إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود
عن الكتاب
﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ متلبسين به من اللغو والاستخفافِ والهُزْء بك وبالقرآن، يروى أنه كان يقوم عن يمينه عليه الصلاة والسلام رجلان من بني عبد الدار وعن يساره رجلان فيصفّقون ويصفِرون ويخلِطون عليه بالأشعار ﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ ظرفٌ لأعلمُ وفائدتُه تأكيدُ الوعيدِ بالإخبار بأنه كما يقع الاستماعُ المزبورُ منهم يتعلق به العلم، لا أن العلمَ يستفاد هناك من أحد وكذا قوله تعالى :﴿وَإِذْ هُمْ نجوى﴾ لكون لا من حيث تعلّقُه بما به الاستماعُ بل بما به التناجي المدلولُ عليه بسياق النظمِ، والمعنى نحن أعلمُ بالذي يستمعون ملتبسين به مما لا خيرَ فيه من الأمور المذكورةِ وبالذي يتناجَوْن به فيما بينهم، أو الأولُ ظرفٌ ليستمعون والثاني ليتناجَون والمعنى نحن أعلمُ بما به الاستماعُ وقت استماعِهم من غير تأخيرٍ وبما به التناجي وقت تناجيهم، ونجوى مرفوعٌ على الخبرية بتقدير المضافِ أي ذوو نجوى، أو هو جمعُ نَجيّ كقتلى جمع قتيل أي متناجُون ﴿إِذْ يَقُولُ الظالمون﴾ بدل من إذ هم، وفيه دليلٌ على أن ما يتناجَون به غيرُ ما يستمعون به وإنما وُضع الظالمون موضعَ المُضمر إشعاراً بأنهم في ذلك ظالمون مجاوزون للحدّ، أي يقول كلٌّ منهم للآخرين عند تناجيهم :﴿إِن تَتَّبِعُونَ﴾ ما تتبعون إنْ وُجد منكم الإتباع فرضاً أو ما تتبعون باللغو والهزء ﴿إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا﴾ أي سُحِر فجُنّ أو رجلاً ذا سَحْر أي رئةٍ يتنفس، أي بشراً مثلَكم.