اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿اذهب فَمَن﴾ : تقدَّم أن الباء تدغم في الفاء في ألفاظٍ منها هذه، عند أبي عمرو، والكسائي، وحمزة في رواية خلادٍ عنه ؛ بخلاف في قوله تعالى :﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ فأولئك﴾ [الحجرات: ١١].
وهذا ليس من الذَّهاب الذي هو ضدُّ المجيء، وإنما معناه : امضِ لشأنك الذي اخترته، و المقصود التخلية، وتفويض الأمر إليه، كقول موسى - صلوات الله عليه- :﴿فاذهب فَإِنَّ لَكَ فِي الحياة أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ﴾ [طه: ٩٧] ثم قال عزَّ وجلَّ :﴿فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً﴾.
فإن قيل : الأولى أن يقال : فإن جهنَّم جزاؤهم ؛ ليعود الضمير إلى قوله :﴿فَمَن تَبِعَكَ﴾ ؟ فالجواب(١) من وجوهٍ :
الأول : تقديره : جزاؤهم وجزاؤكم ؛ لأنه تقدَّم غائب ومخاطب في قوله :﴿فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ فغلَّب المخاطب على الغائب، فقيل : جزاؤكم.
والثاني : يجوز أن يكون الخطاب مراداً به " مَنْ " خاصة، ويكون ذلك على طريق الالتفات.
والثالث : أنه - صلوات الله وسلامه عليه - قال :" مَنْ سَنَّ سُنَّةً سيِّئةً فَعليْهِ وِزْرُهَا ووِزْرُ مِنْ عَمِلَ بِهَا إلى يَوْمِ القِيَامَةِ " (٢) فكل معصية توجد فيحصل لإبليس مثل وزْرِ ذلك العامل، فلما كان إبليس هو الأصل في كلِّ المعاصي، صار المخاطب بالوعيد هو إبليس.
قوله تعالى :" جَزَاءً " في نصبه أوجهٌ :
أحدها : أنّه منصوبٌ على المصدر، الناصب له المصدر قبله، وهو مصدر مبين لنوع المصدر الأول.
الثاني : أنه منصوب على المصدر أيضاً، لكن بمضمرٍ، أي : يجازون جزاء.
الثالث : أنه حالٌ موطئة ك " جَاءَ زيدٌ رجُلاً صَالحاً ".
الرابع : أنه تمييزٌ، وهو غير متعقَّل.
و " مَوفُوراً " اسم مفعولٍ، من وفرته، ووفر يستعمل متعدِّياً، ومنه قول زهير :[ الطويل ]
ومَنْ يَجْعَلِ المعرُوفَ من دُونِ عِرْضهِيَفِرهُ ومَنْ لا يتَّقِ الشَّتمَ يُشتمِ(٣)
والآية الكريمة من هذا، ويستعمل لازماً، يقال : وفرَ المالُ يَفِرُ وفُوراً، فهو وَافِرٌ، فعلى الأول : يكون المعنى جزاء موفَّراً، وعلى الثاني : يكون المعنى جزاء وافراً مكمَّلاً يقال : وفرتهُ أفرهُ وفْراً.
١ ينظر: الفخر الرازي ٢١/٥..
٢ تقدم..
٣ ينظر: ديوانه (٣٠)، وشرح القصائد السبع ٢٨٧، وروح المعاني ١٥/١١٠، والبحر المحيط ٦/٥٥، والدر المصون ٤/٤٠٥..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى