بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
قوله ﴿واستفزز﴾، يقول استزلّ ﴿مَنِ استطعت مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ ؛ يقول : بدعائك ووسوستك، ويقال : بأصوات الغناء والمزامير. ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾، يعني : استعن عليهم بأعوانك من مردة الشياطين ﴿وَرَجِلِكَ﴾، يعني : الشياطين الذين يوسوسون للناس، ويقال : خيل المشركين ورجالتهم، وكل خيل تسعى في معصية الله تعالى، فهي من خيل إبليس ؛ وكل راجل يمشي في معصية الله، فهو من رجالته. قرأ عاصم في رواية حفص ﴿وَرَجِلِكَ﴾ بفتح الراء وكسر الجيم، يعني : راجلك. فدل الواحد على الجنس ؛ وقرأ الباقون بجزم الجيم وهو جمع الراجل.
﴿وَشَارِكْهُمْ فِى الأموال﴾، أي ما أكل من الأموال بغير طاعة الله تعالى وما جمع من الحرام ؛ ويقال :﴿وَشَارِكْهُمْ فِى الأموال﴾ وهو ما جعلوا من الحرث والأنعام نصيباً لآلهتهم ؛ ويقال : كل طعام لم يذكر اسم الله عليه فللشيطان فيه شركة. قال الفقيه رضي الله عنه حدّثنا الفقيه أبو جعفر قال : حدّثنا أحمد بن حنبل قال : حدّثنا سفيان بن يحيى قال : حدّثنا أبو مطيع، عن الربيع بن زيد، عن أبي محمد وهو رجل من أصحاب أنس قال : قال إبليس لربه : يا رب جعلت لبني آدم بيوتاً فما بيتي ؟ قال الحمام. قال : وجعلت لهم مجالس فما مجلسي ؟ قال : السوق. قال : وجعلت لهم قرآناً فما قرآني ؟ قال الشعر. قال : وجعلت لهم حديثاً فما حديثي ؟ قال : الكذب. قال : وجعلت لهم أذاناً فما أذاني ؟ قال : المزمار. قال : وجعلت لهم رسلاً فما رسلي ؟ قال : الكهنة. قال : وجعلت لهم كتاباً فما كتابي ؟ قال الوشم. قال : وجعلت لهم طعاماً فما طعامي ؟ قال : كل ما لم يذكر عليه اسم الله. قال : وجعلت لهم شراباً فما شرابي ؟ قال : كل مسكر.
قال وجعلت لهم مصايد فما مصايدي ؟ قال : النساء.
ثم قال :﴿وَشَارِكْهُمْ فِى الأموال﴾، يعني : كل نفقة في معصية الله تعالى. ﴿والأولاد﴾، أي أولاد الزنى، فهذا قول مجاهد وسعيد بن جبير ؛ ويقال : هو ما سموا أولادهم عبد العزى وعبد الحارث ؛ ويقال كل معصية بسبب الولد ؛ ويقال : إذا جامع الرجل أهله ولم يذكر اسم الله تعالى، جامع معه الشيطان ؛ ويقال : المرأة النائحة والسكرانة يجامعها الشيطان، فيكون له شركة في الولد. قال الفقيه أبو الليث : هذا الكلام مجاز لا على وجه الحقيقة، إنما يراد به المثل. ثم قال :﴿وَعَدَّهُمْ﴾، أي مَنِّهم أنه لا جنة ولا نار ولا بعث. ﴿وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً﴾، أي باطلاً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى