البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
المحسور قال الفراء : تقول العرب بعير محسور إذا انقطع سيره، وحسرت الدابة حتى انقطع سيرها، ويقال حسير فعيل بمعنى مفعول ويجمع على حسرى.
قال الشاعر :
بها جيف الحسرى فأما عظامها. . .فبيض وأما جلدها فصليب
﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عقنك﴾ الآية.
قيل : نزلت في إعطائه ﷺ قميصه ولم يكن له غيره وبقي عرياناً.
وقيل : أعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وعيينة مثل ذلك، والعباس بن مرداس خمسين ثم كملها مائة فنزلت، وهذه استعارة استعير فيها المحسوس للمعقول، وذلك أن البخل معنى قائم بالإنسان يمنعه من التصرف في ماله فاستعير له الغل الذي هو ضم اليد إلى العنق فامتنع من تصرف يده وإجالتها حيث تريد، وذكر اليد لأن بها الأخذ والإعطاء، واستعير بسط اليد لإذهاب المال وذلك أن قبض اليد يحبس ما فيها، وبسطها يذهب ما فيها، وطابق في الاستعارة بين بسط اليد وقبضها من حيث المعنى لأن جعل اليد مغلولة هو قبضها، وغلها أبلغ في القبض وقد طابق بينهما أبو تمام.
فقال في المعتصم :
تعوّد بسط الكف حتى لو انّه. . .ثناها لقبضٍ لم تجبه أنامله
وقال الزمخشري : هذا تمثيل لمنع الشحيح وإعطاء المسرف، أمر بالاقتصاد الذي هو بين الإسراف والإقتار انتهى.
والظاهر أنه مراد بالخطاب أمة الرسول ﷺ وإلاّ فهو ﷺ كان لا يدّخر شيئاً لغد، وكذلك من كان واثقاً بالله حق الوثوق كأبي بكر حين تصدّق بجميع ماله.
وقال ابن جريج وغيره : المعنى لا تمسك عن النفقة فيما أمرتك به من الحق ﴿ولا تبسطها﴾ فيما نهيتك عنه وروي عن قالون : كل البصط بالصاد فتقعد جواب للهيئتين باعتبار الحالين، فالملوم راجع لقوله :﴿ولا تجعل يدك﴾.
كما قال الشاعر :
إن البخيل ملوم حيث كان. . .ولكن الجواد على علاتّه هرم
والمحسور راجع لنوله ﴿ولا تبسطها﴾ وكأنه قيل فتلام وتحسر،

تفسير هذه الآية من كتب أخرى