غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
﴿من كان يريد العاجلة﴾ أي المنفعة أو الدار العاجلة ﴿عجلنا له فيها﴾ ثم قيد المعجل بقيدين : أحدهما قوله :﴿ما نشاء﴾ ولهذا ترى كثيراً من هؤلاء يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضاً منه. وثانيهما قوله :﴿لمن نريد﴾ وهو بدل من ﴿له﴾ بدل البعض من الكل لأن الضمير يرجع إلى " من " وهو للمعلوم، ولهذا ترى كثيراً منهم يتمنون البعض اليسير من الدنيا ولا يؤتون فيجتمع عليهم فقر الدنيا وحرمان الآخرة بل عذابها لقوله :﴿ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً﴾ مطروداً من رحمة الله.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل : نزه نفسه بقوله :﴿سبحان﴾ عن الاتحاد الكلي، ولكن أخبر عن مقام وصول حبيبه. فقوله :﴿أسرى﴾ إشارة إلى الجذبة الخفية عن الأغيار، وقوله ﴿بعبده﴾ إشارة إلى مقام تصحيح نسبة العبدية التي هي آخر مقامات السالكين، وقوله :﴿ليلاً﴾ رمز إلى أن ذلك الجذب كاد يكون خفياً عن المجذوب إذا كان ذاهلاً عن أنانيته.
وقوله :﴿من المسجد الحرام﴾ هو مقام يحرم فيه الالتفات إلى ما سوى الله. ﴿إلى المسجد الأقصى﴾ هو مقام الفناء في الله ﴿الذي باركنا حوله﴾ بالبقاء بالله ﴿لنريه من آياتنا﴾ التي لم تسمع إذن ولا أبصرت عين ﴿إنه هو السميع البصير﴾ فلا يصل أحد إليه إلا إذا سمع به وأبصر به. هذا ما خطر ببال هذا الضعيف في تأويل هذه الآية فإن كان صواباً فمن فضل الله وعطائه، وإلا فمني ومن الشيطان ﴿فجاسوا خلال الديار﴾ الجسدانية بالقتل وفك التركيب وخلال الديار المعنوية حين استولت الصفات الذميمة على الخصال الحميدة لتخريب بيت مقدس القلب ﴿ثم رددنا لكم الكرة عليهم﴾ باستيلاء داود القلب وقتل جالوت النفس ﴿وأمددناكم بأموال﴾ الطاعات ﴿وبنين﴾ الإيمان والإيقان ﴿وإذا جاء وعد الآخرة﴾ حين ارتد عن الطريقة ﴿ليسوؤا﴾ وجوه قلوبكم بحجب سوء أعمالكم ﴿وإن عدتم﴾ إلى الجهل ﴿عدنا﴾ إلى الفضل، أو وإن عدتم إلى الندم عدنا إلى الكرم، أو إن عدتم إلى العبودية عدنا إلى الربوبية، أو إن عدتم إلى التقربات عدنا إلى الجذبات ﴿وجعلنا ليل﴾ البشرية ونهار الروحانية ﴿فمحونا آية الليل﴾ وهي قمر القلب فني في نور العقل حين تطلع شمس شهود الحق وهي آية النهار، فإذا طلع الصباح استغنى عن المصباح ﴿لتبتغوا فضلاً من ربكم﴾ وهو تجلي ذاته وصفاته، وقد اختص الإنسان به من بين المخلوقات. ﴿ولتعلموا﴾ أيام الطلب وحساب الترقي من مقام إلى مقام وكل شيء يحتاج إليه السالك بيناه بالإشارات ﴿من كان يريد العاجلة﴾ فيه أن قلب الإنسان بين أصبعي قهر الرحمن ولطفه وبحسب ذلك يحوّل وجه إلى الدنيا حتى يؤل أمره إلى درجات البعد أو يحوّله إلى الآخرة حتى يصل إلى درجات الوصال والله المستعان على ما تصفون.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى