اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
تقدم إعراب قوله تعالى ﴿وَقُل لِّعِبَادِي﴾ في سورة إبراهيم [ ٣١ ]. وفي العباد ها هنا قولان :
الأول : المراد به المؤمنون ؛ لأنَّ لفظ العباد في أكثر آيات القرآن مختصٌّ بالمؤمنين. قال تعالى :﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الذين يَسْتَمِعُونَ القول﴾ [الزمر: ١٧، ١٨] ﴿فادخلي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: ٢٩] ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله﴾ [الإنسان: ٦].
وإذا عرف هذا، فإنه تعالى لمَّا ذكر الحجج القطعيَّة في صحَّة المعاد، وهو قوله تعالى :﴿قُلِ الذي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١] قال ها هنا : قل، يا محمد لعبادي : إذا أردتم الاستدلال على المخالفين، فاذكروا تلك الدلائل بطريق الأحسن من غير شتم، ولا سبٍّ، ونظيره قوله تعالى :﴿ادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة وَجَادِلْهُم بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] وقوله تعالى :﴿وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] وذلك لأنَّ ذكر الحجَّة، إذا اختلط به سبٌّ أو شتمٌ، لقابلوكم بمثله، كما قال تعالى :﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] ويزداد الغضب، وتكمل النُّفرة، ويمتنع المقصود، وإذا ذكرت الحجة بالطَّريق الأحسن، أثَّر في القلب تأثيراً شديداً، ثم نبَّه تعالى على وجه المنفعة، فقال تعالى :﴿إِنَّ الشيطان يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ أي : يفسد بينهم، ويغري بينهم.
قال الكلبي : كان المشركون يؤذون المسلمين، فشكوا إلى النبيِّ ﷺ فأنزل الله تعالى :﴿وَقُل لِّعِبَادِي﴾ المؤمنين يقولوا للمشركين التي هي أحسنُ، ولا يكافئوهم بسفههم.
قال الحسن : يقول له : يهديك الله، وكان هذا قبل الإذن في الجهاد(١).
وقيل : نزلت في عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - شتمة بعض الكفَّار، فأمره الله تعالى بالعفو(٢).
وقيل : أمر المؤمنين بأن يقولوا، ويفعلوا الخلَّة التي هي أحسن(٣).
وقيل : الأحسن قول : لا إله إلا الله(٤).
قوله تعالى :﴿إِنَّ الشيطان يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ يجوز أن تكون هذه الجملة اعتراضاً بين المفسَّر والمفسِّر ؛ وذلك أن قوله تعالى :﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤] وقع تفسيراً لقوله ﴿بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤] وبياناً لها، ويجوز ألاَّ تكون معترضة، بل مستأنفة.
وقرأ(٥) طلحة " ينْزغُ " بكسر الزاي، وهما لغتان، كيَعْرِشُون ويَعرُشُونَ، قاله الزمخشري. قال أبو حيان : ولو مثَّل ب " يَنطَحُ " و " يَنْطِحُ " كأنَّه يعني من حيث إنَّ لامَ كلِّ منهما حرف حلقٍ، وليس بطائلٍ.
والمعنى : أنَّ الشيطان يلقي العداوة بينهم ﴿إِنَّ الشيطان كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً﴾ ظاهر العداوة.
١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٩٣) وذكره البغوي في "تفسيره" (٣/١١٩)..
٢ ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/١١٩)..
٣ ينظر: المصدر السابق..
٤ ينظر: المصدر السابق..
٥ ينظر: الكشاف ٢/٦٠٢، والبحر ٦/٤٨، والدر المصون ٤/٣٩٩..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى