المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
﴿واستفزز﴾ معناه استخف واخدع حتى يقع في إرادتك، تقول استفزني فلان في كذا إذا خدعك حتى تقع في أمر أراده، ومن الخفة قيل لولد البقرة فز ومثله قول زهير :
كما استغاث بسيىء فز غيطلة. . . خاف العيون فلم ينظر به الحشك(١)
و «الصوت » هنا : هو الغناء والمزامير والملاهي، لأنها أصوات كلها مختصة بالمعاصي، فهي مضافة إلى ﴿الشيطان﴾، قاله مجاهد، وقيل معناه : بدعائك إياهم إلى طاعتك، قال ابن عباس : صوته، كل داع إلى معصية الله، والصواب أن يكون الصوت يعم جميع ذلك. وقوله ﴿وأجلب﴾ أي هول ؛ والجلبة : الصوت الكثير المختلط الهائل، وقرأ الحسن :«واجلُب » بوصل الألف وضم اللام. وقوله ﴿بخيلك ورجلك﴾ قيل هذا مجاز واستعارة، بمعنى : اسع سعيك، وابلغ جهدك، وقيل معناه : أن له من الجن خيلاً ورجلاً، قاله قتادة، وقيل المراد : فرسان الناس ورجالتهم، المتصرفون في الباطل، فإنهم كلهم أعوان إبليس على غيرهم، قاله مجاهد وقرأ الجمهور «ورجْلك » بسكون الجيم، وهو جمع راجل، كتاجر وتجر، وصاحب وصحب، وشارب وشرب، وقرأ حفص عن عاصم :«ورجِلك » بكسر الجيم على وزن فعل، وكذلك قرأ الحسن وأبو عمرو بخلاف عنه، وهي صفة ؛ تقول فلان يمشي رجلاً، غير راكب، ومنه قول الشاعر :[ البسيط ]
أنا أقاتل عن ديني على فرسي. . . ولا كذا رجلاً إلا بأصحابي(٢)
وقرأ قتادة وعكرمة :«ورجالك ». ﴿وشاركهم في الأموال﴾ عام : لكل معصية يصنعها الناس بالمال، فإن ذلك المصرف في المعصية، هو خط إبليس، فمن ذلك البحائر وشبهها، ومن ذلك مهر البغي، وثمن الخمر، وحلوان الكاهن، والربا، وغير ذلك مما يوجد في الناس دأباً. وقوله ﴿والأولاد﴾ عام لكل ما يصنع في أمر الذرية من المعاصي فمن ذلك الإيلاد بالزنا، ومن ذلك تسميتهم عبد شمس، وعبد الجدي، وأبا الكويفر، وكل اسم مكروه ومن ذلك الوأد الذي كانت العرب تفعله، ومن ذلك صنعهم في أديان الكفر، وغير هذا، وما أدخل النقاش من وطء الجن وأنه تحبل المرأة من الإنس فضعيف كله(٣). وقوله ﴿وعدهم﴾ أي منّهم بما لا يتم لهم، وبأنهم غير مبعوثين، فهذه مشاركة في النفوس، ثم أخبر الله تعالى أنه يعدهم ﴿غروراً﴾ منه، لأنه لا يغني عنهم شيئاً.
١ البيت من قصيدة قالها زهير لما أغار الحارث بن ورقاء الصيداوي - من بني أسد – على بني عبد الله بن غطفان، فغنم واستاق إبل زهير وراعيه يسارا، فقال زهير القصيدة يطالبه برد يسار ويهدده بالهجاء القبيح الفاحش. والسيء: ما يكون في الضرع من اللبن قبل نزول الدرة، والفز: ولد البقرة الوحشية، والغيطلة: البقرة، وينظر: ينظر. والحشك: دفع الدرة وامتلاؤها. وقيل: هو سرعة تجمع اللبن في الضرع. قال في اللسان (حشك): "الحشك: اسم للدرة المجتمعة، وقيل: إن الشاعر أراد الحشك فحرك للضرورة، أي: لم تنظر به أمه حشوك الدرة". أي: أعجلته بالسيء ولم تنتظر امتلاء ضرعها باللبن..
٢ البيت في اللسان (رجل)، وقد ذكره مع بيت بعده، وأطال في توضيح المعنى نقلا عن علماء اللغة، قال: "وقد يأتي رجل بمعنى راجل، قال الزبرقان بن بدر:
آليت لله حجا حافيا رجلاإن جاوز النخل يمشي وهو مندفع
ومثله ليحيى بن وائل، وأدرك قطري بن الفجاءة الخارجي أحد بني مازن حارثي:
أما أقاتل عن ديني على فرسولا كذا رجلا إلا بأصــــحـــــــــــاب؟
لقد لقيت إذا شرا وأدركنــــيما كنت أرغم في جسمــي من العاب
قال أبو حاتم: (أما) مخفف الميم مفتوح الألف، وقوله: (رجلا) أي: راجلا، كما تقول العرب: جاءنا فلان حافيا رجلا، أي: راجلا، كأنه قال: أما أقاتل فارسا ولا راجلا إلا ومعي أصحابي، لقد لقيت إذا شرا إن لم أقاتل وحدي. وأبو زيد مثله، وزاد: ولا كذا أقاتل راجلا، فقال: إنه خرج يقاتل السلطان، فقيل له: أتخرج راجلا تقاتل؟ فقال البيت، وقال ابن الأعرابي: قوله: (ولا كذا راجلا) أي: ما ترى رجلا كذا، وقال المفضل: (أما) خفيفة بمنزلة (ألا) و (ألا) تنبيه يكون بعدها أمر أو نهي أو إخبار، فالذي بعد (أما) هنا إخبار، كأنه قال: أما أقاتل فارسا وراجلا؟ وقال أبو علي في الحجة بعد أن نقل عن أبي زيد ما تقدم: فرجل – على ما حكاه أبو زيد – صفة، ومثله: ندس وفطن وحذر وأحرف نحوها، ومعنى البيت: كأنه يقول: اعملوا أني أقاتل عن ديني وعن حسبي، وليس تحتي فرس ولا معي أصحاب" اهـ. (اللسان – رجل)..

٣ العلم الحديث لا يقر مسألة التزاوج بين الإنس والجن..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى