محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٥ من سورة الإسراء في ١٠٨ كتب من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و١٧ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٥ من سورة الإسراء

١٠٨ كتب من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وأما قوله : فإذَا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما يعني : فإذا جاء وعد أولى المرّتين اللتين يفسدون بهما في الأرض كما :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : فإذَا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما قال : إذا جاء وعد أولى تينك المرّتين اللتين قضينا إلى بني إسرائيل لَتُفْسِدُنّ فِي الأرْضِ مَرّتَيْنِ.
وقوله : بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادا لَنا أُولي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدّيارِ، وكانَ وَعْدا مَفْعُولاً يعني تعالى ذكره بقوله : بَعَثْنا عَلَيْكُمْ وجّهنا إليكم، وأرسلنا عليكم عِبادا لَنا أُولي بَأْسٍ شَدِيدٍ يقول : ذوي بطش في الحروب شديد. وقوله : فَجاسُوا خِلالَ الدّيارِ، وكانَ وَعدا مَفْعُولاً يقول : فتردّدوا بين الدور والمساكن، وذهبوا وجاءوا. يقال فيه : جاس القوم بين الديار وجاسوا بمعنى واحد، وجست أنا أجوس جوسا وجوسانا. وبنحو الذي قلنا في ذلك، رُوي الخبر عن ابن عباس :
حدثني عليّ بن داود، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس فَجاسُوا خِلالَ الدّيارِ قال : مشوا.
وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يقول : معنى جاسوا : قتلوا، ويستشهد لقوله ذلك ببيت حسان :
وَمِنّا الّذِي لاقى بسَيْفِ مُحَمّدٍفَجاسَ بِهِ الأعْدَاءَ عُرْضَ العَساكِرِ
وجائز أن يكون معناه : فجاسوا خلال الديار، فقتلوهم ذاهبين وجائين، فيصحّ التأويلان جميعا. ويعني بقوله : وكانَ وَعْدا مَفْعُولاً وكان جوس القوم الذين نبعث عليهم خلال ديارهم وعدا من الله لهم مفعولاً ذلك لا محالة، لأنه لا يخلف الميعاد.
ثم اختلف أهل التأويل في الذين عنى الله بقوله : أُولي بَأْسٍ شَدِيدٍ فيما كان من فعلهم في المرّة الأولى في بني إسرائيل حين بعثوا عليهم، ومن الذين بعث عليهم في المرّة الآخرة، وما كان من صنعهم بهم، فقال بعضهم : كان الذي بعث الله عليهم في المرّة الأولى جالوت، وهو من أهل الجزيرة. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : حدثنا أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : فَإذَا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادا لَنا أُولي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدّيارِ، وكانَ وَعْدا مَفْعُولاً قال : بعث الله عليهم جالوت، فجاس خلال ديارهم، وضرب عليهم الخراج والذلّ، فسألوا الله أن يبعث لهم ملكا يُقاتلون في سبيل الله، فبعث الله طالوت، فقاتلوا جالوت، فنصر الله بني إسرائيل، وقُتل جالوت بيدي داود، ورجع الله إلى بني إسرائيل ملكهم.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : فإذَا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادا لَنا أُولي بَأْسٍ شَدِيدٍ، فجاسُوا خِلالَ الدّيارِ، وكانَ وَعْدا مَفْعُولاً قضاء قضى الله على القوم كما تسمعون، فبعث عليهم في الأولى جالوت الجزري، فسبى وقتل، وجاسوا خلال الديار كما قال الله، ثم رجع القوم على دخن فيهم.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال : أما المرّة الأولى فسلّط الله عليهم جالوت، حتى بعث طالوت ومعه داود، فقتله داود.
وقال آخرون : بل بعث عليهم في المرّة الأولى سنحا ريب، وقد ذكرنا بعض قائلي ذلك فيما مضى ونذكر ما حضرنا ذكره ممن لم نذكره قبل.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، عن أبي المعلى، قال : سمعت سعيد بن جبير، يقول في قوله : بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادا لَنا أُولي بَأْسٍ شَدِيدٍ قال : بعث الله تبارك وتعالى عليهم في المرّة الأولى سنحاريب من أهل أثور ونينوى فسألت سعيدا عنها، فزعم أنها الموصل.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج عن ابن جريج، قال : ثني يعلى بن مسلم بن سعيد بن جبير، أنه سمعه يقول : كان رجل من بني إسرائيل يقرأ، حتى إذا بلغ بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادا لَنا أُولي بَأْسٍ شَدِيدٍ بكى وفاضت عيناه، وطبق المصحف، فقال ذلك ما شاء الله من الزمان، ثم قال : أي ربّ أرنِي هذا الرجل الذي جعلت هلاك بني إسرائيل على يديه، فأُري في المنام مسكينا ببابل، يقال له بختنصر، فانطلق بمال وأعبد له، وكان رجلاً موسرا، فقيل له أين تريد ؟ قال : أريد التجارة، حتى نزل دارا ببابل، فاستكراها ليس فيها أحد غيره، فجعل يدعو المساكين ويلطف بهم حتى لم يبق أحد، فقال : هل بقي مسكين غيركم ؟ قالوا : نعم، مسكين بفجّ آل فلان مريض يقال له بختنصر، فقال لغلمته : انطلقوا، حتى أتاه، فقال : ما اسمك ؟ قال : بختنصر، فقال لغلمته : احتملوه، فنقله إليه ومرّضه حتى برأ، فكساه وأعطاه نفقة، ثم آذن الإسرائيلي بالرحيل، فبكى بختنصر، فقال الإسرائيلي : ما يبكيك ؟ قال : أبكي أنك فعلت بي ما فعلت، ولا أجد شيئا أجزيك، قال : بلى شيئا يسيرا، إن ملكت أطعتني فجعل الاَخر يتبعه ويقول : تستهزىء بي ؟ ولا يمنعه أن يعطيه ما سأله، إلاّ أنه يرى أنه يستهزئ به، فبكى الإسرائيلي وقال : ولقد علمت ما يمنعك أن تعطيني ما سألتك، إلاّ أن الله يريد أن ينفذ ما قد قضاه وكتب في كتابه وضرب الدهر من ضربه فقال يوما صيحون، وهو ملك فارس ببابل : لو أنا بعثنا طليعة إلى الشام قالوا : وما ضرّك لو فعلت ؟ قال : فمن ترون ؟ قالوا : فلان، فبعث رجلاً وأعطاه مئة ألف، وخرج بختنصر في مطبخه، لم يخرج إلاّ ليأكل في مطبخه فلما قدم الشام ورأى صاحب الطليعة أكثر أرض الله فرسا ورجلاً جلدا، فكسر ذلك في ذرعه، فلم يسأل، قال : فجعل بختنصر يجلس مجالس أهل الشام فيقول : ما يمنعكم أن تغزوا بابل، فلو غزوتموها ما دون بيت مالها شيء، قالوا : لا نُحسن القتال، قال : فلو أنكم غزوتم، قالوا : إنا لا نحسن القتال ولا نقاتل حتى أنفذ مجالس أهل الشام، ثم رجعوا فأخبر الطليعة ملكهم بما رأى، وجعل بختنصر يقول لفوارس الملك : لو دعاني الملك لأخبرته غير ما أخبره فلان فرُفع ذلك إليه، فدعاه فأخبره الخبر وقال : إن فلانا لما رأى أكثر أرض الله فرسا ورجلاً جلدا، كبر ذلك في روعه ولم يسألهم عن شيء، وإني لم أدع مجلسا بالشام إلاّ جالست أهله، فقلت لهم كذا وكذا، وقالوا لي كذا وكذا، الذي ذكر سعيد بن جبير أنه قال لهم، قال الطليعة لبختنصر : إنك فضحتني لك مئة ألف وتنزع عما قلت، قال : لو أعطيتني بيت مال بابل ما نزعت، ضرب الدهر من ضربه فقال الملك : لو بعثنا جريدة خيل إلى الشام، فإن وجدوا مساغا ساغوا، وإلاّ انثنوا ما قدروا عليه، قالوا : ما ضرّك لو فعلت ؟ قال : فمن ترون ؟ قالوا : فلان، قال : بل الرجل الذي أخبرني ما أخبرني، فدعا بختنصر وأرسله، وانتخب معه أربعة آلاف من فرسانهم، فانطلقوا فجاسوا خلال الديار، فسبوا ما شاء الله ولم يخربوا ولم يقتلوا. ومات صيحون الملك قالوا : استخلفوا رجلاً، قالوا : على رسلكم حتى تأتي أصحابكم فإنهم فرسانكم، لن ينقضوا عليكم شيئا، أمهلوا فأمهلوا حتى جاء بختنصر بالسبي وما معه، فقسمه في الناس، فقالوا : ما رأينا أحدا أحق بالملك من هذا، فملّكوه.
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد قال : سمعت سعيد بن المسيب يقول : ظهر بختنصر على الشام، فخرّب بيت المقدس وقتلهم، ثم أتى دمشق، فوجد بها دما يغلي على كبا : أي كناسة، فسألهم ما هذا الدم ؟ قالوا : أدركنا آباءنا على هذا وكلما ظهر عليه الكبا ظهر، قال : فقتل على ذلك الدم سبعين ألفا من المسلمين وغيرهم، فسكن.
وقال آخرون : يعني بذلك قوما من أهل فارس، قالوا : ولم يكن في المرّة الأولى قتال. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد فإذَا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادا لَنا أُولي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خلالَ الدّيارِ قال : من جاءهم من فارس يتجسسون أخبارهم، ويسمعون حديثهم، معهم بختنصر، فوعى أحاديثهم من بين أصحابه، ثم رجعت فارس ولم يكن قتال، ونُصرت عليهم بنو إسرائيل، فهذا وعد الأولى.
حدثني الحرث، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبادا لَنا أُولي بَأْسٍ شَدِيدٍ جند جاءهم من فارس يتجسسون أخبارهم، ثم ذكر نحوه.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد فإذَا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادا لَنا أُولي بَأْسٍ شَدِيدٍ قال : ذلك أي من جاءهم من فارس، ثم ذكر نحوه.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو فضالة، عن النضر بن شفي، عن عمران بن سليم، قال: إنما سمي نوح عبدا شكورا أنه كان إذا أكل الطعام قال: الحمد لله الذي أطعمني، ولو شاء أجاعني وإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني، ولو شاء أظمأني، وإذا لبس ثوبا قال: الحمد لله الذي كساني، ولو شاء أعراني، وإذا لبس نعلا قال: الحمد لله الذي حذاني، ولو شاء أحفاني، وإذا قضى حاجة قال: الحمد لله الذي أخرج عني أذاه، ولو شاء حبسه.
وقال آخرون في ذلك بما حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني عبد الجبار بن عمر أن ابن أبي مريم حدّثه، قال: إنما سمى الله نوحا عبدا شكورا، أنه كان إذا خرج البراز منه قال: الحمد لله الذي سوّغنيك طيبا، وأخرج عنى أذاك، وأبقى منفعتك.
وقال آخرون في ذلك بما حدثنا به بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال الله لنوح (إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) ذكر لنا أنه لم يستجد ثوبا قطّ إلا حمد الله، وكان يأمر إذا استجدّ الرجل ثوبا أن يقول: الحمد لله الذي كساني ما أتجمَّل به، وأواري به عورتي.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة (إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) قال: كان إذا لبس ثوبا قال: الحمد لله، وإذا أخلقه قال: الحمد لله.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا (٥)﴾
وقد بيَّنا فيما مضى قبل أن معنى القضاء: الفراغ من الشيء، ثم يستعمل في كلّ مفروغ منه، فتأويل الكلام في هذا الموضع: وفرغ ربك إلى بني إسرائيل فيما أنزل من كتابه على موسى صلوات الله وسلامه عليه بإعلامه إياهم، وإخباره
لهم (لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرْضِ مَرَّتَيْنِ) يقول: لتعصنّ الله يا معشر بني إسرائيل ولتخالفنّ أمره في بلاده مرّتين (وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا) يقول: ولتستكبرنّ على الله باجترائكم عليه استكبارا شديدا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله (وَقَضَيْنَا إلى بَنِي إسْرَائِيلَ) قال: أعلمناهم.
حدثني عليّ بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله (وَقَضَيْنَا إلى بَنِي إسْرَائِيلَ) يقول: أعلمناهم.
وقال آخرون: معنى ذلك: وقضينا على بني إسرائيل في أمّ الكتاب، وسابق علمه.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، (وَقَضَيْنَا إلى بَنِي إسْرَائِيلَ) قال: هو قضاء مضى عليهم.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سيعد، عن قتادة، قوله (وَقَضَيْنَا إلى بَنِي إسْرَائِيلَ) قضاء قضاه على القوم كما تسمعون.
وقال آخرون: معنى ذلك: أخبرنا.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحرث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله (وَقَضَيْنَا إلى بَنِي إسْرَائِيلَ فِي الكِتَابِ) قال: أخبرنا بني إسرائيل.
وكلّ هذه الأقوال تعود معانيها إلى ما قلت في معنى قوله (وَقَضَيْنا) وإن كان الذي اخترنا من التأويل فيه أشبه بالصواب لإجماع القرّاء على قراءة قوله (لَتُفِسُدَّن) بالتاء دون الياء، ولو كان معنى الكلام: وقضينا عليهم في الكتاب، لكانت القراءة بالياء أولى منها بالتاء، ولكن معناه لما كان أعلمناهم وأخبرناهم، وقلنا لهم: كانت التاء أشبه وأولى للمخاطبة.
وكان فساد بني إسرائيل في الأرض المرةّ الأولى ما حدثني به هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ في خبر ذكره عن
أبي صالح، وعن أبي مالك، عن ابن عباس، وعن مرّة، عن عبد الله أن الله عهد إلى بني إسرائيل في التوراة (لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرْضِ مَرَّتَيْنِ) فكان أوّل الفسادين: قتل زكريا، فبعث الله عليهم ملك النبط، وكان يُدعى صحابين (١) فبعث الجنود، وكان أساورته من أهل فارس، فهم أولو بأس شديد، فتحصنت بنو إسرائيل، وخرج فيهم بختنصر يتيما مسكينا، إنما خرج يستطعم، وتلطف حتى دخل المدينة فأتى مجالسهم، فسمعهم يقولون: لو يعلم عدونا ما قُذف في قلوبنا من الرعب بذنوبنا ما أرادوا قتالنا، فخرج بختنصر حين سمع ذلك منهم، واشتد القيام على الجيش، فرجعوا، وذلك قول الله (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا) ثم إن بني إسرائيل تجهَّزوا، فغزوا النبط، فأصابوا مهم واستنقذوا ما في أيديهم، فذلك قول الله (ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا) يقول: عددا.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: كان إفسادهم الذي يفسدون في الأرض مرتين: قتل زكريا ويحيى بن زكريا، سلط الله عليهم سابور ذا الأكتاف ملكا من ملوك فارس، من قتل زكريا، وسلَّط عليهم بختنصر من قتل يحيى.
حدثنا عصام بن رواد بن الجراح، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سفيان بن سعيد الثوري، قال: ثنا منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حراش، قال: سمعت حُذيفة بن اليمان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ بنِي إسْرَائِيلَ لَمَّا اعْتَدَوْا وَعَلَوْا، وقَتَلُوا الأنْبِيَاءَ، بَعَثَ الله عَلَيْهِمْ مَلِكَ فَارِسَ بُخْتَنَصَّر، وكانَ الله مَلَّكَهُ سَبْعَ مِئَة سَنةٍ، فسارِ إِلَيْهمْ حتى دَخَلَ بَيْتَ المَقْدِسِ فَحاصَرَهَا وَفَتَحَها، وَقَتَلَ عَلى دَمِ زَكَرِيَّا سَبْعينَ ألْفا، ثُمَّ سَبَى أهْلَها وبَنِي الأنْبِياء، وَسَلَبَ حُليَّ بَيْتِ المَقْدِسِ، وَاسْتَخْرَجَ مِنْها سَبْعِينَ ألْفا وَمِئَةَ ألْفِ عَجَلَةٍ مِنْ حُلَيٍّ حتى أوْرَدَهُ بابِلَ، قال حُذيفة: فقلت: يا رسول الله لقد كان بيت المقدس
(١) في تاريخ الطبري (ج ٢ قسم أول ص ٦٥٧ طبعة أوربة) : صيحانين، وفي بعض النسخ في هامشه، صحائين، وصيحابين، وسنحاريب، وفي ٦٥٦ منه: صيحون، وفي رواية بهامشه عدة صور للتكملة.
عظيما عند الله؟ قال: أجَلْ بَناهُ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ مِنْ ذَهَبٍ وَدُرّ وَياقُوتٍ وَزَبَرْجَدٍ، وكانَ بَلاطُه بَلاطَةً مِنْ ذَهَب وَبَلاطَةً منْ فِضَّةٍ، وعُمُدُهُ ذَهَبا، أعْطاهُ الله ذلك، وسَخَّرَ لَهُ الشَّياطينَ يأْتُونَهُ بِهذِهِ الأشْياءِ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، فَسارَ بُخْتَنَصَّر بهذِه الأشْياءِ حتى نزلَ بِها بابِلَ، فَأقامَ بَنُوا إسْرَائِيلَ في يَدَيهِ مِئَةَ سَنَةٍ تُعَذّبُهُمُ المَجُوسُ وأبْناءُ المَجُوسِ، فيهمُ الأنْبِياءُ وأبْناءُ الأنْبِياء، ثُمَّ إِنَّ الله رَحمَهُمْ، فأوْحَى إلى مَلِك مِنْ مُلُوكِ فارِس يُقالُ لَهُ كُورَسُ، وكانَ مُؤْمِنا، أَنْ سِرْ إلى بَقايا بَنِي إِسْرَائِيلَ حتى تَسْتَنْقذَهُمْ، فَسارَ كُورَسُ بِبَنِي إسْرَائِيلَ وحُليِّ بَيْتِ المَقْدِسِ حتى رَدَّهُ إِلَيْهِ، فَأقامَ بَنُو إسْرَائِيلَ مُطِيعينَ لله مِئَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ إِنَّهُمْ عادُوا في المعَاصِي، فَسَلَّطَ الله عَلَيْهِمْ ابْطيانْحُوسَ (١) فَغَزَا بأبْناءِ مَنْ غَزَا مَعَ بُخْتَنَصَّر، فَغَزَا بَنِي إسْرَائِيلَ حتى أتاهُمْ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَسَبى أهْلَها، وأحْرَقَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وَقَالَ لَهُمْ: يا بَنِي إسْرَائِيلَ إنْ عُدْتُمْ فِي المعَاصِي عُدْنا عَلَيْكُمْ بالسِّباءِ، فَعادُوا فِي المعَاصِي، فَسَيَّر الله عَلَيْهِمُ السِّباء الثَّالِثَ مَلِكَ رُوميَّةَ، يُقالُ لَهُ قاقِسُ بْنُ إسْبايُوس، فَغَزَاهُم فِي البَرّ والبَحْرِ، فَسَباهُمْ وَسَبى حُلِيّ بَيْتِ المَقْدِسِ، وأحْرَقَ بَيْتَ المَقْدِسِ بالنِّيرَانِ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذَا مِنْ صَنْعَةِ حُلِيّ بَيْتِ المَقْدِسِ، ويَرُدُّهُ المَهْدِيُّ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ، وَهُوَ ألْفُ سَفِينَةٍ وسَبْعُ مِئَةِ سَفِينَةٍ، يُرْسَى بِها عَلى يافا حتى تُنْقَلَ إلى بَيْتَ المَقْدِسِ، وبِها يَجْمَعُ الله الأوَّلِينَ والآخِرِينَ".
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني ابن إسحاق، قال: كان مما أنزل الله على موسى في خبره عن بني إسرائيل، وفي أحداثهم ما هم فاعلون بعده، فقال (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا).... إلى قوله (وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا) فكانت بنو إسرائيل، وفيهم الأحداث والذنوب، وكان الله في ذلك متجاوزا عنهم، متعطفا عليهم محسنا إليهم، فكان مما أُنزل بهم في ذنوبهم ما كان قدَّم إليهم في الخبر على لسان موسى مما أنزل بهم في ذنوبهم، فكان أول ما أنزل بهم من تلك الوقائع، أن ملكا منهم كان يُدعى صديقة، وكان الله إذا ملَّك الملِك عليهم، بعث نبيا
(١) في الدر المنثور للسيوطي (٤: ١٦٥) : أبطانحوس.
يسدّده ويرشده، ويكون فيما بينه وبين الله، ويحدث إليه في أمرهم، لا ينزل عليهم الكتب، إنما يؤمرون باتباع التوراة والأحكام التي فيها، وينهونهم عن المعصية، ويدعونهم إلى ما تركوا من الطاعة؛ فلما ملك ذلك الملك، بعث الله معه شعياء بن أمُصيا (١) وذلك قبل مبعث زكريا ويحيى وعيسى وشعياء الذي بشَّر بعيسى ومحمد، فملك ذلك الملك بني إسرائيل وبيت المقدس زمانا؛ فلما انقضى ملكه عظمت فيهم الأحداث، وشعياء معه، بعث الله عليهم سنحاريب ملك بابل، ومعه ستّ مئة ألف راية، فأقبل سائرا حتى نزل نحو بيت المقدس، والملك مريض في ساقه قرحة، فجاء النبي شعياء، فقال له: يا ملك بني إسرائيل إن سنحاريب ملك بابل، قد نزل بك هو وجنوده ستّ مئة ألف راية، وقد هابهم الناس وفرّقوا منهم، فكبر ذلك على الملك، فقال: يا نبيّ الله هل أتاك وحي من الله فيما حدث، فتخبرنا به كيف يفعل الله بنا وبسنحاريب وجنوده، فقال له النبيّ عليه السلام: لم يأتني وحي أحدث إليّ في شأنك، فبيناهم على ذلك، أوحى الله إلى شعياء النبيّ: أن ائت ملك بني إسرائيل، فمره أن يوصي وصيته، ويستخلف على ملكه من شاء من أهل بيته. فأتى النبيّ شيعاء ملك بني إسرائيل صديقة، فقال له: إن ربك قد أوحى إليّ أن آمرك أن توصي وصيتك، وتستخلف من شئت على مُلكك من أهل بيتك، فإنك ميت؛ فلما قال ذلك شعياء لصديقة، أقبل على القبلة، فصلى وسبح ودعا وبكى، فقال وهو يبكي ويتضرّع إلى الله بقلب مخلص وتوكل وصبر وصدق وظنّ صادق، اللهمّ ربّ الأرباب، وإله الآلهة، قدُّوس المتقدسين، يا رحمن يا رحيم، المترحم الرءوف الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، اذكرني بعملي وفعلي وحُسن قضائي على بني إسرائيل وذلك كله كان منك، فأنت أعلم به من نفسي؛ سرّي وعلانيتي لك، وإن الرحمن استجاب له وكان عبدا صالحا، فأوحى الله إلى شعياء أن يخبر صديقة الملك أن ربه قد استجاب له وقبل منه ورحمه، وقد رأى بكاءه، وقد أخَّر أجله خمس عشرة سنة، وأنجاه من عدوّه سنحاريب ملك بابل وجنوده، فأتى شعياء النبيّ إلى ذلك الملك فأخبره بذلك، فلما قال له ذلك ذهب عنه الوجع، وانقطع عنه الشرّ والحزن وخرّ ساجدا وقال: يا إلهي وإله آبائي، لك سجدت وسبَّحت وكرمت وعظمت، أنت الذي تعطي المُلك من تشاء، وتنزعه ممن تشاء، وتعزّ من تشاء، وتذلّ من تشاء، عالم الغيب والشهادة، أنت الأوّل والآخر، والظاهر والباطن، وأنت ترحم وتستجيب دعوة المضطرّين، أنت الذي أحببت دعوتي ورحمت تضرّعي؛ فلما رفع رأسه، أوحى الله إلى شعياء أن قل للملك صديقة فيأمر عبدا من عبيده بالتينة، فيأتيه بماء التين فيجعله على قرحته فيشفى، ويصبح وقد برأ، ففعل ذلك فشفي، وقال الملك لشعياء النبيّ: سل ربك أن يجعل لنا علما بما هو صانع بعدوّنا هذا، قال: فقال الله لشعياء النبيّ: قل له: إني قد كفيتك عدوّك، وأنجيتك منه، وإنهم سيصبحون موتى كلهم إلا سنحاريب وخمسة من كتابه؛ فلما أصبحوا جاءهم صارخ ينبئهم، فصرخ على باب المدينة: يا ملك بني إسرائيل، إن الله قد كفاك عدوّك فاخرج، فإن سنحاريب ومن معه قد هلكوا؛ فلما خرج الملك التمس سنحاريب، فلم يُوجد في الموتى، فبعث الملك في طلبه، فأدركه الطلب في مغارة وخمسة من كتابه، أحدهم بختنصر، فجعلوهم في الجوامع، ثم أتوا بهم ملك بني إسرائيل؛ فلما رآهم خرّ ساجدا من حين طلعت الشمس حتى كانت العصر، ثم قال لسنحاريب: كيف ترى فعل ربنا بكم؟ ألم يقتلكم بحوله وقوّته، ونحن وأنتم غافلون؟ فقال سنحاريب له: قد أتاني خبر ربكم، ونصره إياكم، ورحمته التي رحمكم بها قبل أن أخرج من بلادي، فلم أطع مرشدا، ولم يلقني في الشقوة إلا قلة عقلي، ولو سمعت أو عقلت ما غزوتكم، ولكن الشقوة غلبت عليّ وعلى من معي، فقال ملك بني إسرائيل: الحمد لله رب العزّة الذي كفاناكم بما شاء، إن ربنا لم يُبقك ومن معك لكرامة بك عليه، ولكنه إنما أبقاك ومن معك لما هو شرّ لك، لتزدادوا شقوة في الدنيا، وعذابا في الآخرة، ولتخبروا من وراءكم بما لقيتم من فعل ربنا، ولتنذروا من بعدكم، ولولا ذلك ما أبقاكم، فلدمُك ودم من معك أهون على الله من دم قراد لو قتلته، ثم إن ملك بني إسرائيل أمر أمير حرسه، فقذف في رقابهم الجوامع، وطاف بهم سبعين يوما حول بيت المقدس إيليا، وكان يرزقهم في كلّ يوم خبزتين من شعير لكل رجل منهم، فقال سنحاريب لملك بني إسرائيل: القتل خير مما يفعل بنا، فافعل ما أمرت، فنقل بهم الملك إلى سجن القتل، فأوحى الله إلى شعياء النبيّ أن قل لملك بني إسرائيل يرسل سنحاريب ومن معه لينذروا من وراءهم، وليكرمهم ويحملهم حتى يبلغوا بلادهم؛ فبلَّغ النبيّ شعياء الملك ذلك، ففعل، فخرج سنحاريب ومن معه حتى قدموا بابل؛ فلما قدموا جمع الناس فأخبرهم كيف فعل الله بجنوده، فقال له كهَّانه وسحرته: يا ملك بابل قد كنا نقصّ عليك خبر ربهم وخبر نبيهم، ووحي الله إلى نبيهم، فلم تطعنا، وهي أمَّة لا يستطيعها أحد مع ربهم، فكان أمر سنحاريب مما خوّفوا، ثم كفاهم الله تذكرة وعبرة، ثم لبث سنحاريب بعد ذلك سبع سنين، ثم مات.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما مات سنحاريب استخلف بختنصر ابن ابنه على ما كان عليه جدّه يعمل بعمله، ويقضي بقضائه، فلبث سبع عشرة سنة. ثم قبض الله ملك بني إسرائيل صديقة؛ فمرج أمر بني إسرائيل وتنافسوا المُلك، حتى قتل بعضهم بعضا عليه، ونبيهم شعياء معهم لا يذعنون إليه، ولا يقبلون منه؛ فلما فعلوا ذلك، قال الله فيما بلغنا لشعياء: قم في قومك أوح على لسانك؛ فلما قام النبيّ أنطق الله لسانه بالوحي فقال: يا سماء استمعي، ويا أرض أنصتي، فإن الله يريد أن يقصّ شأن بني إسرائيل الذين رباهم بنعمته، واصطفاهم لنفسه، وخصَّهم بكرامته، وفضلهم على عباده، وفضَّلهم بالكرامة، وهم كالغنم الضائعة التي لا راعي لها، فآوى شاردتها، وجمع ضالتها، وجبر كسيرها، وداوى مريضها، وأسمن مهزولها، وحفظ سمينها؛ فلما فعل ذلك بطرت، فتناطحت كباشها فقتل بعضها بعضا، حتى لم يبق منها عظم صحيح يجبر إليه آخر كسير، فويل لهذه الأمة الخاطئة، وويل لهؤلاء القوم الخاطئين الذين لا يدرون أين جاءهم الحين. إن البعير ربما يذكر وطنه فينتابه، وإن الحمار ربما يذكر الآريّ الذي شبع عليه فيراجعه، وإن الثور ربما يذكر المرج الذي سمن فيه فينتابه، وإن هؤلاء القوم لا يدرون من حيث جاءهم الحين، وهم أولو الألباب والعقول، ليسوا ببقر ولا حمير، وإني ضارب لهم مثلا فليسمعوه: قل لهم: كيف ترون في أرض كانت خواء زمانا، خربة مواتا لا عمران فيها، وكان لها ربّ حكيم قويّ، فأقبل عليها بالعمارة، وكره أن تخرب أرضه وهو قويّ، أو يقال ضيع وهو حكيم، فأحاط عليها جدارا،
(١) اسمه في الكتاب المقدس: إشعياء بن آموص. وانظر خبر النبي شعياء في تاريخ الطبري (٢ قسم أول ٦٣٩) طبعة أوربة.
وشيَّد فيها قصرا، وأنبط فيها نهرا، وصفّ فيها غراسا من الزيتون والرمان والنخيل والأعناب، وألوان الثمار كلها، وولى ذلك واستحفظه فيما ذا رأي وهمّة، حفيظا قويا أمينا، وتأنى طلعها وانتظرها؛ فلما أطلعت جاء طلعها خروبا، قالوا: بئست الأرض هذه، نرى أن يهدم جدرانها وقصرها، ويدفن نهرها، ويقبض قيمها، ويحرق غراسها حتى تصير كما كانت أوّل مرّة، خربة مواتا لا عمران فيها، قال الله لهم: فإن الجدار ذمتي، وإن القصر شريعتي، وإن النهر كتابي، وإن القِّيم نبيي، وإن الغراس هم، وإن الخروب الذي أطلع الغراس أعمالهم الخبيثة، وإني قد قضيت عليهم قضاءهم على أنفسهم، وإنه مثَلٌ ضربه الله لهم يتقرّبون إليّ بذبح البقر والغنم، وليس ينالني اللحم ولا آكله، ويدّعون أن يتقرّبوا بالتقوى والكفّ عن ذبح الأنفس التي حرمتها، فأيديهم مخضوبة منها، وثيابهم متزملة بدمائها، يشيدون لي البيوت مساجد، ويطهرون أجوافها، وينجسون قلوبهم وأجسامهم ويدنسونها، ويزوّقون لي البيوت والمساجد ويزينونها، ويخرّبون عقولهم وأحلامهم ويفسدونها، فأيّ حاجة لي إلى تشييد البيوت ولست أسكنها، وأيّ حاجة إلى تزويق المساجد ولست أدخلها، إنما أمرت برفعها لأذكر فيها وأسبح فيها، ولتكون معلما لمن أراد أن يصلي فيها، يقولون: لو كان الله يقدر على أن يجمع ألفتنا لجمعها، ولو كان الله يقدر على أن يفقِّه قلوبنا لأفقهها، فاعمد إلى عودين يابسين، ثم ائت بهما ناديهما في أجمع ما يكونون، فقل للعودين: إن الله يأمركما أن تكونا عودا واحدا، فلما قال لهما ذلك، اختلطا فصارا واحدا، فقال الله: قل لهم: إني قدرت على ألفة العيدان اليابسة وعلى أن أولِّف بينها، فكيف لا أقدر على أن أجمع ألفتهم إن شئت، أم كيف لا أقدر على أن أفقِّه قلوبهم، وأنا الذي صوّرتها؛ يقولون: صمنا فلم يرفع صيامنا، وصلَّينا فلم تنوّر صلاتنا، وتصدّقنا فلم تزكّ صدقاتنا، ودعونا بمثل حنين الحمام، وبكينا بمثل عواء الذئب، في كلّ ذلك لا نسمع، ولا يُستجاب لنا؛ قال الله: فسلهم ما الذي يمنعني أن أستجيب لهم، ألست أسمع السامعين، وأبصر الناظرين، وأقرب المجيبين، وأرحم الراحمين؟ ألأنّ ذات يدي قلت، كيف ويداي مبسوطتان بالخير، أنفق كيف أشاء، ومفاتيح الخزائن عندي لا يفتحها ولا يغلقها غيري، ألا وإن رحمتي وسعت كلّ شيء، إنما يتراحم المتراحمون بفضلها؛ أو لأن البخل يعتريني، أو لست أكرم الأكرمين والفتاح بالخيرات، أجود من أعطى، وأكرم من سُئل؛ لو أنّ هؤلاء القوم نظروا لأنفسهم بالحكمة التي نوّرت في قلوبهم فنبذوها، واشتروا بها الدنيا، إذن لأبصروا من حيث أتوا، وإذن لأيقنوا أن أنفسهم هي أعدى العداة لهم، فكيف أرفع صيامهم وهم يلبسونه بقول الزور، ويتقوّون عليه بطعمة الحرام، وكيف أنوّر صلاتهم، وقلوبهم صاغية إلى من يحاربني ويحادّني، وينتهك محارمي، أم كيف تزكو عندي صدقاتهم وهم يتصدّقون بأموال غيرهم، أو جر عليها أهلها المغصوبين، أم كيف أستجيب لهم دعاءهم وإنما هو قول بألسنتهم والفعل من ذلك بعيد، وإنما أستجيب للداعي اللين، وإنما أسمع من قول المستضعف المسكين، وإن من علامة رضاي رضا المساكين، فلو رحموا المساكين، وقرّبوا الضعفاء، وأنصفوا المظلوم، ونصروا المغصوب، وعدلوا للغائب، وأدّوا إلى الأرملة واليتيم والمسكين، وكلّ ذي حقّ حقه، ثم لو كان ينبغي أن أكلم البشر إذن لكلمتهم، وإذن لكنت نور أبصارهم، وسمع آذانهم، ومعقول قلوبهم، وإذن لدعمت أركانهم، فكنت قوّة أيديهم وأرجلهم، وإذن لثبَّت ألسنتهم وعقولهم، يقولون لمَّا سمعوا كلامي، وبلغتهم رسالاتي بأنها أقاويل منقولة، وأحاديث متوارثة، وتآليف مما تؤلف السحرة والكهنة، وزعموا أنهم لو شاءوا أن يأتوا بحديث مثله فعلوا، وأن يطلعوا على الغيب بما توحي إليهم الشياطين طلعوا، وكلهم يستخفي بالذي يقول ويسرّ، وهم يعلمون أني أعلم غيب السماوات والأرض، وأعلم ما يبدون وما يكتمون، وإني قد قضيت يوم خلقت السماوات والأرض قضاء أثبته على نفسي، وجعلت دونه أجلا مؤجلا لا بدّ أنه واقع، فإن صدقوا بما ينتحلون من علم الغيب، فليخبروك متى أنفذه، أو في أيّ زمان يكون، وإن كانوا يقدرون على أن يأتوا بما يشاءون، فليأتوا بمثل القُدرة التي بها أمضيت، فإني مظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وإن كانوا يقدرون على أن يقولوا ما يشاءون فليؤلِّفوا مثل الحكمة التي أدبر بها أمر ذلك القضاء إن كانوا صادقين، فإني قد قضيت يوم خلقت السماوات والأرض أن أجعل النبوّة في الأجراء، وأن أحوّل الملك في الرعاء، والعزّ في الأذلاء، والقوّة في الضعفاء، والغنى في الفقراء، والثروة في الأقلاء، والمدائن في الفلوات، والآجام في المفاوز، والبردى في الغيطان، والعلم ف ي الجهلة، والحكم في الأميين، فسلهم متى هذا، ومن القائم بهذا، وعلى يد من أسنه، ومن أعوان هذه الأمر وأنصاره إن كانوا يعلمون، فإني باعث لذلك نبيا أمِّيا، ليس أعمى من عميان، ولا ضالا من ضالِّين، وليس بفظّ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا متزين بالفُحش، ولا قوّال للخنا، أسدده لكل جميل، أهب له كلّ خلق كريم، أجعل السكينة لباسه، والبرّ شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة معقوله، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والعرف خلقه؛ والعدل والمعروف سيرته، والحقّ شريعته، والهدى إمامه، والإسلام ملَّته، وأحمد اسمه، أهدي به بعد الضلالة، وأعلم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأشهر به بعد النكرة، وأكثر به بعد القلَّة، وأغني به بعد العيلة، وأجمع به بعد الفُرقة، وأؤلِّف به قلوبا مختلفة، وأهواء مشتتة، وأممًا متفرّقة، وأجعل أمته خير أمَّة أُخرجت للناس، تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، توحيدا لي، وإيمانا وإخلاصا بي، يصلون لي قياما وقعودا، وركوعا وسجودا، يُقاتلون في سبيلي صفوفا وزحوفا، ويخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء رضواني، ألهمهم التكبير والتوحيد، والتسبيح والحمد والمدحة، والتمجيد لي في مساجدهم ومجالسهم ومضاجعهم ومتقلبهم ومثواهم، يكبرون ويهلِّلون، ويقدّسون على رءوس الأسواق، ويطهرون لي الوجوه والأطراف، ويعقدون الثياب في الأنصاف، قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم صدورهم، رهبان بالليل، ليوث بالنهار، ذلك فضلي أوتيه من أشاء، وأنا ذو الفضل العظيم. فلما فرغ نبيهم شعياء إليهم من مقالته، عدوا عليه فيما بلغني ليقتلوه، فهرب منهم، فلقيته شجرة، فانفلقت فدخل فيها، وأدركه الشيطان فأخذ بهدبة من ثوبه فأراهم إياها، فوضعوا المنشار في وسطها فنشروها حتى قطعوها، وقطعوه في وسطها.
قال أبو جعفر: فعلى القول الذي ذكرنا عن ابن عباس من رواية السديّ، وقول ابن زيد، كان إفساد بني إسرائيل في الأرض المرّة الأولى قتلهم زكريا نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، مع ما كان سلف منهم قبل ذلك وبعده، إلى أن بعث الله عليهم من أحلّ على يده بهم نقمته من معاصي الله، وعتوّهم على ربهم، وأما على قول ابن إسحاق الذي روينا عنه، فكان إفسادهم المرّة الأولى ما وصف من قتلهم
شعياء بن أمصيا نبيّ الله. وذكر ابن إسحاق أن بعض أهل العلم أخبره أن زكريا مات موتا ولم يُقتل، وأن المقتول إنما هو شعياء، وأن بختنصر هو الذي سُلِّط على بني إسرائيل في المرّة الأولى بعد قتلهم شعياء. حدثنا بذلك ابن حميد، عن سلمة عنه.
وأما إفسادهم في الأرض المرّة الآخرة، فلا اختلاف بين أهل العلم أنه كان قتلهم يحيى بن زكريا. وقد اختلفوا في الذي سلَّطه الله عليهم منتقما به منهم عند ذلك، وأنا ذاكر اختلافهم في ذلك إن شاء الله.
وأما قوله (وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا) فقد ذكرنا قول من قال: يعني به: استكبارهم على الله بالجراءة عليه، وخلافهم أمره.
وكان مجاهد يقول في ذلك ما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا) قال: ولتعلنّ الناس علوّا كبيرا.
حدثنا الحارث، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
وأما قوله (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا) يعني: فإذا جاء وعد أولى المرّتين اللتين يفسدون بهما في الأرض. كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا) قال: إذا جاء وعد أولى تينك المرّتين اللتين قضينا إلى بني إسرائيل (لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرْضِ مَرَّتَيْنِ).
وقوله (بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا) يعني تعالى ذكره بقوله (بعَثْنا عَلَيْكُمْ) وجَّهنا إليكم، وأرسلنا عليكم (عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ) يقول: ذوي بطش في الحروب شديد. وقوله (فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا)
يقول: فتردّدوا بين الدور والمساكن، وذهبوا وجاءوا، يقال فيه: جاس القوم بين الديار وحاسوا بمعنى واحد، وجست أنا أجوس جوسا وجوسانا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، رُوي الخبر عن ابن عباس.
حدثني عليّ بن داود، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ،
عن ابن عباس (فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ) قال: مشوا. وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يقول: معنى جاسوا: قتلوا، ويستشهد لقوله ذلك ببيت حسان:
وَمِنَّا الَّذِي لاقى بسَيْفِ مُحَمَّدٍفَجاسَ بِهِ الأعْدَاءَ عُرْضَ العَساكِرِ (١)
وجائز أن يكون معناه: فجاسوا خلال الديار، فقتلوهم ذاهبين وجائين، فيصح التأويلان جميعا، ويعني بقوله (وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا) وكان جوس القوم الذين نبعث عليهم خلال ديارهم وعدا من الله لهم مفعولا ذلك، لا محالة، لأنه لا يخلف الميعاد.
ثم اختلف أهل التأويل في الذين عنى الله بقوله (أُولي بَأْسٍ شَدِيدٍ) فيما كان من فعلهم في المرّة الأولى في بني إسرائيل حين بعثوا عليهم، ومن الذين بعث عليهم في المرّة الآخرة، وما كان من صنعهم بهم، فقال بعضهم: كان الذي بعث الله عليهم في المرّة الأولى جالوت، وهو من أهل الجزيرة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثنا أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا) قال: بعث الله عليهم جالوت، فجاس خلال ديارهم، وضرب عليهم الخراج والذلّ، فسألوا الله أن يبعث لهم ملكا يُقاتلون في سبيل الله، فبعث الله طالوت، فقاتلوا جالوت، فنصر الله بني إسرائيل، وقُتل جالوت بيدي داود، ورجع الله إلى بني إسرائيل ملكهم.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ
(١) البيت شاهد على أن جاس، معناه: قتل. وقال في (اللسان: جوس) الجوس: مصدر جاس جوسا وجوسانا: تردد. وفي التنزيل العزيز: "فجاسوا خلال الديار": أي ترددوا بينها للغارة. وقال الفراء: قتلوكم بين بيوتكم، قال: وجاسوا وحاسوا بمعنى واحد: يذهبون ويجيئون. وقال الزجاج: "فجاسوا خلال الديار": فطافوا في خلال الديار، ينظرون: هل بقي أحد لم يقتلوه؛ وفي الصحاح: "فجاسوا خلال الديار": أي تخللوها، فطلبوا ما فيها، كما يجوس الرجل الأخبار: أي يطلبها.
وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا) قضاء قضى الله على القوم كما تسمعون، فبعث عليهم في الأولى جالوت الجزري، فسبى وقتل، وجاسوا خلال الديار كما قال الله، ثم رجع القوم على دخن فيهم.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: أما المرّة الأولى فسلَّط الله عليهم جالوت، حتى بعث طالوت ومعه داود، فقتله داود.
وقال آخرون: بل بعث عليهم في المرّة الأولى سنحاريب، وقد ذكرنا بعض قائلي ذلك فيما مضى ونذكر ما حضرنا ذكره ممن لم نذكره قبل.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن أبي المعلى، قال: سمعت سعيد بن جبير، يقول في قوله (بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ) قال: بعث الله تبارك وتعالى عليهم في المرّة الأولى سنحاريب من أهل أثور ونينوى، فسألت سعيدا عنها، فزعم أنها الموصل.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج عن ابن جريج، قال: ثنى يعلى بن مسلم بن سعيد بن جبير، أنه سمعه يقول: كان رجل من بني إسرائيل يقرأ حتى إذا بلغ (بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ) بكى وفاضت عيناه، وطبق المصحف، فقال ذلك ما شاء الله من الزمان، ثم قال: أي ربّ أرني هذا الرجل الذي جعلت هلاك بني إسرائيل على يديه، فأري في المنام مسكينا ببابل، يقال له بختنصر، فانطلق بمال وأعبد له، وكان رجلا موسرا، فقيل له أين تريد؟ قال: أريد التجارة حتى نزل دارا ببابل، فاستكراها ليس فيها أحد غيره، فحمل يدعو المساكين ويلطف (١) بهم حتى لم يبق أحد، فقال: هل بقي مسكين غيركم؟ قالوا: نعم، مسكين بفجّ آل فلان مريض يقال له بختنصر، فقال لغلمته: انطلقوا، حتى أتاه، فقال: ما اسمك؟ قال: بختنصر، فقال لغلمته: احتملوه، فنقله إليه ومرّضه حتى برأ، فكساه وأعطاه نفقة، ثم آذن الإسرائيلي بالرحيل، فبكى بختنصر، فقال الإسرائيلي: ما يبكيك؟ قال: أبكي أنك فعلت بي ما فعلت، ولا أجد شيئا أجزيك، قال: بلى شيئا يسيرا،
(١) في عرائس المجالس للثعلبي: ويتلطف بهم، حتى لا يأتيه أحد مسكين إلا أعطاه.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقوله :﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا﴾ أي : أولى الإفسادتين ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أي : سلطنا عليكم جندًا من خلقنا أولي بأس شديد، أي : قوة وعدة وسلطة(١) شديدة ﴿فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ﴾ أي : تملكوا بلادكم وسلكوا خلال بيوتكم، أي : بينها ووسطها، وانصرفوا ذاهبين وجائين لا يخافون أحدا ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا﴾
وقد اختلف المفسرون من السلف والخلف في هؤلاء المسلطين عليهم : من هم ؟ فعن ابن عباس وقتادة : أنه جالوت الجَزَريّ وجنوده، سلط عليهم أولا ثم أديلوا عليه بعد ذلك. وقتل داود جالوت ؛ ولهذا قال :﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾وعن سعيد بن جبير : أنه ملك الموصل سنجاريب وجنوده. وعنه أيضًا، وعن غيره : أنه بختنصر ملك بابل.
وقد ذكر ابن أبي حاتم له قصة عجيبة في كيفية ترقيه من حال إلى حال، إلى أن ملك البلاد، وأنه كان فقيرًا مقعدًا ضعيفًا يستعطي الناس ويستطعمهم، ثم آل به الحال إلى ما آل، وأنه سار إلى بلاد بيت المقدس، فقتل بها خلقًا كثيرًا من بني إسرائيل.
وقد روى ابن جرير في هذا المكان حديثًا أسنده عن حذيفة مرفوعًا مطولا(١) وهو حديث موضوع لا محالة، لا يستريب في ذلك من عنده أدنى معرفة بالحديث ! والعجب كل العجب كيف راج عليه مع إمامته وجلالة قدره ! وقد صرح شيخنا الحافظ العلامة أبو الحجاج المزي، رحمه الله، بأنه موضوع مكذوب، وكتب ذلك على حاشية الكتاب.
وقد وردت في هذا آثار كثيرة إسرائيلية لم أر تطويل الكتاب بذكرها ؛ لأن منها ما هو موضوع، من وضع [ بعض ](٢) زنادقتهم، ومنها ما قد يحتمل أن يكون صحيحًا، ونحن في غُنْيَة عنها، ولله الحمد. وفيما قص الله تعالى علينا في كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب قبله، ولم يحوجنا الله ولا رسوله إليهم. وقد أخبر الله تعالى أنهم لما بغوا وطغوا سلط الله عليهم عدوهم، فاستباح بَيْضَتَهم، وسلك خلال بيوتهم وأذلهم وقهرهم، جزاء وفاقًا، وما ربك بظلام للعبيد ؛ فإنهم كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقا من الأنبياء والعلماء.
وقد روى ابن جرير : حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد قال : سمعت سعيد بن المسيب يقول : ظهر بُختنَصَّر على الشام، فخرب بيت المقدس وقتلهم، ثم أتى دمشق فوجد بها دمًا يغلي على كِبًا، فسألهم : ما هذا الدم ؟ فقالوا أدركنا آباءنا على هذا، وكلما ظهر عليه الكبا ظهر. قال : فقتل على ذلك الدم سبعين ألفًا من المسلمين وغيرهم، فسكن(٣).
وهذا صحيح إلى سعيد بن المسيب، وهذا هو المشهور، وأنه قتل أشرافهم وعلماءهم، حتى إنه لم يبق من يحفظ التوراة، وأخذ معه خلقًا منهم أسرى من أبناء الأنبياء وغيرهم، وجرت أمور وكوائن يطول ذكرها. ولو وجدنا ما هو صحيح أو ما يقاربه، لجاز كتابته وروايته، والله أعلم.
١ في ف: "وسلطنة"..

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾ أي : أولى المرتين اللتين يفسدون فيهما. أي : إذا وقع منهم ذلك الفساد ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ﴾ بعثا قدريا وسلطنا عليكم تسليطا كونيا جزائيا ﴿عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أي : ذوي شجاعة وعدد وعدة فنصرهم الله عليكم فقتلوكم وسبوا أولادكم ونهبوا أموالكم، وجاسوا خِلَالَ دياركم فهتكوا الدور ودخلوا المسجد الحرام وأفسدوه. ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ لا بد من وقوعه لوجود سببه منهم.
واختلف المفسرون في تعيين هؤلاء المسلطين إلا أنهم اتفقوا على أنهم قوم كفار.
إما من أهل العراق أو الجزيرة أو غيرها سلطهم الله على بني إسرائيل لما كثرت فيهم المعاصي وتركوا كثيرا من شريعتهم وطغوا في الأرض.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٢-٨} ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلا * ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا * وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾.
كثيرا ما يقرن الباري بين نبوة محمد ﷺ ونبوة موسى ﷺ وبين كتابيهما وشريعتيهما لأن كتابيهما أفضل الكتب وشريعتيهما أكمل الشرائع ونبوتيهما أعلى النبوات وأتباعهما أكثر المؤمنين،
ولهذا قال هنا: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ الذي هو التوراة ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ يهتدون به في ظلمات الجهل إلى العلم بالحق.
﴿أَلا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلا﴾ أي: وقلنا لهم ذلك وأنزلنا إليهم الكتاب لذلك ليعبدوا الله وحده وينيبوا إليه ويتخذوه وحده وكيلا ومدبرا لهم في أمر دينهم ودنياهم ولا يتعلقوا بغيره من المخلوقين الذين لا يملكون شيئا ولا ينفعونهم بشيء.
﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ أي: يا ذرية من مننا عليهم وحملناهم مع نوح، ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ ففيه التنويه بالثناء على نوح عليه السلام بقيامه بشكر الله واتصافه بذلك والحث لذريته أن يقتدوا به في شكره ويتابعوه عليه، وأن يتذكروا نعمة الله عليهم إذ (١) أبقاهم واستخلفهم في الأرض وأغرق غيرهم.
﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أي: تقدمنا وعهدنا إليهم وأخبرناهم في كتابهم أنهم لا بد أن يقع منهم إفساد في الأرض مرتين بعمل المعاصي والبطر لنعم الله والعلو في الأرض والتكبر فيها وأنه إذا وقع واحدة منهما سلط الله عليهم الأعداء وانتقم منهم وهذا تحذير لهم وإنذار لعلهم يرجعون فيتذكرون.
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا﴾ أي: أولى المرتين اللتين يفسدون فيهما. أي: إذا وقع منهم ذلك الفساد ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ﴾ بعثا قدريا وسلطنا عليكم تسليطا كونيا جزائيا ﴿عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أي: ذوي شجاعة وعدد وعدة -[٤٥٤]- فنصرهم الله عليكم فقتلوكم وسبوا أولادكم ونهبوا أموالكم، وجاسوا خِلالَ دياركم فهتكوا الدور ودخلوا المسجد الحرام وأفسدوه. ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا﴾ لا بد من وقوعه لوجود سببه منهم.
واختلف المفسرون في تعيين هؤلاء المسلطين إلا أنهم اتفقوا على أنهم قوم كفار.
إما من أهل العراق أو الجزيرة أو غيرها سلطهم الله على بني إسرائيل لما كثرت فيهم المعاصي وتركوا كثيرا من شريعتهم وطغوا في الأرض.
﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على هؤلاء الذين سلطوا عليكم فأجليتموهم من دياركم. ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ أي: أكثرنا أرزاقكم وكثرناكم وقويناكم عليهم، ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ منهم وذلك بسبب إحسانكم وخضوعكم لله.
﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ﴾ لأن النفع عائد إليكم حتى في الدنيا كما شاهدتم من انتصاركم على أعدائكم. ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ أي: فلأنفسكم يعود الضرر كما أراكم الله من تسليط الأعداء.
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ﴾ أي: المرة الآخرة (٢) التي تفسدون فيها في الأرض سلطنا عليكم الأعداء.
﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ بانتصارهم عليكم وسبيكم وليدخلوا المسجد الحرام كما دخلوه أول مرة، والمراد بالمسجد مسجد بيت المقدس.
﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾ أي: يخربوا ويدمروا ﴿مَا عَلَوْا﴾ عليه ﴿تَتْبِيرًا﴾ فيخربوا بيوتكم ومساجدكم وحروثكم.
(١) في النسختين: إذا.
(٢) في ب: الأخرى.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٠٨ كتب)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس تفسير يحيى بن سلام — يحيى بن سلام معاني القرآن — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
أُوْلِي بَاسٍ
ذَوِي شَجَاعَةٍ وَقُوَّةٍ.
فَجَاسُوا
فَطَافُوا.
خِلَالَ الدِّيَارِ
وَسَطَهَا.

إعراب الآية ٥ من سورة الإسراء

من كتاب: إعراب القرآن

بالياء قراءة أبي عمرو بن العلاء، والتقدير لئلا يتخذوا، وقراءة أهل الحرمين وأهل الكوفة أَلَّا تَتَّخِذُوا وزعم أبو عبيد أنه على الحذف أي قلنا لهم لا تتّخذوا. قال أبو جعفر: هذا لا يحتاج إلى حذف وتكون «أنّ» بمعنى أي، ويجوز أن تكون «أن» في موضع نصب، ويكون المعنى بأن لا تتخذوا، وجعل الكلام للمخاطبة لأن بعده ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا على المخاطبة، ونصب ذرية من أربعة أوجه: تكون نداء مضافا، وتكون بدلا من وكيل لأنه بمعنى جمع، وتكون هي ووكيل مفعولين كما تقول: لا تتخذ زيدا صاحبا، والوجه الرابع بمعنى أعني، ويجوز الرفع على قراءة من قرأ بالياء على البدل من الواو، ولا يجوز البدل من الواو على قراءة من قرأ بالتاء: ولا يقال: كلّمتك زيدا، ولا كلمتني زيدا، لأن المخاطب والمخاطب لا يحتاجان إلى تبيين.

[سورة الإسراء (١٧) : آية ٤]

وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً (٤)
وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ قد ذكرنا قول ابن عباس رحمه الله أن معناه أعلمناهم.
وأصل قضى في اللّغة عمل عملا محكما، والقاضي هو المحكم الأمر النافذة، والقضاء: الأمر النافذ المحكم الذي لا يدفع. وقرأ سعيد بن جبير وأبو العالية وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ وروي عن ابن عباس وجابر بن زيد «١» ونصر بن عاصم أنهم قرءوا لَتُفْسِدُنَّ «٢» على ما لم يسمّ فاعله. وَلَتَعْلُنَّ أي ولتعظّمنّ، وحذفت الواو لالتقاء الساكنين ولأن قبلها ما يدلّ عليها.

[سورة الإسراء (١٧) : آية ٥]

فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً (٥)
فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ قيل: أي خلّينا بينكم وبينهم، وقرأ الحسن فجاسوا خلل الديار «٣». قال أبو إسحاق: أصل الجوس طلب الشيء باستقصاء أي طلبوا هل يجدون أحدا لم يقتلوه وخِلالَ ظرف أي في خلال الديار.
وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا خبر كان، واسمها فيها مضمر.

[سورة الإسراء (١٧) : آية ٦]

ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (٦)
ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ أي نصرناكم عليهم حتّى كررتم. وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ مفعولان. نَفِيراً على البيان.
(١) جابر بن زيد أبو الشعثاء الأزدي البصري، وردت له حروف في القرآن، صاحب ابن عباس (ت ٩٣ هـ) ترجمته في غاية النهاية ١/ ١٨٩.
(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ٨، ومختصر ابن خالويه ٧٥.
(٣) انظر البحر المحيط ٦/ ٩، والإتحاف ١٧١.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ٥ من سورة الإسراء

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

الدِّيَارِ

بإمالة الألف

الدوري عن الكسائي الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو

بتقليل الألف

ورش عن نافع

بفتح الألف

رويس عن يعقوب خلاد عن حمزة خلف عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن وردان عن أبي جعفر ابن ذكوان عن ابن عامر ابن جمّاز عن أبي جعفر هشام عن ابن عامر روح عن يعقوب إسحاق عن خلف قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير إدريس عن خلف قالون عن نافع

جَآءَ

بإمالة الألف ومدها 4 حركات

إدريس عن خلف إسحاق عن خلف ابن ذكوان عن ابن عامر

بإمالة الألف ومدها 6 حركات

خلاد عن حمزة خلف عن حمزة

بفتح الألف ومدها 3 حركات

قالون عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير روح عن يعقوب الدوري عن أبي عمرو رويس عن يعقوب السوسي عن أبي عمرو ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر

بفتح الألف ومدها 4 أو 5 حركات

شعبة عن عاصم حفص عن عاصم

بفتح الألف ومدها 4 حركات

هشام عن ابن عامر الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي

بفتح الألف ومدها 6 حركات

ورش عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٥ من سورة الإسراء

٥ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

١٧ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

١٧ قولًا
١
وعن سعيد بن جبير -من طريق يعلى بن مسلم-، وإسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط-، نحوه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٤/ ٤٧٢ - ٤٧٥ عن سعيد، ١٤/ ٤٧٩ - ٤٨٥ عن السدي. وعزاه السيوطي إليه عن وهب والسدي.
٢
عن سعيد بن المسيب -من طريق يحيى بن سعيد- قال: ظَهَر بُختُنَصَّر على الشام، فخَرَّب بيت المقدس، وقتلهم، ثم أتى دمشق، فوجد بها دمًا يغلي على كِبًا١، فسألهم ما هذا الدم؟ قالوا: أدركنا آباءَنا على هذا، وكلَّما ظهر عليهم الكِبا ظهر. فقتل على ذلك الدم سبعين ألفًا من المسلمين وغيرهم، فسَكَن٢٣
التخريج
  1. ١الكِبا: هي الكُناسة. النهاية (كبا).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ١٤‏/‏٤٧٥.
تعليقات المحققين
  1. ٣علَّقَ ابن كثير (٨/٤٣٩) على أثر سعيد هذا بقوله: «هذا صحيح إلى سعيد بن المسيب، وهذا هو المشهور، وأنه قتل أشرافهم وعلماءهم، حتى إنه لم يبق من يحفظ التوراة، وأخذ معه خلقًا منهم أسرى من أبناء الأنبياء وغيرهم، وجرت أمور وكوائن يطول ذكرها، ولو وجدنا ما هو صحيح أو ما يقاربه لجاز كتابته وروايته».
٣
عن أبي المعلى، قال: سمعت سعيد بن جبير، قال: بعث الله عليهم في المرة الأولى سنحاريب، من أهل أثُورَ ونَيْنَوى. فسألت سعيدًا عنها، فزعم أنها الموصل. قال: فرد الله لهم الكرَّة عليهم، كما قال. قال: ثم عصوا ربَّهم، وعادوا لما نهوا عنه، فبعث عليهم في المرة الآخرة بختنصر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٤‏/‏٤٧٢، ٤٨٥.
٤
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿بعثنا عليكم عبادًا لنا أُولي بأسٍ شديد﴾، قال: جُندٌ أتَوا مِن فارس يتجسسون مِن أخبارهم، ويسمعون حديثهم، معهم بُختَنَصَّر، فوعى أحاديثَهم مِن بين أصحابه، ثم رجَعَت فارس ولم يكن قتال، ونُصِرت عليهم بنو إسرائيل، فهذا وعد الأولى، فإذا جاء وعد الآخرة بعث مَلِكُ فارس ببابل جيشًا، وأمَّر عليهم بُختَنَصَّر، فدمَّروهم، فهذا وعد الآخرة١٢
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلام ١‏/‏١١٦ من طريق ابن مجاهد، وابن جرير ١٤‏/‏٤٧٦، ٤٨٦. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
تعليقات المحققين
  1. ٢اسْتَدْرَكَ ابنُ عطية (٥/٤٤٢-٤٤٣) على قول مجاهد هذا، مستندًا لدلالة العقل، فقال: «قوله تعالى: ﴿وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة﴾ يَرُدُّ على قول مجاهد: إنه لم يكن في المرة الأولى غلبة ولا قتال. وهل يدخل المسجد إلا بعد غلبة وقتال؟!».
٥
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: عُوقِب القومُ على غُلوِّهم وفسادهم، فبعث الله عليهم في الأولى جالوت الجزري، فسبى وقتل، وجاسوا خلال الديار كما قال الله، ثم رُوجِع القوم على دخن فيهم كثير١
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلام ١‏/‏١١٦، وابن جرير ١٤‏/‏٤٧٢.
٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد﴾ بختنصر المجوسي ملك بابل وأصحابه١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٥٢١.
٧
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- أن بعض أهل العلم أخبره: أنّ زكريا مات موتًا ولم يقتل، وأن المقتول إنما هو شعيا، وأن بختنصر هو الذي سُلِّط على بني إسرائيل في المرة الأولى بعد قتلهم شعيا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٤‏/‏٤٦٩.
٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿فجاسوا﴾، قال: فمَشَوا١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٤‏/‏٤٧٠، وابن أبي حاتم -كما في الإتقان ٢‏/‏٢٣-. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّقَ ابنُ جرير (١٤/٢٧٠-٢٧١) على قول ابن عباس هذا، فقال: ""كان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يقول: معنى ﴿فجاسوا﴾: قتلوا، ويستشهد لقوله ذلك ببيت حسان:ومنا الذي لاقى بسيف محمد... فجاس به الأعداء عُرض العساكروجائز أن يكون معناه: فجاسوا خلال الديار، فقتلوهم ذاهبين وجائين. فيصِحُّ التأويلان جميعًا"".
٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فجاسوا خلال الديار﴾ يعني: فقَتَل الناس في الأزِقَّة، وسَبى ذراريهم، وخرَّب بيت المقدس، وألقى فيه الجِيَف، وحرَّق التوراة، ورجع بالسبي إلى بابل، فذلك قوله سبحانه: ﴿وكان وعدا مفعولا﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٥٢١.
١٠
قال يحيى بن سلّام: ﴿فجاسوا خلال الديار﴾ فقتلوهم في الديار، وهدَّموا بيت المقدس، وألقوا فيه الجِيَف والعَذِرة١
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ١‏/‏١١٥.
١١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وكان وعدا مفعولا﴾، يعني: وعدًا كائِنًا لا بُدَّ منه، فكانوا ببابل سبعين سنة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٥٢١.
١٢
قال يحيى بن سلّام: ﴿وكان وعدا مفعولا﴾، أي: أنّه كائن١
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ١‏/‏١١٦.
١٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فإذا جاء وعد أولاهما﴾، يعني: وقت أول الهلاكَيْنِ١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٥٢١.
١٤
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿فإذا جاء وعد أولاهُما﴾، قال: إذا جاء وعد أُولى تَينِكَ المرَّتين اللتَين قضينا إلى بني إسرائيل: ﴿لتفسدن في الأرض مرتين﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٤‏/‏٤٧٠. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
١٥
قال يحيى بن سلّام: ﴿فإذا جاء وعد أولاهما﴾: أولى العقوبتين١
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ١‏/‏١١٥.
١٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- قال: بَعَث الله عليهم في الأُولى جالوت، فجاس خلال ديارهم، وضرب عليهم الخراجَ والذُّلَّ، فسألوا الله أن يبعث إليهم مَلِكًا يُقاتِلون في سبيل الله، فبعث الله طالوت، فقاتلوا جالوت، فنصر الله بني إسرائيل، وقُتِل جالوت بيدي داود، ورجع إلى بني إسرائيل مُلكُهم، فلما أفسَدوا بَعَث الله عليهم في المرة الآخرة بُختَنَصَّرَ، فَخرَّب المساجد، وتَبَّرَ ما عَلَوا تتبيرًا. قال الله بعد الأولى والآخرة: ﴿عسى ربُّكُم أن يرحمكم وإن عُدتُّم عُدنا﴾. قال: فعادُوا، فسَلَّط الله عليهم المؤمنين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٤‏/‏٤٧١، ٤٩٠. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
١٧
عن أبي هاشم العَبديِّ، عن عبد الله بن عباس، قال: مَلَك ما بين المشرق والمغرب أربعة، مؤمنان وكافران؛ أما الكافران، فالفَرُّخان، وبُختُنَصَّرَ. فأنشأ أبو هاشم يحدِّث قال: وكان رجلًا مِن أهل الشام صالحًا، فقرأ هذه الآية: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿عُلُوًّا كبيرًا﴾. قال: يا ربِّ، أما الأُولى فقد فاتتني، فأرِني الآخرة. فأُتِى وهو قاعدٌ في مُصَلّاه قد خَفَق برأسه، فقيل: الذي سألت عنه ببابل، واسمه: بُختُنَصَّرَ. فعرَف الرجلُ أنه قد استُجِيب له، فاحتَمَل جِرابًا مِن دنانير، فأقبل حتى انتهى إلى بابل، فدخل على الفَرُّخان، فقال: إني قد جئت بمال، فأَقسِمُه بين المساكين؟ فأمر به، فأُنزل، فجمَعوهم له، فجعل يُعطِيهم، ويسأله عن أسمائهم، حتى إذا فرغ ممن بحضرته قيل له: فإنّه قد بَقِيَت منهم بقايا في الرَّساتيق١. فجعل يبعث فتاه، حتى إذا كان الليل رجع إليه، فأقرأه رجلًا رجلًا، فأتى على ذِكْرِ بُختنَصَّرَ، فقال: قِف، قف، كيف قلت؟ قال: بُختُنَصَّرَ، قال: وما بُختُنَصَّرَ هذا؟ قال: هو أشَدُّهم فاقة، وهو مُقعَدٌ يأتي عليه السُّفّارُون٢، فيُلقِي أحدُهم إليه الكِسرة، ويأخُذُ بأَنَفَةٍ. قال: فإني مُلِمٌّ به لا بُدَّ. قال الآخر: فإنما هو في خيمة له يُحدِثُ فيها، حتى أذهب فأَقلِبَها وأغسِلَه. قال: دونك هذه الدنانير. فأقبل إليه بالدنانير، فأعطاه إيّاها، ثم رجع إلى صاحبه، فجاء معه، فدخل الخيمة، فقال: ما اسمك؟ قال: بُختَنَصَّرَ. قال: من سَمّاك بُختَنَصَّرَ؟ قال: من عسى أن يُسَمِّيَني إلا أمي؟! قال: فهل لك أحد؟ قال: لا، والله، إني لهاهنا أخاف بالليل أن تأكلني الذئاب. قال: فأي الناس أحسن بلاء؟ قال: أنت٣. قال: أفرأيت إن مُلِّكتَ يومًا مِن دهر، أتجعل لي ألّا تعصيني؟ قال: أي سيدي، لا يضُرُّك ألّا تهزأ بي. قال: أرأيت إن مُلِّكت مرة أتجعل لي ألّا تعصيني؟ قال: أمّا هذه فلا أجعلُها لك، ولكن سوف أُكرِمُك كرامةً لا أُكرِمُها أحدًا. قال: دونك هذه الدنانير. ثم انطلق، فلحِق بأرضه، فقام الآخر، فاستوى على رجليه، ثم انطلق، فاشترى حمارًا وأرسانًا٤، ثم جعل يستعرض تلك الأُجُمَ٥، فيَجُزُّها، فَيبِيعُه، ثم قال: إلى متى هذا الشَّقاء؟! فعمَد، فباع ذلك الحمار، وتلك الأرْسان، واكتسى كسوة، ثم أتى باب الملك، فجعل يُشير عليهم بالرأي، وترتفع منزلته، حتى انتهى إلى بواب الفَرُّخان الذي يليه، فقال له الفَرُّخان: قد ذُكِر لي رجلٌ عندك، فما هو؟ قال: ما رأيت مثله قط. قال: ائْتِني به. فكَلَّمه، فأُعجِب به، قال: إنّ بيت المقدس تلك البلاد قد اسْتَعْصَوا علينا، وإنّا باعثون إليهم بعثًا، وإنِّي باعِثٌ إلى البلاد مَن يختبرُها. فنظر حينئذ إلى رجال مِن أهل الإرب٦ والمكيدة، فبعثهم جواسيس، فلما فَصَلوا٧ إذا بُختُنَصَّرَ قد أتى بخُرجَيه٨ على بغلة، قال: أين تريد؟ قال: معهم. قال: أفلا آذَنتَني فأبعثَك عليهم؟ قال: لا. حتى إذا وقَفوا بالأرض قال: تفرَّقوا. وسأل بُختُنَصَّرَ عن أفضل أهل البلد، فدُلَّ عليه، فألقى خُرْجَيْه في داره، وقال لصاحب المنزل: ألا تُخبِرُني عن أهل بلادك. قال: على الخبير سقطتَ، هم قومٌ فيهم كتاب فلا يُقيمونه، وأنبياء فلا يطيعونهم، وهم مُتَفَرِّقون. قال بُختُنَصَّرَ كالمتعجب منهم: كتاب لا يقيمونه، وأنبياء لا يطيعونهم، وهم متفرقون! فكتبهنَّ في ورقة، وألقاها في خُرجَيه، وقال: ارتحلوا. فأقبلوا حتى قدِموا على الفَرُّخان، فجعل يسأل كلَّ رجل منهم، فجعل الرجل يقول: أتينا بلاد كذا، ولها حصن كذا، ولها نهر كذا. قال: يا بُختَنَصَّرَ، ما تقول؟ قال: قَدِمنا أرضًا على قومٍ لهم كتابٌ لا يُقِيمونه، وأنبياء لا يطيعونهم، وهم متفرقون. فأمِن حينئذ، فندَب الناس، وبعث إليهم سبعين ألفًا، وأَمَّر عليهم بُختُنَصَّرَ، فساروا حتى إذا علَوا في الأرض أدركهم البريدُ أن الفَرُّخان قد مات، ولم يستخلف أحدًا. قال للناس: مكانكم. ثم أقبل على البريد حين قدِمَ على الناس، فقال: وكيف صنعتم؟ قالوا: كرهنا أن نقطع أمرًا دونك. قال: إن الناس قد بايعوني. فبايعوه، ثم استخلف عليهم، وكتب بينهم كتابًا، ثم انطلق بهم سريعًا حتى قدِم على أصحابه، فأراهم الكتاب، فبايعوه، وقالوا: ما بنا عنك رغبة. فساروا، فلمّا سمِع أهل بيت المقدس تفرقوا وطاروا تحت كل كوكب، فشعَّث ما هناك -أي: أفسد-، وقتل من قتل، وخرَّب بيت المقدس، واسْتَبى أبناء الأنبياء، فيهم دانيال، فسمع به صاحب الدنانير، فأتاه، فقال: هل تعرفني؟ قال: نعم. فأدنى مجلسَه، ولم يُشَفِّعه في شيء حتى إذا نزل بابل لا تُرَدُّ له راية، فكان كذلك ما شاء الله، ثم إنّه رأى رؤيا أفظعته، فأصبح قد نسيها، قال: عليَّ بالسحرة والكهنة. قال: أخبروني عن رؤيا رأيتها الليلة، واللهِ، لَتُخبِرُنِّي بها أو لأقتُلَنَّكم. قالوا: ما هي؟ قال: قد نسيتها. قالوا: ما عندنا من هذا علم، إلا أن ترسل إلى أبناء الأنبياء. فأرسل إلى أبناء الأنبياء، قال: أخبروني عن رؤيا رأيتها. قالوا: ما هي؟ قال: نسيتها. قالوا: غيب، ولا يعلم الغيب إلا الله. قال: واللهِ، لَتُخْبِرُنِّي بها أو لأَضرِبَنَّ أعناقَكم. قالوا: فدَعنا حتى نتوضَّأ ونُصلِّيَ وندعو الله. قال: فافعلوا. فانطلقوا، فأحسنوا الوضوء، فأتوا صعيدًا طيبًا، فدعوا الله، فأُخبِروا بها، ثم رجعوا إليه، فقالوا: رأيتَ كأن رأسك من ذهب، وصدرك من فخّار، وبطنك من نُحاس، ورجليك من حديد. قال: نعم. قال: فأخبروني بعبارتِها، أو لأقتُلَنَّكم. قالوا: فدعنا ندعو ربنا. قال: اذهبوا. فدعوا ربهم، فاستجاب لهم، فرجعوا إليه، قالوا: رأيتَ كأن رأسك من ذهب، مُلكُك هذا يذهب عند رأس الحول مِن هذه الليلة. قال: ثم مَه؟ قالوا: ثم يكون بعدك مَلِكٌ يفخَرُ على الناس، ثم يكون مَلِكٌ يخشى الناسُ شدَّتَه، ثم يكون مُلكٌ لا يُقلُّه شيء، إنما هو مثل الحديد. يعني: الإسلام. فأمر بحصن، فبُني له بينه وبين السماء، ثم جعل يُنَطِّقُه٩ بمقاعد الرجال والأحراس، وقال لهم: إنّما هي هذه الليلة، لا يجوزنَّ عليكم أحد، وإن قال: أنا بُختُنَصَّر. إلّا قتلتموه مكانه مَن كان مِن الناس. فقعد كل أُناس في مكانهم الذي وكِّلوا به، واهتاج بطنُه من الليل، فكره أن يُرى مَقعَده هناك، وضرب على أصمِخة١٠ القوم، فاستثقلوا نومًا، فأتى عليهم وهم نيام، ثم أتى عليهم فاستيقظ بعضهم، فقال: من هذا؟ قال: بُختُنَصَّر. قال: هذا الذي حُفي إلينا فيه١١ الليلة. فضربه، فقتله، فأصبح الخبيثُ قتيلًا١٢
التخريج
  1. ١الرساتيق: جمع رُستاق، فارسي معرب، بمعنى: البيوت المجتمعة. اللسان (رستق، رسدق).
  2. ٢والسُّفّارون: جمع سافِر، وهم المسافرون. الوسيط (سفر).
  3. ٣عُلِّق على هذه الكلمة في حاشية المصدر: في م: «أنا».
  4. ٤الأرسان: جمع الرسن، وهو الحبل. اللسان (رسن).
  5. ٥الأجم: جمع أجمة، وهو الشجر الكثير الملتف. اللسان (أجم).
  6. ٦الإرب: الدهاء والبصر بالأمور والمكر. التاج (أرب).
  7. ٧فصلوا: خرجوا. التاج (فصل).
  8. ٨الخرج: وعاء. اللسان (خرج).
  9. ٩يحيطه. اللسان (نطق).
  10. ١٠أصمخة: جمع صِماخ؛ وهو خرق الأذن، تقول: ضرب الله على أصمختهم؛ إذا أنامهم. التاج (صمخ).
  11. ١١حُفِي إلينا فيه: أُلحَّ علينا في مسألته وأُكثر علينا في طلبه. النهاية، واللسان (حفا).
  12. ١٢عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
التفسير بالمأثور لسورة الإسراء كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٥ من سورة الإسراء

