البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
واختتم الآيات بقوله ﴿ولا تجعل﴾ وقال : مما أوحى لأن ذلك بعض مما أوحي إليه إذا أوحى إليه بتكاليف أخر، و ﴿مما أوحى﴾ خبر عن ذلك، و ﴿من الحكمة﴾ يجوز أن يكون متعلقاً بأوحى وأن يكون بدلاً من ما، وأن يكون حالاً من الضمير المنصوب المحذوف العائد على ما وكانت هذه التكاليف حكمة لأن حاصلها يرجع إلى الأمر بالتوحيد وأنواع الطاعات والإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة، والعقول تدل على صحتها وهي شرائع في جميع الأديان لا تقبل النسخ.
وعن ابن عباس : إن هذه الآيات كانت في ألواح موسى عليه السلام، أولها ﴿لا تجعل مع الله إلهاً آخر﴾ قال تعالى :﴿وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء﴾ وكرر تعالى النهي عن الشرك، ففي النهي الأول.
﴿فتقعد مذموماً مخذولاً﴾ وفي الثاني ﴿فتلقى في جهنم ملوماً مدحوراً﴾ والفرق بين مذموم وملوم أن كونه مذموماً أن يذكر أن الفعل الذي أقدم عليه قبيح منكر، وكونه ملوماً أن يقال له بعد الفعل وذمّه لم فعلت كذا وما حملك عليه وما استفذت منه إلاّ إلحاق الضرر بنفسك، فأول الأمر الذم وآخره اللوم، والفرق بين مخذول ومدحور أن المخذول هو المتروك إعانته ونصره والمفوض إلى نفسه، والمدحور المطرود المبعد على سبيل الإهانة له والاستخفاف به، فأول الأمر الخذلان وآخره الطرد مهاناً.
وكان وصف الذم والخذلان يكون في الدنيا ووصف اللوم والدحور يكون في الآخرة، ولذلك جاء ﴿فتلقى في جهنم﴾ والخطاب بالنهي في هذه الآيات للسامع غير الرسول.
وقال الزمخشري : ولقد جعل الله عز وعلا فاتحتها وخاتمتها النهي عن الشرك لأن التوحيد هو رأس كل حكمة وملاكها، ومن عدِمَه لم تنفعه حكمه وعلومه وإن بذَّ فيها الحكماء وحك بيافوخه السماء، وما أغنت عن الفلاسفة أسفار الحكم وهم عن دين الله أضل من النعم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى