اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿بِمَا يَسْتَمِعُونَ﴾ : الباء في " بما " متعلق ب " أعْلَمُ ". وما كان من باب العلم والجهل في أفعل التفضيل، وأفعل في التعجب تعدَّى بالباء ؛ نحو : أنت أعلمُ به، وما أَعلمك به ! ! وهو أجهل به، وما أجهله به ! ! ومن غيرهما يتعدَّى في البابين باللام ؛ نحو : أنت أكسى للفقراء، و " مَا " بمعنى الذي، وهي عبارةٌ عن الاستخفاف والإعراض، فكأنه قال : نحن أعلم بالاستخفاف، والاستهزاءِ الذي يستمعون به، قاله ابن عطيَّة.
قوله :" به " فيه أوجه(١) :
أحدها : أنه حال، فيتعلق بمحذوف.
قال الزمخشري :" وبه في موضع الحالِ، كما تقول : يستمعون بالهزءِ، أي : هازئين ".
الثاني : أنها بمعنى اللامِ، أي : بما يستمعون له.
الثالث : أنها على بابها، أي : يستمعون بقلوبهم أو بظاهر أسماعهم، قالهما أبو البقاء.
الرابع : قال الحوفيُّ :" لم يقلْ يستمعونه، ولا يستمعونك ؛ لمَّا كان الغرضُ ليس الإخبار عن الاستماعِ فقط، وكان مضمَّناً أنَّ الاستماع كان على طريق الهزء بأن يقولوا : مجنونٌ أو مسحورٌ، جاء الاستماع بالباء وإلى، ليعلم أنَّ الاستماع ليس المراد به تفهُّم المسموعِ دون هذا المقصد " فعلى هذا أيضا تتعلَّق الباء ب " يَسْتمِعُونَ ".
قوله تعالى :﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : أنه معمولٌ ل " أعْلَمُ ". قال الزمخشري :" إذ يستمعون نصب ب " أعْلَمُ " أي : أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون، وبما يتناجون ؛ إذ هم ذوو نجوى ".
والثاني : أنه منصوبٌ ب " يَسْتمِعُونَ " الأولى.
قال ابن عطيَّة - رحمه الله - :" والعامل في " إذ " الأولى، وفي المعطوف " يَسْتمِعُونَ " الأولى ".
وقال الحوفيُّ : و " إذ " الأولى تتعلق ب " يَسْتمِعُونَ " وكذا " وإذْ هُمْ نجْوَى " لأن المعنى : نحن أعلم بالذي يستمعون إليك، وإلى قراءتك وكلامك، إنما يستمعون لسقطك، وتتبُّع عيبك، والتماسِ ما يطعنون به عليك، يعني في زعمهم ؛ ولهذا ذكر تعديتهُ بالباء و " إلى ".
قوله - عز وجل- :" نَجْوَى " يجوز أن يكون مصدراً، فيكون من إطلاق المصدر على العين مبالغة، أو على حذف مضاف، أي : ذوو نجوى، كما قاله الزمخشري، ويجوز أن يكون جمع نجيِّ، كقتيلٍ وقتلى، قاله أبو البقاء.
قوله تعالى :﴿إِذْ يَقُولُ﴾ بدل من " إذ " الأولى في أحد القولين، والقول الآخر : أنَّها معمولة ل " اذْكُرْ " مقدَّراً.
قوله تعالى :" مَسْحُوراً " الظاهر أنَّه اسم مفعول من " السِّحرِ " بكسر السين، أي : مخبول العقل، أو مخدوعه، وقال أبو عبيدة : معناه أنَّ له سَحْراً، أي : رئة بمعنى أنه لا يستغني عن الطَّعام والشَّراب، فهو بشرٌ مثلكم، وتقول العرب للجبان :" قد انتفخَ سَحرهُ " بفتح السين، ولكلِّ من أكل وشرب : مسحورٌ، ومسحرٌ، فمن الأول قول امرئ القيس :[ الوافر ]
أي : نُغذَّى ونُعَلَّلُ، ومن الثاني قول لبيدٍ :[ الطويل ]
وردَّ الناس على أبي عبيدة قوله ؛ لبعده لفظاً ومعنًى. قال ابن قتيبة :" لا أدري ما الذي حمل أبا عبيدة على هذا التَّفسير المستكرهِ مع ما فسَّره السَّلف بالوجوهِ الواضحة ".
قال شهاب الدين : وأيضاً فإن " السَّحْر " الذي هو الرِّئة لم يضرب له فيه مثلٌ ؛ بخلاف " السِّحْر " فإنهم ضربوا له فيه المثل، فما بعد الآية من قوله ﴿انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال﴾ [الإسراء: ٤٨] لا يناسب إلا " السِّحْر " بالكسرِ.
فصل في معنى قوله :﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾.
قال المفسرون : معنى الآية ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ أي يطلبون سماعه، ﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ وأنت تقرأ القرآن، ﴿وَإِذْ هُمْ نجوى﴾ يتناجون في أمرك، فبعضهم يقول : هذا مجنونٌ، وبعضهم يقول : شاعرٌ ﴿إِذْ يَقُولُ الظالمون﴾ يعني الوليد بن المغيرة وأصحابه :﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾ مطبوباً.
وقال مجاهد - رحمه الله- : مخدوعاً(٤) ؛ لأنَّ السِّحر حيلة وخديعة، وذلك لأنَّ المشركين كانوا يقولون : إنَّ محمداً ﷺ يتعلَّم من بعض النَّاس هذه الكلمات، وأولئك النَّاس يخدعونه بهذه الكلمات، فلذلك قالوا :" مَسْحُوراً " أي : مخدوعاً.
وأيضاً : كانوا يقولون : إنَّ الشيطان يتخيَّل له، فيظنُّ أنه ملكٌ، فقالوا : إنه مخدوع من قبل الشَّيطان.
وقيل : مصروفاً عن الحقِّ(٥)، يقال : ما سحرك عن كذا، أي : ما صرفك، وقيل : المسحور هو الشَّيء المفسود، يقال : طعام مسحور، إذا فسد، وأرض مسحورة، إذا أصابها من المطر أكثر ممَّا ينبغي فأفسدها.
فإن قيل : إنَّهم لم يتبعوا رسول الله ﷺ فكيف يصحُّ أن يقولوا :﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾.
فالجواب أنَّ معناه : إن اتَّبعْتُموهُ، فقد اتَّبعْتُمْ رجلاً مسحوراً.
قوله :" به " فيه أوجه(١) :
أحدها : أنه حال، فيتعلق بمحذوف.
قال الزمخشري :" وبه في موضع الحالِ، كما تقول : يستمعون بالهزءِ، أي : هازئين ".
الثاني : أنها بمعنى اللامِ، أي : بما يستمعون له.
الثالث : أنها على بابها، أي : يستمعون بقلوبهم أو بظاهر أسماعهم، قالهما أبو البقاء.
الرابع : قال الحوفيُّ :" لم يقلْ يستمعونه، ولا يستمعونك ؛ لمَّا كان الغرضُ ليس الإخبار عن الاستماعِ فقط، وكان مضمَّناً أنَّ الاستماع كان على طريق الهزء بأن يقولوا : مجنونٌ أو مسحورٌ، جاء الاستماع بالباء وإلى، ليعلم أنَّ الاستماع ليس المراد به تفهُّم المسموعِ دون هذا المقصد " فعلى هذا أيضا تتعلَّق الباء ب " يَسْتمِعُونَ ".
قوله تعالى :﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : أنه معمولٌ ل " أعْلَمُ ". قال الزمخشري :" إذ يستمعون نصب ب " أعْلَمُ " أي : أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون، وبما يتناجون ؛ إذ هم ذوو نجوى ".
والثاني : أنه منصوبٌ ب " يَسْتمِعُونَ " الأولى.
قال ابن عطيَّة - رحمه الله - :" والعامل في " إذ " الأولى، وفي المعطوف " يَسْتمِعُونَ " الأولى ".
وقال الحوفيُّ : و " إذ " الأولى تتعلق ب " يَسْتمِعُونَ " وكذا " وإذْ هُمْ نجْوَى " لأن المعنى : نحن أعلم بالذي يستمعون إليك، وإلى قراءتك وكلامك، إنما يستمعون لسقطك، وتتبُّع عيبك، والتماسِ ما يطعنون به عليك، يعني في زعمهم ؛ ولهذا ذكر تعديتهُ بالباء و " إلى ".
قوله - عز وجل- :" نَجْوَى " يجوز أن يكون مصدراً، فيكون من إطلاق المصدر على العين مبالغة، أو على حذف مضاف، أي : ذوو نجوى، كما قاله الزمخشري، ويجوز أن يكون جمع نجيِّ، كقتيلٍ وقتلى، قاله أبو البقاء.
قوله تعالى :﴿إِذْ يَقُولُ﴾ بدل من " إذ " الأولى في أحد القولين، والقول الآخر : أنَّها معمولة ل " اذْكُرْ " مقدَّراً.
قوله تعالى :" مَسْحُوراً " الظاهر أنَّه اسم مفعول من " السِّحرِ " بكسر السين، أي : مخبول العقل، أو مخدوعه، وقال أبو عبيدة : معناه أنَّ له سَحْراً، أي : رئة بمعنى أنه لا يستغني عن الطَّعام والشَّراب، فهو بشرٌ مثلكم، وتقول العرب للجبان :" قد انتفخَ سَحرهُ " بفتح السين، ولكلِّ من أكل وشرب : مسحورٌ، ومسحرٌ، فمن الأول قول امرئ القيس :[ الوافر ]
| أرَانَا مُوضَعِينَ لأمْرِ غَيْبٍ | ونُسْحَرُ بالطَّعامِ وبالشَّرابِ(٢) |
| فَإنْ تَسْألِينَا فيمَ نَحْنُ فَإنَّنَا | عَصَافِيرُ مِنْ هذا الأنَامِ المُسحَّرِ(٣) |
قال شهاب الدين : وأيضاً فإن " السَّحْر " الذي هو الرِّئة لم يضرب له فيه مثلٌ ؛ بخلاف " السِّحْر " فإنهم ضربوا له فيه المثل، فما بعد الآية من قوله ﴿انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال﴾ [الإسراء: ٤٨] لا يناسب إلا " السِّحْر " بالكسرِ.
فصل في معنى قوله :﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾.
قال المفسرون : معنى الآية ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ أي يطلبون سماعه، ﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ وأنت تقرأ القرآن، ﴿وَإِذْ هُمْ نجوى﴾ يتناجون في أمرك، فبعضهم يقول : هذا مجنونٌ، وبعضهم يقول : شاعرٌ ﴿إِذْ يَقُولُ الظالمون﴾ يعني الوليد بن المغيرة وأصحابه :﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾ مطبوباً.
وقال مجاهد - رحمه الله- : مخدوعاً(٤) ؛ لأنَّ السِّحر حيلة وخديعة، وذلك لأنَّ المشركين كانوا يقولون : إنَّ محمداً ﷺ يتعلَّم من بعض النَّاس هذه الكلمات، وأولئك النَّاس يخدعونه بهذه الكلمات، فلذلك قالوا :" مَسْحُوراً " أي : مخدوعاً.
وأيضاً : كانوا يقولون : إنَّ الشيطان يتخيَّل له، فيظنُّ أنه ملكٌ، فقالوا : إنه مخدوع من قبل الشَّيطان.
وقيل : مصروفاً عن الحقِّ(٥)، يقال : ما سحرك عن كذا، أي : ما صرفك، وقيل : المسحور هو الشَّيء المفسود، يقال : طعام مسحور، إذا فسد، وأرض مسحورة، إذا أصابها من المطر أكثر ممَّا ينبغي فأفسدها.
فإن قيل : إنَّهم لم يتبعوا رسول الله ﷺ فكيف يصحُّ أن يقولوا :﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾.
فالجواب أنَّ معناه : إن اتَّبعْتُموهُ، فقد اتَّبعْتُمْ رجلاً مسحوراً.
١ في ب: وجهان..
٢ تقدم..
٣ ينظر: ديوانه ٧١، مجاز القرآن ١/٣٨١، الطبري ٢/٣١، روح المعاني ١٥/٩٠، الدر المصون ٤/٣٩٧ اللسان [سحر]..
٤ ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/١١٨)..
٥ ينظر: المصدر السابق..
٢ تقدم..
٣ ينظر: ديوانه ٧١، مجاز القرآن ١/٣٨١، الطبري ٢/٣١، روح المعاني ١٥/٩٠، الدر المصون ٤/٣٩٧ اللسان [سحر]..
٤ ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/١١٨)..
٥ ينظر: المصدر السابق..