٧ وقفات في هذه الآية

  • (بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد) لا يمكن لبني إسرائيل أن يسالموا إلا (أهل البأس الشديد) فكل معاهدات السلام هي انتصارٌ لهم

    — عقيل الشمري

  • [بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ] وصفهم الله بالعباد أولا ثم الشجاعة والجسارة بالمواجهة فبهؤلاء يكون تحرير الأقصى أما "بطولات الكلام" فبحياتها لم ترد حقاً مسلوباً !

    — مها العنزي

  • ما من مصيبة او كربة أصابت الأمة إلا فرقتها ومزقتها. ما عدا مصابنا في #القدس سيجمع الأمة. وسيأتي صبح ينجلي فيه الظلام. (وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا)

    — أحمد عيسى المعصراوى

  • برنامج هدى للناس سورة الإسراء أية 5

    — عمر الدهيشي

  • ما نحن والأقصى إلا كما يعقوب ويوسف وعده الله ان يرده له ونحن وعدنا الله ان يردها لنا !

    — روائع القرآن

  • آية (٥) : (فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً) * الفرق بين البعث والإرسال : - الإرسال أن ترسل رسولاً تحمّله رسالة لطرف آخر، أما البعث قد يكون فيه معنى الإرسال وفيه معاني أخرى أي فيه إرسال وزيادة. تقول بعثت شخصاً فيه معنى الإرسال، يبعث الموتى ليس بمعنى إرسالهم ولكن يقيمهم، (إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا) أي أقامه منكم، "إن للفتنة بعثات" أي إثارات و تهييج. - البعث أشد وفيه حركة أما الإرسال فلا، ولذلك يستعمل البعث فيما هو أشد، ولهذا قال تعالى (بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ) فيه قوة وقسوة وعمل.

    — مختصر لمسات بيانية

  • آية (5)-(7): *في سورة الإسراء عبّر عن الوعدين بفعل جاء (فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً (5)) و (فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا (7)) مع أن وعد أولاهما جاء ووعد الآخرة لم يأت بعد؟(د.فاضل السامرائي) هل الآخرة في الآية يقصد بها يوم القيامة؟ لم لم يقل أخراهما كما قال أولاهما؟ كلا لا تحتمل لأن الآخرة لها معاني كثيرة. من يقول أن الأول جاء بالماضي والأخر بالمستقبل؟ نبدأ الآية من أولها: قال تعالى (وقضينا) ربنا تعالى هكذا قدّر وهكذا قضى وقرّر. إذن هذه الأمور كلها بعد القضاء والتقدير. قيضنا أي قدّرنا. وقضينا إلى بني إسرائيل لتفسدن في الأرض مرتين هذا كله مستقبل، يتكلم عن أمر سيقع في المستقبل (لتفسدنّ) نون التوكيد تحوّل المضارع إلى استقبال، تخصصه للاستقبال. القضاء هو ماضي قدر الله تعالى في الأزل في علمه أن سيكون ذلك. ماذا قدّر؟ قدّر أن بني إسرائيل سيفسدون في الأرض مرتين (فإذا جاء وعد أولاهما) إذن هذا المجيء مستقبل بالنسبة للقضاء والتقدير الذي كتبه ربنا سبحانه وتعالى وهو ماضي وهذه الأمور ستقع تحقيقاً لما قضى ربنا. فإذن قضينا أي الذي قدّره ربنا تعالى وحكمه وقرّره ثم تأتي الأمور مستقبلية تصدق ما قضى به ربنا فلما قال (فإذا جاء وعد أولاهما) (فإذا جاء وعد الآخرة) كلها مستقبل بالنسبة للقضاء والتقدير فإذن ليس هنالك إشكال، هذا أمر. والأمر الآخر أنه يأتي بعد (إذا) ماضي ومستقبل صحيح أن (إذا) ظرف لما يستقبل من الزمان وقد تكون للماضي كما في قوله تعالى (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ (90) يونس) هذا ماضي، (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ (90) الكهف) هذا ماضي، (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا (11) الجمعة) نزلت هذه الآية بعد الحادثة. إذن (فإذا جاء وعد أولاهما) من الناحية اللغوية أن هذا مستقبل لما قدّر ربنا قد يكون حصل أو لم يحصل بعد، هذا أمر آخر لكن كلاهما مستقبل لما قدّره ربنا سبحانه وتعالى. النُحاة يقولون – وإن كان لدي جزئية أخالفهم فيها – أن الشرط هو مستقبل لا ينصرف إلى الماضي، تأتي بالفعل الماضي لكن يُراد به الاستقبال (وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا (8) الإسراء) هذا للمستقبل، (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)) جواب الشرط عند النحاة أن الشرط استقبال والماضي في الشروط هو مستقبل. وأنا أرى أنه في الغالب هذا صحيح ولكنه ليس قاعدة عامة بدليل قوله تعالى (قل إن افتريته فعليّ إجرامي) وهو ما افتراه، فليس بالضرورة أن يكون الشرط للمستقبل. موجود في القرآن وفي الشعر العربي ما يخالف ما قاله النُحاة كما في قول الشاعر وهو يرثي أبناءه، هو على قبرهم يرثيهم يقول: فإن يهلك بنيّ فليس شيء *** على حال من الدنيا يدوم ونقول: إن كنت عاهدته فأوفِ عهده، ويقول تعالى (إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ (26) يوسف). شرط متعلق بماضي لكن الأكثر كما يقول النحاة وهذا فيما أرى هم لهم اجتهادهم ويبدو لي - وأنا طالب علم أمام هؤلاء العلماء –أن بعض الأمور تحتاج للتعديل والتدقيق. *انظر آية (15).↓↓↓(الفرق بين البعث والإرسال) *(إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا (7) الإسراء) ما دلالة استخدام لها مع أنه في القرآن يستعمل عليها (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا (46) فصلت)؟(د.فاضل السامرائى) هذه ليست في سياق الإثم وما يقع عليه هو وإنما إساءتكم راجعة إلينا. واحد يقول لقد أسأت لأبيك في هذا، أنت لم تحسن إليه، لم يقل أسأت عليه ليس المقصود لإثم يقع عليه يعني لقد أسأت إلى فلان يعني رجعت الإساءة له، تقول لقد أسأت إلى نفسك قبل أن تسيء إلى نفسك. تلك في مقام العقوبة والإثم وقوع الإثم عليه نأتي بـ(على) أما أحياناً نحن لا نستعمل هذا الشيء دائماً نقول لقد أسأت إلى نفسك لكن هذا ليس في سياق العقوبة. في سياق الإثم مثل سياق العقوبة (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا (7) الإسراء) وقال (فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ (7) الإسراء). نلاحظ آيات أخرى على سبيل المثال (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ (46) فصلت) معناه أنه سيوقع عليه عقوبة الإساءة لكن ليس بالذُلّ يعني رجعت الإساءة عليه وتحمل إثمها فربنا يعاقبه عليه وليس ظالماً له (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) الإثم عاد عليه، هذا في مقام حساب. وفي آية أخرى (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15) الجاثية) يعني سيحاسبكم على ما قدمتم من إساءة وإحسان. نحن نستعملها فنقول لقد أسأت إلى نفسك قبل أن تسيء إلى الآخرين، لقد أسأت إلى أبيك ما كان عليك أن تفعل هذا.

    — فاضل السامرائي

فتاوى متعلقة بالآية ٥ من سورة الإسراء

فتوَيانِ تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ٥ من سورة الإسراء

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(5) So when the [time of] promise came for the first of them,[728] We sent against you servants of Ours - those of great military might, and they probed [even] into the homes,[729] and it was a promise fulfilled.
[728]- i.e., the promised punishment for the first of their two transgressions.
[729]- Violating their sanctity, to kill and plunder.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال