التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم بين - سبحانه - أن هذه القرية لم تكن بدعا فى نزول العذاب بها، بل هناك قرى كثيرة عتت عن أمر ربها فأخذها - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، فقال - تعالى - :﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ القرون مِن بَعْدِ نُوحٍ...﴾.
و ﴿كم﴾ هنا خبرية أى : أن معناها الإِخبار عن عدد كثير، وهى فى محل نصب مفعول به لجملة ﴿أهلكنا﴾ و " من " فى قوله - تعالى - :﴿من القرون﴾ بيان للفظ ﴿كم﴾ وتمييز له كما يميز العدد بالجنس. وأما " من " فى قوله - تعالى - :﴿مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾ فهى لابتداء الغاية.
والقرون : جمع قرن، ويطلق على القوم المقترنين فى زمان واحد. والمشهور أن مدته مائة سنة.
أى : أن هذه القرية المدمرة بسبب فسوق أهلها، وعصيانهم لأمرنا، ليست هى القرية الوحيدة التى نزل بها عذابنا، بل إننا قد أهلكنا كثيرا من القرى من بعد زمن نوح - عليه السلام - كقوم عاد وثمود وغيرهم ممن استحبوا العمى على الهدى، وآثروا الكفر على الإِيمان والغى على الرشد.
وخص نوح - عليه السلام - بالذكر، لأنه أول رسول كذبه قومه وآذوه وسخروا منه.. فأهلكهم الله - تعالى - بالطوفان.
قال ابن كثير : ودل هذا على أن القرون التى كانت بين آدم ونوح على الإِسلام، كما قاله ابن عباس : كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإِسلام.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالتهديد الشديد لمن يخالف أمره فقال - تعالى - :﴿وكفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً﴾.
أى : وكفى بربك - أيها الرسول الكريم - إحاطة واطلاعا وعلما بما يقدمه الناس من خير أو شر، فإنه - سبحانه - يعلم السر وأخفى.
والآية الكريمة بجانب أنها تسلية للرسول ﷺ فهى - أيضا - تهديد للمشركين، وإنذار لهم بأنهم إذا ما استمروا على كفرهم، ومعاداتهم للحق، وتطاولهم على من جاء به وهو الرسول ﷺ فسيكونون محلا لغضب الله - تعالى - وسخطه، ولنزول عذابه الذى أهلك به أمثالهم فى الشرك والكفر والجحود.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - :﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ الله عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ وقوله - تعالى - :﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد﴾

تفسير هذه الآية من كتب أخرى