المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿تسبح له السماوات﴾ الآية، المعنى ينزهه عن هذه المقالة التي لكم، والاشتراك الذي أنتم بسبيله، ﴿السماوات السبع والأرض﴾، ثم أعاد على السماوات والأرض ضمير من يعقل لما أسند إليها فعل العاقل، وهو التسبيح، وقوله ﴿من فيهن﴾ يريد الملائكة والإنس والجن، ثم عم بعد ذلك الأشياء كلها، في قوله ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ أي ينزه الله ويحمده ويمجده، واختلف أهل العلم في التسبيح، فقالت فرقة هو تجوز، ومعناه إن كل شيء تبدو فيه صنعة الصانع الدالة عليه فتدعو رؤية ذلك إلى التسبيح من المعتبر، ومن حجة هذا التأويل قوله تعالى :﴿إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي﴾(١) وقالت فرقة ﴿من شيء﴾ لفظ عموم، ومعناه الخصوص في كل حي ونام، وليس ذلك في الجمادات البحتة، فمن هذا قول عكرمة : الشجرة تسبح والأسطوانة لا تسبح، وقال يزيد الرقاشي للحسن وهما في طعام، وقد قدم الخوان : أيسبح هذا الخوان يا أبا سعيد ؟ فقال قد كان يسبح مرة، يريد أن الشجرة في زمان نموها واغتذائها تسبح، فمذ صارت خواناً مدهوناً أو نحوه صارت جماداً، وقالت فرقة : هذا التسبيح حقيقة، وكل شيء على العموم يسبح تسبيحاً لا يسمعه البشر ولا يفقهه، ولو كان التسبيح ما قاله الآخرون من أنه أثر الصنعة لكان أمراً مفقوهاً، والآية تنطق بأن هذا التسبيح لا يفقه.
قال القاضي أبو محمد : وينفصل عن هذا الاعتراض بأن يراد بقوله ﴿لا تفقهون﴾ الكفار والغفلة، أي إنهم يعرضون عن الاعتبار فلا يفقهون حكمة الله تعالى في الأشياء وقال الحسن : بلغني أن معنى هذه الآية في التوراة ذكر فيه ألف شيء مما يسبح سبحت له السماوات، سبحت له الأرض، سبح كذا، سبح كذا، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر :«يسبح له » بالياء، وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية حفص وحمزة والكسائي «تسبح » بالتاء، والقراءتان حسنتان، وقرأ عبد الله بن مسعود وطلحة والأعمش «سبحت له السماوات »، وقوله ﴿إنه كان حليماً غفوراً﴾ فيه تنبيه على إملائه لهم وصفحه عنهم في الدنيا وإمهاله لهم مع شنيع هذه المقالة، أي تقولون قولاً ينزهه عنه كل شيء من المخلوقات، ﴿إنه كان حليماً غفوراً﴾ فلذلك أمهلكم.
قال القاضي أبو محمد : وينفصل عن هذا الاعتراض بأن يراد بقوله ﴿لا تفقهون﴾ الكفار والغفلة، أي إنهم يعرضون عن الاعتبار فلا يفقهون حكمة الله تعالى في الأشياء وقال الحسن : بلغني أن معنى هذه الآية في التوراة ذكر فيه ألف شيء مما يسبح سبحت له السماوات، سبحت له الأرض، سبح كذا، سبح كذا، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر :«يسبح له » بالياء، وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية حفص وحمزة والكسائي «تسبح » بالتاء، والقراءتان حسنتان، وقرأ عبد الله بن مسعود وطلحة والأعمش «سبحت له السماوات »، وقوله ﴿إنه كان حليماً غفوراً﴾ فيه تنبيه على إملائه لهم وصفحه عنهم في الدنيا وإمهاله لهم مع شنيع هذه المقالة، أي تقولون قولاً ينزهه عنه كل شيء من المخلوقات، ﴿إنه كان حليماً غفوراً﴾ فلذلك أمهلكم.
١ من الآية (١٨) من سورة (ص)..