اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿أَمْ أَمِنْتُمْ﴾ : يجوز أن تكون المتصلة، أي : أيُّ الأمرين كائن ؟ ويجوز أن تكون المنقطعة، و " أن يعيدكم " مفعول به.
قوله " تَارةً " بمعنى مرَّة، وكرَّة، فهي مصدرٌ، ويجمع على تيرٍ وتاراتٍ، قال الشاعر :[ الطويل ]
وإنْسَانُ عَيْنِي يَحْسِرُ المَاءُ تَارةً فَيَبْدُو، وتَاراتٍ يَجُمُّ فيَغْرَقُ(١)
وألفها تحتمل أن تكون عن واوٍ أو ياءٍ، وقال الراغب :" وهو فيما قيل :[ مِنْ ] تار الجرحُ : التأمَ ".
قوله تعالى :" قَاصِفاً " القاصِفُ يحتمل أن يكون من " قَصَفَ " متعدِّياً، يقال : قصفت الرِّيحُ الشجر تقصفها قصفاً ؛ قال أبو تمَّام :[ البسيط ]
إنَّ الرِّياحَ إذَا مَا أعْصفَتْ قَصفَتْعَيْدانَ نَجْدٍ ولمْ يَعْبَأنَ بالرَّتمِ(٢)
فالمعنى : أنها لا تلفي شيئاً إلا قصفته، وكسرته.
والثاني : أن يكون من " قَصِفَ " قاصراً، أي : صار له قصيفٌ، يقال : قَصِفتِ الرِّيحُ، تقصفُ، أي : صوَّتتْ، و " مِنَ الرِّيحِ " نعتٌ.
قوله تعالى :﴿بِمَا كَفَرْتُمْ﴾ يجوز أن تكون مصدرية، وأن تكون بمعنى " الذي " والباء للسببية، أي : بسبب كفركم، أو بسبب الذي كفرتم به، ثم اتُّسعَ فيه، فحذفت الباءُ، فوصل الفعل إلى الضمير، وإنَّما احتيج إلى ذلك ؛ لاختلافِ المتعلق.
وقرأ أبو جعفرٍ، ومجاهدٌ(٣) :" فتُغْرِقَكُم " بالتاء من فوق أسند الفعل لضمير الرِّيح، وفي كتاب أبي حيَّان :" فتُغْرِقَكُمْ " بتاء الخطاب مسنداً إلى " الرِّيح " والحسن وأبو رجاء بياء الغيبة، وفتح الغين، وتشديد الراء، عدَّاه بالتضعيف، والمقرئ لأبي جعفر كذلك إلاَّ أنه بتاء الخطاب. قال شهاب الدين : هو إمَّا سهوٌ، وإمَّا تصحيفٌ من النساخ عليه ؛ كيف يستقيم أن يقول بتاءِ الخطاب، وهو مسندٌ إلى ضمير الرِّيحِ، وكأنه أراد بتاء التأنيث، فسبقه قلمه أو صحَّف عليه غيره.
وقرأ العامة " الرِّيحِ " بالإفراد، وأبو جعفرٍ(٤) :" الرِّياح " بالجمع.
قوله :" به تَبِيعاً " يجوز في " بِهِ " أن يتعلَّق ب " تَجِدُوا " وأن يتعلق ب " تَبِيعاً "، وأن يتعلق بمحذوفٍ ؛ لأنه حالٌ من " تبيعًا " والتَّبِيعُ : المطالب بحقِّ الملازمُ، قال الشَّماخ :[ الوافر ]
. . . . . . . . . . . . . . . . كمَا لاذَ *** الغَريمُ مِنَ التَّبيعِ(٥)
وقال آخر :[ الطويل ]
غَدَوْا وغَدتْ غِزلانُهمْ فَكأنَّهَاضَوَامِنُ مِنْ غُرْمٍ لهُنَّ تَبِيعُ(٦)

فصل


ومعنى الآية ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ﴾، يعني في البحر ﴿تَارَةً أخرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً﴾.
قال ابن عباس - رضي الله عنه- : أي عاصفاً، وهي الرِّيح الشديدة(٧) وقال أبو عبيدة : هي الرِّيح التي تقصف كلَّ شيءٍ، أي : تدقٌّه وتحطمه ﴿فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً﴾ ناصراً ولا ثائراً، وتبيع بمعنى تابعٍ، أن تابعاً مطالباً بالثَّأر.
وقال الزجاج - رضي الله عنه - : من يتبعنا بإنكارِ ما نزل بكم، ولا من يتتبّعنا بأن نصرفه عنكم.
١ البيت لذي الرمة: ينظر: ديوانه ص ٤٦٠، خزانة الأدب ٢/١٩٢، الدرر ٢/١٧، المقاصد النحوية ١/٥٧٨، ٤/٤٤٩، ولكثير في المحتسب ١/١٥٠، الأشباه والنظائر ٣/١٠٣، ٧/٢٥٧، وأوضح المسالك ٣/٣٦٢، تذكرة النحاة ص ٦٦٨، شرح الأشموني ١/٩٢، مجالس ثعلب ص ٦١٢، مغني اللبيب ٢/٥٠١، المقرب ١/٨٣، همع الهوامع ١/٩٨، الدر المصون ٤/٤٠٧..
٢ ينظر البيت في البحر المحيط ٦/٤٤، الدر المصون ٤/٤٠٧..
٣ ينظر : الحجة ٤٠٦، والنشر ٢/٣٠٨، والإتحاف ٢/٢٠٢، والحجة للقراء السبعة ٥/١١١، والقرطبي ١٠/١٩٠، والبحر ٦/٥٨، والدر المصون ٤/٤٠٧، والوسيط ٣/١١٧..
٤ ينظر: الإتحاف ٢/٢٠٢، والنشر ٢/٢٢٣، والقرطبي ١٠/١٩٠ والدر المصون ٤/٤٠٨..
٥ عجز بيت وصدره:
تلوذ تعالب الشرقين منها
ينظر: ديوانه ٢٣٧، البحر ٦/٥٨، اللسان "تبع"، الدر المصون ٤/٤٠٨..

٦ ينظر البيت في تفسير الطبري ١٥/٨٥، البحر ٦/٥٨، الدر المصون ٤/٤٠٨..
٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/١١٤) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٣٤٩) وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى