اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾.
لما ذكر في الآية المتقدمة ما هو الركن الأعظم في الإيمان، أتبعه بذكر ما هو من شعائر الإيمان وشرائعه، وهي أنواع :
الأول : أن يشتغل الإنسان بعبادة الله سبحانه وتعالى، ويتحرَّز عن عبادة غير الله تعالى.
والقضاءُ : الحكم الجزم البتُّ الذي لا يقبل النسخ ؛ لأنَّ الواحد منا، إذا أمر غيره بشيءٍ لا يقال : قضى عليه، فإذا أمره أمراً جزماً، وحكم عليه بذلك على سبيل البتِّ والقطع، فها هنا يقال : قضى عليه، وروى ميمون بن مهران عن ابن عبَّاس - رضي الله عنه - أنه قال في هذه الآية : كان الأصلُ :" ووصَّى ربُّكَ "، فالتصقت إحدى الواوين بالصَّاد، فصارت قافاً فقرئ " وقَضَى ربُّكَ " (١).
ثم قال : ولو كان على القضاء ما عصى الله أحدٌ قط ؛ لأنَّ خلاف قضاء الله ممتنعٌ، هذا رواه عنه الضحاك بنُ مزاحم(٢)، وسعيد بن جبيرٍ، وهو قراءة عليٍّ وعبد الله.
وهذا القول بعيدٌ جدًّا ؛ لأنه يفتح باب أنَّ التحريف والتغيير قد تطرق إلى القرآن، ولو جوَّزنا ذلك، لارتفع الأمانُ عن القرآن، وذلك يخرجه عن كونه حجَّة، وذلك طعنٌ عظيمٌ في الدِّين.
وقرأ الجمهور " قَضَى " فعلاً ماضياً، فقيل : هي على موضوعها الأصلي ؛ قال ابن عطية :" ويكون الضمير في " تَعْبدُوا " للمؤمنين من الناس إلى يوم القيامة ".
وقال ابن عبَّاس وقتادة والحسن بمعنى : أمَرَ(٣).
وقال مجاهد : بمعنى : أوصى(٤).
وقال الربيع بن أنسٍ : أوجب وألزم(٥).
وقيل بمعنى : حكم.
وقرأ بعض ولد معاذ بن جبل :" وقضاءُ ربِّك " اسماً مصدراً مرفوعاً بالابتداء، و " ألاَّ تَعْبدُوا " خبره.
قوله تعالى :﴿أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ : يجوز أن تكون " أنْ " مفسرة ؛ لأنها بعد ما هو بمعنى القول، و " لا " ناهية، ويجوز أن تكون الناصبة، و " لا " نافية، أي : بأن لا، ويجوز أن تكون المخففة، واسمها ضمير الشأن، و " لا " ناهية أيضاً، والجملة خبرها، وفيه إشكال ؛ من حيث وقوع الطَّلب خبراً لهذا الباب، ومثله في هذا الإشكال قوله :﴿أَن بُورِكَ مَن فِي النار﴾ [النمل: ٨]، وقوله :﴿أَنَّ غَضَبَ الله عَلَيْهَآ﴾ [النور: ٩] لكونه دعاء، وهو طلبٌ أيضاً، ويجوز أن تكون الناصبة، و " لا " زائدة. [ قال أبو البقاء(٦) :" ويجوز أن يكون في موضع نصب، [ أي :] ألزم ربُّك عبادته و " لا " زائدة " ]. قال أبو حيَّان :" وهذا وهمٌ ؛ لدخول " إلاَّ " على مفعول " تَعْبدُوا " فلزم أن يكون نفياً، أو نهياً ".
قوله تعالى :﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ قد تقدم نظيره في البقرة.
وقال الحوفي :" الباء متعلقة ب " قَضَى " ويجوز أن تكون متعلقة بفعلٍ محذوف تقديره : وأوصى بالوالدين إحساناً، و " إحساناً " مصدر، أي : يحسنون بالوالدين إحساناً ".
وقال الواحديُّ :" الباءُ من صلة الإحسان، فقدِّمت عليه ؛ كما تقول : بزيدٍ فانزل " (٧) وقد منع الزمخشري هذا الوجه ؛ قال :" لأنَّ المصدر لا يتقدَّم عليه معموله ". قال شهاب الدين : والذي ينبغي أن يقال : إنَّ هذا المصدر إن عنى به أنَّه ينحلُّ لحرفٍ مصدريٍّ، وفعلٍ، فالأمر على ما ذكر الزمخشريُّ، وإن كان بدلاً من اللفظ بالفعل، فالأمرُ على ما قال الواحديُّ، فالجوازُ والمنع بهذين الاعتبارين.
وقال ابن عطية :" قوله ﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ عطف على " أنْ " الأولى، أي : أمر الله ألاَّ تعبدوا إلاَّ إيَّاه، وأن تحسنوا بالوالدين إحساناً ". واختار أبو حيَّان أن يكون " إحْسَاناً " مصدراً واقعاً موقع الفعل، وأنَّ " أنْ " مفسرة، و " لا " ناهية، قال : فيكون قد عطف ما هو بمعنى الأمر على نهيٍ ؛ كقوله :[ الطويل ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . *** يقُولُونَ : لا تهْلِكَ أسًى وتَجمَّلِ(٨)
قلت : و " أحْسنَ " و " أسَاءَ " يتعدَّيان ب " إلى " وب " الباء ". قال تعالى :﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بي﴾ [يوسف: ١٠٠] وقال كثير عزَّة :[ الطويل ]
أسِيئي بِنَا أو أحْسِنِي لا مَلُومَة ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . (٩)
وكأنه ضُمِّن " أحْسنَ " لمعنى " لَطُفَ " فتعدَّى تعديته.
لما أمر بعبادة نفسه أتبعه ببرِّ الوالدين، ووجه المناسبة بين الأمرين أمورٌ :
أوَّلها : أنَّ السبب الحقيقيَّ لوجود الإنسان هو تخليق الله وإيجاده، والسبب الظاهريّ هو الأبوان، فأمر بتعظيم السبب الحقيقي، ثم أتبعه بالأمر بتعظيم السبب الظاهري.
وثانيها : أنَّ الموجود : إما قديمٌ، وإما محدث، ويجب أن تكون معاملة الإنسان مع الإله القديم بالتعظيم والعبودية، ومع المحدث بإظهار الشفقة، وهو المراد من قوله - صلوات الله البرِّ الرَّحيم وسلامه عليه- :" والتعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله " (١٠) وأحقُّ الخلق بالشفقة الأبوان ؛ لكثرة إنعامهما على الإنسان. فقوله تعالى :﴿وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ إشارة إلى التَّعظيم لأمر الله تعالى، وقوله تعالى :﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ إشارة إلى الشَّفقة على خلق الله.
وثالثها : أنَّ الاشتغال بشكر المنعم واجبٌ، ثمَّ المنعم الحقيقي هو الخالق سبحانه وتعالى جلَّ ذكره لا إله إلا هو، وقد يكون بعض المخلوقين منعماً عليك، وشكره أيضاً واجبٌ ؛ لقوله ﷺ :" مَنْ لمْ يشكُر النَّاس، لمْ يشكُر الله " (١١)، وليس لأحدٍ من الخلائق نعمةٌ على الإنسان مثل ما للوالدين، وتقريره من وجوه :
أحدها : أن الولد قطعةٌ من الوالدين ؛ قال - عليه السلام-(١٢) :" فَاطِمةُ بضَعةٌ منِّي يُؤذِينِي ما يُؤذيها " (١٣).
وأيضاً شفقة الوالدين على الولد عظيمة، وجدهما في إيصال الخير إلى الولد أمرٌ طبيعيٌّ، واحترازهما عن إيصال الضرر إليه أمر طبيعيٌّ أيضاً ؛ فوجب أن تكون نعم الوالدين على الولد كثيرة، بل هي أكثر من كلِّ نعمة تصل من إنسانٍ إلى إنسانٍ.
وأيضاً : حال ما يكون الإنسان في غاية الضَّعفِ ونهاية العجز يكون جميعُ أصناف نعم الأبوين في ذلك الوقت واصلة إلى الولدِ، وإذا وقع الإنعام على هذا الوجه، كان موقعه عظيماً.
وأيضاً : فإيصال الخير إلى الغير قد يكون لداعية إيصال الخير إليه، وإيصال الخير إلى الولد ليس لهذا الغرض، فكان الإنعام فيه أتمَّ وأكمل، فثبت بهذه الوجوه أنه ليس لأحدٍ من المخلوقين نعمةٌ على غيره مثل ما للوالدين على الولدِ، فلهذا بدأ الله بشكر نعمة الخالق ؛ فقال تعالى :﴿وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ ثم أردفه بشكر نعمة الوالدين، فقال تعالى :﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾. فإن قيل : إنَّ الوالدين إنَّما طلبا تحصيل اللذَّة لأنفسهما ؛ فلزم منه دخول الولد في الوجود، ودخوله في عالم الآفات والمخافات، فأيُّ إنعامٍ للأبوين على الولد.
يحكى أن بعض المنتسبين للحكمة كان يضربُ أباه، ويقول : هو الذي أدخلني في عالم الكون والفساد، وعرَّضني للموت، والفقر، والعمى، والزَّمانة.
وقيل لأبي العلاء المعرِّي : ماذا تكتب على قبرك ؟ فقال اكتبوا عليه :[ الكامل ]
وقال في ترك التزوج والولد :[ الكامل ]
وقيل للإسكندر : أستاذك أعظم ملَّة عليك أم والدك ؟ فقال : الأستاذ أعظم منَّة ؛ لأنَّه تحمَّل أنواع الشَّدائد عند تعليمي وأوقفني في نور العلم، وأمَّا الوالدُ فإنه طلب تحصيل لذة الوقاع لنفسه، فأخرجني إلى آفاتِ عالمِ الكون والفساد. ومن الكلمات المشهورة المأثورة :" خَيْرُ الآبَاءِ من عَلَّمكَ " والجواب :
هبْ أنَّه في أوَّل الأمر طلب لذة الوقاع، إلاَّ أن الاهتمام بإيصال الخيراتِ إليه، ودفع الآفاتِ من أوَّل دخوله في الوجود إلى وقت بلوغه الكبر، أليس أنَّه أعظم من جميع ما يصل إليه من جهاتِ الخيرات والمبرات ؟ فسقطت هذه الشبهات.
واعلم أن لفظ الآية يدلُّ على معانٍ كثيرة، كل واحدٍ منها يوجب المبالغة في الإحسان إلى الوالدين، منها أنه تبارك وتعالى قال في الآية المتقدمة :﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخرة وسعى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]، ثم أردفه بهذه الآية المشتملة على الأعمال التي يحصل بها الفوز بسعادة الآخرة. وذكر من جملتها البرَّ بالوالدين، وذلك يدلُّ على أن هذه الطاعة من أصول الطَّاعات التي تفيد سعادة الآخرة.
ومنها أنَّه تعالى بدأ بذكر الأمر بالتَّوحيد، وثنَّى بطاعة الله، وثلَّث ببرِّ الوالدين، وهذه درجة عالية ومبالغة عظيمة في تعظيم هذه الطَّاعة.
ومنها : أنه تعالى لم يقل :" وإحْسَاناً بالوَالِديْنِ "، بل قال :﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾، فتقديم ذكرهما يدل على شدَّة الاهتمام.
ومنها : أنه تعالى قال :" إحْسَاناً " بلفظ التنكير، والتنكير يدلُّ على التعظيم، أي : إحساناً عظيماً كاملاً ؛ لأنَّ إحسانهما إليك قد بلغ الغاية العظيمة ؛ فوجب أن يكون إحسانك إليهما كذلك، وإن لم تحسن إليهما كذلك، فلا تحصل المكافأة ؛ لأنَّ إنعامهما عليك كان على سبيل الابتداءِ، وفي الأمثال المشهورة :" إنَّ البَادِئ بالبرِّ لا يُكَافأ ".
قوله تعالى :﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ﴾ قرأ الأخوان(١٦) " يَبْلغانِّ " بألف التثنية قبل نون التوكيد المشددة المكسورةِ، والباقون دون ألف وبفتحِ النون، فأمَّا القراءة الأولى، ففيها أوجه :
أحدها : أن الألف ضمير الوالدين ؛ لتقدُّم ذكرهما، و " أحَدُهمَا " بدلٌ منه، و " أو كلاهما " عطف عليه، وإليه نحا الزمخشريُّ وغيره، واستشكله بعضهم بأنَّ قوله " أحَدهُمَا " بدل بعضٍ من كلٍّ، لا كل من كلٍّ ؛ لأنه غير وافٍ بمعنى الأول، وقوله بعد ذلك " أو كلاهما " عطف على البدل، فيكون بدلاً، وهو من بدل الكلِّ من الكلِّ ؛ لأنه مرادف لألف التثنية، لكنه لا يجوز أن يكون بدلاً ؛ لعروِّه عن الفائدة ؛ إذ المستفادُ من ألف التثنية هو المستفاد من " كِلاهمَا " فلم يفد البدل زيادة على المبدل منه.
