الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿بِمَا يَسْتَمِعُونَ﴾ : متعلقٌ ب " أَعْلَمُ ". وما كان من باب العلمِ والجهلِ في أَفْعَلِ التفضيلِ وأفعلَ في التعجب تعدَّى بالباء نحو : أنت أعلمُ به، وما أعلمك به ! ! وهو أجهلُ به، وما أجهلَه به ! ! ومن غيرِهما يتعدَّى في البابين باللام نحو : أنت أَكْسَى للفقراء. و " ما " بمعنى الذي، وهي عبارةٌ عن الاستخفاف والإِعراض فكأنه قال : نحن أعلمُ بالاستخفافِ والاستهزاءِ الذي يستمعون به. قاله ابنُ عطية.
قوله :" به " فيه أوجهٌ، أحدها : أنه حالٌ، فيتعلق بمحذوف. قال الزمخشري :" وبه في موضع الحالِ كما [ تقول :] يستمعون بالهُزْء، أي : هازئين ". الثاني : أنها بمعنى اللامِ، أي : بما يستمعون له. الثالث : أنَّهما على بابها، أي : يستمعون بقلوبهم أو بظاهرِ أسماعهم، قالهما أبو البقاء. الرابع : قال الحوفيُّ :" لم يَقُلْ يَسْتعونه ولا يستمعونك ؛ لَمَّا كان الغرضُ ليس الإِخبارَ عن الاستماعِ فقط، وكان مُضَمَّناً أنَّ الاستماعَ كان على طريق الهُزْء بأن يقولوا : مجنون أو مسحور جاء الاستماع به وإلى، لِيُعْلَمَ أنَّ الاستماعَ ليس المرادُ به تَفَهُّمَ المسموعِ دون هذا المقصد "، فعلى هذا أيضاً تتعلق الباء ب " يستمعون ".
قوله :" إذ يستمعون " فيه وجهان : أحدُهما : أنه معمولٌ ل " أَعْلَمُ ". قال الزمخشريُّ :" إذ يستمعون نصبٌ ب " أَعْلَمُ "، أي : اَعْلَمُ وقتَ استماعِهم بما به يستمعون، وبما يتناجَوْن به، إذ هم ذَوُو نجوى ". والثاني : أنه منصوبٌ ب " يَستمعون " الأولى. قال ابن عطية :" والعاملُ في " إذ " الأولى وفي المعطوف " يستمعون " الأول. وقال الحوفي :" ف إذ الأولى تتعلق ب " يستمعون " وكذا ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ لأنَّ المعنى : نحن أعلمُ بالذي يستمعون إليك وإلى قراءتِك وكلامِك، إنما يستمعون لسَقْطِك، وتتبُّعِ عيبِك، والتماسِ ما يَطْعنون به عليك، يعني في زعمهم ؛ ولهذا ذكر تعديتَه بالباء و " إلى ".
قوله :" نَجْوى " يجوز أن يكونَ مصدراً فيكونَ من إطلاقِ المصدرِ على العينِ مبالغةً، أو على حَذْفِ مضاف، أي : ذوو نجوى، كما قاله الزمخشريُّ. ويجوز أَنْ يكونَ جمعَ نَجِيّ كقتيل وقَتْلَى. قاله أبو البقاء.
قوله :﴿إِذْ يَقُولُ﴾ بدلٌ مِنْ " إذ " الأولى في أحَد القولين، والقولُ الآخر : أنها معمولةٌ ل " اذكُر " مقدراً.
قوله :" مَسْحوراً " الظاهرُ أنه اسمُ مفعولٌ من " السِّحْر " بكسرِ السين، أي : مَخْبولَ العقلِ أو مخدوعَه. وقال أبو عبيدة :" معناه أن له سَحْراً " أي : رِئة بمعنى أنه لا يَستَغني عن الطعام والشرابِ، فهو بشرٌ مثلُكم.
وتقول العرب للجبان :" قد انتفخ سَحْره " بفتح السين، ولكلِّ مَنْ أكل وشرب : مَسْحُور، ومُسْحَر. فمِنْ الأولِ قولُ امرئ القيس :
أرانا مُوْضَعِيْنَ لأمرِ غَيْبٍونُسْحَرُ بالطعامِ وبالشرَّابِ
أي : نُغَذَّى ونُعَلَّلُ. ومِن الثاني قول لبيد :
فإنْ تَسْأَلِينا فيمَ نحنُ فإنَّناعصافيرُ مِنْ هذا الأَنامِ المُسَحَّرِ
ورَدَّ الناسُ على أبي عبيدة قولَه لبُعْدِه لفظاً ومعنى. قال ابن قتيبة :" لا أَدْري ما الذي حَمَل أبا عبيدةَ على هذا التفسيرِ المستكرَهِ مع ما فسَّره السلفُ بالوجوهِ الواضحةِ ". قلت : وأيضاً فإن " السَّحْر " الذي هو الرِّئَة لم يُضْرَبْ له فيه مَثَلٌ بخلاف " السَّحْر "، فإنهم ضربوا له فيه المَثَلَ، فما بعد الآيةِ مِنْ قولِه " انظر كيف ضَرَبُوا لك الأمثالَ " لا يناسِبُ إلا " السِّحْر " بالكسرِ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى