البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
جاسَ يَجُوسُ جوساً وَجَوَساناً تردد في الغارة قاله الليث. وقال أبو عبيدة : جاسوافتشوا هل بقي ممن لم يقتل. وقال الفراء : قيلوا. قال حسان :
ومنا الذي لاقى لسيف محمد فجاس به الأعداء عرض العساكر. -   -
وقال قطرب : نزلوا قال الشاعر :
فجسنا ديارهم عنوة -   -وأبناء ساداتهم موثقينا
وقيل : داسوا، ومنه :
إليك جسنا الليل بالمطي-   -
وقال أبو زيد : الجوس والحوس والعوس والهوس الطواف بالليل. فالجوس والحوس طلب الشيء باستقصاء.
﴿فإذا جاء وعد أولاهما﴾ أي موعد أولاهما لأن الوعد قد سبق ذلك والموعود هو العقاب.
وقال الزمخشري : معناه وعد عقاب أولاهما.
وقيل : الوعد بمعنى الوعيد.
وقيل : بمعنى الموعد الذي يراد به الوقت، والضمير في أولاهما عائد على المرتين.
وقرأ الجمهور ﴿عباداً﴾ وقرأ الحسن وزيد بن علي عبيداً.
قال ابن عباس : غزاهم وقتادة جالوت من أهل الجزيرة.
وقال ابن جبير وابن إسحاق غزاهم سنجاريب وجنوده ملك بابل.
وقيل بخت نصر، وروي أنه دخل قبل في جيش من الفرس وهو حامل يسير في مطبخ الملك، فاطلع من جور بني إسرائيل على ما لم يعلمه الفرس لأنه كان يداخلهم، فلما انصرف الجيش ذكر ذلك للملك الأعظم، فلما كان بعد مدة جعله الملك رئيس جيش وبعثه وخرب بيت المقدس وقتلهم وجلاهم ثم انصرف فوجد الملك قد مات فملك موضعه، واستمرت حاله حتى ملك الأرض بعد ذلك.
وقيل هم العمالقة وكانوا كفاراً.
وقيل : كان المبعوثون قوماً مؤمنين بعثهم الله وأمرهم بغزو بني إسرائيل والبعث هنا الإرسال والتسليط.
وقال الزمخشري : معناه خلينا بينهم وبين ما فعلوا ولم نمنعهم على أن الله عز وعلا أسند بعث الكفرة إلى نفسه فهو كقوله :﴿وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون﴾ وكقول الداعي : وخالف بين كلمتهم وأسند الجوس وهو التردّد خلال الديار بالفساد إليهم، فتخريب المسجد وإحراق التوراة من جملة الجوس المسند إليهم انتهى.
وفي قوله خلينا بينهم وبين ما فعلوا دسيسة الاعتزال.
وقال ابن عطية :﴿بعثنا﴾ يحتمل أن يكون الله أرسل إلى ملك تلك الأمة رسولاً بأمره بغزو بني إسرائيل فتكون البعثة بأمر، ويحتمل أن يكون عبر بالبعث عما ألقى في نفس الملك أي غزاهم انتهى.
﴿أولي بأس شديد﴾ أي قتال وحرب شديد لقوتهم ونجدتهم وكثرة عددهم وعُددهم.
وقرأ الجمهور ﴿فجاسوا﴾ بالجيم.
وقرأ أبو السمال وطلحة فحاسوا بالحاء المهملة.
وقرئ فتجوسوا على وزن تكسروا بالجيم.
وقرأ الحسن ﴿خلال الديار﴾ واحداً ويجمع على خلل كجبل وجبال، ويجوز أن يكون خلال مفرداً كالخلل وهو وسط الديار وما بينها، والجمهور على أنه في هذه البعثة الأولى خرّب بيت المقدس ووقع القتل فيهم والجلاء والأسر.
وعن ابن عباس ومجاهد : أنه حين غزوا جاس الغازون خلال الديار ولم يكن قتل ولا قتال في بني إسرائيل، وانصرفت عنهم الجيوش.
والضمير في ﴿وكان﴾ عائداً على وعد أولاهما.
قال الزمخشري : وكان وعد العقاب وعداً لا بد أن يفعل انتهى.
وقيل يعود على الجيوش

تفسير هذه الآية من كتب أخرى