قال شهاب الدين : هذا معنى قول أبي حيَّان، وفيه نظر ؛ إذ لقائلٍ أن يقول : مسلَّمٌ أنَّه لم يفد البدل زيادة على المبدل منه، لكنه لا يضرُّ ؛ لأنه شأن التأكيد، ولو أفاد زيادة أخرى غير مفهومة من الأول كان تأسيساً لا تأكيداً، وعلى تقدير تسليم ذلك، فقد يجاب عنه بما قال ابن عطيَّة ؛ فإنه قال بعد ذكره هذا الوجه : وهو بدلٌ مقسِّم ؛ كقول الشاعر :[ الطويل ]
إلا أنَّ أبا حيَّان تعقَّب كلامه، فقال :" أمَّا قوله : بدلٌ مقسم ؛ كقوله :
" وكُنْتُ ***. . . . . . . . . . " (١٨)
فليس كذلك ؛ لأنَّ شرطه العطف بالواو، وأيضر فشرطه : ألاَّ يصدق المبدل منه على أحد قسميه، لكن هنا يصدق على أحد قسميه ؛ ألا ترى أنَّ الألف،
لما ذكر في الآية المتقدمة ما هو الركن الأعظم في الإيمان، أتبعه بذكر ما هو من شعائر الإيمان وشرائعه، وهي أنواع :
الأول : أن يشتغل الإنسان بعبادة الله سبحانه وتعالى، ويتحرَّز عن عبادة غير الله تعالى.
والقضاءُ : الحكم الجزم البتُّ الذي لا يقبل النسخ ؛ لأنَّ الواحد منا، إذا أمر غيره بشيءٍ لا يقال : قضى عليه، فإذا أمره أمراً جزماً، وحكم عليه بذلك على سبيل البتِّ والقطع، فها هنا يقال : قضى عليه، وروى ميمون بن مهران عن ابن عبَّاس - رضي الله عنه - أنه قال في هذه الآية : كان الأصلُ :" ووصَّى ربُّكَ "، فالتصقت إحدى الواوين بالصَّاد، فصارت قافاً فقرئ " وقَضَى ربُّكَ " (١).
ثم قال : ولو كان على القضاء ما عصى الله أحدٌ قط ؛ لأنَّ خلاف قضاء الله ممتنعٌ، هذا رواه عنه الضحاك بنُ مزاحم(٢)، وسعيد بن جبيرٍ، وهو قراءة عليٍّ وعبد الله.
وهذا القول بعيدٌ جدًّا ؛ لأنه يفتح باب أنَّ التحريف والتغيير قد تطرق إلى القرآن، ولو جوَّزنا ذلك، لارتفع الأمانُ عن القرآن، وذلك يخرجه عن كونه حجَّة، وذلك طعنٌ عظيمٌ في الدِّين.
وقرأ الجمهور " قَضَى " فعلاً ماضياً، فقيل : هي على موضوعها الأصلي ؛ قال ابن عطية :" ويكون الضمير في " تَعْبدُوا " للمؤمنين من الناس إلى يوم القيامة ".
وقال ابن عبَّاس وقتادة والحسن بمعنى : أمَرَ(٣).
وقال مجاهد : بمعنى : أوصى(٤).
وقال الربيع بن أنسٍ : أوجب وألزم(٥).
وقيل بمعنى : حكم.
وقرأ بعض ولد معاذ بن جبل :" وقضاءُ ربِّك " اسماً مصدراً مرفوعاً بالابتداء، و " ألاَّ تَعْبدُوا " خبره.
قوله تعالى :﴿أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ : يجوز أن تكون " أنْ " مفسرة ؛ لأنها بعد ما هو بمعنى القول، و " لا " ناهية، ويجوز أن تكون الناصبة، و " لا " نافية، أي : بأن لا، ويجوز أن تكون المخففة، واسمها ضمير الشأن، و " لا " ناهية أيضاً، والجملة خبرها، وفيه إشكال ؛ من حيث وقوع الطَّلب خبراً لهذا الباب، ومثله في هذا الإشكال قوله :﴿أَن بُورِكَ مَن فِي النار﴾ [النمل: ٨]، وقوله :﴿أَنَّ غَضَبَ الله عَلَيْهَآ﴾ [النور: ٩] لكونه دعاء، وهو طلبٌ أيضاً، ويجوز أن تكون الناصبة، و " لا " زائدة. [ قال أبو البقاء(٦) :" ويجوز أن يكون في موضع نصب، [ أي :] ألزم ربُّك عبادته و " لا " زائدة " ]. قال أبو حيَّان :" وهذا وهمٌ ؛ لدخول " إلاَّ " على مفعول " تَعْبدُوا " فلزم أن يكون نفياً، أو نهياً ".
قوله تعالى :﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ قد تقدم نظيره في البقرة.
وقال الحوفي :" الباء متعلقة ب " قَضَى " ويجوز أن تكون متعلقة بفعلٍ محذوف تقديره : وأوصى بالوالدين إحساناً، و " إحساناً " مصدر، أي : يحسنون بالوالدين إحساناً ".
وقال الواحديُّ :" الباءُ من صلة الإحسان، فقدِّمت عليه ؛ كما تقول : بزيدٍ فانزل " (٧) وقد منع الزمخشري هذا الوجه ؛ قال :" لأنَّ المصدر لا يتقدَّم عليه معموله ". قال شهاب الدين : والذي ينبغي أن يقال : إنَّ هذا المصدر إن عنى به أنَّه ينحلُّ لحرفٍ مصدريٍّ، وفعلٍ، فالأمر على ما ذكر الزمخشريُّ، وإن كان بدلاً من اللفظ بالفعل، فالأمرُ على ما قال الواحديُّ، فالجوازُ والمنع بهذين الاعتبارين.
وقال ابن عطية :" قوله ﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ عطف على " أنْ " الأولى، أي : أمر الله ألاَّ تعبدوا إلاَّ إيَّاه، وأن تحسنوا بالوالدين إحساناً ". واختار أبو حيَّان أن يكون " إحْسَاناً " مصدراً واقعاً موقع الفعل، وأنَّ " أنْ " مفسرة، و " لا " ناهية، قال : فيكون قد عطف ما هو بمعنى الأمر على نهيٍ ؛ كقوله :[ الطويل ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . *** يقُولُونَ : لا تهْلِكَ أسًى وتَجمَّلِ(٨)
قلت : و " أحْسنَ " و " أسَاءَ " يتعدَّيان ب " إلى " وب " الباء ". قال تعالى :﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بي﴾ [يوسف: ١٠٠] وقال كثير عزَّة :[ الطويل ]
أسِيئي بِنَا أو أحْسِنِي لا مَلُومَة ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . (٩)
وكأنه ضُمِّن " أحْسنَ " لمعنى " لَطُفَ " فتعدَّى تعديته.
فصل في نظم الآية
لما أمر بعبادة نفسه أتبعه ببرِّ الوالدين، ووجه المناسبة بين الأمرين أمورٌ :
أوَّلها : أنَّ السبب الحقيقيَّ لوجود الإنسان هو تخليق الله وإيجاده، والسبب الظاهريّ هو الأبوان، فأمر بتعظيم السبب الحقيقي، ثم أتبعه بالأمر بتعظيم السبب الظاهري.
وثانيها : أنَّ الموجود : إما قديمٌ، وإما محدث، ويجب أن تكون معاملة الإنسان مع الإله القديم بالتعظيم والعبودية، ومع المحدث بإظهار الشفقة، وهو المراد من قوله - صلوات الله البرِّ الرَّحيم وسلامه عليه- :" والتعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله " (١٠) وأحقُّ الخلق بالشفقة الأبوان ؛ لكثرة إنعامهما على الإنسان. فقوله تعالى :﴿وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ إشارة إلى التَّعظيم لأمر الله تعالى، وقوله تعالى :﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ إشارة إلى الشَّفقة على خلق الله.
وثالثها : أنَّ الاشتغال بشكر المنعم واجبٌ، ثمَّ المنعم الحقيقي هو الخالق سبحانه وتعالى جلَّ ذكره لا إله إلا هو، وقد يكون بعض المخلوقين منعماً عليك، وشكره أيضاً واجبٌ ؛ لقوله ﷺ :" مَنْ لمْ يشكُر النَّاس، لمْ يشكُر الله " (١١)، وليس لأحدٍ من الخلائق نعمةٌ على الإنسان مثل ما للوالدين، وتقريره من وجوه :
أحدها : أن الولد قطعةٌ من الوالدين ؛ قال - عليه السلام-(١٢) :" فَاطِمةُ بضَعةٌ منِّي يُؤذِينِي ما يُؤذيها " (١٣).
وأيضاً شفقة الوالدين على الولد عظيمة، وجدهما في إيصال الخير إلى الولد أمرٌ طبيعيٌّ، واحترازهما عن إيصال الضرر إليه أمر طبيعيٌّ أيضاً ؛ فوجب أن تكون نعم الوالدين على الولد كثيرة، بل هي أكثر من كلِّ نعمة تصل من إنسانٍ إلى إنسانٍ.
وأيضاً : حال ما يكون الإنسان في غاية الضَّعفِ ونهاية العجز يكون جميعُ أصناف نعم الأبوين في ذلك الوقت واصلة إلى الولدِ، وإذا وقع الإنعام على هذا الوجه، كان موقعه عظيماً.
وأيضاً : فإيصال الخير إلى الغير قد يكون لداعية إيصال الخير إليه، وإيصال الخير إلى الولد ليس لهذا الغرض، فكان الإنعام فيه أتمَّ وأكمل، فثبت بهذه الوجوه أنه ليس لأحدٍ من المخلوقين نعمةٌ على غيره مثل ما للوالدين على الولدِ، فلهذا بدأ الله بشكر نعمة الخالق ؛ فقال تعالى :﴿وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ ثم أردفه بشكر نعمة الوالدين، فقال تعالى :﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾. فإن قيل : إنَّ الوالدين إنَّما طلبا تحصيل اللذَّة لأنفسهما ؛ فلزم منه دخول الولد في الوجود، ودخوله في عالم الآفات والمخافات، فأيُّ إنعامٍ للأبوين على الولد.
يحكى أن بعض المنتسبين للحكمة كان يضربُ أباه، ويقول : هو الذي أدخلني في عالم الكون والفساد، وعرَّضني للموت، والفقر، والعمى، والزَّمانة.
وقيل لأبي العلاء المعرِّي : ماذا تكتب على قبرك ؟ فقال اكتبوا عليه :[ الكامل ]
| هَذَا جَناهُ أبِي عَلَيْ | يَ وما جَنَيْتُ عَلى أحَدْ(١٤) |
| وتَركْتُ فِيهِمْ نِعْمةَ الْ | عدم التي سبقت نعيم العاجل |
| ولوْ أنَّهُمْ ولَدُوا لعَانَوا شِدَّة | تَرْمِي بِهمْ في مُوبِقاتِ الآجلِ(١٥) |
هبْ أنَّه في أوَّل الأمر طلب لذة الوقاع، إلاَّ أن الاهتمام بإيصال الخيراتِ إليه، ودفع الآفاتِ من أوَّل دخوله في الوجود إلى وقت بلوغه الكبر، أليس أنَّه أعظم من جميع ما يصل إليه من جهاتِ الخيرات والمبرات ؟ فسقطت هذه الشبهات.
واعلم أن لفظ الآية يدلُّ على معانٍ كثيرة، كل واحدٍ منها يوجب المبالغة في الإحسان إلى الوالدين، منها أنه تبارك وتعالى قال في الآية المتقدمة :﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخرة وسعى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]، ثم أردفه بهذه الآية المشتملة على الأعمال التي يحصل بها الفوز بسعادة الآخرة. وذكر من جملتها البرَّ بالوالدين، وذلك يدلُّ على أن هذه الطاعة من أصول الطَّاعات التي تفيد سعادة الآخرة.
ومنها أنَّه تعالى بدأ بذكر الأمر بالتَّوحيد، وثنَّى بطاعة الله، وثلَّث ببرِّ الوالدين، وهذه درجة عالية ومبالغة عظيمة في تعظيم هذه الطَّاعة.
ومنها : أنه تعالى لم يقل :" وإحْسَاناً بالوَالِديْنِ "، بل قال :﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾، فتقديم ذكرهما يدل على شدَّة الاهتمام.
ومنها : أنه تعالى قال :" إحْسَاناً " بلفظ التنكير، والتنكير يدلُّ على التعظيم، أي : إحساناً عظيماً كاملاً ؛ لأنَّ إحسانهما إليك قد بلغ الغاية العظيمة ؛ فوجب أن يكون إحسانك إليهما كذلك، وإن لم تحسن إليهما كذلك، فلا تحصل المكافأة ؛ لأنَّ إنعامهما عليك كان على سبيل الابتداءِ، وفي الأمثال المشهورة :" إنَّ البَادِئ بالبرِّ لا يُكَافأ ".
قوله تعالى :﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ﴾ قرأ الأخوان(١٦) " يَبْلغانِّ " بألف التثنية قبل نون التوكيد المشددة المكسورةِ، والباقون دون ألف وبفتحِ النون، فأمَّا القراءة الأولى، ففيها أوجه :
أحدها : أن الألف ضمير الوالدين ؛ لتقدُّم ذكرهما، و " أحَدُهمَا " بدلٌ منه، و " أو كلاهما " عطف عليه، وإليه نحا الزمخشريُّ وغيره، واستشكله بعضهم بأنَّ قوله " أحَدهُمَا " بدل بعضٍ من كلٍّ، لا كل من كلٍّ ؛ لأنه غير وافٍ بمعنى الأول، وقوله بعد ذلك " أو كلاهما " عطف على البدل، فيكون بدلاً، وهو من بدل الكلِّ من الكلِّ ؛ لأنه مرادف لألف التثنية، لكنه لا يجوز أن يكون بدلاً ؛ لعروِّه عن الفائدة ؛ إذ المستفادُ من ألف التثنية هو المستفاد من " كِلاهمَا " فلم يفد البدل زيادة على المبدل منه.
قال شهاب الدين : هذا معنى قول أبي حيَّان، وفيه نظر ؛ إذ لقائلٍ أن يقول : مسلَّمٌ أنَّه لم يفد البدل زيادة على المبدل منه، لكنه لا يضرُّ ؛ لأنه شأن التأكيد، ولو أفاد زيادة أخرى غير مفهومة من الأول كان تأسيساً لا تأكيداً، وعلى تقدير تسليم ذلك، فقد يجاب عنه بما قال ابن عطيَّة ؛ فإنه قال بعد ذكره هذا الوجه : وهو بدلٌ مقسِّم ؛ كقول الشاعر :[ الطويل ]
| وكُنْتُ كَذِي رجْليْنِ رجْلٍ صَحِيحَةٍ | ورِجْلٍ رَمَى فيها الزَّمانُ فشَلَّتِ(١٧) |
" وكُنْتُ ***. . . . . . . . . . " (١٨)
فليس كذلك ؛ لأنَّ شرطه العطف بالواو، وأيضر فشرطه : ألاَّ يصدق المبدل منه على أحد قسميه، لكن هنا يصدق على أحد قسميه ؛ ألا ترى أنَّ الألف،
١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٥٨) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٣٠٩) وزاد نسبته إلى الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن الأنباري في "المصاحف" من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس..
٢ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٣٠٩) وعزاه إلى ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس.
وأخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٥٨) عن الضحاك من قوله..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٥٨) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٣٠٩) وزاد نسبته إلى ابن المنذر..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٥٨) وذكره البغوي في "تفسيره" (٣/١١٠)..
٥ ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/١١٠)..
٦ ينظر: الإملاء ٢/٩٠..
٧ في ب: فامرر..
٨ تقدم..
٩ تقدم..
١٠ ذكره الرازي في "تفسيره" (٢٠/١٤٧)..
١١ أخرجه أبو داود (٤٨١١) والترمذي (٤/٢٩٨) كتاب البر والصلة: باب ما جاء في الشكر لمن أحسن إليك حديث (١٩٥٤) وأحمد (٢/٢٥٨) وابن حبان (٢٠٧٠ ـ موارد) من حديث أبي هريرة.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
وصححه ابن حبان..
١٢ سقط من: أ..
١٣ أخرجه البخاري (٧/١٣١-١٣٢) كتاب فضائل الصحابة: باب مناقب فاطمة حديث (٣٧٦٧) ومسلم (٤/١٩٠٢) كتاب فضائل الصحابة: باب فضائل فاطمة حديث (٩٣/٢٤٤٩). والبيهقي (٧/٦٤) والحاكم (٣/١٥٨) والبغوي في "شرح السنة" (٧/٢٣٢) من حديث المسور بن مخرمة..
١٤ ينظر: الفخر الرازي ٢٠/١٤٩، وروح المعاني ٨/٦١..
١٥ ينظر: الرازي ٢٠/١٤٩، وروح المعاني ٨/٦١..
١٦ ينظر: السبعة ٣٧٩، والتيسير ١٣٩، والحجة ٣٩٩، والنشر ٢/٣٠٦، والإتحاف ٢/١٩٦، والبحر ٦/٢٤، والوسيط ٣/١٠٣..
١٧ البيت لكثير عزة. ينظر: ديوانه ٩٩، وأمالي المرتضى ١/٤٦، وخزانة الأدب ٥/٢١١، ٢١٨، والكتاب ١/٥٤٢، وشرح أبيات سيبويه ١/٤٣٣، والمقاصد النحوية ٤/٢٠٤، وشرح الأشموني ٢/٤٣٨، وشرح المفصل ٣/٧٨، ومغني اللبيب ص ٤٧٢، والمقتضب ٤/٢٩٠، والبحر المحيط ٦/٢٤، والدر المصون ٤/٣٨٢..
١٨ ينظر: التخريج السابق..
٢ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٣٠٩) وعزاه إلى ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس.
وأخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٥٨) عن الضحاك من قوله..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٥٨) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٣٠٩) وزاد نسبته إلى ابن المنذر..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٥٨) وذكره البغوي في "تفسيره" (٣/١١٠)..
٥ ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/١١٠)..
٦ ينظر: الإملاء ٢/٩٠..
٧ في ب: فامرر..
٨ تقدم..
٩ تقدم..
١٠ ذكره الرازي في "تفسيره" (٢٠/١٤٧)..
١١ أخرجه أبو داود (٤٨١١) والترمذي (٤/٢٩٨) كتاب البر والصلة: باب ما جاء في الشكر لمن أحسن إليك حديث (١٩٥٤) وأحمد (٢/٢٥٨) وابن حبان (٢٠٧٠ ـ موارد) من حديث أبي هريرة.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
وصححه ابن حبان..
١٢ سقط من: أ..
١٣ أخرجه البخاري (٧/١٣١-١٣٢) كتاب فضائل الصحابة: باب مناقب فاطمة حديث (٣٧٦٧) ومسلم (٤/١٩٠٢) كتاب فضائل الصحابة: باب فضائل فاطمة حديث (٩٣/٢٤٤٩). والبيهقي (٧/٦٤) والحاكم (٣/١٥٨) والبغوي في "شرح السنة" (٧/٢٣٢) من حديث المسور بن مخرمة..
١٤ ينظر: الفخر الرازي ٢٠/١٤٩، وروح المعاني ٨/٦١..
١٥ ينظر: الرازي ٢٠/١٤٩، وروح المعاني ٨/٦١..
١٦ ينظر: السبعة ٣٧٩، والتيسير ١٣٩، والحجة ٣٩٩، والنشر ٢/٣٠٦، والإتحاف ٢/١٩٦، والبحر ٦/٢٤، والوسيط ٣/١٠٣..
١٧ البيت لكثير عزة. ينظر: ديوانه ٩٩، وأمالي المرتضى ١/٤٦، وخزانة الأدب ٥/٢١١، ٢١٨، والكتاب ١/٥٤٢، وشرح أبيات سيبويه ١/٤٣٣، والمقاصد النحوية ٤/٢٠٤، وشرح الأشموني ٢/٤٣٨، وشرح المفصل ٣/٧٨، ومغني اللبيب ص ٤٧٢، والمقتضب ٤/٢٩٠، والبحر المحيط ٦/٢٤، والدر المصون ٤/٣٨٢..
١٨ ينظر: التخريج السابق..