، هذا مذهب سعيد بن جبير. قال الزجاج : ومثله في الكلام : أمرتك فعصيتني، فقد علم أن المعصية مخالفة الأمر.
والثاني :" كثَّرنا " يقال : أمرت الشيء وآمرته، أي : كثَّرته، ومنه قولهم : مهرة مأمورة، أي : كثيرة النتاج، يقال : أَمِرَ بنو فلان يأمرون أمراً : إذا كثروا، هذا قول أبي عبيدة، وابن قتيبة.
والثالث : أنَّ معنى ﴿أَمرنا﴾ : أمّرنا، يقال : أَمرت الرجل، بمعنى، أمّرته، والمعنى : سلّطنا مترفيها بالإمارة، ذكره ابن الأنباري. وروى خارجة عن نافع :" آمرنا " ممدودة، مثل " آمنا "، وكذلك روى حماد بن سلمة عن ابن كثير، وهي قراءة ابن عباس، وأبي الدرداء، وأبي رزين، والحسن، والضحاك، ويعقوب. قال ابن قتيبة : وهي اللغة العالية المشهورة، ومعناه : كثّرنا، أيضاً. وروى ابن مجاهد أنَّ أبا عمرو قرأ :" أمّرنا " مشددة الميم، وهي رواية أبان عن عاصم، وهي قراءة أبي العالية، والنخعي، والجحدري. قال ابن قتيبة : المعنى : جعلناهم أمراء. وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وابن يعمر :" أَمِرنا " بفتح الهمزة مكسورة الميم مخففة. فأما المترفون، فهم المتنعمون الذين قد أبطرتهم النعمة وسعة العيش، والمفسرون يقولون : هم الجبارون والمسلطون والملوك، وإنما خص المترفين بالذكر، لأنهم الرؤساء، ومن عداهم تبع لهم.
قوله تعالى :﴿فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ أي : تمردوا في كفرهم، لأن الفسق في الكفر : الخروج إلى أفحشه. وقد شرحنا معنى الفسق في [البقرة: ٢٦، ١٩٧].
قوله تعالى :﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ قال مقاتل : وجب عليها العذاب. وقد ذكرنا معنى " التدمير " في الأعراف :[ ١٣٧ ].

تفسير هذه الآية من كتب أخرى