روح المعاني — الألوسي
عن الكتاب
﴿يَفْعَلْ ذلك﴾ المتقدم في التكاليف المفصلة ﴿مِمَّا أوحى إِلَيْكَ رَبُّكَ﴾ أي بعض منه أو منه جنسه ﴿مِنَ الحكمة﴾ التي هي علم الشرائع أو معرفة الحق سبحانه لذاته والخير للعمل به أو الأحكام المحكمة التي لا يتطرق إليها النسخ والفساد، وفي الكشاف عن ابن عباس هذه الثماني عشرة آية يعني من ﴿لاَّ تَجْعَل﴾ [الإسراء: ٢٢] فيما مر إلى ﴿مَلُومًا مَّدْحُورًا﴾ بعد كانت في ألواح موسى عليه السلام وهي عشر آيات في التوراة، وفي الدر المنثور أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن التوراة كلها في خمس عشرة آية من بني إسرائيل ثم تلا ﴿وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ الله إلها ءاخَرَ﴾ وهذا أعظم مدحاً للقرآن الكريم ما في الكشاف، و ﴿مِنْ﴾ اما متعلقة بأوحى على أنها تبعيضية أو ابتدائية وإما بمحذوف وقع حالا من الموصول أو عائده المحذوف أي من الذي أوحاه إليك ربك كائناً من الحكمة، وجوز أن يكون الجار والمجرور بدلاً من ما ﴿وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ الله إلها ءاخَرَ﴾ الخطاب نظير الخطاب السابق كرر للتنبيه على أن التوحيد مبدى الأمر ومنتهاه وأنه رأس كل حكمة وملاكها، ورتب عليه أولا ما هو عائدة الشرك في الدنيا حيث قال ﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً﴾ [الإسراء: ٢٢] ورتب عليه ههنا نتيجته في العقبى فقيل ﴿فتلقى فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا﴾ من جهة نفسك ومن جهة غيرك ﴿مَّدْحُورًا﴾ مبعدا من رحمة الله تعالى. وفي التفسير الكبير الفرق بين المذموم والملوم أن المذموم هو الذي يذكر أن الفعل الذي أقدم عليه قبيح ومنكر والملوم هو الذي يقال له لم فعلت مثل هذا الفعل وما الذي حملك عليه وما استفدت منه الإلحاق الضرر بنفسك. ومن هذا يعلم أن الذم يكون أولاً واللوم آخراً، والفرق بين المخذول والمدحور أن المخذول عبارة عن الضعيف يقال تخاذلت أعضاؤه أي ضعفت، والمراد به من تركت اعانته وفوض إلى نفسه والمدحور المطرود والمراد به المهان والمستخف به انتهى. وفي إيراد الالقاء مبنياً للمفعول جرى على سنن الكبرياء وازدراء بالمشرك وجعل له كخشبة يأخذها من كان فيلقيها في التنور، هذا وقد وحد الخطاب في بعض هذه الأوامر والنواهي وجمع في بعض آخر منها ولم يظهر لي سر اختار كل من التوحيد والجمع فيما اختير فيه على وجه يسلم من القيل والقال ويهش له كمل الرجال، وقد ذكرت ذلك لبعض أحبابي من اجلة المحققين ورؤساء المدرسين وطلبت منه أن يحرر ما يظهر له حيث إنه محقق كماله وفضله فكتب ما نصه أقول معترفاً بالقصور محترزاً عن الغرور معتذراً بالقول المأثور المأمور معذور يخطر على خاطر الفقير لتغيير أسلوب الخطاب وجوه تسعة لا تدخل في الحساب.
الأول الأشعار بانقسام هذه التكاليف إلى أقسام ثلاثة قسم أهل الكل خوطب به الأمة مرتين مرة تصريحاً بخطاب أنفسهم ومرة تعريضاً بخطاب رسولهم ﷺ وهذا الأهم هو التوحيد، وقسم مهم جداً لكن دون الأول خوطبوا به واحدة تصريحاً وهو أمور سبعة، الأول مطلق الإحسان بالوالدين فإن انتفاءه بأن لا يحسن إليهماأصلاً من أشد مراتب العقوق، والثاني ترك قتل الأولاد، والثالث الزنا، والرابع ترك قتل النفس المحرمة إلا بالحق، والخامس ترك التصرف في مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، والسادس الإيفاء بالعهد، والسابع الوزن بالقسطاس المستقيم. وقسم ثالث دون الأولين في المهمية خوطبوا به واحدة تعريضاً وهو أيضاً أمور أحد عشر.
الأول ترك قول أف للوالدين، والثاني ترك النهر فإن التأفيف والنهر من أهون مراتب العقوق بخلاف ترك الإحسان مطلقاً، والثالث قول القول الكريم لهما، والرابع خفض الجناح من الرحمة، والخامس الدعاء برحمة الله تعالى وهذه الثلاثة تركها ليس كترك مطلق الإحسان مثلا ؛ والسادس ترك إيتاء حق ذي القربى والمساكين وابن السبيل وظاهر أن عدم القيام بإيتاء مجموع الحقوق الثلاثة أهون من ترك الأمور المذكورة في القسم الثاني، والسابع ترك التبذير ؛ والثامن قول القول الميسور، والتاسع العدل في المنع والعطاء، والعاشر ترك القفو لما ليس به علم الصادق على القول بموجب الظن مثلاً، والحادي عشر ترك المشي مرحاً وترك واحد من هذه الخمسة أيها كان لا يبلغ ترك واحد من الأمور المكلف بها المذكورة في القسم الثاني كما لا يخفى. والثاني من تلك الوجوه الإيمان باتقران خطاب الأمة في النهي عن كبائر خطيرة مثلاً بخطابه ﷺ عما ليس في خطرها إلى أن الذنوب نزداد عظماً بعظم مرتكبها فرضاً كما يدل عليه آية ﴿ولَّوْلاَ أَن * ثبتناك لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شيئا قَلِيلاً * إِذًا لأذقناك ضِعْفَ الحياة وَضِعْفَ الممات﴾ [الإسراء: ٧٤، ٧٥] وكريمة ﴿يانساء النبى مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بفاحشة مُّبَيّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العذاب ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] وكما اشتهر أن حسنات الأبرار سيئات المقربين أون المقربين على خطر عظيم لكن لم تراع هذه النكتة في النهى عن الشرك إشارة إلى أنه في غاية العطم بحيث لا ينبغي أن يتصور في عظمه ازدياد وتفاوت الأفراد، أو نقول : لما عارضت هذه النكتة نكتة أخرى رجحت لكونها بالرعاية أحرى وهي الإشارة إلى أن الشرك كان عند الله سبحانه عظيماً فكرر الخطاب بالنهي عنه تخصيصاً وتعميماً، وهكذا نقول في عدم رعاية نكتة الوجوه الآتية في التكليف بالتوحيد ولا نعيد. والثالث من تلك الوجوه التنبيه بتعميم الخطاب في النهي عن بعض المعاصي والأمر ببعض الطاعات على أن فتنة فعل تلك المعاصي وترك تلك الطاعات لا تصيب الذين ظلموا خاصة.
والرابع منها الإشارة بتعميم الخطاب فيما عمم فيه من المنهيات والمأمورات إلى أن تلك المنهيات كما يجب على كل مكلف الانكفاف عنها يجب عليه كف الغير بحيث لو تركه لكان كفاعله في أنه اقترف كبيرة نهى عنها نهى تلك المنهيات وإلى أن تلك المأمورات كما يجب على الكل أداؤها يجب اجبار التارك على أدائها بحيث لو لم يجبر لكان كتاركها في أنه ترك واجباً أمر به تلك المأمورات وبتخصيص الخطاب فيما خصص فيه إلى أنه ليس بتلك المقابة فإنه وإن وجب إجبار الغير على بعض تكاليفه لكن عسى أن لا يكون تركه كبيرة. والخامس الرمز بتوحيد الخطاب فيما وحد فيه أن تلك الطاعة لا تصدر إلا من الآحاد لأنها لا يوفي حقها إلا المتورعون الصالحون وقليل ما هم بخلاف غيرها فإنه مضبوط.
والسادس : الأشعار بأن التكاليف التي خوطب بها النبي ﷺ والمراد أمته لا يقوم بها حق القيام إلا هو أو من يقتدي بأنواره ويقتفي لآثاره ويسعى في اتباع سننه القويم ويجتهد، في التخلق بخلقه الكريم بخلاف غيرها مما خوطبوا به صريحاً فإنها تأتي من أغلبهم.
والسابع : أنه صرف الخطاب عنه ﷺ في النهي عن قتل الأولاد والزنا وقتل النفس المحرمة إلا بالحق والتصرف في مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن إشارة إلى أن تلك الشنائع لا يأتيها النبي عليه الصلاة والسلام وإن لم ينه عنها لأن فطرته وفطنته وسلام طبعه اللطيفة واستقامة مزاجه الشرف كانت كافية في كفه عنها، وكذا صرف عنه الخطاب في الأمر بالإحسان بالوالدين والإيفاء بالعهد والوزن بالقسطاس المستقيم إشارة إلى أنه ﷺ يأتي بهذه الأمور وإن لم يؤمر بها لأن ترك مطلق الإحسان بالوالدين لو بلغا لديه الكبر مثلا يلزمه من الفظاظة وغلظة القلب وجفاء الطبع ما كان يأباه طبيعته ﷺ وكذا الغدر والتطفيف كانا تأباهما أخلاقه الكريمة لكن خوطب بالنهي عن الشرك لأنه ليس للطبع والخلق في التوحيد والشرك دخل.
والثامن : أنه تعالى إجلالاً لحبيبه ﷺ لم يخاطبه بنهيه عن فواحش قتل الولد والزنا وقتل النفس بغير حق لئلا يوهم أنه وحاشاه يأتيها قبل النهي، وكذا لم يخاطبه بأمره بالإيفاء بالعهد، والوزن بالقسطاس المستقيم لئلا يوهم أنه كان وحاشاه يتركها قبل هذا، وهذا الايهام ادعى للاعتناء بدفعه من الإيهام فيما خوطب به وحده، وخوطب بالنهي عن الشرك لأن معهودية دعوته ﷺ للخاص والعام مدى الليالي والأيام كفته هذا الإيهام.
والتاسع : لعل التكاليف التي خوطب ﷺ بها كترك القفو لما ليس له به علم وترك المشي في الآرض مرحاً لم تكن في غير دينه من سائر الأديان أو لم تكن مصرحاً بها منصوصاً عليها في الكتب السماوية ما عدا القرآن فوجه الخطاب إليه وحده تلويحاً بأنها من خصائص دينه أو بأن التصريح بها والتنصيص عليها من خصائص كتابه، ويؤيد هذا الوجه قوله تعالى بعد النهي عن القفو بلا علم والمشي مرحاً ﴿ذلك مِمَّا أوحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحكمة﴾ ثم إني لا أدعي في هذا بل وفي سائر الوجوه البت والجزم ولا أقفو ما ليس لي به علم بل أقول هذا خطر ببالي الكسير والعلم عند اللطيف الخبير اه.
ويرد على قوله في الأول فإن انتفاءه بإن لا يحسن إليهما أصلاً من أشد مراتب العقوق أن العقوق الذي هو كبيرة فعل ما يتأذى به من فعل معه من الوالدين تاذيا ليس بالهين عرفا كما سمعت وعدم الإحسان أصلاً قد لا يكون من ذلك، قال العلامة ابن حجر في أثناء الكلام على الفرق بين العقوق وقطع الرحم : إنه لو فرض أن قريبه لم يصل إليه إحسان ولا إساءة قط لم يفسق بذلك لأن الأبوين إذا فرض ذلك في حقهما من غير أن يفعل معهما ما يقتضي التاذي العظيم لغناهما مثلا لم يكن كبيرة فأولى بقية الأقارب اه. وكأنه أحسن الله تعالى إليه ظن أنه إذا تحقق عدم الإحسان تحققت الإساءة وهو بمعزل عن الصواب، ويرد أيضاً على قوله : وظاهر أن عدم القيام بإيتاء مجموع الحقوق الثلاثة أهون من ترك الأمور المذكورة في القسم الثاني أنه إن أراد أنه أهون من ترك مجموع تلك الأمور فلا شك إن بعض ما عده في القسم الثالث كالوزن بالقسطاس المستقيم ترك القيام به أهون من ترك مجموع التكليفات فما معنى هذا التخصيص وإن أراد أنه أهون من ترك كل واحد من ترك الأمور المذكورة فهو ممنوع كيف لا ويكون في ذلك قطيعة رحم وقاطعها ملعون في كتاب الله تعالى في ثلاثة مواضع.
وروى أحمد بإسناد صحيح أن من أربا الربا الاستطالة بغير حق وإن هذه الرحم شجنه من الرحمن فمن قطعها حرم الله تعالى عليه الجنة ؛ ومنع زكاة أيضاً وقد قال تعالى في حم السجدة [ ٦، ٧ ] وهي مكية كهذه السورة ﴿وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ الذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُون﴾ وإن نوقش فيما ذكر قلنا : إن عدم القيام بإيتاء ما ذكر صادق على منع حقوق ثلاثة أصناف ولا شك أن منع ذي الحق حقه ظلم له فيتعدد الظلم فيما نحن فيه ولا أظن أن ذلك أهون من التطفيف وإن كان ظلماً أيضاً :«
وظلم ذوى القربى أشد مضاضة
على القلب من وقع الحسام المهند »
ومما ذكرنا يعلم أن قوله ظاهر غير ظاهر، ويرد أيضاً على قوله : وترك واحد من هذه الخمسة الخ أن قوله سبحانه
﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] نهى على ما اختاره الإمام عن كبائر لا شك في أن بعضها أعظم بكثير من بعض ما في القسم الثاني كالقول في الالهيات والنبوات نحو ما يقوله المشركون تقليداً للاسلاف واتباعاً للهوى وإن أبيت إلا تخصيصه ببعض ما قاله المفسرون ونقله الإمام مم
الأول الأشعار بانقسام هذه التكاليف إلى أقسام ثلاثة قسم أهل الكل خوطب به الأمة مرتين مرة تصريحاً بخطاب أنفسهم ومرة تعريضاً بخطاب رسولهم ﷺ وهذا الأهم هو التوحيد، وقسم مهم جداً لكن دون الأول خوطبوا به واحدة تصريحاً وهو أمور سبعة، الأول مطلق الإحسان بالوالدين فإن انتفاءه بأن لا يحسن إليهماأصلاً من أشد مراتب العقوق، والثاني ترك قتل الأولاد، والثالث الزنا، والرابع ترك قتل النفس المحرمة إلا بالحق، والخامس ترك التصرف في مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، والسادس الإيفاء بالعهد، والسابع الوزن بالقسطاس المستقيم. وقسم ثالث دون الأولين في المهمية خوطبوا به واحدة تعريضاً وهو أيضاً أمور أحد عشر.
الأول ترك قول أف للوالدين، والثاني ترك النهر فإن التأفيف والنهر من أهون مراتب العقوق بخلاف ترك الإحسان مطلقاً، والثالث قول القول الكريم لهما، والرابع خفض الجناح من الرحمة، والخامس الدعاء برحمة الله تعالى وهذه الثلاثة تركها ليس كترك مطلق الإحسان مثلا ؛ والسادس ترك إيتاء حق ذي القربى والمساكين وابن السبيل وظاهر أن عدم القيام بإيتاء مجموع الحقوق الثلاثة أهون من ترك الأمور المذكورة في القسم الثاني، والسابع ترك التبذير ؛ والثامن قول القول الميسور، والتاسع العدل في المنع والعطاء، والعاشر ترك القفو لما ليس به علم الصادق على القول بموجب الظن مثلاً، والحادي عشر ترك المشي مرحاً وترك واحد من هذه الخمسة أيها كان لا يبلغ ترك واحد من الأمور المكلف بها المذكورة في القسم الثاني كما لا يخفى. والثاني من تلك الوجوه الإيمان باتقران خطاب الأمة في النهي عن كبائر خطيرة مثلاً بخطابه ﷺ عما ليس في خطرها إلى أن الذنوب نزداد عظماً بعظم مرتكبها فرضاً كما يدل عليه آية ﴿ولَّوْلاَ أَن * ثبتناك لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شيئا قَلِيلاً * إِذًا لأذقناك ضِعْفَ الحياة وَضِعْفَ الممات﴾ [الإسراء: ٧٤، ٧٥] وكريمة ﴿يانساء النبى مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بفاحشة مُّبَيّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العذاب ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] وكما اشتهر أن حسنات الأبرار سيئات المقربين أون المقربين على خطر عظيم لكن لم تراع هذه النكتة في النهى عن الشرك إشارة إلى أنه في غاية العطم بحيث لا ينبغي أن يتصور في عظمه ازدياد وتفاوت الأفراد، أو نقول : لما عارضت هذه النكتة نكتة أخرى رجحت لكونها بالرعاية أحرى وهي الإشارة إلى أن الشرك كان عند الله سبحانه عظيماً فكرر الخطاب بالنهي عنه تخصيصاً وتعميماً، وهكذا نقول في عدم رعاية نكتة الوجوه الآتية في التكليف بالتوحيد ولا نعيد. والثالث من تلك الوجوه التنبيه بتعميم الخطاب في النهي عن بعض المعاصي والأمر ببعض الطاعات على أن فتنة فعل تلك المعاصي وترك تلك الطاعات لا تصيب الذين ظلموا خاصة.
والرابع منها الإشارة بتعميم الخطاب فيما عمم فيه من المنهيات والمأمورات إلى أن تلك المنهيات كما يجب على كل مكلف الانكفاف عنها يجب عليه كف الغير بحيث لو تركه لكان كفاعله في أنه اقترف كبيرة نهى عنها نهى تلك المنهيات وإلى أن تلك المأمورات كما يجب على الكل أداؤها يجب اجبار التارك على أدائها بحيث لو لم يجبر لكان كتاركها في أنه ترك واجباً أمر به تلك المأمورات وبتخصيص الخطاب فيما خصص فيه إلى أنه ليس بتلك المقابة فإنه وإن وجب إجبار الغير على بعض تكاليفه لكن عسى أن لا يكون تركه كبيرة. والخامس الرمز بتوحيد الخطاب فيما وحد فيه أن تلك الطاعة لا تصدر إلا من الآحاد لأنها لا يوفي حقها إلا المتورعون الصالحون وقليل ما هم بخلاف غيرها فإنه مضبوط.
والسادس : الأشعار بأن التكاليف التي خوطب بها النبي ﷺ والمراد أمته لا يقوم بها حق القيام إلا هو أو من يقتدي بأنواره ويقتفي لآثاره ويسعى في اتباع سننه القويم ويجتهد، في التخلق بخلقه الكريم بخلاف غيرها مما خوطبوا به صريحاً فإنها تأتي من أغلبهم.
والسابع : أنه صرف الخطاب عنه ﷺ في النهي عن قتل الأولاد والزنا وقتل النفس المحرمة إلا بالحق والتصرف في مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن إشارة إلى أن تلك الشنائع لا يأتيها النبي عليه الصلاة والسلام وإن لم ينه عنها لأن فطرته وفطنته وسلام طبعه اللطيفة واستقامة مزاجه الشرف كانت كافية في كفه عنها، وكذا صرف عنه الخطاب في الأمر بالإحسان بالوالدين والإيفاء بالعهد والوزن بالقسطاس المستقيم إشارة إلى أنه ﷺ يأتي بهذه الأمور وإن لم يؤمر بها لأن ترك مطلق الإحسان بالوالدين لو بلغا لديه الكبر مثلا يلزمه من الفظاظة وغلظة القلب وجفاء الطبع ما كان يأباه طبيعته ﷺ وكذا الغدر والتطفيف كانا تأباهما أخلاقه الكريمة لكن خوطب بالنهي عن الشرك لأنه ليس للطبع والخلق في التوحيد والشرك دخل.
والثامن : أنه تعالى إجلالاً لحبيبه ﷺ لم يخاطبه بنهيه عن فواحش قتل الولد والزنا وقتل النفس بغير حق لئلا يوهم أنه وحاشاه يأتيها قبل النهي، وكذا لم يخاطبه بأمره بالإيفاء بالعهد، والوزن بالقسطاس المستقيم لئلا يوهم أنه كان وحاشاه يتركها قبل هذا، وهذا الايهام ادعى للاعتناء بدفعه من الإيهام فيما خوطب به وحده، وخوطب بالنهي عن الشرك لأن معهودية دعوته ﷺ للخاص والعام مدى الليالي والأيام كفته هذا الإيهام.
والتاسع : لعل التكاليف التي خوطب ﷺ بها كترك القفو لما ليس له به علم وترك المشي في الآرض مرحاً لم تكن في غير دينه من سائر الأديان أو لم تكن مصرحاً بها منصوصاً عليها في الكتب السماوية ما عدا القرآن فوجه الخطاب إليه وحده تلويحاً بأنها من خصائص دينه أو بأن التصريح بها والتنصيص عليها من خصائص كتابه، ويؤيد هذا الوجه قوله تعالى بعد النهي عن القفو بلا علم والمشي مرحاً ﴿ذلك مِمَّا أوحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحكمة﴾ ثم إني لا أدعي في هذا بل وفي سائر الوجوه البت والجزم ولا أقفو ما ليس لي به علم بل أقول هذا خطر ببالي الكسير والعلم عند اللطيف الخبير اه.
ويرد على قوله في الأول فإن انتفاءه بإن لا يحسن إليهما أصلاً من أشد مراتب العقوق أن العقوق الذي هو كبيرة فعل ما يتأذى به من فعل معه من الوالدين تاذيا ليس بالهين عرفا كما سمعت وعدم الإحسان أصلاً قد لا يكون من ذلك، قال العلامة ابن حجر في أثناء الكلام على الفرق بين العقوق وقطع الرحم : إنه لو فرض أن قريبه لم يصل إليه إحسان ولا إساءة قط لم يفسق بذلك لأن الأبوين إذا فرض ذلك في حقهما من غير أن يفعل معهما ما يقتضي التاذي العظيم لغناهما مثلا لم يكن كبيرة فأولى بقية الأقارب اه. وكأنه أحسن الله تعالى إليه ظن أنه إذا تحقق عدم الإحسان تحققت الإساءة وهو بمعزل عن الصواب، ويرد أيضاً على قوله : وظاهر أن عدم القيام بإيتاء مجموع الحقوق الثلاثة أهون من ترك الأمور المذكورة في القسم الثاني أنه إن أراد أنه أهون من ترك مجموع تلك الأمور فلا شك إن بعض ما عده في القسم الثالث كالوزن بالقسطاس المستقيم ترك القيام به أهون من ترك مجموع التكليفات فما معنى هذا التخصيص وإن أراد أنه أهون من ترك كل واحد من ترك الأمور المذكورة فهو ممنوع كيف لا ويكون في ذلك قطيعة رحم وقاطعها ملعون في كتاب الله تعالى في ثلاثة مواضع.
وروى أحمد بإسناد صحيح أن من أربا الربا الاستطالة بغير حق وإن هذه الرحم شجنه من الرحمن فمن قطعها حرم الله تعالى عليه الجنة ؛ ومنع زكاة أيضاً وقد قال تعالى في حم السجدة [ ٦، ٧ ] وهي مكية كهذه السورة ﴿وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ الذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُون﴾ وإن نوقش فيما ذكر قلنا : إن عدم القيام بإيتاء ما ذكر صادق على منع حقوق ثلاثة أصناف ولا شك أن منع ذي الحق حقه ظلم له فيتعدد الظلم فيما نحن فيه ولا أظن أن ذلك أهون من التطفيف وإن كان ظلماً أيضاً :«
وظلم ذوى القربى أشد مضاضة
على القلب من وقع الحسام المهند »
ومما ذكرنا يعلم أن قوله ظاهر غير ظاهر، ويرد أيضاً على قوله : وترك واحد من هذه الخمسة الخ أن قوله سبحانه
﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] نهى على ما اختاره الإمام عن كبائر لا شك في أن بعضها أعظم بكثير من بعض ما في القسم الثاني كالقول في الالهيات والنبوات نحو ما يقوله المشركون تقليداً للاسلاف واتباعاً للهوى وإن أبيت إلا تخصيصه ببعض ما قاله المفسرون ونقله الإمام مم