تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يقول تعالى آمرًا بالاقتصاد في العيش ذامّا للبخل ناهيًا عن السَّرَف :﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ أي : لا تكن بخيلا منوعًا، لا تعطي أحدًا شيئًا، كما قالت اليهود عليهم لعائن الله :﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]أي نسبوه إلى البخل، تعالى وتقدس الكريم الوهاب.
وقوله :﴿وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ أي : ولا تسرف في الإنفاق فتعطي فوق طاقتك، وتخرج أكثر من دخلك، فتقعد ملومًا محسورًا.
وهذا من باب اللف والنشر أي : فتقعد إن بخلت ملومًا، يلومك الناس ويذمونك ويستغنون عنك كما قال زهير بن أبي سُلمى في المعلقة :
ومن كان ذا مال ويبخل بمالهعلى قومه يستغن عنه ويذمم(١)
ومتى بسطت يدك فوق طاقتك، قعدت بلا شيء تنفقه، فتكون كالحسير، وهو : الدابة التي قد عجزت عن السير، فوقفت ضعفًا وعجزًا(٢) فإنها تسمى الحسير، وهو مأخوذ من الكلال، كما قال تعالى :﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٣، ٤] أي : كليل عن أن يرى عيبًا. هكذا فسر هذه الآية - بأن المراد هنا البخل والسرف - ابن عباس والحسن وقتادة وابن جريج وابن زيد وغيرهم.
وقد جاء في الصحيحين، من حديث أبي الزِّنَاد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ؛ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول :" مثل البخيل والمنفق، كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من ثدييهما(٣) إلى تراقيهما. فأما المنفق فلا ينفق إلا سَبَغَت - أو : وفرت - على جلده، حتى تُخفي بنانه وتعفو(٤) أثره. وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئًا إلا لزقت كل حلقة مكانها، فهو يوسعها فلا(٥) تتسع ".
هذا لفظ البخاري في الزكاة(٦).
وفي الصحيحين من طريق هشام بن عُرْوَةَ، عن زوجته فاطمة بنت المنذر، عن جدتها أسماء بنت أبي بكر قالت : قال رسول الله ﷺ :" أنفقي هكذا وهكذا وهكذا، ولا تُوعِي فَيُوعي الله عليك، ولا توكي فيوكي الله عليك " وفي لفظ :" ولا تُحصي فيحصي الله عليك " (٧).
وفي صحيح مسلم من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال : قال رسول الله ﷺ :" إن الله قال لي : أنفق أنفق عليك " (٨).
وفي الصحيحين من طريق معاوية بن أبي مُزَرِّد، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ :" ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان من السماء يقول أحدهما : اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكًا تلفًا " (٩).
وروى مسلم، عن قتيبة، عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء(١٠) عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا :" ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا(١١) ومن تواضع لله رفعه الله " (١٢).
وفي حديث أبي كثير، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا :" إياكم والشُّح، فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا " (١٣).
وروى البيهقي من طريق سعدان بن نصر، عن أبي معاوية، عن الأعمش، [ عن ابن بريدة ](١٤) عن أبيه قال : قال رسول الله ﷺ :" ما يخرج رجل صدقة، حتى يفك لَحْيَى سبعين شيطانا " (١٥).
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو عبيدة الحداد، حدثنا سُكَين(١٦) بن عبد العزيز، حدثنا إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعوده قال : قال رسول الله ﷺ :" ما عال من اقتصد " (١٧).
١ البيت في ديوانه (ص٣٠)..
٢ في ت، ف: "عجزا وضعفا"..
٣ في أ: "من يديهما"..
٤ في ت، ف: "يخفى بنانه ويعفو"..
٥ في ف: "ولا"..
٦ صحيح البخاري برقم (١٤٤٣) وليس في صحيح مسلم من طريق أبي الزناد، وإنما هو فيه من طريق الحسن بن مسلم وعبد الله بن طاوس، عن طاوس، عن أبي هريرة برقم (١٠٢١)..
٧ صحيح البخاري برقم (١٤٣٣) وصحيح مسلم برقم (١٠٢٩).
٨ صحيح مسلم برقم (٩٩٣).
.

٩ صحيح البخاري برقم (١٤٤٢) وصحيح مسلم برقم (١٠١٠)..
١٠ في ف: "عن العلاء بن عبد الرحمن"..
١١ في ت، ف، أ: "إلا غنى"..
١٢ صحيح مسلم برقم (٢٥٨٨)..
١٣ رواه أحمد في المسند (٢/١٥٩) وأبو داود في السنن برقم (١٦٩٨) وابن حبان في صحيحه برقم (١٥٨٠) "موارد" من طرق عن شعبة عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، عن أبي كثير الزبيدي به..
١٤ زيادة من ف، أ، والسنن الكبرى، وصحيح ابن خزيمة..
١٥ السنن الكبرى (٤/١٨٧) ورواه ابن خزيمة في صحيحه برقم (٢٤٥٧) من طريق محمد المخزومي، عن أبي معاوية، به، وقال: "إن صح الخبر، فإني لا أقف هل سمع الأعمش من ابن بريدة أم لا"..
١٦ في ت: "مسكين"، وفي ف، أ: "سكن"..
١٧ المسند (١/٤٤٧) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٥٢): "فيه إبراهيم بن مسلم الهجري وهو ضعيف"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى