التفسير البسيط — الواحدي

عن الكتاب
وأما الميسور فقال الكسائي: يَسَرْتُ أَيْسِرُ له القول، أي لَيَّنْتُه (١).
وقال أبو الدُّقيش (٢): يَسّرَ فلانٌ فرسه فهو مَيْسُور؛ مصنوعٌ سمين (٣)، فالقول الميسور: هو القول المصنوع اللين السهل.
٢٩ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ الآية. روى المنهال بن عمرو قال: بعثت امرأة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ابنها فقالت: قل له: اكسني ثوبًا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما عندي شيء"، قالت: فارجع إليه وقل له: اكسني قميصك، قال: فأتاه فقال: إنها تقول: اكسني قميصك، قال: فنزع قميصه فأعطاه إياه، فنزلت هذه الآية. (٤).
(١) انظر: "تفسير الفخر الرازي" ٢٠/ ١٩٤.
(٢) أبو الدُّقيش القنانيّ الغنوِيّ، لم أجد له ترجمة، وذكره القفطي في إنباه الرواة ٤/ ١٢١، ولم يترجم له.
(٣) ورد في "تهذيب اللغة" (يسر) ٤/ ٣٩٨٠ بنصه، ويعني بالصناعة هنا الاجتهاد في تغذيته وتربيته، وفي "المحيط في اللغة" (صنع) ١/ ٣٣٧: يقال: صنعت الفرس: أحسنت القيام عليه.
(٤) ورد بنحوه في "تفسير السمرقندي" ٢/ ٢٦٦، و"الثعلبي" ٧/ ١٠٧ ب، وأورده المؤلف في "أسباب النزول" ص ٢٨٧، بنحوه من طريق ابن مسعود، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" ٤/ ٣٢٢ وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وأورده بنحوه -كذلك- وعزاه إلى ابن جرير من طريق ابن مسعود- لم أجده، وأورده في "لباب النقول" ص ١٣٦، بنحوه من طريق ابن مسعود وعزاه إلى ابن مردويه. وهذه الرواية مقطوعة؛ لأن المنهال لم يحفظ له سماع عن الصحابة، إنما روايته عن كبار التابعين -كما في "الميزان"- كما أن إسناد هذا الحديث -من طريق ابن مسعود- ضعيف، بسبب ضعف: سليمان بن سفيان الجهني، وقيس بن الربيع الأسدي. انظر: "الضعفاء" للبخاري رقم (٣٠١) وللنسائي رقم (٢٤٦)، (٤٩٩) و"الضعفاء والمتروكين" للدارقطني رقم (٢٥٤)، و"ميزان الاعتدال" ٢/ ٢٠٩، ٣/ ٣٩٣.
قال أهل اللغة: معنى الغل: الإدخال (١)، قال امرؤ القيس:
لها مُقْلَةٌ حَدْرَةٌ بَدْرَةٌإلى حاجبٍ غُلّ فيه الشُّفُرْ (٢)
أي عورٌ وأدخل فيه الشُّفُر (٣)، ومنه قولهم: غَلَّ في الغنيمة إذا خان؛ لأن ما خان شيئًا أو سرقه أدخله في كُمِّه، ومعنى غُلَّتْ يدُ فلان: أي أدخلت في الحديد، ولعل هذا مما سبق ذكره (٤).
قال ابن عباس والمفسرون في قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾: يريد البخل ومنع حق الله في الزكاة والصلة (٥).
والمعنى: لا تمسك يدك عن البذل كل الإمساك، حتى كأنها مقبوضة إلى عنقك بالغل لا تُبْسَط لخير.
قال صاحب النظم: لا تكاد العرب تقول جعلت يدي مغلولة، ولا
(١) انظر (غلل) في "تهذيب اللغة" (غلل) ٣/ ٢٦٩٠، و"مقاييس اللغة" ٤/ ٣٧٦، و"الصحاح" ٥/ ١٧٨٤، و"اللسان" ٦/ ٣٢٨٨.
(٢) ورد في "الديوان" ص ٧٢ برواية أخرى ليس فيها الشاهد وهي:
وعَينٌ لها حَدْرةٌ بَدْرةٌشُقّت مآقيها منْ أُخُرْ
وورد -بلا نسبة- في "مقاييس اللغة" ٤/ ٣٧٦، برواية:
وعينٌ لها حَدْرةٌ بَدْرَةٌإلى حاجبٍ غُلّ فيه الشُّفُر
وورد عجزه -بلا نسبة- في "مجمل اللغة" ٢/ ٦٧٩، (حدْرة): واسعة، (بدْرة): تامَّة، ومنه قيل: ليلة البدر لتمام قمرها، (المأقي): مؤخر العينين، (أخُر): آخرهما، (الشُّفُر): بالضم شُفْر العين، وهو ما نبت عليه الشعر.
(٣) في جميع النسخ: (الشعر)، والصواب ما أثبته، ويبدو أنها تصحفت على النساخ.
(٤) عند قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١].
(٥) أخرجه "الطبري" ١٥/ ٧٧ مختصرًا، من طريق ابن أبي طلحة صحيح، و"الدر المنثور" ٤/ ٣٢٢ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.
جعلت رجلي مقيدة، ولا جعلت رأسي معممًا، إنما يقولون: غَلَلتُ يدي، وقَيَّدتُ رجلي، وعَمَّمتُ رأسي، والعلة في هذا النظم؛ أن الفعل أقل من النعت، والنعت ألزم وأكثر من الفعل؛ كما قلنا في قوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]؛ لأنه قد كان منه، ولا يجوز أن يقال: آدم عاصٍ غاوٍ؛ لأن هذا نعت لازم، وكانوا يقولون: يد فلان مغلولة، أي أن المنع عادةٌ له، ولا يكادون يقولون: غُلَّت يده؛ لأن هذا فعل غير لازم، والأول لازم، وقد يمنع الإنسان في مواضع المنع ولا يُرْجَع عليه بلوم، فلذلك قال -عز وجل-: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾، أي: لا تكن ممسكًا عن البذل عادة، ولم يُرِدْ أن لا يمسك عند وقت الإمساك، يدل على ذلك قوله: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾؛ ومما يشبه هذا النظم، قوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ [إبراهيم: ٤٠] وقد مر، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]، وسنذكره في موضعه إن شاء الله (١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ قال ابن عباس: يريد في النفقة والعطية (٢).
وقال مجاهد وقتادة: يعني التبذير والإنفاق في معصية الله تعالى،
(١) قال الواحدي عند تفسير هذه الآية: وذكر صاحب النظم وجهًا آخر من الهجر؛ فقال: ويجوز أن يكون المهجور مصدرًا؛ كالهجر والهجير، ويكون المعنى: اتخذوا هذا القرآن هُجرًا، أي: إذا سمعوه قالوا فيه الهجير، وقالوا: إنه هجر، كما يقال: اتخذنا فلانًا ضحكة أو سُخرة، أي إذا رأيناه ضحكنا منه وسخرنا منه، وهذا النظم أبلغ من أن لو قيل: هجروا القرآن، أو هجروا فيه؛ لأنه يدل على أنهم جعلوا عادتهم هجر القرآن.
(٢) ورد في "تفسير السمرقندي" ٢/ ٢٦٦ - بمعناه، وتفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي ٢/ ٤٩٣ بنصه، انظر: "تنوير المقباس" ص ٢٩٩ بنصه.
وفيما لا يصلح (١)، فحصل في قوله: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ وجهان من التفسير؛ أحدهما: أنه نهي عن بذل جميع ما يملك، حتى لا يبقى له شيء، وإن كان في طاعة الله، على ما ذكر من سبب النزول، وفي معنى قول ابن عباس. والثاني: أنه نهي عن التبذير؛ على قول مجاهد وقتادة.
وقوله تعالى: ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾ قال السدي: تلوم نفسك وتُلام (٢)، ﴿مَحْسُورًا﴾ قال ابن عباس: ليس عندك شيء (٣)، وقال مجاهد: مقطوعًا بك (٤).
قال الفراء: والعرب تقول للبعير: هو محسور إذا انقطع سَيْرُه، وحَسرتُ الدَّابة إذا سَيَّرتَها حتى ينقطعَ سَيْرُها (٥).
وقال ابن قتيبة: أي تَحْسِرُكَ العطيةُ وتَقْطعك؛ كما يَحْسِرُ السفرُ البعيرَ، فيبقى منقطعًا (٦)، هذا هو الأصل، ثم يُقال: حَسَرْتُ الرجلَ بالمسألة حَسْرَةً: إذا أفنيتَ جميعَ ما عنده، وحُسِرَ فهو يُحْسَرُ: إذا لم يبق عنده شيء، من قولهم: حَسَرَتِ الدابةُ والعينُ (٧)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤].
(١) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي ٢/ ٤٩٣ بنصه عن مجاهد، انظر: "تفسير ابن عطية" ٩/ ٦٤، عن قتادة.
(٢) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي ٢/ ٤٩٣ بنصه.
(٣) أخرجه "الطبري" ١٥/ ٧٧ بمعناه، من طريق العوفي ضعيفة، ورد في تفسيره الوسيط، تح: سيسي (٢/ ٤٩٣ بنصه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" ٤/ ٣٢٢ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.
(٤) ورد في "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ١٤٦، بنحوه.
(٥) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٢٢ بنصه.
(٦) "الغريب" لابن قتيبة ١/ ٢٥٥ بنصه.
(٧) ساقطة من (ع).

تفسير هذه الآية من كتب أخرى