تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ) قرأ عبد الله بن مسعود :" ووصى ربك ألا تعبدوا إلا إياه "، وقال الضحاك : كان في الأصل " ووصى " إلا أنه اتصل الواو بالصاد في الكتابة فقرىء :" وقضى ". والمعروف هو قوله :( وقضى ). وعليه اتفاق القراء ؛ ومعناه : وأمر ربك ؛ وحقيقة القضاء هو إحكام الشيء وإمضاؤه على وجه الفراغ منه، ومنه قولهم : قضى القاضي بين الخصمين، ومنه قوله تعالى :( ثم اقضوا إلي ولا تنظرون ) (١) أي : أفرغوا ما في أنفسكم وامضوه، فعلى هذا معنى قوله :( وقضى ربك ) أي : حكم عليهم ربك حكم تعبد.
ومعنى الفراغ هاهنا : هو إتمام التعبد. وفي بعض التفاسير : أن رجلا أتى الحسن البصري وقال : إني طلقت امرأتي ثلاثا، فقال : عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، فقال الرجل : كذلك كان قضاء الله ؟ فقال الحسن : كذبت، ما قضى الله. أي : ما أمر الله، وكان الحسن فصيحا فلم يفهم الناس قوله ؛ فذكروا أنه ينكر القدر.
وفي بعض الروايات أنه قيل له : إن بني أمية يقتلون الناس، ويقولون : كذا قضاء الله، فقال الحسن : كذب أعداء الله ؛ ومعناه ما بينا.
وقيل : إنه أنكر جعلهم ذلك علة لقتلهم، ذكره ابن قتيبة في المعارف.
وقوله :( ألا تعبدوا إلا إياه ) يعني : أن توحدوه ولا تشركوا به. وقوله :( وبالوالدين إحسانا ) أي : أمر أن تحسنوا بالوالدين إحسانا.
وقد ثبت عن النبي ﷺ برواية ابن مسعود، أنه سأل رسول الله ﷺ فقال :«أي الذنوب أعظم ؟ فقال : الإشراك بالله. قال : ثم أي ؟ قال : عقوق الوالدين »(٢).
وقوله :: ( إما يبلغان ) وقرئ :" إما يبلغن عندك الكبر " فقوله :( يبلغان ) ينصرف إليهما ؛ فعلى هذا قوله :( أحدهما أو كلاهما ) على وجه الاستئناف.
وقوله :( يبلغن ) ينصرف إلى أحدهما، فقوله :( أو كلاهما ) على البدل منه.
وقوله :( فلا تقل لهما أف ) قرئ :" أُفٍّ " بكسر الفاء، و " أف " بفتح الفاء، و " أف " بكسر الفاء والتنوين. قالوا : وفيه ست لغات : أَفًّا وأفٌ وأفٍّ الثلاثة بالتنوين، وأُفَّ وأفُّ وأفِّ بغير التنوين.
قال الأصمعي : الأف وسخ الأذن، والتُّفُّ وسخ الأظفار، وقيل : الأف وسخ الأظفار، والتف الشيء الحقير، وحقيقته أنه كلمة تقال عند الضجر من الشيء واستثقاله، وقيل : الأف بأدنى ما يتبرم به، فمنى الآية : لا يتبرم بهما، ولا يستثقل معالجة أذاهما. وذكر مجاهد أنه عند الحدث وذكر البول وصاحبه أنه لا يستثقل معالجتهما في ذلك ؛ كما لم يستثقلا معالجته.
وقوله :( ولا تنهرهما ) الانتهار من النهر، [ و ] هو الزجر بالإغلاظ والصياح.
وقوله :( وقل لهما قولا كريما ) أي : قولا لينا.
وعن محمد بن علي الباقر قال : شر الآباء من يحمله البر على الإفراط، وشر الأبناء من يحمله التقصير على العقوق.
وعن علي - رضي الله عنه - قال : لو علم الله شيئا أبلغ في الزجر من قوله :( أف )، لنهى عن ذلك، ثم قال علي : ليعمل البار ما شاء فلن يدخل النار، وليعمل العاق ما يشاء فلن يدخل الجنة.
وفي الأخبار، عن النبي ﷺ أنه قال :«البر يزيد في العمر »(٣). وذكر مسلم في الصحيح برواية سهيل عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال :«رغم أنفه. رغم أنفه، رغم أنفه ! فقيل : من يا رسول الله ؟ قال : من أدرك أبويه على الكبر أو أحدهما فلم يدخل الجنة »(٤).
وروى عامر بن ربيعة أن رجلا أتي النبي ﷺ فقال :«إن أبوي قد توفيا، فهل بقي شيء أبرهما به ؟ فقال : نعم، إنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، والاستغفار لهما، والصدقة عنهما »(٥).
١ - يونس: ٧١..
٢ - متفق عليه، رواه البخاري (٨/١٣ رقم ٤٤٧٧)، ومسلم (٢/١٠٥-١٠٦ رقم ٨٦)..
٣ - رواه ابن ماجة (١/٣٥ رقم ٩٠)، وأحمد (٥/٢٧٧، ٢٨٢)، وابن أبي شيبة في مصنفع (١٠/٤٤١-٤٤٢)، والطبراني في الكبير (٢/١٠٠ رقم ١٤٤٢)، والحاكم (١/٤٩٣) وقال: صحيح الإسناد، وابن حبان –الإحسان- (٣/١٥٣ رقم ٨٧٢)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/٦٠) كلهم من حديث ثوبان رضي الله عنه..
٤ - مسلم في صحيحه (١٦/١٦٣-١٦٤ رقم ٢٥٥١)، ورواه البخاري في الأدب المفرد (ص ١٥ رقم ٢١). وأحمد (٢/٣٤٦)..
٥ - رواه البخاري في الأدب المفرد (ص ٢٠ رقم ٣٥)، أبو داود (٤/٣٣٦ رقم ٥١٤٢)، وابن ماجة (٢/١٢٠٨-١٢٠٩ رقم ٣٦٦٤)، وأحمد (٣/٤٩٧، ٤٩٨) وابن حبان –الإحسان- (٢/١٦٢ رقم ٤١٨)، والبيهقي في الكبرى (٤/٢٨) كلهم من حديث أبي أسيد مالك بن ربيعة رضي الله عنه. وانظر السلسلة الضعيفة رقم (٥٩٧)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى