اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قال مجاهد، وقتادة : الأرض : أرض مكة(١)، والآية مكيَّةٌ. هَمَّ المشركون في أن يخرجوه منها، فكفَّهم الله عنه ؛ حتَّى أمره بالهجرة، فخرج بنفسه، وهذا أليق بالآية ؛ لأنَّ ما قبلها خبر عن أهل مكَّة، وهذا اختيار الزجاج.
وقال ابن عباس - رضي الله عنه - : لمَّا هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة حسدته اليهود، وكرهوا قربه منهم، ومقامه بالمدينة، فأتوهُ، وقالوا : يا أبا القاسم، لقد علمت ما هذه بدارِ الأنبياءِ، وأنَّ أرض الأنبياء بالشَّام، وهي الأرض المقدسة، وبها كان إبراهيم والأنبياء - صلوات الله عليهم - فإن كنت نبيًّا مثلهم، فأت الشَّام، وإنما يمنعك من الخروج إليها مخافتك الروم، وإنَّ الله يمنعك من الرُّوم، إن كنت نبيًّا، فعسكر النبي ﷺ على ثلاثة أميالٍ من المدينة، وقيل : بذي الحليفة ؛ حتَّى يجتمع إليه أصحابه، ويراه النَّاس عازماً على الخُروج إلى الشَّام، فيدخلون في دين الله - سبحانه وتعالى - فأنزلت هذه الآية، وهذا قول الكلبيِّ(٢)، وعلى هذا، فالآية مدنية، والمراد بالأرض : أرض المدينة، وكثر في التنزيل ذكر الأرض، والمراد منها مكانٌ مخصوصٌ ؛ كقوله تعالى :﴿أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرض﴾ [المائدة: ٣٣] أي : من مواضعهم.
وقوله تعالى :﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض﴾ [يوسف: ٨٠].
يعني : التي كان يقصدها ؛ لطلب الميرة.
فإن قيل : قال الله تعالى :﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ التي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣]. يعني :" مكَّة " ؟ !.
فالجواب : أنَّهم همُّوا بإخراجه، وهو - صلوات الله وسلامه عليه - ما خرج بسبب إخراجهم، وإنَّما خرج بأمر الله تعالى ؛ فزال التَّناقضُ، والاستفزازُ : هو الإزعاج بسرعة.
﴿وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ﴾ : قرأ العامة برفع(٣) الفعل بعد " إذَنْ " ثابت النون، وهي مرسومةٌ في مصاحف العامة، ورفعه وعدم إعمال " إذن " فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنها توسَّطت بين المعطوف، والمعطوف عليه، قال الزمخشريُّ :" فإن قلت : ما وجهُ القراءتين ؟ قلت : أمَّا الشائعة - يعني برفع الفعل - فقد عطف فيها الفعل على الفعل، وهو مرفوع لوقوعه خبر " كاد " وخبر " كاد " واقعٌ موقع الاسم " قلت : فيكون " لا يَلْبَثُونَ " عطفاً على قوله " ليسْتَفِزُّونكَ ".
الثاني : أنها متوسطة بين قسم محذوف وجوابه، فألغيت لذلك، والتقدير : وواللهِ، إذن لا يلبثون.
الثالث : أنها متوسطة بين مبتدأ محذوف وخبره، فألغيت لذلك، والتقدير : وهم إذن لا يلبثون.
وقرأ أبيٌّ بحذف(٤) النون، فنصبه ب " إذَنْ " عند الجمهور، وب " أنْ " مضمرة بعدها عند غيرهم، وفي مصحف عبد الله " لا يَلبَثُوا " بحذفها، ووجه النصب : أنه لم يجعل الفعلُ معطوفاً على ما تقدَّم، ولا جواباً، ولا خبراً، قال الزمخشريُّ : وأمَّا قراءة أبيِّ، ففيها الجملة برأسها التي هي : إذن لا يلبثوا، عطف على جملة قوله " وإنْ كادُوا ليَسْتفزُّونكَ ".
وقرأ عطاء " لا يُلبَّثُونَ " بضمِّ الياء، وفتح اللام والباء، مشددة مبنيًّا للمفعول، من " لبَّثَهُ " بالتشديد، وقرأها يعقوب كذلك، إلا أنه كسر الباء، جعله مبنياً للفاعل.
قوله تعالى :" خِلافَكَ " قرأ(٥) الأخوان، وابن عامرٍ، وحفص :" خِلافكَ " بكسر الخاء، وألف بعد اللام، والباقون بفتح الخاءِ، وسكون اللام، والقراءتان بمعنى واحدٍ.
قال الأخفش : خلافك : بمعنى : خلفك.
وروى ذلك يونس عن عيسى، وهذا كقوله :﴿بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ الله﴾ [التوبة: ٨١].
وأنشدوا في ذلك :[ الكامل ]
عَفتِ الدِّيارُ خِلافَهُم فكأنَّمابَسطَ الشَّواطِبُ بَينهُنَّ حَصِيرا(٦)
والمعنى : بعد خروجك، وكثر إضافة " قَبْل " و " بَعْدُ " ونحوهما إلى أسماء الأعيان ؛ على حذف مضاف، فيقدَّرُ من قولك : جاء زيدٌ قبل عمرو، أي : قبل مجيئه.
قوله تعالى :﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ يجوز أن تكون صفة لمصدر، أو لزمانٍ محذوف، أي : إلا لبثاً قليلاً، أو إلاَّ زماناً قليلاً ؛ أي : حتَّى يهلكوا، فالمراد بالقليل : إمَّا مدَّة حياتهم، وإما ما بين خروج النبي ﷺ إلى المدينة إلى حين قتلهم ببدرٍ.
١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/١٢١) عن مجاهد وقتادة..
٢ ذكره الرازي في "تفسيره" (٢١/٢٠) عن ابن عباس..
٣ ينظر في قراءتها: الشواذ ٧٧، والإتحاف ٢٠٢، والبحر ٦/٦٣ والدر المصون ٤/٤١١..
٤ ينظر: السبعة ٣٨٣، والنشر ٢/٣٠٨، والتيسير ١٤١، والإتحاف ٢/٢٠٢، والحجة للقراء السبعة ٥/١١٣، والحجة ٤٠٨، والقرطبي ١٠/١٩٥، والبحر ٦/٦٣، والدر المصون ٤/٤١٠..
٥ ينظر: السبعة ٣٨٣، النشر ٢/٣٠٨، التيسير ١٤١، والقرطبي ١٠/١٩٥..
٦ البيت لجرير ينظر: تفسير الطبري ١٥/٩٠، القرطبي ١٠/١٩٥، مجاز القرآن ١/٢٦٣، الكشاف ٢/ ٦٨٦، البحر ٦/٦٣، روح المعاني ١٥/١٣٠، التاج واللسان "خلف"، الدر المصون ٤/٤١١..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى