مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
ثم قال تعالى :﴿نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك﴾ أي نحن أعلم بالوجه الذي يستمعون به وهو الهزؤ والتكذيب. و ﴿به﴾ في موضع الحال، كما تقول : مستمعين بالهزؤ و ﴿إذ يستمعون﴾ نصب بأعلم أي أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون ﴿وإذا هم نجوى﴾ أي وبما يتناجون به إذ هم ذو نجوى :﴿إذ يقول الظالمون﴾ بدل من قوله :﴿وإذ هم نجوى إن تتبعون إلا رجلا مسحورا﴾ وفيه مباحث : الأول : قال المفسرون : أمر رسول الله ﷺ عليا أن يتخذ طعاما ويدعو إليه أشراف قريش من المشركين، ففعل علي ذلك ودخل عليهم رسول الله ﷺ وقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى التوحيد وقال : قولوا لا إله إلا الله حتى تطيعكم العرب وتدين لكم العجم فأبوا عليه ذلك، وكانوا عند استماعهم من النبي ﷺ القرآن والدعوة إلى الله تعالى يقولون بينهم متناجين : هو ساحر وهو مسحور وما أشبه ذلك من القول، فأخبر الله تعالى نبيه بأنهم يقولون :﴿إن تتبعون إلا رجلا مسحورا﴾.
فإن قيل : إنهم لم يتبعوا رسول الله فكيف يصح أن يقولوا :﴿إن تتبعون إلا رجلا مسحورا﴾.
قلنا : معناه أنكم إن اتبعتموه فقد اتبعتم رجلا مسحورا، والمسحور الذي قد سحر فاختلط عليه عقله وزال عن حد الاستواء. هذا هو القول الصحيح، وقال بعضهم : المسحور هو الذي أفسد. يقال : طعام مسحور إذا أفسد عمله وأرض مسحورة أصابها من المطر أكثر مما ينبغي فأفسدها. قال أبو عبيدة : يريد بشرا ذا سحر أي ذارئه. قال ابن قتيبة : ولا أدري ما الذي حمله على هذا التفسير المستكره مع أن السلف فسروه بالوجوه الواضحة، وقال مجاهد :﴿مسحورا﴾ أي مخدوعا لأن السحر حيلة وخديعة، وذلك لأن المشركين كانوا يقولون : إن محمدا يتعلم من بعض الناس هذه الكلمات وأولئك الناس يخدعونه بهذه الكلمات وهذه الحكايات، فلذلك قالوا : إنه مسحور أي مخدوع، وأيضا كانوا يقولون : إن الشيطان يتخيل له فيظن أنه ملك فقالوا : إنه مخدوع من قبل الشيطان.
فإن قيل : إنهم لم يتبعوا رسول الله فكيف يصح أن يقولوا :﴿إن تتبعون إلا رجلا مسحورا﴾.
قلنا : معناه أنكم إن اتبعتموه فقد اتبعتم رجلا مسحورا، والمسحور الذي قد سحر فاختلط عليه عقله وزال عن حد الاستواء. هذا هو القول الصحيح، وقال بعضهم : المسحور هو الذي أفسد. يقال : طعام مسحور إذا أفسد عمله وأرض مسحورة أصابها من المطر أكثر مما ينبغي فأفسدها. قال أبو عبيدة : يريد بشرا ذا سحر أي ذارئه. قال ابن قتيبة : ولا أدري ما الذي حمله على هذا التفسير المستكره مع أن السلف فسروه بالوجوه الواضحة، وقال مجاهد :﴿مسحورا﴾ أي مخدوعا لأن السحر حيلة وخديعة، وذلك لأن المشركين كانوا يقولون : إن محمدا يتعلم من بعض الناس هذه الكلمات وأولئك الناس يخدعونه بهذه الكلمات وهذه الحكايات، فلذلك قالوا : إنه مسحور أي مخدوع، وأيضا كانوا يقولون : إن الشيطان يتخيل له فيظن أنه ملك فقالوا : إنه مخدوع من قبل الشيطان.