تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي
عن الكتاب
الآية٢٣ : وقوله تعالى :﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ قال بعضهم : قضى : حكم، وقال بعضهم : قضى ههنا : أمر، أي أمر ﴿ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ وقال بعضهم : قضى ربك، وصى ربك، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود وأبي رضي الله عنها أنهما كانا يقرآن : ووصى ربك، وقال بعضهم : وعهد ربك.
وقال القتبي :﴿وقضى ربك﴾ أي ختم ربك، وهو من الفرض والإلزام، أي فرض ربك، وألزم ﴿ألا تعبدوا إلا إياه﴾ وكذلك حكم، وهو أشبه. ألا ترى أنه قال في آية أخرى ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ ثم قال :﴿ومن يعص الله ورسوله﴾ ؟ ( الأحزاب : ٣٦ )دل قوله :﴿ومن يعص الله ورسوله﴾ أن قوله :﴿إذا قضى الله ورسوله﴾معناه : أي فرض الله ورسوله وحكما أمرا.
ثم قوله :﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ فرض وحتم وحكم وأمر﴿ألا تعبدوا إلا إياه﴾ إلا الإله المعبود الحق المستحق للعبادة والربوبية لا تعبدوا دونه أحدا.
وقد أبان لنا أنه هو الإله والرب المستحق للعبادة والألوهية والربوبية لا الذين يعبدون من دونه من الأوثان والأصنام بوجوه ثلاثة :
أحدهما : عجز العقول وجهالتها عن درك كنهية العقول وماهيتها(١) ؛ لأن العقول لا تعرف كنهية(٢)، أنفسها ولا ماهيتها، وتعرف محاسن الأشياء ومقابحها، فقد عرفت الألوهية لله وحسن العبادة له وقبحها لغيره.
والثاني : ما يوجد في جميع الخلائق من آثار ألوهيته وربوبيته وجعل العبادة له شكرا له. وعلى ذلك جعل في كل جارحة من جوارح الإنسان عبادة شكرا له لما فيها من آثار ألوهيته.
والثالث : السمع، أنبأنا أن لا معبود إلا الله، ولا ألوهية لسواه دونه. فذلك معنى ( ما )(٣) فرض على خلقه، وأمرهم ﴿ألا تعبدوا إلا إياه﴾.
وتأويل حكم ربك ﴿ألا تعبدوا إلا إياه﴾ لما أنشأ في خلقه كل أحد آثار وحدانيته وشهادة ربوبيته استحقاق العبادة له. فذلك تأويل من قال : قضى ( أي )(٤)حكم.
وأما تأويل من قال : أي أمر ربك، وكلف ﴿ألا تعبدوا إلا إياه﴾ فيكون فيه أمر بالعبادة له، والنهي عن عبادة غيره، كأنه قال : أمر ربك أن اعبدوه ونهاكم أن تعبدوا غيره.
ثم الفرق بين الطاعة والعبادة، يجوز أن يطاع غيره، ولا يجوز أن يعبد غيره، لأن الطاعة، هي الائتمار كقوله :﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾( النساء : ٥٩ )أي ائتمروا.
وأما العبادة والاستسلام والخضوع له والشكر له، ولا يجوز ذلك لغيره لسوى الله، أو يكون في العباد معنى لا يدرك كمعنى الرحمان، لا يدرك حين(٥)لم يجوز تسمية غيره به. فعلى ( ذلك )(٦) هذا، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وبالوالدين إحسانا﴾ كأنه قال : وفرض عليكم أيضا، وحكم الإحسان للوالدين. ثم الإحسان في عرف الناس هو الفعل الذي ليس عليه، إنما هو فضل ومعروف يصنعه ( المرء ) (٧) إلى غيره، هذا هو الإحسان في العرف واللغة.
لكن المراد من الأمر بالإحسان إلى الوالدين، هو الشكر لا ما ذكرنا من الإحسان المعروف عند الناس، وهو ما ذكر في آية أخرى ﴿أن اشكر لي ولوالديك﴾( لقمان : ١٤ )لأن الشكر، هي المكافأة والجزاء لما أنعم وصنع من المعروف.
فهو والله أعلم وإن ذكر الإحسان في هذا وفي غيره من الآيات، وهو قوله :﴿ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا﴾ ( النعام : ١٥١ ) وقوله (٨) في آية أخرى :﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا﴾( النساء : ٣٦ ) وغيرها من الآيات، فالمراد منه، والله أعلم، الشكر لهما لما ذكر في آية أخرى :﴿أن اشكر لي ولوالديك﴾( لقمان : ١٤ )والشكر هو المكافأة.
أمره أن يكافئ لهما، ويجازي بعض ما كان منهما إليه من التربية والبر عليه والعطف عليه والوقاية من كل سوء ومكروه في البطن وبعد ما خرج من البطن حتى كان يؤثرانه على نفسيهما (٩) في السرور، يجعلان نفسيهما ( وقاية له من كل سوء ومحذور، فأمر الولد أن يشكر لوالديه جزاء ومكافأة لما كان إليه منهما إليه مما ذكرنا.
( ذكر هذا في الحال التي عجزا هما عن القيام لأمر نفسيهما(١٠) ) (١١) والحوائج لهما. وذلك، والله أعلم، لأنهما إذا كانا قادرين لحوائج نفسيهما(١٢) ومنافعها يبران ولدهما، ويحسنان إليه، فيحمل برهما وإحسانهما إليه على الطاعة لهما في البر والإحسان إليهما على المجازاة.
وهكذا المعروف عند الناس أنه إذا بر بعضهم بعضا يبعث ذلك على المكافأة ليدوم ذلك عليهم، وألا ينقطع. لذلك ذكر، والله أعلم، الإحسان إلى الوالدين في ( الحال )(١٣) التي هي حال ضعف وعجز حين(١٤) قال :﴿إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما﴾ ثم أمره أن يذكر الحال التي هو عليها، وهو حال طفوليته وصغره، أن كيف ربياه، وبراه، وعطفا عليه، ولانا قولا حتى لم يستقذروا منه شيئا مما يستقذر الناس بعضهم من بعض، ولم يبعدهما عنه ما يبعد الخلق بعضهم من بعض من أنواع الأذى والخبث، فأمره أن يعاملها إذا بلغا الحال التي كان هو عليها من الجهل، والضعف والعجز عن القيام بالحوائج على ما كان هو، وبلغا المبلغ الذي يستقذر منهما، ويبعد عنهما، ألا يستقذر منهما، و يبتعد عنهما كما لم يستقذرا هما منه ﴿فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما﴾ عند السؤال والحاجة إليه كما لم يفعلاهما له، بل يلين وبذل، كما لانا هما له، وخضعا. وهو ما قال :﴿والله خلقكم ثم يتوفاكم﴾ الآية :( النحل : ٧٠ )وقال في آية أخرى :﴿خلقكم من ضعف﴾( الروم : ٥٤ ).
أخبر أنه يرد من القوة والعلم إلى حال التي كانوا عليها وحال الضعف والجهل حين(١٥)قال :﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم﴾ الآية( النحل : ٧٨ )وقال :﴿خلقكم من ضعف﴾ الآية( الروم : ٥٤ ) فقال :﴿فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما﴾.
وقال بعضهم : قوله تعالى :﴿فلا تقل لهما أف﴾ هو كناية عن إظهار الكراهة لهما في الوجه ﴿ولا تنهرهما﴾ أي لا تعنفهما في القول والكلام على ما لم يفعلا هما بك.
وقال بعضهم :﴿أف﴾ المراد منه هو﴿أف﴾ لا غيره ﴿ولا تنهرهما﴾ أي لا تعنفهما، ولا تتخشن. لكنه ذكر أول حال الاستثقال والكراهة منه وآخرها، أي لا تقل لهما : أف على ما يستثقل الناس شيئا، ويكرهونه في أول حال، يرون شيئا مستثقلا مكروها، فيقولون : أف، أي لا تقل : أف لئلا يحمل ذلك على العنف والخشونة والنهر.
وعلى هذا المعنى/٢٩٩-أ/قالوا في قوله :﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم﴾ الآية ( النور : ٣٠ )
قال بعضهم :﴿يغضوا من أبصرهم﴾ ليحفظوا(١٦) فروجهم، لأن النظر بالبصر ( يحمل المرء )(١٧) على الزنى في الفرج، ومنه يكون بدء الفجور.
وقال بعضهم :﴿يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فرجهم﴾ ذكر أول حال وآخرها ليمتنعوا عن كل ذلك.
فعلى ذلك (١٨) قوله :﴿فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما﴾ ذكر أول الحال وآخرها :( فأولها :﴿أف﴾ وآخرها :﴿ولا تنهرهما﴾(١٩) ) أي لا تظهر في وجهك من الكراهة والاستثقال ( لئلا يحمل ) (٢٠) ذلك على العنف والانتهار.
فإن كان تأويل قوله :﴿أف﴾ أف لا غير ففيه حجة لأبي حنيفة، رحمه الله، في قوله : إذا نفخ المصلي في موضع سجوده فهو(٢١) كلام، يقطع صلاته ( لأن الله تعالى )(٢٢) قال :﴿فلا تقل لهما أف﴾ أي لا تتكلم به، والله أعلم.
وقوله تعالى : وقل لهما قولا كريما }( بعدما )(٢٣)نهاه أن يقول لهما﴿أف﴾ ونهاه أن ينهرهما. فإذا امتنع عن الأف والنهر قال(٢٤) بعد ذلك قولا لينا لطيفا.
قال أبو عوسجة : يقال : نهرته ( وانتهرته نهرا )(٢٥) وهو الخشن من الكلام، يشبه(٢٦)الوعيد. وقال أبو بكر الكيسائي : الكريم هو الذي يتولى على آخر نعمه، ويهنئه بترك الأذى والمن كقوله :﴿لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾( البقرة : ٢٦٤ ) وقال غيره في وصف السخي : هو(٢٧)الذي يبذل ما احتوى عليه لمن احتاج إليه ( ويقطع طمعه )(٢٨)عما احتوى عليه غيره عند حاجاته إليه. ويشبه أن يكون الكريم قريبا منه.
فإن قال : إن الوالدين كالمجبولين المطبوعين على البر لأولادهما والشفقة عليهم، ولا كذلك الأولاد، فكيف يشبه بر من كان مجبولا به مطبوعا عليه بر من لم يكن ذلك بطبعه ؟ قيل : لذلك هذا في الولد دون الوالدين، وأمرهم بذلك، لأن ما يفعل الوالدان من البر والإحسان إلى الولد يفعلان بطبع، والولد لا لذلك كان ما ذكر، والله أعلم. ولهذا لم(٢٩) يجعل، ولم يشرع قتل الوالد بولده، إذ القصاص حياة بينهم، وشرع قتل الولد بوالديه ؛ إذ الوالدين من الشفقة والرحمة ما يمنع قتل والولد، وليس في الولد ذلك، فجعل في قتل الولد والده في القصاص، ولم يجعل في قتل والوالدين ولدهما. فعلى ذلك هذا في البر والإحسان.
فإن قيل : ما الحكمة في ما قرن الله من شكر والديه شكره في غير آية من القرآن ( كقوله )(٣٠) ﴿أن اشكر لي ولوالديك﴾ ؟ ( لقمان : ١٤ )قيل : لأنه بهما كان نماؤه من أول حاله إلى آخر ما انتهى إليه من التغذية إليه والتربية والوقاية من كل سوء والحفظ من كل آفة وشر.
وفي الآية دليل لقول أبي حنيفة حين(٣١) قال في المكاتب : إذا اشتري والده وأمه صار مكاتبا، وإذا اشتري ( أخوه أو ذو )(٣٢) رحم محرم منه لم يصر مكاتبا لأن الأب والأم يصيران بحق الجزاء والشكر. فعليه ذلك. وأما الأخ وغيره من المحارم بحق المعروف، فملكه لا يحتمل ذلك.
والخطاب من الله، وإن كان مع رسوله فالمراد منه غيره، لأن رسول الله معلوم أنه لم يدرك والديه في الوقت الذي أرسل ( فيه إليهم )(٣٣) وخاطبه بما خاطب. دل أنه أراد بالخطاب غيره، كل ذلك(٣٤) محتمل ذلك وموهوب منه. وأمره أن يعاملها بالمعاملة التي ذكر، والله أعلم.
وقال القتبي :﴿وقضى ربك﴾ أي ختم ربك، وهو من الفرض والإلزام، أي فرض ربك، وألزم ﴿ألا تعبدوا إلا إياه﴾ وكذلك حكم، وهو أشبه. ألا ترى أنه قال في آية أخرى ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ ثم قال :﴿ومن يعص الله ورسوله﴾ ؟ ( الأحزاب : ٣٦ )دل قوله :﴿ومن يعص الله ورسوله﴾ أن قوله :﴿إذا قضى الله ورسوله﴾معناه : أي فرض الله ورسوله وحكما أمرا.
ثم قوله :﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ فرض وحتم وحكم وأمر﴿ألا تعبدوا إلا إياه﴾ إلا الإله المعبود الحق المستحق للعبادة والربوبية لا تعبدوا دونه أحدا.
وقد أبان لنا أنه هو الإله والرب المستحق للعبادة والألوهية والربوبية لا الذين يعبدون من دونه من الأوثان والأصنام بوجوه ثلاثة :
أحدهما : عجز العقول وجهالتها عن درك كنهية العقول وماهيتها(١) ؛ لأن العقول لا تعرف كنهية(٢)، أنفسها ولا ماهيتها، وتعرف محاسن الأشياء ومقابحها، فقد عرفت الألوهية لله وحسن العبادة له وقبحها لغيره.
والثاني : ما يوجد في جميع الخلائق من آثار ألوهيته وربوبيته وجعل العبادة له شكرا له. وعلى ذلك جعل في كل جارحة من جوارح الإنسان عبادة شكرا له لما فيها من آثار ألوهيته.
والثالث : السمع، أنبأنا أن لا معبود إلا الله، ولا ألوهية لسواه دونه. فذلك معنى ( ما )(٣) فرض على خلقه، وأمرهم ﴿ألا تعبدوا إلا إياه﴾.
وتأويل حكم ربك ﴿ألا تعبدوا إلا إياه﴾ لما أنشأ في خلقه كل أحد آثار وحدانيته وشهادة ربوبيته استحقاق العبادة له. فذلك تأويل من قال : قضى ( أي )(٤)حكم.
وأما تأويل من قال : أي أمر ربك، وكلف ﴿ألا تعبدوا إلا إياه﴾ فيكون فيه أمر بالعبادة له، والنهي عن عبادة غيره، كأنه قال : أمر ربك أن اعبدوه ونهاكم أن تعبدوا غيره.
ثم الفرق بين الطاعة والعبادة، يجوز أن يطاع غيره، ولا يجوز أن يعبد غيره، لأن الطاعة، هي الائتمار كقوله :﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾( النساء : ٥٩ )أي ائتمروا.
وأما العبادة والاستسلام والخضوع له والشكر له، ولا يجوز ذلك لغيره لسوى الله، أو يكون في العباد معنى لا يدرك كمعنى الرحمان، لا يدرك حين(٥)لم يجوز تسمية غيره به. فعلى ( ذلك )(٦) هذا، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وبالوالدين إحسانا﴾ كأنه قال : وفرض عليكم أيضا، وحكم الإحسان للوالدين. ثم الإحسان في عرف الناس هو الفعل الذي ليس عليه، إنما هو فضل ومعروف يصنعه ( المرء ) (٧) إلى غيره، هذا هو الإحسان في العرف واللغة.
لكن المراد من الأمر بالإحسان إلى الوالدين، هو الشكر لا ما ذكرنا من الإحسان المعروف عند الناس، وهو ما ذكر في آية أخرى ﴿أن اشكر لي ولوالديك﴾( لقمان : ١٤ )لأن الشكر، هي المكافأة والجزاء لما أنعم وصنع من المعروف.
فهو والله أعلم وإن ذكر الإحسان في هذا وفي غيره من الآيات، وهو قوله :﴿ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا﴾ ( النعام : ١٥١ ) وقوله (٨) في آية أخرى :﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا﴾( النساء : ٣٦ ) وغيرها من الآيات، فالمراد منه، والله أعلم، الشكر لهما لما ذكر في آية أخرى :﴿أن اشكر لي ولوالديك﴾( لقمان : ١٤ )والشكر هو المكافأة.
أمره أن يكافئ لهما، ويجازي بعض ما كان منهما إليه من التربية والبر عليه والعطف عليه والوقاية من كل سوء ومكروه في البطن وبعد ما خرج من البطن حتى كان يؤثرانه على نفسيهما (٩) في السرور، يجعلان نفسيهما ( وقاية له من كل سوء ومحذور، فأمر الولد أن يشكر لوالديه جزاء ومكافأة لما كان إليه منهما إليه مما ذكرنا.
( ذكر هذا في الحال التي عجزا هما عن القيام لأمر نفسيهما(١٠) ) (١١) والحوائج لهما. وذلك، والله أعلم، لأنهما إذا كانا قادرين لحوائج نفسيهما(١٢) ومنافعها يبران ولدهما، ويحسنان إليه، فيحمل برهما وإحسانهما إليه على الطاعة لهما في البر والإحسان إليهما على المجازاة.
وهكذا المعروف عند الناس أنه إذا بر بعضهم بعضا يبعث ذلك على المكافأة ليدوم ذلك عليهم، وألا ينقطع. لذلك ذكر، والله أعلم، الإحسان إلى الوالدين في ( الحال )(١٣) التي هي حال ضعف وعجز حين(١٤) قال :﴿إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما﴾ ثم أمره أن يذكر الحال التي هو عليها، وهو حال طفوليته وصغره، أن كيف ربياه، وبراه، وعطفا عليه، ولانا قولا حتى لم يستقذروا منه شيئا مما يستقذر الناس بعضهم من بعض، ولم يبعدهما عنه ما يبعد الخلق بعضهم من بعض من أنواع الأذى والخبث، فأمره أن يعاملها إذا بلغا الحال التي كان هو عليها من الجهل، والضعف والعجز عن القيام بالحوائج على ما كان هو، وبلغا المبلغ الذي يستقذر منهما، ويبعد عنهما، ألا يستقذر منهما، و يبتعد عنهما كما لم يستقذرا هما منه ﴿فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما﴾ عند السؤال والحاجة إليه كما لم يفعلاهما له، بل يلين وبذل، كما لانا هما له، وخضعا. وهو ما قال :﴿والله خلقكم ثم يتوفاكم﴾ الآية :( النحل : ٧٠ )وقال في آية أخرى :﴿خلقكم من ضعف﴾( الروم : ٥٤ ).
أخبر أنه يرد من القوة والعلم إلى حال التي كانوا عليها وحال الضعف والجهل حين(١٥)قال :﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم﴾ الآية( النحل : ٧٨ )وقال :﴿خلقكم من ضعف﴾ الآية( الروم : ٥٤ ) فقال :﴿فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما﴾.
وقال بعضهم : قوله تعالى :﴿فلا تقل لهما أف﴾ هو كناية عن إظهار الكراهة لهما في الوجه ﴿ولا تنهرهما﴾ أي لا تعنفهما في القول والكلام على ما لم يفعلا هما بك.
وقال بعضهم :﴿أف﴾ المراد منه هو﴿أف﴾ لا غيره ﴿ولا تنهرهما﴾ أي لا تعنفهما، ولا تتخشن. لكنه ذكر أول حال الاستثقال والكراهة منه وآخرها، أي لا تقل لهما : أف على ما يستثقل الناس شيئا، ويكرهونه في أول حال، يرون شيئا مستثقلا مكروها، فيقولون : أف، أي لا تقل : أف لئلا يحمل ذلك على العنف والخشونة والنهر.
وعلى هذا المعنى/٢٩٩-أ/قالوا في قوله :﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم﴾ الآية ( النور : ٣٠ )
قال بعضهم :﴿يغضوا من أبصرهم﴾ ليحفظوا(١٦) فروجهم، لأن النظر بالبصر ( يحمل المرء )(١٧) على الزنى في الفرج، ومنه يكون بدء الفجور.
وقال بعضهم :﴿يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فرجهم﴾ ذكر أول حال وآخرها ليمتنعوا عن كل ذلك.
فعلى ذلك (١٨) قوله :﴿فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما﴾ ذكر أول الحال وآخرها :( فأولها :﴿أف﴾ وآخرها :﴿ولا تنهرهما﴾(١٩) ) أي لا تظهر في وجهك من الكراهة والاستثقال ( لئلا يحمل ) (٢٠) ذلك على العنف والانتهار.
فإن كان تأويل قوله :﴿أف﴾ أف لا غير ففيه حجة لأبي حنيفة، رحمه الله، في قوله : إذا نفخ المصلي في موضع سجوده فهو(٢١) كلام، يقطع صلاته ( لأن الله تعالى )(٢٢) قال :﴿فلا تقل لهما أف﴾ أي لا تتكلم به، والله أعلم.
وقوله تعالى : وقل لهما قولا كريما }( بعدما )(٢٣)نهاه أن يقول لهما﴿أف﴾ ونهاه أن ينهرهما. فإذا امتنع عن الأف والنهر قال(٢٤) بعد ذلك قولا لينا لطيفا.
قال أبو عوسجة : يقال : نهرته ( وانتهرته نهرا )(٢٥) وهو الخشن من الكلام، يشبه(٢٦)الوعيد. وقال أبو بكر الكيسائي : الكريم هو الذي يتولى على آخر نعمه، ويهنئه بترك الأذى والمن كقوله :﴿لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾( البقرة : ٢٦٤ ) وقال غيره في وصف السخي : هو(٢٧)الذي يبذل ما احتوى عليه لمن احتاج إليه ( ويقطع طمعه )(٢٨)عما احتوى عليه غيره عند حاجاته إليه. ويشبه أن يكون الكريم قريبا منه.
فإن قال : إن الوالدين كالمجبولين المطبوعين على البر لأولادهما والشفقة عليهم، ولا كذلك الأولاد، فكيف يشبه بر من كان مجبولا به مطبوعا عليه بر من لم يكن ذلك بطبعه ؟ قيل : لذلك هذا في الولد دون الوالدين، وأمرهم بذلك، لأن ما يفعل الوالدان من البر والإحسان إلى الولد يفعلان بطبع، والولد لا لذلك كان ما ذكر، والله أعلم. ولهذا لم(٢٩) يجعل، ولم يشرع قتل الوالد بولده، إذ القصاص حياة بينهم، وشرع قتل الولد بوالديه ؛ إذ الوالدين من الشفقة والرحمة ما يمنع قتل والولد، وليس في الولد ذلك، فجعل في قتل الولد والده في القصاص، ولم يجعل في قتل والوالدين ولدهما. فعلى ذلك هذا في البر والإحسان.
فإن قيل : ما الحكمة في ما قرن الله من شكر والديه شكره في غير آية من القرآن ( كقوله )(٣٠) ﴿أن اشكر لي ولوالديك﴾ ؟ ( لقمان : ١٤ )قيل : لأنه بهما كان نماؤه من أول حاله إلى آخر ما انتهى إليه من التغذية إليه والتربية والوقاية من كل سوء والحفظ من كل آفة وشر.
وفي الآية دليل لقول أبي حنيفة حين(٣١) قال في المكاتب : إذا اشتري والده وأمه صار مكاتبا، وإذا اشتري ( أخوه أو ذو )(٣٢) رحم محرم منه لم يصر مكاتبا لأن الأب والأم يصيران بحق الجزاء والشكر. فعليه ذلك. وأما الأخ وغيره من المحارم بحق المعروف، فملكه لا يحتمل ذلك.
والخطاب من الله، وإن كان مع رسوله فالمراد منه غيره، لأن رسول الله معلوم أنه لم يدرك والديه في الوقت الذي أرسل ( فيه إليهم )(٣٣) وخاطبه بما خاطب. دل أنه أراد بالخطاب غيره، كل ذلك(٣٤) محتمل ذلك وموهوب منه. وأمره أن يعاملها بالمعاملة التي ذكر، والله أعلم.
١ في الأصل و. م : وما بينها..
٢ في الأصل و. م : كيفية..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ من م ساقطة من الأصل..
٥ في الأصل و. م: حيث..
٦ من م ساقطة من الأصل..
٧ ساقطة من الأصل و. م..
٨ في الأصل و. م: وقال..
٩ في الأصل و. م: أنفسهما..
١٠ في الأصل و. م: أنفسهما..
١١ ساقطة من م..
١٢ في الأصل و. م: أنفسهما..
١٣ من م: ساقطة من الأصل..
١٤ في الأصل و. م: حيث..
١٥ في الأصل و. م: حيث..
١٦ في الأصل و م: وليحفظوا..
١٧ في الأصل و. م: يحمله..
١٨ من م، ساقطة من الأصل..
١٩ في الأصل و. م: والثاني..
٢٠ في الأصل و. م: ليحمل..
٢١ في الأصل و. م: وهو..
٢٢ في الأصل و. م: حيث..
٢٣ في الأصل و. م: حيث..
٢٤ في الأصل و. م: كان..
٢٥ في م: وانتهرته، ساقطة من الأصل..
٢٦ من م، في الأصل: شبهه..
٢٧ في الأصل و. م: فقال..
٢٨ في الأصل و. م: وقطع طعمه..
٢٩ أدرج قبلها في الأصل و. م: ما..
٣٠ ساقطة من الأصل و. م..
٣١ في الأصل و. م : حيث..
٣٢ في الأصل و. م : أخاه أو ذا..
٣٣ في الأصل و. م : إليه..
٣٤ ساقطة من الأصل و. م..
٢ في الأصل و. م : كيفية..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ من م ساقطة من الأصل..
٥ في الأصل و. م: حيث..
٦ من م ساقطة من الأصل..
٧ ساقطة من الأصل و. م..
٨ في الأصل و. م: وقال..
٩ في الأصل و. م: أنفسهما..
١٠ في الأصل و. م: أنفسهما..
١١ ساقطة من م..
١٢ في الأصل و. م: أنفسهما..
١٣ من م: ساقطة من الأصل..
١٤ في الأصل و. م: حيث..
١٥ في الأصل و. م: حيث..
١٦ في الأصل و م: وليحفظوا..
١٧ في الأصل و. م: يحمله..
١٨ من م، ساقطة من الأصل..
١٩ في الأصل و. م: والثاني..
٢٠ في الأصل و. م: ليحمل..
٢١ في الأصل و. م: وهو..
٢٢ في الأصل و. م: حيث..
٢٣ في الأصل و. م: حيث..
٢٤ في الأصل و. م: كان..
٢٥ في م: وانتهرته، ساقطة من الأصل..
٢٦ من م، في الأصل: شبهه..
٢٧ في الأصل و. م: فقال..
٢٨ في الأصل و. م: وقطع طعمه..
٢٩ أدرج قبلها في الأصل و. م: ما..
٣٠ ساقطة من الأصل و. م..
٣١ في الأصل و. م : حيث..
٣٢ في الأصل و. م : أخاه أو ذا..
٣٣ في الأصل و. م : إليه..
٣٤ ساقطة من الأصل و. م..