تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور

عن الكتاب
الوعد مصدر بمعنى المفعول، أي موعود أولى المرتين، أي الزمان المقدر لحصول المرة الأولى من الإفساد والعلو، كقوله :﴿فإذا جاء وعد ربي جعله دكاً﴾ [الكهف: ٩٨].
ومثل ذلك قوله :﴿وكان وعداً مفعولا﴾ أي معمولاً ومنفذاً.
وإضافة ﴿وعد﴾ إلى ﴿أولاهما﴾ بيانية، أي الموعود الذي هو أولى المرتين من الإفساد والعلو.
والبعث مستعمل في تكوين السير إلى أرض إسرائيل وتهيئة أسبابه حتى كأن ذلك أمر بالمسير إليهم كما مر في قوله :﴿ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب﴾ في سورة [الأعراف: ١٦٧]، وهو بعث تكوين وتسخير لا بعث بوحي وأمر.
وتعدية ﴿بعثنا﴾ بحرف الاستعلاء لتضمينه معنى التسليط كقوله :﴿ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب﴾ [الأعراف: ١٦٧].
والعِباد : المملوكون، وهؤلاء عباد مخلوقية، وأكثر ما يقال : عباد الله. ويقال : عَبيد، بدون إضافة، نحو ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ [فصلت: ٤٦]، فإذا قصد المملوكون بالرق قيل : عَبيد، لا غير. والمقصود بعباد الله هنا الأشوريون أهل بابل وهم جنود بختنصر.
والبأس : الشوكة والشدة في الحرب. ووصفه بالشديد لقوته في نوعه كما في آية سورة سليمان [النمل: ٣٣] :﴿قالوا نحن أولو قوة وأولوا بأس شديد.﴾ وجملة فجاسوا } عطف على ﴿بعثنا﴾ فهو من المقضي في الكتاب. والجوس : التخلل في البلاد وطرقها ذهاباً وإياباً لتتبع ما فيها. وأريد به هنا تتبّع المقاتلة فهو جوس مضرة وإساءة بقرينة السياق.
و ( خلال ) اسم جاء على وزن الجموع ولا مفرد له، وهو وسط الشيء الذي يتخلل منه. قال تعالى :﴿فترى الودق يخرج من خلاله﴾ [الروم: ٤٨].
والتعريف في الديار } تعريف العهد، أي دياركم، وذلك أصل جعل ( ال ) عوضاً عن المضاف إليه. وهي ديار بلد أورشليم فقد دخلها جيش بختنصر وقتل الرجال وسبى، وهدم الديار، وأحرق المدينة وهيكل سليمان بالنار. ولفظ ( الديار ) يشمل هيكل سليمان لأنه بيت عبادتهم، وأسر كل بني إسرائيل وبذلك خلت بلاد اليهود منهم. ويدل لذلك قوله في الآية الآتية :﴿وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى