اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَأَوْفُوا الكيل إِذا كِلْتُمْ﴾ الآية، لما أمر تعالى بإتمام الكيل، ذكر الوعيد الشديد في نقصانه كما في قوله تعالى :﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الذين إِذَا اكتالوا عَلَى الناس يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ١-٣].
ثم قال تعالى :﴿وَزِنُواْ بالقسطاس المستقيم﴾.
وهذا هو النوع الثالث من الأوامر المذكورة ها هنا، فالآية المتقدمة في إتمام الكيل، وهذه في إتمام الوزن، ونظيره قوله عزَّ وجلَّ :﴿وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط وَلاَ تُخْسِرُواْ الميزان﴾ [الرحمن: ٩] ﴿وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَآءَهُمْ﴾ [هود: ٨٥].
قرأ الأخوان(١) وحفص بكسر القاف ها هنا وفي سورة الشعراء، والباقون بضمها فيهما، وهما لغتان مشهورتان، فقيل : القسطاس في معنى الميزان، إلاَّ أنَّه في العرف أكبر منه، ولهذا اشتهر في ألسنة العامة أنَّه القبَّان، وقيل : إنه بلسانِ الرُّوم أو السرياني، والأصح أنه لغة العرب، وقيل أيضاً القرسطون. وقيل : هو كل ميزان، صغر أم كبر، أي : بميزان العدل.
قال ابن عطيَّة - رحمه الله- : هو عربيٌّ مأخوذٌ من القسطِ، وهو العدل، أي : زنوا بالعدل المستقيم، واللفظة للمبالغة من القسط، وردَّه أبو حيَّان باختلاف المادَّتين، ثم قال :" إلاَّ أن يدَّعي زيادةَ السِّين آخراً كقدموس، وليس من مواضع زيادتها " ويقال بالسِّين والصَّاد.

فصل


اعلم أنَّ التفاوت الحاصل بنقصان الكيل والوزن قليل، والوعيد عليه شديد عظيم، فيجب على العاقل الاحتراز منه، وإنَّما عظم الوعيد فيه ؛ لأنَّ جميع الناس محتاجون إلى المعاوضات والبيع والشراء، فبالغ الشَّرع في المنع من التطفيف والنقصان ؛ لأجل إبقاء الأموال ؛ ومنعاً من تلطيخ النفس بسرقةِ ذلك المقدار الحقير، ثم قال :" ذلك خير "، أي الإيفاء بالتَّمام والكمال خير من التطفيف بالقليل ؛ لأنَّ الإنسان يتخلَّص بالإيفاء عن ذكر القبيح في الدنيا، والعقاب الشديد في الآخرة.
﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ منصوب على التفسير، والتأويل ما يئولُ إليه الأمر ؛ كقوله تعالى :﴿وَخَيْرٌ مَّرَدّاً﴾ [مريم: ٧٦]، ﴿وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ [الكهف: ٤٦] ﴿وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ [الكهف: ٤٤]، وإنما حكم الله تعالى بأنَّ عاقبة هذا الأمر أحسنُ العواقب ؛ لأنه إذا اشتهر في الدنيا بالاحتراز عن التطفيف، أحبَّه الناس، ومالت القلوبُ إليه، واستغنى في الزَّمنِ القليل.
وأمَّا في الآخرة : فيفوزُ بالجنَّة والثوابِ العظيمِ، والخلاصِ من العقاب الأليم.
١ ينظر: السبعة ٣٨٠، والنشر ٢/٣٠٧، والتيسير ١٤٠، والإتحاف ٢/١٩٧، والحجة للقراء السبعة للفارسي ٥/١٠٦، والقرطبي ١٠/١٦٧، والبحر ٦/٣١، والحجة ٤٠٢، والدر المصون ٤/٣٨٩..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى